رواية نحيب الفصل الثامن والثلاثون بقلم روزان مصطفى
رجع والِد عِز خطوتين لورا بـِ صدمة من اللي سمعُه، إتقدم الخطوتين مرة تانية وهو بيخبط على الباب بهدوء كإنُه لسه جاي.
وصلُه صوت والِد بسنت مِن جوة وهو بيقول: أيوة ثواني.
فات نِصف دقيقة قبل ما يفتح الباب ويشوف والِد عِز قُدامُه شايل كيس الأكل.
والِد بسنت بـِ إبتسامة: أخيرًا إفتكرتوا.
والِد عِز بـِ ضيق: لا ما هو إحنا مش شغالين عند أهلك، بعد كدا اللي عايز ياكُل ينزل ياكُل معانا مفيش أكل هيطلع لغاية الأوضة تاني، ودا شاليه الرجالة مفيش حد هيضايقك شوفتُه.
إستغرب التاني إسلوب حما بنتُه معاه فـ قال: بالهداوة مالك بتعاملني كدا ليه؟ هو مش إكرام الضيف واجِب؟
والِد عِز بنبرة ظهر فيها قرفُه مِنُه: وإنت مش ضيف.. خلاص بقينا عيلة واحدة.
حط الكيس على الكومود، جه والِد عِز ينزل وقفُه صوت أبو بسنت وهو بيقول: البت دي جت ولا لسه؟
نظرة إحتقارية من فوق لتحت، ومردش عليه.. سابُه ونزل.
إستغرب وهو بيقول: مالُه عاوج وشُه علينا ليه؟ داهية تاخُدكُم كلكُم.
قفل الباب ودخل الأوضة عشان ياكُل وهو مُتجاهلهُم.
____________________________________
-أمام المشفى.
خرجت بسنت وهي مُستنِدة على والدِتها بـِ تعب، ملامِح باهتة وعيون مطفية مِن الحُزن، ونظرة ميتة لـِ كُل شيء حواليها، حتى حُضن عِز مهتمتش بيه ولا إدت أي رد فعل.. اللي مرت بيه كان أكبر من سنها ومن أن عقلها يستوعبُه.
والدتها كانِت بتبُص لـِ عِز اللي بيسبقهُم بـِ خطواتُه عند العربية عشان يفتح المِقعد الخلفي لـ بسنت، ترتاح فيه ووالدتها تقعُد جنبُه إحترامًا ليها،
قعدت بسنت ورا وريحت ظهرها، مالت والدتها عليها وسألتها بـِ هدوء: لو دايخة نستنى شوية في الهوا؟
بسنت بـِ نبرة صوت ميتة: لا.
قفلت والدتها الباب وهي حزينة على بنتها، وقعدت جنب عِز اللي إتحرك بالعربية، وعينيه مُشتتة ما بين الطريق، وبين المرايا اللي قُدامُه بيبُص عليها بـِ حُزن.
بالنسبة ليها ولوالدتها، عِز دا لُغز غير مفهوم، إزاي شخص عينيه بتنضح بـِ الحُب دا، قِبل الأذى ليها؟
بسنت ملاحظتش نظراتُه لكن والدتها لاحظت، وإفتكرت لما دخلت عليهُم لقِتُه حاضِنها، أتنحنحت عشان تعرفهُم بـِ وجودها فـ بعد عِز عن حُضنها مُضطر.
والدة بسنت حيت تفتح كلام فـ قالِت: بيتهيألي مبقاش ليه لزوم الفرح، خلاص يابني اللي يهمنا كان العقد وهو معانا إنها متجوزة، كام يوم وإرمي عليها اليمين ونرجع أنا وهي بيتنا.
حش بنغزة في قلبُه مش طبيعية، أرتفعت دقات قلبُه وعروقه ظهرت مِن كُتر ما بيضغط على أسنانُه وقال: لا طبعًا الفرح دا الإشهار ومُهِم، ويهمني أصلح غلطتي على اكمل وجه، كمان مينفعش كام يوم وأطلق، على الأقل كام شهر.
لا!
خرجت مِن بسنت كـ رفض قاطِع ممزوج بـِ إشمئزاز وكُره.
بص عِز ليها بـِ صدمة في مراية العربية فـ كملت وقالِت: ملكش دعوة بيا بلا تصلح غلطتك بلا متصلحهاش! انا حتى الكام يوم اللي ماما بتقول عليهُم بحاول أعرف هطيق وجودك حواليا ازاي، انا بكرهك ربنا ياخدك ربنا ينتقم منك.
