رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الاربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
كانت تقف أمامه بشموخٍ، وملامحها تأبى الوهنَ أبدًا، بينما كانت عيناها تناشدانِه بتضرُّع:
«عندما تراني أغرق، لا تكتفِ بأن تمدَّ يدك إليَّ، بل احتضنّي بكل ما أوتيت من قوة. انتشل قلبي عنوةً من بحر الألم الذي اعتاد أن يقتات على روحي حتى أنهكها. فأنا، بكل ما أملك من كبرياءٍ وألم، أحتاج إليك...»
اخترق نداؤها الصامت أعماق قلبه، ذلك القلب الذي خلع عنه ثوب الكبرياء جانبًا، وخاطبها بكل ما أوتي من حب:
«أن تختاري كتفي متكئًا لأحزانك، وأن تكون ذراعي ملجأكِ الوحيد، فهذا يعني أن تكوني في أمانٍ دائم، مهما كلّفني الأمر!»
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تحمد الهواء حولهم لثوان قبل أن تستدير الرؤوس، و تناظر الأعيُن عز الدين الذي تقدم منهم، ليمد يديه و يصالح عامر قائلًا بحفاوة:
ـ ازيك يا حاج عامر، كنت ناوي اعملك زيارة قريب بس أنت سبقتني..
صافحه عامر و هو يقول بوقار:
ـ أهلًا وسهلًا، تنورنا في أي وجت طبعًا.
جلس عز بجانب عمر الذي كانت الدهشة تخيم على نظراته، متجنبًا النظر إلى خالد الذي كان يناظر عز بسخرية،و هو يراه يمارس أبوته فقط ليقهر شقيقته، و لكنه اكتفى بالمتابعة بصمت ليسمع عز يقول بنبرة متزنة:
ـ تسلم يا حاج عامر دا من ذوقك، أنا كنت ناوي أجيب الدكتور عمر ابني، و أجي اطلب منك إيد شروق بنت أختي نسمة الله يرحمها..
عامر بنبرة وقورة:
ـ ألف رحمة و نور عليها هي و أخوي صابر.. طيب يا عز بيه، لو هتطلب بتنا، فالأول بتجول انك تاجي تطلبها منينا، صوح و لا أي؟
عز بلهفة:
ـ طبعًا و أنا كنت ناوي اعمل كدا مش بقولك كنت جاي أزورك..
اومأ عامر باستحسان قبل ان يقول:
ـ طبعًا أني محتاج اتكلم مع بت أخوي، و أعرِف منيها سبب الطلاج أول مرة، و إذا كان عِنديها استعداد ترجع ولا لا..
تدخل عمر هذه المرة قائلًا:
ـ طبعًا دا من حقك و من حق شروق أكيد أنها تتكلم مع حضرتك، و أنا كنت لسه بتكلم مع خالد اني عايز أروح اتقدملها، و أطلب ايديها منك…
التفت عامر ناظرًا إلى خالد و هو يقول بنبرة ودودة:
ـ والله احنا منعزوش على خالد الوتيدي حاجة واصل، احنا نجهز بتنا و نجبها لحد عنديكم كمان…
غضب عز من تهميشه لدوره كأب، و من إطراء عامر لخالد، و لكنه لم يُعلِق ليقول خالد بنبرة خشنة:
ـ والله دا شرف لينا أننا نناسبكوا يا حاج عامر، أنتوا ناس محترمة، و طبعًا مش هتكلم عن شروق و جميلة أنا شهادتي فيهم مجروحة دول بناتنا. أنا بس هطلب منك لو يفضلوا اليومين دول معانا، أنت عارف الأوضاع عندنا مش مظبوطة اليومين دول ووجودهم مهون على كل اللي في البيت، و بعدين احنا بردو لينا فيهم، و لا أيه؟
التمعت عيني عمر بالسعادة، لدى سماعه حديث خالد الذي أحرج عامر، ليُتابع خالد قائلًا:
ـ خلي بالك البنات هنا في إيد أمينة، مع عمتي، و دي بقى بتحبهم زي ما يكونوا بناتها بالظبط…
كان حديث خالد يغلفه الكثير من الغموض ليضيق عامر عينيه وهو يفكر، فتلاقت الأعيُن لثوان قبل أن يقول عامر بجمود:
ـ وماله. خلينا نتكلمو في الشغل شوية، و لا أيه رأيك؟
التمع شيئًا ما بنظرات خالد، و هو يجيبه بخشونة:
ـ طيب لو هنتكلم في الشغل، خلينا نتكلم في المكتب…
كان ذلك أفضل شيء بالنسبة لكليهما، و لكن عز شعر بأن هناك شيء لا يريد هذان الرجلان التطرق إليه أمامهم، فأخذ يتابع رحيلهم بتفكير، ليأتيه صوت عمر الساخر بجانبه:
ـ يا ترى يا بابا طلبت إيد شروق النهاردة من عمها عشان تفرحني، و لا عشان تقهر ماما؟
انتبه عز لحديث عمر الذي كانت السخرية تلون ملامحه، ليجيبه نافيًا حقيقته النكراء:
ـ لا طبعًا عشان افرحك، و عشان أصلح غلطي مش شروق و جميلة، كفاية أمك خسرتني أختي الوحيدة…
تهكم عمر قائلًا:
ـ ليه هي ماما اللي قالتلك اضرب عمتي، و شك فيها و اطردها، و احرمها من ورثها؟
التفت عز بحدة، و لكنه لم يجد إجابة تقلل من حجم قذارته، فهو كان كالغيث يسمع شكوى زوجته، و يذهب ليصب جام غضبه على شقيقته، و لا يستمع الى توسلاتها، دون أن يُراعي يُتمها، أو ضعفها، لكنه حاول التخفي خلف قناع الزوج المخدوع حين قال:
ـ أنا عيبي اني كنت مآمن لها و بصدقها، مكنش عندي أي شك فيها، عشان كدا نصيحتي ليك انك عمرك ما تثق في واحدة لدرجة انك تبقى زي الأعمى، اوعى الحب يعميك، حتى مع شروق…
اندفع عمر مدافعًا:
ـ شروق مش زي ماما، و لا أنا زيك، شروق أنقى بنت قابلتها في حياتي، شخص ميعرفش يأذي مهما اتأذى، شروق دي اللي خرجت الانسان اللي جوايا، عارف ؟ أنا مديونلها بعمري، لولاها كان زماني غرقان في المستنقع اللي رمتوني فيه، أنا مش محتاج نصيحتك، عشان شروق لو لقيتني غلط هتردني عن غلطي، الوحيدة اللي عايزاني أكون كويس بالرغم من كل اللي عملته فيها.
هب عمر من مجلسه، وهو يتابع بسخرية،وسط ذهول عز:
ـ في رأيي نصيحتك دي أنت أكتر حد محتاجلها، عشان انت بتغلط نفس الغلطة بالظبط…
كانت شروق تقف على أعتاب باب الغرفة تستمع إلى ما حدث و قلبها يتضخم بداخلها من فرط السعادة حين سمعت حديثه عنها، و لكنها سرعان ما اتقنت ارتداء قناع الجمود حالما شاهدت عمر يتوجه الى الخارج لتحادثه بجمود قائلة:
ـ هو عمو فين؟ قالولي أنه تحت…
تناحرت دقات قلبه، وهو يناظرها بأعيُن يلتمع بهم العشق، ينضم إليه الخوف ليشكلا توليفة لم يتحملها قلبه مما جعله يقترب منها وهو يقول بنبرة مبحوحة:
ـ في المكتب مع خالد…
أربكتها نظراته بشدة، لكنها احتمت بثباتها، وتظاهرت بأنها حجر لا يلين مهما عصفت به الريح، فيما كانت عظامها في الداخل تذوب ببطء، من فرط عشقٍ تحاول بكل ما أوتيت من كبرياء أن تخفيه خلف نبرة جامدة و ملامح هادئة:
ـ أوكية هروح أشوفه..
ـ شروق..
