رواية نحيب الفصل التاسع والثلاثون بقلم روزان مصطفى
شافت حاجة جمدتها مكانها من الصدمة!
شافت جوزها طالع بيتسحب على السلم ورايح ناحية الأوضة بتاعة بسنت، وقفت مكانها وهي مكتفة إيديها وقالِت بـِ جمود: إيه اللي جابك الشاليه هِنا؟؟ مِش والِد عِز جابلكُم شاليه خاص بيكُم كـ رجالة؟
رد عليها بـِ تهكُم وقال: وصاحبة بنتك وأمها مشيوا، يعني مفيش أغراب، إوعي خليني أدخُلها.
حاول يحركها بعيد عن الباب لكِنها ثبتت مكانها وقالت بـِ حسم: رجلك متعتبش عندها! البنت لسه قايمة من تجرُبة قاسية ونفسيتها زي الزفت.
عينيه كانت بتنذر بالشر، مسك دراعها مرة تانية وحركها عن الباب وهو بيقول بـِ غضب: بقولك إوعي بدل ما أكسر الشاليه دا فوق دماغكُم كلكُم.
فتح الباب بعد ما وقعها على الأرض ودخل، دخلت وراه بسُرعة عشان تحمي بنتها من أي تصرُف مُمكِن يصدُر مِنُه.
بسنت إتفزعت لما سمعت صوتُه وبدأت تترعش وهي بتضُم الملاية على جسمها عشان الدم ميبانش.
بص ليها بـِ نظرة إحتقارية وقال: خلاص العيل ابن الحرام نزل؟ والمفروض ايه بقى؟ نصرف على بت معيوبة زيك مش هتعود علينا بـِ فايدة!
الكلمة نزلت عليها زي لجم مِن نار، عينيها لمعت بـِ دموع وقالِت بإبتسامة مُنكسِرة: أنا معيوبة!
مسكتُه والدتها مِن هدومه وصرخت فيه بغضب: أنا بنتي ست البنات ومحدش معيوب غيرك، محدش مش راجِل غيرك، الله يلعنك ياريتني ما شوفتك ولا قبلت بيك كانت غلطة عُمري.
قاومها ومسك رقبتها وهو بيخنُقها ويقول: بتمدي إيدك عليا يا فاجرة، ما هي بنتك طلعالك عينها واسعة من البجاحة زيك، نسوان مُستهلكة، أمي كان معاها حق لما قالتلي المصراوية دي هتجُرك لقضاك وتشيلك الطين، وأنا لازم اخلص منك.
قامت بسنت من السرير وهي بتعرُج وراحت ناحيتُه وهي بتبعدُه وبتقول بـِ رُعب على والدتها: سيبها! إبعد عنها إنت عذبتها في حياتها كتير!
ضربها بالقلم على وشها فـ حطت إيديها على خدها وهي بتبُصله بكسرة، وبص ليها وهي على الأرض وقال: إنتِ مش بنتي، إنتِ أكيد بنت حرام، أنا مخلفش بت بتفرط في شرفها، ومعيوبة زيك، تفوو.
تف عليها وهي بصالُه بـ صدمة، الغضب تملك من أمها ومسكت المزهرية خبطتها على دماغُه، صرخ بـِ ألم وهو بيقول: اااه، بتفتحي دماغي يا بنت الـ..، هموتك، هقتلك.
بدأت تصرُخ بـِ هستيريا: إلحقوووني، بيتهجم عليا وعلى بنتي، إلحقوني هيموتهاا.
بسنت كانت حاسة بشعور الدونية وثقتها في نفسها إنعدمت، وكُل اللي في دماغها إنها متستحقش تعيش، شعور سيء بالقلة..
سحبتها والدتها من دراعها تقومها فـ سمعت صوت حاجة بتنقط على الأرض زي نقط مياة، بصت لقتُه دم فـ ضمت بنتها ليها وقالت: تعالي يابنتي، تعالي سيبي دمه النجس يتصفى.
جري عِز عليهُم وهو بيبُص على اللي بيحصل وقال بـِ صوت جهوري غاضِب فزع والِد بسنت: في ايه! إيه اللي حصل؟
لجأت ليه والدتها وقالت بعياط حقيقي مقهور: إتهجم على البت الغلبانة في عز تعبها وبهدلها، عايز يموتها وكل شوية يقولها يا معيوبة.