والدتها بـِ قلق عليها: إهدي يا بنتي عشان صحتك والنزيف، بطلي عصبية.
بسنت بـِ إنهيار: ملكوش دعوة بيا سيبوني في حالي بقى، الكُل بيعاملني على أني مُذنبة وأنا ضحية ومحدش غيري شايل قرف كُل اللي بيحصل، إنتِ إزاي بتكلميه بهدوء كدا وهو عامِل في بنتك كِدا!
غطت والدتها وشها بإيديها وبدأت تعيط بإنهيار هي كمان وقالِت: يعني ست وحدانية زيي ربنا بلاها بنطع زي أبوكِ تعمل إيه عشان تحافظ على سمعتك؟؟ إنتِ قولتيها بلسانك مجتمع مبيرحمش وناس مبترحمش هينهشونا بلسانهم ونظراتهم وانا وإنتِ ستات لوحدنا، أنا أكل اللي يقربلك اه بس مفيش فيا حيل أحميكِ لوحدي، مِش كُل تيار توقفي قُصاده وتفتحي صدرك، في تيار يهدك ميخليش ليكِ قومة تاني.
بسنت بإنهيار وهي بتضرب نفسها: يارب ما اقوم تاني، انا اتحرمت من الفرحة اللي اي بنت بتستناها طول حياتها عشان واحد شهواني قذر، نزلنيي، وقف العربية ونزلني حالًا!
ركن على جنب فـ فتحت بسنت باب العربية ونزلت للشارع
جت والدتها تنزل فـ شاور بإيدُه ليها تقعُد مكانها وقال: معلش خليكِ وأنا ههديها أوعدك.
مسحت والدتها دموعها وقالت: هتهديها ازاي وهي مش طيقاك، سيبني يابني لاحسن هتفضل تنحر نفسها عياط كدا.
عِز بهدوء: أوعدك ههديها وهخليها ست البنات كلهُم وهيتعملها فرح مصر كلها تتمنى ربعه، عارف دا ميجيش حاجة في كل اللي حصل، بس والله لاعمل كل اللي تتمناه واكتر.
نزل جري ورا بسنت وقفل الباب ووالدتها بتبُص عليهُم مِن الشِباك، كانت ماشية في إتجاه البحر وهو بيسرع خطواتُه عشان يوصلها.
شعرها الكستنائي الطويل مفرود على ظهرها لكِن تجعد مِن اللخبطة دي كُلها، وفُستانها الأبيض الفضفاض بيتمايل مع الهوا.
عِز بهدوء وهو بيمسك دراعها ويخليها تبُصله: الجو برد تعالي في العربية.
سحبت إيديها بـِ عُنف وبدأت تقوله بعياط هستيري: مش عايزة العربية ولا عيزاك انا ريحتك بتخليني عايزة أرجع، إمشي وسيبني.
لفت وإدتلُه ظهرها وهي بتقعُد على الرمل، وبتغمض عينيها بألم عشان لسه متعافتش من الإجهاض.
قعد جنبها عِز وهي بتحرك صوباعها على الرمل وبترسم أشكال عشوائية، وقال بهدوء: ينفع تبُصيلي؟
دموعها نزلت على الرمل بلتُه، ومبصتش ليه، حط إيدُه على دقنها ورفع وشها ناحيتُه عشان تبُص ليه وقال: وغلاوة كُل دمعة نازلة من عيونك لأعوضك، هعوضك لدرجة تخليكِ تسألي نفسِك هو إحساس الحُزن كان عامل إزاي؟
إبتسمت بـِ سُخرية مريرة وهي بتبعد إيدُه وبتبُص للرمل تاني، كانت حاسة إن قلبها ميت.. مفيش شعور، النفس تقيل والحياة سوداوية.
لمس عِز صوباعها اللي بترسم بيه على الرمل وقال بنبرة خلتها تترعش: يمكن إنتِ مبتحسيش معايا بالأمان، بتبعدي عن أي مكان بكون فيه، بتكرهيني.. بس أنا لما حضنتك
أنا في حُضنك روحي ردت ليا.
رفعت عينيها وبصت ليه بدون كلام، فـ بادلها النظرة بـ عيون صادقة وقال: أول مرة أحس الإحساس دا مع حد، في الغالِب مبهتمش بالأحضان أو الـ.. القُرب، لكن إنتِ.. بتخليني يراودني شعور دايم، إني.. عاوز أضُمِك، أحميكِ من حاجة أو أنا أهرب من كُل حاجة ليكِ.