هكذا هتف بنبرة مُلتاعة، وهو يراها تستدير تنوي المغادرة ليمد يده لتقبض على معصمها ويجذبها إليه بقوة أجفلتها فقامت بوضع كفها الآخر الذي كان يرتجف، لتجعله حائلًا بينها و بينه حتى يوقف اصطدامها بصدره، وهي تقول بنبرة رغم ارتجافها، لكنها كانت حادة:
ـ عمر، لو سمحت…
اطلق زفرة حارة من أعماق صدره الذي كان الشوق يقيم الحرائق بداخله احتجاجًا على ابتعادها عنه، لتخرج نبرته متعبة، مهزومة حين قال:
ـ حاضر، مش هقرب و لا هتجاوز حدودي، بس من حقي انك تسمعيني..
حالولت قمع انفعالاتها، و الإبقاء على ثباتها قدر الإمكان، لتقول باقتضاب:
ـ هشوف عمو و نتكلم…
قاطعها عمر بلهفة:
ـ لا لازم نتكلم قبل ما تكلمي عمك…
لم يمهلها الوقت للتفكير إنما قام بجذبها من مرفقها، و التوجه إلى غرفة الطعام التي كانت فارغة، و قام بإغلاق باب الغرفة خلفهم، ليقول بأنفاس متلاحقة دون ان يلتفت إلى ذهولها:
ـ اسمعيني كويس، عشان أنا يا قاتل يا مقتول هنا، أنا بحبك و عايز اتجوزك من تاني، بس المرة دي مش و انا مُجبر، و لا عايز أصحح أخطاء اللي قبلي، عايز اتجوزك عشان بحبك أكتر من أي حد في الدنيا، عشان انتِ احسن بنت قابلتها في حياتي، و معنديش مشكلة عندي اعمل أي حاجة تطلبيها عشان تثبتلك اني بحبك…
شعرت و كأن الكون بأكمله يدور حولها، فبالرغم من كل ما حدث بينهم في السابق، و لكن كل تلك المشاعر التي تعج بها نظراته، و تتخلل كلماته جعلوا ثباتها يتأرجح مابين القبول و الرفض، فهي تبادله المشاعر، و يمتليء قلبها بالحب تجاهه، و لكن لازالت خائفة من خذلان آخر قد يقتلها هذه المرة لذا همست بنبرة مفعمة بالمشاعر:
ـ عمر انا خايفة..
قاطعها بلهفة:
ـ قوليلي اعمل أيه عشان ابدد الخوف دا. انا مستعد اعمل أي حاجة تخليكي ترجعي تثقي فيا تاني..
حاولت قمع تلك الابتسامة التي كانت منبعها قلبها الذي زارته السعادة اخيرًا، وهي ترى عشقه الكبير لها، و استعداده لفعل أي شيء لنيل رضاها، لكنها تدللت قائلة:
ـ طيب أوعدك هفكر و أقولك…
لمح تلك اللمعة في عينيها الجميلتين ليحاصرها من الجهتين واضعًا كلتا يديه فوق الباب خلفها، وهو يقول بنبرة عاشقة لا تخلو من العبث:
ـ أنا تحت أمر شروق هانم الجيار. هي تأمر بس و أنا أنفذ..
تزاحمت الأنفاس بصدرها، وهي تراه يدللها بهذا الشكل، و عينيه تغازلها بطريقة أربكت جميع حصونها لكنها واصلت التمنع قائلة:
ـ و يا ترى هتقدر على شروط شروق هانم الجيار ؟
عمر بنبرة عابثة:
ـ شروط! بقى بتتشرطي عليا حضرتك؟!
شروق بدلال:
ـ عندك مانع؟
شملها بنظرات مشتاقة قبل ان يقول بنبرة مُفعمة بالمشاعر:
ـ والله لو طلبتي روحي ما هقولك لا…
أهدته ابتسامة رائعة، كانت أكثر ما يحتاجة الآن، وسط كل هذه التعثرات التي يمر بها، فكانت تلك البسمة الجميلة، و كأنها رحمة من القدر الذي ترفق بحاله كثيرًا، ليتحدث بصوتٍ أجش:
ـ أهي الضحكة دي جاية في وقتها عشان تطبطب على قلبي….
خرجت منها ضحكة خجلة ولكنها حاولت ان تبدو لهجتها ثابته حين جعدت ملامحها وهي تقول:
ـ لا بقولك أيه! لو فكرت ان انت ثبتني بالكلمتين الحلوين دول، فأنت غلطان يا دكتور…
عمر بلهفة:
ـ قلب الدكتور والله…
على الجانب الآخر، كان عامر يجلس على المقعد المقابل لمكتب خالد وهو يضع كلنا يديه على رأس العصاة المعقوفة التي لا تفارقه أبدًا، ليبدأ حديثه قائلًا بلهجة جافة:
ـ لساتك فاكر اللي حصل في زمان يا خالد ولا نسيت؟
خالد بغموض:
ـ تفتكر اللي حصل زمان ممكن يتنسي؟
التفت عامر يناظره بغضب تجلى في نبرته حين قال:
ـ اللي أعرفه ان محمود الوتيدي كان له بنت واحدة، و ماتت جبل ما أجي اطلب يدها.. كيف بتجول أن عيال صابر مع عمتك؟ ولا يكونش ليك عمه تانية اني معرفهاش؟
تجاهل خالد الإجابة عن استفهامه، و بدلًا عن ذلك استفهم هو قائلًا:
ـ أنت شوفت صافية قبل كدا؟
صمت عامر وهو يعود بالزمن الى الخلف يتذكر حديث والدته عن الفتاة التي سيذهب لخطبتها:
ـ كيف البدر في تمامه، شعرها كيف الليل أسود و طويل و كنه مالوش آخر، عيونها يسحروا، و يخافوا الجلب خطف…
عاد من ذاكرته لتستقر بذهنة صورة تلك المرأة التي رآها في الخارج، فقد كانت تطابق الوصف تمامًا، ليشعر يالغضب يتسرب الى صدره مما جعله يقول بجفاء:
ـ لاه.. لكن اتوصفتلي..
خالد باختصار:
ـ قبل ما الظنون تاخدك و توديك جاهز تسمع؟
عامر باقتضاب:
ـ جاهز….
شرع خالد في سرد كل ما حدث معهم مرورًا بقتل صافية و اتهامهم لعمه ربيع بقتلها إلى ما حدث مع رحيم و معرفتهم بأنها لازالت على قيد الحياة، و قصة شقيقتها التؤم التي لم يكونوا يعرفون بأنها لازالت حية من الأساس لينتهي الحديث عند أهم نقطة حين قال:
ـ و عمتي دلوقتي رجعت بيننا تاني، بس للأسف مش هتقدر ترجع البلد غير لما نخلص من الكلب دا، و يتقبض عليه و نثبت كمان أن البطاقة اللي عملهالها عشان يتجوزها بيها دي مزورة، و أن الجواز دا تم تحت التهديد و الإجبار بعد ما خطفها..
هب عامر من مجلسه، وهو يقول بغضب كان كالجحيم في قسوته:
ـ أنت بتجول أيه يا خالد؟ يعني الكلب ده، خطف البت اللي كنت عتجوزها، و عِمل كل المصايب دي كلاتها؟ ده لازمن ينجتل في ميدان عام… داني هشرب من دمه..
خالد بجمود:
ـ بس صافية مكنتش مراتك و لا حتى خطيبتك عشان يبقى ليك حق تنتقم منه..
صاح عامر بانفعال:
ـ كانت هتبقى لولا اللي عِمله الكلب دا….
خالد بنبرة جافة:
ـ أفهم من كلامك دا أية يا حاج عامر….
كانت الشراسة ترتسم بوضوح فوق ملامحه الخشنة و كذلك في نبرته حين قال:
ـ يعني التار مبجاش تارك وحدك يا وتيدي..
لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليم، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيم، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريم.» ❤️
♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎
ـ ألف سلامة على حضرتك يا خالتو… انا قلقت عليكِ اوي لما عرفت انك عملتي حادثة..
هكذا تحدثت رنا بتأثر، بعد أن أخبرها خالد بأن زينة تعرضت لحادثة سير، لتجيبها الأخيرة بحنو:
ـ الله يسلمك يا قلب خالتو.. متقلقيش عليا، أنا بقيت كويسة يا روحي..