عِز إندفع ناحيتُه وسحبُه من هدومُه وهو بيضربُه بـِ رُكبته في بطنه، إتأوه والد بسنت اللي الدم بينزل من راسُه من الألم، بص ليه عِز بـِ غِل وقال: أنا اللي هخليك معيوب دلوقتي، إنت كدا كدا مش راجِل فـ خليها تكمل.
دخل والدُه وقال بنبرة حازمة: سيبُه يا عِز.
عِز بنفاذ صبر: مش هسيبُه أنا قولت..
قاطعُه والدُه وقال: بقولك سيبُه وروح شوف والدتك وملك، الصوت خوفهُم وفكرهُم بحاجات وحشة.
فهم عِز إن والدته جاتلها نوبة الحُزن بسبب صوت ضوست الجيران وقت وفاة هالة، وهي كانت متوقعة ان بنتها صابها الشيء، والصوت دا فكرها باليوم دا، فـ خبط والد بسنت على الحيطة بغيظ وخرج من الأوضة، مكانش قادر يبُص لبسنت في حالتها دي عشان مينهارش معاها، حط والد عِز إيدُه ورا ضهرُه وقال ببرود: تروح تلم حاجتك من أوضة الشاليه وتطلع برا، ولو رجلك عتبت ناحية أي مكان مرات إبني فيه أو إتعرضتلها هي ووالدتها، هتلاقيني في وشك، وربنا يكفيك شري.
والِد بسنت وهو بيكتم الدم بفوطة لقاها على السرير: بتحميهُم بصفتك ايه؟ ولا الست هانم مكيفاك وشايفة مزاجك على الأخر، وحاططني في شاليه عشان تيجي تبسطها.
شهقت بسنت شهقة قوية من الصدمة أما والدتها نزلت دموعها وقالت بـِ زعيق: أنا أشرف منك ومن أهلك كلهم، وأنت عارف كدا كويس، حسبي الله ونعم الوكيل فيك، لو سمعت خبرك مش هيرق قلبي أبدًا.
والِد عِز كان لازال مُحتفِظ بـِ هدوءه، كرر كلامُه بنفس النبرة وقال: يلا، برا ولم حاجتك معاك، رُبع ساعة لو مطلعتش من هنا هتبقى نهايتك.
– داخِل غُرفة والدة عِز/
قعد قُدامها على السرير وهو ماسِك إيديها اللي بتترعِش وبيقول: إهدي يا ماما متقلقيش، دا خِلاف بسيط بس بين الراجِل ومراتُه.
والدتُه بـِ إتساع أعيُن وشهقة مُستنكِرة: هالة! هالة أختك ماتِت؟
ملك كانِت واقفة خايفة لكن ملامِحها تحولت للحُزن وبالفعل بدأت الدموع تظهر في عينيها.
بص عِز ليها ورجع بص لوالدتُه وهو بيقول: الله يرحمها يا ماما ويخليلنا ملك.
رفعت راسها وبصت ناحية حفيدتها وكإنها بتستوعِب الواقِع ووجودها، غمضت عينيها وزفرت بـِ حُزن وهي بتعيط بـِ قلة حيلة، حضنها عِز وهو بيملس على ظهرها وبيقول: عشان خاطر ملك يا ماما، وعشان خاطري، تماسكي.
إنهارِت كتير، وبكت كتير، وصبرت، لكِن.. هل كُل دا هيرجعلها هالة ولو، لدقيقة واحدة بس؟
____________________________________
– صباح اليوم التالي/
بعد خروج عِز من عند والدتُه حب يتطمن على بسنت، والدُه قالُه يسيبهُم لإنها هتنام في حُضن والدتها، وبلغُه إنُه طرد والدها.
عِز جاوبُه بـِ غضب: حضرتك طردتُه ليه ما هو كدا خطر أكتر وهيخطط يأذيهُم.
أبوه بـِ لا مُبالاة: ولا هيقدر يعمل حاجة، بقولك إيه! أنا ماليش غيرك أتسند عليه ويشيل إسمي، أخوك هو سبب البلاوي دي كُلها، وأختك هالة إتدفنت تحت التُراب وهي لسه وردة وسابتلنا حتة منها، وإنت معمي بالإنتقام.. إهدى وحكم عقلك قبل اي تصرُف، أنا لسه متجاوزتش عن اللي عملته من كام يوم.