فتحت شفايفها فتحة صُغيرة وقالِت بإستنكار ضعيف: إنت مين عشان تقولي كلام زي دا؟؟ حُضن إيه مش كفاية اللي حصل منك؟ وليك نفس تقول كلام غزل وإبننا مات! كان كُل اللي همك جسمي وبس! عشان..
قاطعها بغضب: متقوليش الكلمة دي تاني انا مش حيوان!
عينيها إحمرت من كُتر العياط وقالت: لا إنت حيوان اللي غرايزه بتتحكم فيه هو دا الحيوان، ربنا كرمنا بالعقل وامرنا نجاهد نفسنا ونحارب شهواتنا، فـ إنت معندكش إنسانية ولا دين، وأيوة مبحسش بالأمان معاك.
جت عشان تقوم مسك دراعها مرة تانية وخلاها تقعُد، إتلوت بين إيديه عشان تفُك دراعها لكِنُه قربها مِنُه وقال: في حُضني محستيش بالأمان؟
كانت تتنفس بسُرعة وهي بتحاول تفُك دراعها فـ كمل بإصرار: اللي بيخليني أكلمك بـ ثقة، دقات قلبك اللي حسيت بيها لما حضنتك.
بسنت بسُرعة: طبيعي قلبي يدُق عشان كُنت خايفة.
ثبت نظرُه عليها وقال بتكشيرة: دي مش دقات خوف، دي دقات أنا عارفها كويس، قلبي بيدُق بنفس الطريقة لما بفكر فيكِ.
حست بالإرتباك فـ حاولت تسحب دراعها بعُنف تاني وهي بتقول بعصبية: إبعد عني، إنت مُختل مش طبيعي..
عِز بمُقاطعة: أنا بحبك، أنا محسيتش بالشعور دا غير معاكِ، ولازم تعرفي اني بحبك في الوقت دا تحديدًا، عشان مش عاوز أسمع منك كلمة طلاق، مع الوقت هتفهمي.
بسنت بعصبية وصراخ: سيب دراعي!
عِز فاض بيه وكمل: إنتِ ملكيش غيري وأنا ماليش غيرك، أنا أعمل أي حاجة عشان تبُصيلي بعيونك دي، بـِ النظرة اللي بتمناها، تعبت أشوف الكُره.
بسنت بعصبية وزعيق: سيب دراعي يا همجي يا..
لاحِظ على فُستانها بُقعة دم فـ فاق من ثورة مشاعرُه دي، من كُتر عصبيتها النزيف زاد فـ ساب دراعها، قامت بإرهاق وهي بتعرُج وبتقول بدوخة: أنا عايزة أروح، أنا..
قاطعها بإنُه شالها بين إيديه لإنها كانت بتتمطوح يمين وشمال
العصبية مجابتش معاه نتيجة فـ بدأت تعيط بـِ غيظ.
______________________________________
- داخِل الشاليه/
كريم وهو بيكلم نوران فون قال بصدمة: متلعبيش بأعصابي يا نوران، أنا مِش قدك في الحتة دي.
نوران بهدوء: عشان بدي فُرصة لعلاقتنا تبقى في النور، وأجرب تكون خطيبي؟
اتسعت إبتسامتُه بـِ سعادة، لكِنها بهتت تدريجيًا لما قال: يعني مش بتنسي عِز بيا؟
سكتت شوية بعدها قالِت: هو أنا في نظرك وحشة للدرجة اللي تخليني أستغلك الإستغلال البشع دا؟
في حاجة في قلبه مريحتهوش، رد عليها: مش سهل تتخطيه لإننا كُنا في الجامعة سوا وعارِف كويس إنتِ بتحبيه إزاي، لو كدا فـ من بدايتها أهو بقولك بلاش أنا فعلًا مش حابب أتخذِل منك إنتِ بالذات.
قالت بنبرة أنثوية خلت قلبُه يدُق: عشان حابة أكون مراتك وحلالك، أبقى بخذلك؟
رد عليها بنبرة عاشقة وقال: لو دا فعلًا اللي عوزاه يبقى عمرك ما هتندمي، محدش هيحبك ويقدرك ويشيلك في عينه قدي، بس أنا عايزك كلك يا نوران.. أنا طماع فيكِ للدرجة دي، عايز قلبك بتاعي انا بس، وعقلك وتفكيرك.
ضحكت ضحكة قُصيرة وردت: طبعًا يا حبيبي، لما ترجع هنتقابل؟
قالها بصوت هادي: أكيد، عشان أبُص في عيونك وإنتِ بتقولي الكلام دا.