جلست رنا بجانبها وهي تمسك بيدها قائلة بنبرة حزينة، مهمومة:
ـ ينفع تخلي بالك من نفسك، أنا مقدرش أخسرك زي خسرت مامي…
بدأت أنياب الذنب تنهش في داخلها، لكن من مساوئ بعض البشر أنهم بارعون في غسل خطاياهم بماء الأعذار، ويمسحون عنها سوادها بطبقات من التبرير حتى تفقد رائحتها الآثمة، بل و يبرعون في صب أفعالهم النكراء في قوالب الخير، حاملين لواء التضحية الذي لا يتأثر به سوى من يحملون قلوبًا نقية:
ـ لو تعرفي يا رنا أنا بعمل أيه عشان نبقى سوى؟
هكذا تحدثت زينة و هي تحتضن وجه رنا بين كفوفها، و العبرات تلتمع في عينيها، فتأثرت الفتاة كثيرًا بحديثها، و تناثرت عبراتها البريئة من بين جفونها وهي تقول بنبرة متحشرجة:
ـ في أيه يا خالتو؟ أنا حاسة أن كلامك دا وراه حاجات كتير أوي…
زينة بحزنٍ زائف:
ـ رنا حبيبتي، اسمعيني كويس إنتِ مبقتيش صغيرة، و لازم تفهمي كل اللي بيحصل، في ناس مش عايزاني أفضل جنبك، و معاكي، الناس دي بتكره ممتك الله يرحمها، و عايزة تمحي أي وجود ليها في حياتك، و حياة باباكي..
هتفت سهيلة من ورائهم بخُبث:
ـ قولت الكلام دا كتير يا خالتو زينة، و هي مصرة تعمل عبيطة…
استدارت رنا بحدة تنظر الى سهيلة التي تعمدت ارتداء قناع البراءة، حين سمعت رنا تقول بغضب:
ـ سهيلة، بليز متقوليش كلامك دا تاني عشان مش هسمحلك..
هتفت زينة بحزن:
ـ رنا حبيبتي، ممكن تكلميني أنا؟
ـ ممكن يا خالتو اتفضلي…
هكذا تحدثت رنا باحترام، لتقول زينة بنبرة مُشجبة:
ـ أنتِ عندك شك في كلامي؟
رنا بلهفة:
ـ لا طبعًا، بس حضرتك مش فاهمة هي تقصد أيه؟ دي بتتكلم عن ماما أشجان وحش جدًا..
اغتاظت زينة من حديث رنا عن تلك المرأة بهذه الطريقة، لكنها حاولت الظهور بمظهر المصدومة حين قالت بألم مفتعل:
ـ ماما أشجان! معقول يا رنا نسيتي ماما سهام! بتتكلمي عن أشجان دي و كأنها ممتك! انا من وقت ما جيت و كل ما اسمعك بتقولي عليها ماما، أحس ان قلبي بيوجعني…
ارتبكت الفتاة، وشعرت بوخزات الذنب تبدأ في الزحف إلى صدرها، ولكنها تجاهلت ذلك و هتفت باندفاع:
ـ لا طبعًا أنا عمري ما هنسى ماما، لكن ماما أشجان، فعلًا بتحبني، و بتعاملني كويس جدًا، و لو مكنتش بتحبني فعلًا مكنش بابي هيتجوزها، لأن بابي بيحبني، و استحالة هيقرب مني حد يأذيني…
هتفت سهيلة بتخابث:
ـ ماهي ضاحكة عليه هو كمان…
هتفت زينة بحدة:
.ـ أسكتِ يا سهيلة، مش عايزين نظلم حد…
التفتت تناظر رنا بحزن، ثم تابعت بحيرة اتقنت تزييفها:
ـ اسمعيني يا رنا انا مابحبش أظلم حد، بس فعلًا خالد أتغير من وقت ما اتجوزها، مبقاش زي الأول، و بقت بتأثر على قراراته بشكل انا مستغرباه، حتى لو لاحظتي أنه مبقاش يروح يزور قبر مامي زي زمان، تخيلي أنه الورد اللي كنا زارعينه عند قبرها دبل!
تناثرت العبرات الزهيدة من عينيها وهي تتابع بانكسار زائف:
ـ حتى أنا يا رنا، شوفتي خالد كان بيحبني ازاي، تخيلي أنها زعلت منه لما جريت عليه و انهارت في حضنه بعد ما حصلتلي الحادثة! مقدرتش اني ماليش حد غيره بعد ما أختي الوحيدة ماتت..
بدا التأثر جليًا على ملامح رنا، التي كانت صامتة، و لكن عينيها كانت تعبر عن حيرتها و حزنها، لتستغل سهيلة الأمر و تهتف بمكر:
ـ المفروض أصلًا أنه كان يتجوزك انتِ يا خالتو زينة، أنتِ أخت مراته، و خالة رنا اكتر حد هيحبها، وهيخاف عليها في الدنيا..
توسعت عيني رنا، وهي تستمع إلى حديث سهيلة، لتستدير مرة آخرى تنظر إلى زينة وهي تقول بترقب:
ـ هو أنتِ ممكن تتجوزي بابا؟
صمتت زينة لثوان انحبست الأنفاس في صدرها، و هي تراقب انفعالات الفتاة، و تدرسها جيدًا حتى لا تجيب بشيء قد يفسد ما تخطط إليه، لذا أطلقت زفرة قوية وهي تخفض رأسها، و تتعمد أن ترسم تعابير الحيرة على وجهها لتقول بنبرة خافتة متأثرة:
ـ مش عارفة يا رنا، بس تعرفي وقت اللي عملت الحادثة، كل اللي كان شاغلني و بفكر فيه أنتِ، مكنش فارقلي نفسي ولا حياتي، اللي كنت خايفة عليه انتِ.. يمكن باباكي مؤخرًا بقى صعب، و بيتعامل معايا بجفاء، لكن لو دي الطريقة الوحيدة اللي تضمنلي أني افضل جنبك و مبعدش عنك، فإذا أكيد هضطر أوافق. أنا مقدرش أعيش من غيرك يا رنا…
اندفعت رنا تعانقها بقوة، وهي تقول من بين عبراتها:
ـ أنا كمان مقدرش أعيش من غيرك يا خالتو، لما بحضنك بكون حاسة بريحة مامي…
تبادلت زينة النظرات الخبيثة مع سهيلة التي ربتت فوق كتف رنا، وهي تقول بتأثر زائف:
ـ ربنا يخليكوا لبعض أنتِ وباباك، و خالتو زينة يا رنا، و يبعد عنكوا أي حد عايز يفرق بينكوا…
ـ اسمحولي أقاطع اللحظة المؤثرة دي؟
هكذا تحدثت سعاد التي كانت تقف أمام باب الغرفة بمقعدها المتحرك، و خلفها خادمتها، لتنقبض معدة زينة حالما رأتها، و لكنها ارتدت ثوب القهر ببراعة حين ربتت فوق خصلات رنا بحنو وهي تقول بنبرة مبحوحة لتضفي المزيد من الإقناع حول تمثيليتها:
ـ اتفضلي يا سعاد هانم، سهيلة معلش تاخدي رنا و تخرجوا بره شوية…
أومأت سهيلة برأسها، فيما خرجت الفتاتين لتقترب منها سعاد قائلة بتهكم:
ـ أيه هو عز كانت إيده تقيلة أوي كدا؟
سلكت مبدأ خير وسيلة للدفاع الهجوم، و شنت غارة من الانفعالات التي أذهلت سعاد للحظات:
ـ بتتريقي، و جاية تشمتي فيا؟ للدرجادي معندكيش أحساس! كل دا عشان مقبلتش اتجوزه، انتِ اللي قولتيله يعمل كدا صح! كنتِ عايزة تكسري عيني، و تكرهي خالد فيا صح؟
كانت تصرخ بانفعال، و عبراتها تنهمر فوق خديها كالشلال، مما جعل الكلمات تتجمد فوق شفاه سعاد لحظات، وهي ترى حالتها من الإنهيار، لكنها حاولت رد الهجوم بآخر مضاد حين صاحت في وجهها قائلة:
ـ أنتِ هتمثلي عليا أنا كمان! فكراني خالد هصدقك! انا اللي عارفة عينتك كويس…
قاطعتها زينة، صارخة بانفعال:
ـ أنتِ أيه ؟ معندكيش ذرة إحساس، ابنك حاول يغتصبني فاهمة ولا لا؟
و للقليل من الإقناع خرت راكعة على ركبتيها أمام مقعد سعاد المتحرك، وهي تبكي بقهر شاب نبرتها حين قالت:
ـ حرام عليكِ، قولتلك هساعدك تكسري نبيلة، هاخد حق أختي منها، قولتلك هعملك كل حاجة، بس بلاش اتجوز عز، أنا بحب خالد، ليه تعملي فيا كدا؟ ليه تخليه يكسرني كدا؟
كان مظهرها مريعًا، و خاصةً حين شاهدت سعاد تلك الآثار و الكدمات فوق عنقها، و مقدمة صدرها، فأخذت تسترجع ما حدث بينها و بين ولدها ذلك اليوم
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ أنا عايز أخد حقي من العيلة دي، و أولهم الكلبة اللي أسمها نبيلة، و الحيوان اللي أسمه خالد اللي مد إيده عليا النهارده…
هكذا تحدث عز بانفعال إلى سعاد التي قابلت انفعاله بالتحذير حين قالت:
ـ نبيلة أه، لكن خالد لا، خالد دا الوحيد اللي وقف جنب نسمة لما اتخلينا عنها، اللي مفروض تاخد حقك منه هي نبيلة، و اللي أسمها زينة دي مش هي اللي طلعتك مغتصب، و حطتك في الصورة اللي زي الزفت دي قدام الكل!