-الوقت الحالي/في الصباح:
نزِل عِز من الأوضة بتاعتُه وراح ناحية الجنينة قُدام البحر، قعد على الكُرسي وإتنهد بـِ إرهاق مِن كُل اللي بيحصل، الضغوطات بتزيد لكِن شُغلُه الشاغِل هو بسنت! وكُل ما يفتكر عينيها وملمس حُضنها بيتنفض، كإنُه ناقصُه شيء!
الساعة ٦ الصُبح وأكيد كُله لسه نايم بعد الليلة الطويلة دي، لكِنُه سمِع صوت خطوات رجلين فـ لف لقاها بسنت، واخدة شاور، لابسة سوت كُحلي ومتغطية بـِ شال نبيتي، شعرها المُجعد إتلم في ضفيرة مُرتبة.
إبتسم لما شافها، لكِن الزرقان أسفل عينيها، وعروقها اللي ظهرت بشكل واضِح من قلة التغذية، خلوا إبتسامتُه تبهت أكتر.
تجاهلتُه وراحت ناحية البحر وهي بتضُم الشال عليها أكتر، قام من على كُرسيه وإتجه ناحيتها، لابس سويت شيرت إسود، وبنطلون رمادي غامِق.
وقِف جنبها فـ قالِت بصوت رايح من غير ما تبُصلُه: مش مسموحلي أتنفِس بعيد عن مُحيطك؟ لازم تحاوطني وتخنقني بـِ وجودك.
بص ليها وهي مركزة نظرها على البحر بنظرة أموات وقال: معرفتش أنام، كُنت هتجنن وأتطمن عليكِ.
ردت بهدوء ساخِر: مفيش أي صِلة بيني وبينك تخليك تتجنن، إبننا مات خلاص يعني..
قاطِعها بنبرة حادة لكِن صوت هادي: أعتقد إني إعترفتلك بـِ حُبي وقولتلك اللي بيربُطني بيكِ مش طِفل.
بصت ليه لأول مرة، نظرة كُلها كُره وبُغض وقالت: وأنا معنديش مشاعِر نهائي أديها لأي حد، وهديها لمين؟ واحدة معيوبة زيي مين هيهمُه مشاعرها.
الغضب بيزداد جواه زي جمرة نار وقال: متكرريش الكلام الغبي اللي أبوكِ قالُه، دا..
حطت إيديها على شفايفُه وقالِت بتبريقة: بس! متقولش أبوكِ، دا إنسان معندوش أي حاجة تجاهي غير الكُره، أنا كرهت نفسي أوي بسببُه.. وبسببك!
جت تنزل إيديها عن شفايفُه فـ مسِك مِعصم إيديها وهو مثبتُه جامد وباس صوابعها وهي بتحاول تسحب إيديها منُه.
مكانش عارف يقولها ويصارحها! دا مرهون بـِ حياة أخوه اللي بيحاولوا يخلوه بني أدم.
مسِك مِعصم إيديها التانية وقربها منه وقال: بُصي في عيوني، تفتكري مُمكِن أأذيكِ؟
حاولت تسحب إيديها مِنُه وهي بتقول من بين أسنانها: مش محتاجة تخمين ورحمي كان جواه الدليل القاطِع.
قالها بغضب: قولتلك إن اللي بيربُطني بيكِ مش الطفل دا! إفهمي! مش عارف أقولك.
بسنت بعناد وهي بتسحب إيديها: سيبني مش عايزة اسمع حاجة الحُب مش بالعافية، أصل الحُب دا بييجي بالتفاهُم والود، مش زي شهوتك اللي حركتك وخلتني أفقد مُستقبلي.
بص ليها بجمود وهو بيضغط على إيديها وقال: أنا شهوتي محركتنيش ناحيتك نهائي، بُصي في عيوني، وإنتِ تفهمي!
بصت في عينيه وبادلها النظرة، تاه…
ونسي بيحاول يعمل إيه
ولقى نفسُه زي المسحور، بيحضُنها ويضُمها ليه وهو بيقول وهوا البحر بيحرك شعرهُم: لو قالولي تعيش نُص عُمرك بس في الحُضن دا وتستغنى عن النُص التاني، هوافِق من غير تفكير.
لأول مرة يحس إن بسنت قلبها بيدُق في حُضنه، دقات هو عارفها كويس.
بسنت لنفسها (ليه.. بحس معاه بالأمان دا، إزاي اللي سلب فرحتي وحياتي، يصدُر منه الشعور دا!)