نوران بنبرة خجل: لا طبعًا أتكسِف.
كريم بغزل: حد يتكسف من حبيبُه؟
ضحكة خجولة صدرت منها خلتُه يتبسم بحُب وهو بيكمل كلامُه معاها.
إتفتحت بوابة الشاليه ودخلت عربية عِز مِنها، قفل كريم مع موران ووقف بتأهُب عشان يتطمن على بسنت واللي حصل، كمان يبلغهُم ان صاحبتها ووالدتها مشيوا.
نزلت بسنت ومامتها سنداها وماشيين سوا، قفل عِز العربية وإتحرك بهدوء ناحية كريم اللي قال لبسنت: حمدالله على سلامتك يا مدام بسنت.
مردتش عليه ودخلت جوة، وقف عِز قُدام كريم وقال بنبرة مُنهكة: أنا تعبان ودماغي مش مستوعبة اللي بيحصل.
دقق كريم النظر على قميص عِز، وبعدها لقط بإيديه شعره كستنائية، بص لـِ عِز بمُكر وقال: ياخي القُطط دايمًا شعرهُم بيوقع على هدوم الواحد كدا، ميعرفش يحضنهُم غير لما يبهدلوه.
بص عِز للشعرة بين إيدين كريم بـِ شرود وقال: أنا فعلًا حضنتها، بس ملحقتش أشبع أمها دخلت علينا.
كريم بصدمة: نعم؟؟ في الحالة اللي هي فيها دي؟؟
حُضن إيه يابني البنت نفسيًا وجسديًا بايظة، وبعدين من يوم معرفتك بيها وهي كل اللي بتعمله بتعبرلك عن كرهها ونفورها منك وحقها طالما معرفتش الحقيقة! يبقى حبيتها على ايه؟
عِز وهو بيحرك رقبتُه بإرهاق: مش عارف، بشوف في عينيها نظرة يأس وضعف مخلياني، حاسس اني مسؤول عنها، العيون دي فيها براءة وغُلب، جابوني الأرض يا كريم!
_________________________________
- داخِل غُرفة بسنت ووالدتها/
حطت بسنت راسها على المخدة والدموع نازلة بالعرض على وشها
والدتها فضت الشنطة وهي بتقول: مش نهاية الدنيا يا بسنت، صدقيني ربنا كان رحيم بينا إن الولد وافق على الجواز وإنه يصلح غلطه، ياما ناس فضلت في المحاكم بتجري تجيب حق بناتها، انا ميهمنيش كلام حد بس انا خايفة عليكِ إنتِ! دا إنتِ كلام أبوكِ عامل فيكِ كدا ما بالك لما كل اللي حواليكِ يقولوا نفس الكلام الظالم دا عنك!
بسنت مدياها ظهرها وساكتة وبتعيط بس.
والدتها بعياط: إنتِ ضحية زي ما قولتي، ضحية غدر لكن مش لازم تفضلي ضحية طول الوقت، هو ندمان فـ حُطي شروطك، خُدي حقك بالعقل، فوقي لنفسك، وربنا رحمك من العيل اللي كان هيفضل على دراعِك وشايلة حِملُه لوحدك، أديكِ شايفة أبوه من عيلة أكابِر، هيرميهولك ويرميلك قرشين كل شهر وخلاص.
نطقت بسنت أخيرًا بـِ وهن وقالِت: إطلعي برا.
والدتها بصدمة: إيه؟
بسنت بنبرة عياط: سيبيني لوحدي من فضلك، أنا عاوزة أنام لوحدي.
والدتها بحزم: مينفعش، مفيش مكان عشان أنام فيه وإفرضي إحتاجتي حاجة، عايزة أجيبلك فرخة وأعملك شوربة ترُم عضمك اللي أتكسر دا.
إتعدلت بسنت في السرير وهي بتكتم وشها في المخدة وبتصوت وتقول: سيبينيي لوحدي بقى اطلعيي، ارحموني انا تعبت تعبت تعبت.
بصت والدتها على فستانها اللي بتزيد فيه بقعد الدم فـ قالت بشفقة ووجع قلب: طب.. طب تعالي اغيرلك يا ماما.
رفضت بسنت وعياطها بيزيد، والدتها مستحملتش منظرها كدا فـ خرجت برا الأوضة وسندت ظهرها على الباب وهي بتعيط بحُزن وبتقول: يارب راضي الغلبانة دي، خُد من عمري وإديها.
وقبل ما تتحرك من عند الأوضة، شافت اللي خلاها تتجمد في مكانها من الرُعب!
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