استدار عز باندفاع وهو يهتف مستنكرًا:
ـ زينة! أنتِ مين اللي أخد حقي منها! زينة دي هتبقى مراتي! أنا اللي غلطت في حقها، بدل ما تقوليلي صلح غلطتك تقوليلي خد حقك منها!
سعاد بتهكم:
ـ يعني تخلص من نبيلة عشان تتجوز زينة! و أنا اللي قولت عقلت يا ابن بطني!
عز بحدة:
ـ زينة غير نبيلة خالص..
سعاد بسخرية:
ـ و أيه بقى اللي يفرق دي عن دي؟ و لا أقولك، خلينا في المهم، كلامك دا بيأكدلي أنك حاولت تغتـ.صبها فعلًا، معقولة يا عز أنت تعمل كدا!
قالت جملتها الأخيرة بغضب عارم ليهتف عز بانفعال:
ـ أنا معرفش عملت كدا ازاي؟ هتجنن.. حسيت زي مش في وعيي، أنا كنت كويس. مع.. معرفش، في حاجة مش فاهمها…
ضيقت سعاد عينيها، وهي تقول بريبة:
ـ يعني أيه مش فاهم؟ أنت عيل صغير و لا حاجة!
ضاق ذرعًا من هذا الحديث العقيم ليصرخ بحدة:
ـ أيًا كان اللي حصل هي ملهاش ذنب فيه.. أنا غلطت في حقها، و اصلًا قبل اللي حصل دا ما يحصل و أنا ناوي أتجوزها..
سعاد بجمود:
ـ و أنا موافقة، و هروح بنفسي اطلبهالك لو دا يريحك!
عودة الى الوقت الحالي
ـ طيب يا زينة يا حبيبتي، أنا جيالك النهاردة عشان أصلح غلط ابني في حقك، و أقولك أنه مستعد يتجوزك قولتِ أيه؟
هكذا تحدثت سعاد بمكر، لتشعر زينة بالجنون يخيم عليها، مما جعلها تهتف بصراخ:
ـ أنتِ بتقولي أيه؟ اتجوز الراجل اللي كان عايز يغتـ.صبني! أنتِ اكيد اتجننتِ…
لم تكد تنهي جملتها حتى خرجت منها صرخة قوية، ما أن قبضت على خصلات شعرها بعُنف تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ هتعمليهم عليا يا بت أنتِ! فكراني لسه تلميذة هيخيل عليا عمايلك، فين تسجيلات الكاميرا اللي في المكتب؟ حذفتِ كل حاجة ليه لما أنتِ مظلومة؟
بهتت ملامح زينة، وهي تستمع الى كلمات سعاد، لكنها هتفت بشفاة مرتجفة:
ـ والله ما حذفت حاجة. انا مخرجتش من هنا خالص، و لا معايا حتى تليفون، تقدري تتأكدي من دا بنفسك..
سرحت سعاد تفكر في حديثها، لتحاول زينة جذب خصلات شعرها من يد سعاد، التي شاددت من أحكام قبضتها، وهي تقول بقسوة:
ـ لو بتكذبي هعرف، و بردو اللي حصل دا مدخلش عليا، و مليون في المية أنتِ عملتي حاجة خليتي ابني يعمل كدا، و هعرفها، و أنا بردو لآخر لحظة و بالرغم من كل حاجة أنا بردو هعمل بأصلي، وهعرض عليكِ عرض متحلميش بيه..
زينة بريبة:
ـ عرض أيه؟
سعاد بمكر غلفته بالحنان حين قالت:
ـ احنا مش ناس ظالمة يا بنتي، و إن كان ابني غلط، فانا بقولك للمرة التانية بقواك انه عايز يتجوزك، و قبل ما تجاوبي اعرفي ان اللي حصل دا حط بينك و بين خالد ألف سد، و ناوي يرميكي في بيت أبوكي، و يخلص منك…
ـ هو أنتِ ازاي مصرة أني اتجوز ابنك بالرغم انك عارفة أني مابحبهوش!
هكذا هتفت زينة بحنق، قابلته سعاد بالقسوة حين قالت:
ـ مش شغلك، تنفذي اللي أقوله و بس…
كادت ان تطحن ضروسها من شدة الغل، و لكنها لم تتمكن من الإجابة، فقد جاءهم الطرق على باب الغرفة ليجعلها تتراجع بلهفة الى مكانها، وهي تحاول هندمة خصلاتها المُبعثرة قبل ان تسمح لكمال بالدخول الى غرفتها، لكنه لم يتفاجيء بوجود سعاد، فقد علِم انها بالداخل حالما رأى السائق الخاص بها، ليتحمحم بخشونة قبل أن يقول بجمود:
ـ عاملة أيه دلوقتي يا زينة؟
زينة بجفاء، فقد كانت تتوقع مجيء خالد و ليس هو:
ـ الحمد لله كويسة…
ـ ازيك يا سعاد هانم..
هكذا تحدث كمال بجمود إلى سعاد التي أجابت بنفس نبرته، ليأتيهم صوت رنا التي كانت تقف عند باب الغرفة:
ـ عمو كمال. فين بابا؟
التفت كمال ينظر إلى رنا بحنو، تجلى في نبرته حين قال:
ـ بابا مشغول شوية يا حبيبتي، و معرفش ييجي جيت أنا، منفعش؟
لا إراديًا توجهت أنظارها إلى زينة التي أخفضت رأسها بحزن جعل الغضب يتشعب في أوردة الصغيرة التي بالرغم من ذلك أجابت باحترام:
ـ لا طبعًا تنفع يا عمو…
شعر بشيء ما يحدث، لكنه تجاهله، و التفت إلى زينة مستفهمًا:
ـ جهزتي نفسك يا زينة عشان نمشي؟
زينة باقتضاب:
ـ هغير هدومي و نمشي…
وسوست سهيلة في أذن رنا بكلماتها المسمومة حين قالت بخفوت:
ـ شوفتي أهي مردتش تخلي باباكي ييجي بالرغم من أنه وعدك أنه جاي..
تدخلت سعاد بخُبث:
ـ خد رنا معاك يا كمال، و بالمرة توصلوا صاحبتها في طريقكوا، و أنا هجيب زينة معايا، و نتقابل في البيت…
كمال بجفاء:
ـ زينة مش هتروح عالبيت يا سعاد هانم، و أظن انك عارف ليه؟ زينة هتروح على شقة باباها و مامتها اللي يرحمهم…
سكون تام خيم على المكان للحظات، فكان الصمت من جانب سعاد خبثًا و شماته، و من جانب زينة غلًا، و غضب، و من جانب رنا صدمة و اندهاش سرعان ما تبددوا ليتحولوا لغضب عارم جعلها تندفع قائلة:
ـ حضرتك بتقول أيه يا عمو؟ خالتو زينة ليه مش هتيجي معانا القصر؟
التفت كمال يحتوي وجه رنا بين يديه وهو يقول بحنو:
ـ رنا يا حبيبتي، لما تروحي البيت بابا هيقعد معاكي، و يفهمك كل حاجة، أنما دلوقتي خالتو زينة تعبانه، و محتاجة تروح عشان ترتاح..
و هنا صدح صوت زينة الذي كان جافًا يائسًا من فرط الغضب:
ـ استناني بره عشر دقايق يا كمال هغير، و هروح على بيت بابا و ماما…
سعاد بلؤم:
ـ استنيني يا رنا، على رأي كمال خالتك تعبانه، و محتاجة ترتاح….
كانت تغلي من شدة الغضب الذي ضاعفه حديث سهيلة حين همست بجانب أذنها قبل أن تغادر:
ـ متسبيش حق خالتك يا رنا، دي ملهاش غيرك، و الحاجة الوحيدة اللي باقية من ريحة ممتك…
اندفعت الى داخل البيت لتقابلها أشجان التي قالت بلهفة:
ـ مالك يا رنا في أيه؟
رنا بانفعال:
ـ أنا زعلانة منك أوي..
أشجان بصدمة:
ـ ليه كدا يا رنا؟
كان كمال يقف على أعتاب باب المنزل ليقول بجمود:
ـ متشغليش بالك يا أشجان، رنا أعصابها تعبانه شوية، و لما تتكلم مع خالد هتفهم..
اقتربت أشجان من رنا التي كانت تبكي و الغضب بادٍ على ملامحها، لتقول أشجان بحنو:
ـ بس واضح أن رنا زعلانة مني أنا مش من خالد، و أنا مقدرش تزعل مني…
لامست كلماتها قلب رنا التي هتفت من بين عبراتها الحارقة:
ـ أنتِ فعلًا مش عايزة خالتو زينة تعيش معانا هنا، و أنتِ اللي خليتي بابا يوديها بيت ناناه؟
أشجان بصدمة:
ـ أنا يا رنا؟ لا طبعًا مين قالك كدا؟
رنا باندفاع:
ـ يعني انتِ موافقة دلوقتي تروحي معايا و تقولي لبابا يخلي خالتو زينة ترجع تعيش معانا هنا…
ما أن أوشكت أشجان على الحديث حتى صاحت نبيلة بصراخ انتفض له جسد رنا:
ـ مين دي اللي تيجي تعيش معانا هنا؟ أنتِ أكيد اتجننتي! خطافة الرجالة دي لو جت هنا هشرب من دمها…
صُدِم الجميع من صراخها الذي صم أذانهم لتندفع رنا إلى أحضان أشجان التي طوقتها بقوة وهي تصيح في وجه نبيلة بحدة:
ـ أنتِ ازاي تكلميها بالشكل دا؟
كانت في أسوأ حالاتها لذا تقدمت من أشجان و عينيها تحملان كرهًا كبيرًا و بالرغم من خوف أشجان الداخلي إلا أنها كانت ثابتة، و قد كان كمال يراقب ما يحدث وهو يتأهب للتدخل في أي لحظة إن تفاقم الأمر أكثر
ـ مبقاش ألا أنتِ عشان تعرفيني اتكلم ازاي؟
استمدت شجاعتها من تمسك رنا بها بهذه الطريقة، لتصرخ بعُنف:
ـ لما تكوني بتتكلمي مع بنتي بالطريقة دي يبقى لازم أقفلك…
تأهبت نبيلة للرد بأعنف الطرق الممكنة، و لكن صوت كمال القاسي جمد الحروف فوق شفتيها حين قال:
ـ نبيلة…
استدارت تناظره بحدة ليُتابع بقسوة:
ـ مش مسموحلك تعلي صوتك على حد هنا، و أشجان مش هتستأذن عشان تدافع عن رنا.
اغتاظت نبيلة من حديث كمال، فصرخت بانفعال:
ـ أنت سمعت قالت أيه ؟ دا دي عايزة تجيب الحرباية خالتها خطافة الرجالة دي عشان تعيش هنا…
تدخلت أشجان بحدة:
ـ متقوليش الكلام دا قدام البنت…
ـ فاتحة جعورتك علينا ليه يا نبيلة؟
هكذا تحدثت صافية بجفاء لتستدير نبيلة تنظر إليها بغضب عارم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أيه كلكوا مش طايقين ليا كلمة؟ بقيت انا الوحشة المكروهة، محدش فيكوا حاسس بيا؟ اتخانت و اتطلقت و أتهانت، و كمان عايزين تجيبوا الحرباية دي تعيش هنا معايا! أنتوا أيه اتنزعت من قلوبكم الرحمة؟
عم السكون أرجاء المكان، سكون أثقل من كل حديث وكأن الجميع اتفقوا على الصمت لأن لا شيء في تلك اللحظة. قادر على وصف ما يحدث. فقد كانت العيون كلّها معلقة عليها، تحمل الشعور ذاته، واليقين ذاته وهو إنا كل ما يحدث لها الآن ليس ظلمًا يدعوهم للشفقة إنما هو حصاد متأخر لما زرعته يداها يومًا.
فأخذت عيناها تتنقل بين الوجوه، تبحث في ملامحهم عن شيءٍ يشبه النجاة، عن نظرةٍ واحدة تحمل لها بعض الرحمة. فمرت نظراتها على كمال، ثم أشجان، وصافية، وشروق حتى توقفت عند ميرهان، شقيقتها لكنها ولأول مرة، لم تمنحها حتى نظرة تعاطف بل أدارت وجهها عنها في هدوء، ثم مضت نحو الدرج، صاعدةً إلى الأعلى، وكأنها لم تعد تعني لها شيئًا، عندها هذه النقطة شعرت انكسر شيءٌ في داخلها. فلأول مرة في حياتها، تتذوق معنى القهر حين لا تجد بابًا واحدًا للرحمة،و حتى جدار الكبرياء الذي كانت تختبئ خلفه تصدع بنيانه. فانهمرت عبراتها من عينيها بعجز وهي ترى الحقيقة عارية أمامها أنها أصبحت وحيدة. وحيدة وسط أولئك الذين كانت يومًا تظن أنها تملك قلوبهم،بلا يد تمتد إليها، ولا صدر تأوي إليه، ولا حتى جدار واحدٍ تتكئ عليه حين تخونها ساقاها. لتجد نفسها تهرب لتحمي نفسها من رصاص نظراتهم، تهرب حيث لا ترى شماتة من أي شخص، فقد أنفقت سنوات عمرها الماضية في زرع بذور الشر و الكراهية في نفوس الجميع، و نست أن لكل زرعة حصاد، و لكل خطأ حساب…
ـ لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم. قضت عمرها كله تبخ السم في ودان الناس،و أهي دلوك مش لاقيه كلب يبص في خلجتها..
هكذا تحدثت صافية بضيق ليقترب كمال و الوجوم بادٍ على ملامحه ليمد يده و يربت على رأس رنا وهو يقول بنبرة مشجبة:
ـ حقك عليا يا رنا…
كانت رنا لازالت تحتضن أشجان التي شددت من عناقها أكثر ثم قالت بنبرة حانية:
ـ ممكن نتكلم شوية يا رنا؟
رفعت رنا رأسها تنظر إلى أشجان بندم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ سوري يا مامي.
تحدث كمال بنبرة ذات مغزى:
ـ شوفتي يا رنا مين دافع عنك؟ قولتلك أن أشجان عمرها ما تعمل حاجة تضايقك أو تزعلك، بلاش تسمعي لي كلمة وحشة تتقالك عنها..
اقتربت صافية من رنا وهي تقول مازحة:
ـ ايه يا ست البنتة اجمدي اكده، دي البسكوتة نطجت عشانك اهة…
ضحك الجميع على حديثها، لتقترب شروق منهم، و هي تمسك بيد رنا قائلة:
ـ تعالي معايا يا رنا عشان تغيري هدوم المدرسة و تغسلي وشك، عشان عايزة أخد رأيك في شوية حاجات قمر كدا عشان الحفلة..
كمال باستفهام:
ـ حفلة أيه؟
اجابته شروق بتشفي وهي تصعد درجات السلم:
ـ دي حفلة آسيا اللي هتنظمها، فيبقى أكيد أنت مش معزوم..
تمتم كمال ساخطًا:
ـ ربنا يسامحها آكله حقوق البشر دي..
ربتت صافية على كتفه بتعاطف قبل أن تقول:
ـ مالك المضروبة دي؟ كلت منابك يابا و لا أي؟ جولي و انا اقطملك رجبتها..
كمال بتحسر:
ـ اسكتِ يا صافية خليني ساكت، دانا محدش مرمطني قدها. دي قادرة..
صاحت أشجان بتحذير:
ـ متقولش عن أختي كدا…
زجرتها صافية قائلة:
ـ أيه ياختي، أنتِ أول لما بتشطحي بتنطحي، هتقوي علينا. احنا، الحديت ده لنييلة مش لينا..
تدخل كمال موضحًا:
ـ على فكرة انا مردتش ادخل لما نبيلة زعقت عشان كنت عايز رنا تشوفك انتِ و انتِ بتدافعي عنها.. حبيت تعرف أنك مش هتتحملي عليها الهوا..
كانت تشعر بأن هذا هو السبب، لذا قالت بوجوم:
ـ حسيت بكدا، المشكلة ان زينة مش هتبطل تملى دماغها من ناحيتي..
كمال مضيفًا:
ـ مش زينة بس، البنت زميلتها دي أنا مرتحتلهاش، حسيتها جريئة شوية، و طول ما احنا جايين عماله توشوش رنا في ودنها..
أشجان بجفاء:
ـ تقصد سهيلة صح؟
كمال باختصار:
ـ على الأغلب هي…
أشجان باقتضاب:
ـ أنا كمان مش مرتحالها، و مش حابة اضغط على رنا عشان متتضايقش، و الموضوع يجيب نتيجة عكسية..
يا رب، لا تردّني خائبًا، ولا تجعل حاجتي أكبر من رحمتي بك، فأنت القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. اللهم قل لأمنيتي: كوني، فتكون، واجعل لي من حيث لا أحتسب فرجًا، ومن حيث لا أظنّ إجابة، ومن حيث لا أرى طريقًا بابًا يُفتح. ❤️
♥︎♥︎♡♥︎♥︎♡♥︎♥︎♡♥︎♥︎
ـ أحضرلك العشا؟
هكذا تحدثت غنى بنبرة مُتحشرجة، فشملها ياسر بنظراته، فرأى تلك الظلال التي تحيط بعينيها، ليعرف أنها نهارها بامية ليزفر بقوة قبل ان يقول باقتضاب:
ـ جهزيه على ما اطلع من الحمام…
أومأت برأسها دون حديث، لتقوم بإعداد طعام العشاء، ثم توجهت للأعلى لتجد ياسر لايزال في الحمام و لكن كان هاتفه يرن، فامسكت به لترى من المتصل، فوجدت اسم والدتها، لينتابها القلق و تجيب على الفور:
ـ أيوا يا ماما.
صابرين بلهفة:
ـ ايه يا غنى، انتِ فين يا بنتي ؟ برن عليكِ من العصر تليفونك مقفول قلبي كلني عليكِ، قولت اتصل على ياسر اعرف في أيه
زفرت غنى بارتياح، فقد تذكرت انها حطمت الهاتف، بعد ما حدث مع هيام، لتجيبها بوجوم:
ـ انا كويسة يا ماما، تليفوني وقع جاب شاشة..
صابرين بلهفة:
ـ طيب الحمد لله. بقولك ايه جوزك جنبك؟
ـ لا في الحمام، ليه في حاجة؟
صابرين بتخطيط:
ـ اسمعيني كويس، و فتحيلي دماغك كدا، أنا من ساعة ما قفلت معاكي العصر، و سمعت كلام اللي ما تتسمى، و انا عقلي مبطلش تفكير، و لقيت حل أنما أيه عشرة على العشرة
غنى بعدم فهم:
ـ حل لأيه يا ماما؟ انا مش فاهمة انتِ بتتكلمي عن أيه؟
صابرين بحدة:
ـ يا بت ركزي معايا، أنتِ خيبة على طول كدا ليه؟ مش قولتلك عايزين نطمن على موضوع الخلفة دا، عشان لو لا قدر الله لو في حاجة نلحق نعالجها قبل الحرباية اللي عندك دي ما تخرب عليكِ…
عادت مخاوفها تهاجمها بشراسة لكنها هتفت بحدة:
ـ انا كمان فكرت، و قررت اني هطلب من ياسر أننا نروح للدكتور عشان نطمن..
صاحت صابرين بفزع:
ـ الله يخربيت هبلك، اوعي تكوني كلمتي جوزك في حاجة زي كدا!
غنى بتلعثم:
ـ في أيه يا ماما؟ لا مكلمتوش لسه.
صابرين بلهفة:
ـ طب الحمد لله، اسمعيني يا عبيطة يا هبلة، بقولك لو في حاجة عايزين نلحقها عشان منحطش صوباعنا تحت ضرس هيام، تقومي تروحي تسلميلها رقبتك..
هتفت غنى بانفعال:
ـ يا ماما أبوس إيدك كفاية ألغاز انا اعصابي اتحرقت، قولي عايزة أيه على طول..
صابرين بتخطيط:
ـ البت صفاء جارتنا بتشتغل في عيادة دكتورة نسا شاطرة أوي مش بعيد عننا، أنا خلتها تحجزلنا عندها بكرة عشان نروح نكشف عليكِ و نطمن، و لا مين شاف و لا مين دري..
غنى بسخط:
ـ بتحجزي ليه من غير ما تقوليلي، افرض ياسر مش فاضي بكرة… لحظة واحدة ماما هو أنتِ عيزاني أروح من ورا ياسر؟
قالت جملتها الأخيرة بذهول قابلته صابرين بسخط:
ـ أيوا ياختي من ورا ياسر، عيزاه يروح يقول لأخته مراتي عندها مشكلة في الحمل، عشان تجري هي تجيبله عروسة، ماهي هتموت وتشمت فينا..
غنى بحدة:
ـ ماما هو انتِ طبيعية؟ عيزاني اخرج من ورا ياسر! دا كان يطلقني..
صابرين بتقريع:
ـ وهو هيعرف منين ياختي! بيضرب الودع! جمدي قلبك عشان تعرفي تعيشي مع الحرباية اللي عندك دي، لازم تشغلي دماغك، المهم هنروح بكرة على الضهر كدا.
غنى بنبرة مُلتاعة:
ـ انا مش هعمل كدا، مش هكذب على ياسر، و حتى أو مبخلفش هقوله مش هخدعه، انا بهدلته كتير معايا.
صابرين بمسكنة:
ـ يابت تفي من بقك، احنا هنروح كشف عادي زي ما كل الستات بتكشف، نطمن عليكي بس، و بعد كدا قوليله اللي أنتِ عيزاه. أقولك ؟ لو مش عايزة تكذبي عمك عزام تعبان قوليله انك رايحة تشوفيه، و كدا كدا الدكتورة مش بعيد عن بيت خالتك، قوليله عرفت ان في دكتورة نسا هناك قولت أخليها تبص عليا عادي موضوع بسيط أوي..
نجحت كلماتها في تحجيم خطورة الأمر، و تبرير الكذب بطريقة منمقة، لتصمت غنى قليلًا قبل ان تستمع الى صوت ياسر يخرج من الحمام، فهتفت بلهفة:
ـ طيب يا ماما هبقى اكلمك تاني..
اغلقت المكالمة، و هي تستدير ناظره إليه وهو يمسك المنشفة و يقوم بتنشيف خصلات شعره وهو يقول باستفهام:
ـ في حد كان بيتصل عليا و لا أيه؟
غنى بارتباك:
ـ لا ، دي ماما، اصلها رنت عليك عشان تطمن عليا..
تحدث ياسر و هو يتناول منها احد التيشيرتات ليرتديها:
ـ و تليفونك راح فين؟
غنى بنبرة واجمة:
ـ أصله وقع مني و اتكسر..
اقترب منها وهو يمد أنامله ليلامس وجنتها بحنو قائلًا:
ـ و زعلانه ليه كدا؟ فداكي، بكرة ان شاء الله هجبلك واحد أحسن منه..
ابتسامة ناعمة ارتسمت فوق ثغرها، و استفهامات شائكة تدور في عقلها، هل سيظل يحبها هكذا طوال العمر؟ ماذا لو انها لن تستطيع الإنجاب؟ هل سيبحث عن إمرأة آخرى لتسد ذلك النقص التي فشلت هي بهز
لم يكن الأمر كبيرًا كما هو الخوف في صدرها، و لكن من مساويء بعض البشر أنهم يبرعون في غرس سموم افكارهم في عقول من حولهم و استغلال ثقة من حولهم في تحطيم حياتهم تحت لواء الحب.
ـ وحشتيني يا غُريبة قلبي..
هكذا تحدث ياسر بنبرة مُشتاقة جعلت العبرات تزحف إلى مقلتيها، ليقول بنبرة متلهفة:
ـ دا أنتِ زعلانة مني أوي بقى، و أنا مش واخد بالي..
غنى بنبرة مُتحشرجة:
ـ عمري ما ازعل منك يا ياسر أبدًا، أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير انك تفضل تحبني كدا وبس…
عانقها ياسر بقوة وهو يقول بحنو:
ـ هفضل احبك العمر كله، عشان انتِ عمري يا غنى..
أخذ كلام والدتها يتردد في عقلها كالسُم لتقوم باحتضان ياسر بقوة وهي تقول برجاء:
ـ متسبنيش يا ياسر، خليني في حضنك..
شدد هو الآخر من عناقها وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ هو انا وحشتك و لا اية؟
غنى بنبرة متلهفة، بينما هي تريد الهرب من ضجيج أفكارها إليه:
ـ أيوا وحشتني…
لأول مرة لا تخجل من ذلك التصريح، فشعر بأن هناك شيء ما يحدث معها لذا قال بقلق:
ـ أنتِ كويسة؟ حد ضايقك؟ هيام عملت فيكِ حاجة؟
طمأنته قائلة:
ـ مفيش حاجة حصلت، اطمن. انا كويسة..
في اليوم التالي كان ياسر في طريقه إلى المخازن المخصصة لجمع الحبوب ليترجل منها وهو يتوجه الى مكتبه، ليهرول أحد العمال إليه وهو يقول بلهفة:
ـ حمد لله على السلامة يا ريس، تحب أجبلك كوباية الشاي بتاعتك..
ياسر بنبرة ودودة:
ـ اللي يسلمك يا ابو صفاء، طمني صحتك عاملة أيه دلوقتي..
العامل بامتنان:
ـ الحمد لله يا ريس انا بقيت أحسن كتير، و الفضل يرجع ليك بعد ربنا سبحانه و تعالى.
ـ متقولش كدا دا حقك.
الرجل بامتنان:
ـ انت راجل جدع يا ريس ياسر، و انا مهما أشكرك مش هوفي جمايلك اللي مغرقاني، كفاية أنك كنت بتبعتلي مرتبين انا نايم في بيتي تعبان، ربنا يجبر بخاطرك،و يراضيك. دانا حتى أول ما صفاء بنتي قالتلي ان جماعتك حاجزين مع الدكتورة اللي بتشتغل عندها، نبهت عليها و قولتلها يا بت يا صفاء اول ما ييجوا تدخليهم اول ناس. اوعي تخلي مرات الريس تستنى بره…
بهتت ملامح ياسر من حديث الرجل ليقول باستفهام:
ـ لحظة، أنت قولت ايه؟ مين اللي حاجز عند الدكتور انا مش فاهم..
ارتبك الرجل، و شعر بأنه تفوه بالكثير، و لكن نظرات ياسر الغاضبة أجبرته على مواصله الحديث:
ـ اصل صفاء بنتي بتشتغل عند دكتورة كبيرة بتولد يعني، و قالتلي ان الجماعة عندك و الست والدتها حاجزين عند الدكتورة دي النهاردة و رايحين يكشفوا عندها يعني..
《 بت حلال أوي غنى دي 🥱 》
اللهم إنّي أسألك أمرًا تعجز عنه الأسباب، ولا يعجزك، وأرجوك رجاء من لا يرى في المستحيل مستحيلًا على قدرتك.
اللهم إن كان ما أتمناه بعيدًا، فقرّبه، وإن كان عسيرًا، فيسّره، وإن كان مستحيلًا في عيني، فاجعله ممكنًا بقدرتك. ❤️
♥︎♥︎♡♥︎♥︎♡♥︎♥︎♡♥︎♥︎
كان اليوم المنتظر، فقد كان الجميع متأهب، و متوتر، و ذلك لأن خالد كان ينفث النيران من أنفه من فرط الترقب، مما جعل الجميع يلتزم الهدوء، فقد كان يقف أمام النافذة في مكتبه، لا يجرؤ احد على الدخول إليه، فالجميع ينتظر النتيجة، ولكن كمال لم يختار أن يكون ممن يخافون الاقتراب من شقيقه وهو في مثل هذه الحالة بل أراد ان يدعمه و يكون بجانبه، ليتوجه إلى باب المكتب، فإذا به يتقابل مع آسيا التي كانت هي الآخرى تحبس أنفاسها حتى جاءت نبرتها مبحوحة حين قالت:
ـ مفيش أخبار؟
كمال باقتضاب:
ـ لا، تعالي ندخل لخالد ..
اومات برأسها ليفسح لها الطريق حتى تمر أولًا ثم هو بعدها، فلم يلتفت خالد نحوهم، فقد عرِف أن القادم كمال فهو الوحيد الذي لن يخشى بطشه، لتمر الدقائق بصمتٍ مُرعِب، إلى أن بدد هذا السكون رنين الهاتف، لتهتاج ضربات القلوب، و كأنها تعزف سيمفونية موحدة عن الخوف و الترقب، فقد خالد بأنفاس مقطوعة إلى الهاتف، ليجيب بنبرة جافة:
ـ آلووو…
لم يتوقع أن يحسب حساب تلك الضربة القوية التي تلقاها حين سمع صوت سالم الوزان يقول بأسف:
ـ للأسف خسرت المناقصة يا خالد…
ـ أيه؟ خسر المناقصة؟ طيب ازاي يا كمال؟ دا انتوا اشتغلتوا عليها كتير أوي..
هكذا صرخت أشجان بفزع حالما تلقت مكالمة من كمال الذي أجابها بنبرة جافة:
ـ للأسف في آخر وقت حد قدم سعر أقل من السعر اللي احنا حاطينه، المهم دلوقتي خالد جاي على البيت،و تقريبًا هو في أقصى درجات غضبه، ياربت بلاش يحصل أي حاجة تضايقه على ما آجي…
سمعت صوت سيارته في الخارج لتهتف بلهفة:
ـ طيب اقفل يا كمال خالد وصل…
اغلقت الهاتف لتتجمد في مكانها حين رأته بهذه الهيئة التي أفزعتها، أعيُن جاحظة، و ملامح متجهمة على نحوٍ مُخيف، و عروق بارزة حتى بدت و كأنها ثعابين تحاول اختراق جلده، و أنفاس مسموعة بطريقة تشير إلى تلك المعارك الضارية التي تدور بداخله، و لحسن حظها، فهو لم يعطها سوى إلتفاته بسيطة قبل أن يدلف إلى داخل مكتبه، لتحاول استجماع شحاعتها و هي تحصي خطواتها، لتخطو إلى عرين هذا الوحش الهائج، لتفزع بقوة حين سمعت شيء ما يتحطم في الداخل، فأخذ صدرها يعلو و يهبط من فرط. الخوف، و لكن قلبها لم يكن ليتخلى عنه في هذه الحالة، لتستجدي شجاعة لا تمتلكها و تتوجه الى باب الغرفة لتقوم بفتح مقبض الباب بأيدٍ مُرتعِشة، لتتوقف لثوان محدقة بتلك الطاولة المُحطمة، و الغرفة المبعثرة لتلمح معطفة و رابطة عنقه الملقاة في احد أرجاء الغرفة، فرفعت رأسها ليتعاظم الخوف بصدرها من مظهره، و خصلاته المتدلية بإرهاق فوق جبينه المتعرق، فتقدمت منه بخطوات هادئة ليرتعد جسدها حين شاهدت قبضته المضمومة بشكل يوحي بأنه يتأهب للكم أحدهم، فقد كان يجلس على مقعده الجلدي يستند بظهري الى الخلف، و عينيه شاردة و كأنها عالقة مع شياطين الجحيم، لتقترب على وجل ثم و بكل ما تملك من جرأة قامت باحتضان رأسه، و ضمها إلى صدرها لتنحني قليلًا بشفاهها، و تضع قبلة حانية فوق جبهته التي شعرت بها تستريح بين ذراعيها، لتبدأ في تلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، فمضت قرابة العشرون دقيقة، وهو غارق في حالة من السكون ببن ذراعيها، لتبدأ الحديث بنبرة هامسة:
ـ خالد..
لم يجبها على الفور إنما مرت ثوان قبل أن يقول بنبرة جافة تحمل خشونة أجفلتها:
ـ مش عايز اتكلم.. سبيني مرتاح شوية…
تابعت ما بدأته و أخذت تقرأ الكثير من آيات القرآن الكريم، ليسترعي انتباهها صوت طرق على باب الغرفة ليزمجر خالد بنبرة غاضبة:
ـ ميين؟
دلفت أحد الخادمات التي كانت تنظر الى الأرض برهبة من صوته الغاضب، وهي تحمل صندوقًا متوسط الحجم لتقول بتلعثم:
ـ في حد جاب الصندوق ده و قال أنه مهم أوي لحضرتك، و مينفعش حد يفتحه غيرك…
اعتدلت أشجان وهي تأخذ الصندوق من الفتاة ثم شكرتها، لتضعه أمامه على المكتب، و هي تقول بنبرة رقيقة:
ـ شوف الصندوق في أيه على ما اعملك فنجان قهوة…
لم يُجيبها، و هي لم تنتظر منه رد، فقد كان في أقسى مراحل الغضب و الحزن معًا يكفيها انها استطاعت التخفيف عنه ولو قليلًا، لتخرج و تتفاجيء ان الجميع بالخارج، كمال، آسيا، عمر، شروق، و صافية لتهتف بلهفة:
ـ كمال، خالد حالته وحشة اوي…
كمال بغضب:
ـ طبيعي يبقى حالته كدا، لإن اللي حصل دا معناه ان في خاين في الشركة..
شهقت أشجان بصدمة لتهتف آسيا بسخط:
ـ أنا هتجنن، محدش كان يعرف السعر اللي مقدمينه غيرنا أصلًا، عرفوه ازاي، و لحقوا يقدموا سعر أقل…
لم تكد تنهي جملتها حتى انتفضت أبدان الجميع لدى سماعهم زمجرة خالد وهو يصيح بوحشية:
ـ آسيااااااا
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
بسم الله الرحمن الرحيم
كانت تقف أمامه بشموخٍ، وملامحها تأبى الوهنَ أبدًا، بينما كانت عيناها تناشدانِه بتضرُّع:
«عندما تراني أغرق، لا تكتفِ بأن تمدَّ يدك إليَّ، بل احتضنّي بكل ما أوتيت من قوة. انتشل قلبي عنوةً من بحر الألم الذي اعتاد أن يقتات على روحي حتى أنهكها. فأنا، بكل ما أملك من كبرياءٍ وألم، أحتاج إليك...»
اخترق نداؤها الصامت أعماق قلبه، ذلك القلب الذي خلع عنه ثوب الكبرياء جانبًا، وخاطبها بكل ما أوتي من حب:
«أن تختاري كتفي متكئًا لأحزانك، وأن تكون ذراعي ملجأكِ الوحيد، فهذا يعني أن تكوني في أمانٍ دائم، مهما كلّفني الأمر!»
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
صاعقة قوية أصابت الجميع، حالما صدح صوت خالد الصارخ، ليفزع جسد آسيا، وهي تستمع اسمها يُنطق بمثل هذا الغضب، لتلتفت لا إراديًا لتنظر إلى كمال، الذي توقفت عينيه عليها لثوان، و بلحظة قرر الجميع خرق هذا السكون، و تبديد حديث العيون ليتحركوا جميعًا إلى الغرفة، ليكُن المشهد كالآتي: خالد الذي كان كالوحش الهائج، يقف أمام مكتبه،و إمارات الجنون مرتسمة على ملامحه بشكل يبعث الرهبة في النفوس، و على الجهة المقابلة كان كمال يقف، و بمحاذاته آسيا، تجاورها أشجان، و صافية، ثم خلفهم كُلًا من عمر، نبيلة و شروق، و ميرهان.. الجميع ينظر و يترقب، ليبادر كمال بالحديث قائلًا بصوت جاف:
ـ في أيه يا خالد؟ بتنادي على آسيا بالطريقة دي ليه؟
تجعدت ملامح خالد بوحشية تجلت في نبرته حين صاح:
ـ كله يخرج بره مش عايز حد في الأوضة دي غيرها….
كان قلب آسيا ينتفض كعصفور صغير يرى إعصارًا على بعد خطواتٍ بسيطة منه، و لكنها قمعت خوفها كما هي العادة و رفعت رأسها تتاظره بثبات، لتسمع صوت كمال يلتفت الى الخلف، وهو يقول للجميع:
ـ بعد اذنكوا يا جماعة ياريت الكل يخرج بره..
تبادل الجميع نظراتِ كانت صامته، ثم خرجوا واحدًا تلو الآخر إلى خارج الغرفة، ما عدا أشجان التي كانت في حالة خانقة من الخوف و الحيرة، و هي تفرق نظراتها ما بين ملامح زوجها المرعبة، و شقيقتها التي مهما حاولت التظاهر بالثبات لكن قلبها كان ينتفض فزعًا جاعلًا من صدرها كالأرجوحة التي تعلو بقوة، و تهبط بعُنف فلم تستطِع منع نفسها من الاقتراب من آسيا، لتمسك بيدها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا بره، لو احتاجتيني ناديلي..
التفتت آسيا تنظر إليها بنداء صامت، لم يتجاوز حدود شفتيها، لتشعر أشجان بأنها و لأول مرة غاضبة منه بهذه الطريقة لترمقه بنظرة لوم ضاعفت من غضبه قبل أن تستدير و تغادر الغرفة ليبادر كمال بالحديث قائلًا بغضب:
ـ ممكن افهم حصل أيه يا خالد؟
لم يكد يُنهي جملته حتى تفاجيء بخالد يُلقي بعض الصور الفوتوغرافية في وجهه، لتقع في يده إحداهما و التي جعلت الذهول يخيم على ملامحه، و هو يرى آسيا تقف جنبًا إلى جنب مع ذلك الشيطان الذي سمم حياتهم لأعوام، و على وجهها أبتسامة رائعة..
تجمدت الدماء في عروقه لثوان، وهو ينحني ليلتقط الصور الملقاة أرضًا بيد خانها الثبات، فارتعشت وهو غير مُصدق ما يراه، فقد كان هناك الكثير من الصور إحداها في الحفل، و الآخرى في مكانٍ آخر وهي تمد له بعض الأوراق، و الآخرى وهي تقف بجانبه تنظر الى الأوراق أمامه، كان الأمر كارثيًا حد الفزع الذي أصاب قلبه و عقله، و قد تجلى ذلك بوضوح في ملامحه و نظراته و نبرته حين قال:
ـ أنتِ تعرفي الراجل دا منين؟
على الناحية الآخرى كانت آسيا تشعر و كأنها غارقة في فلكٍ لا تنتمي إليه، نظرات خالد مرعبة مليئة بالغضب، و نظرات كمال مستنكرة مليئة بالذهول، وهي تنظر إلى الصور بأعين مليئة بالحيرة، تحاول البحث عن سبب تعبيراتهم المفزعة، ولكنها لا تجد. ليأتيها صوت كمال، و نظراته القاسية، مما جعل حلقها يجف وهي تقول بشفاة مرتجفة:
ـ دا واحد اسمه عثمان سراج الدين، و شريك في ملجأ كنت بنظم فيه حفلة امبارح..
لم يزده حديثها إلا تخبطًا ليقول باستنكار:
ـ عثمان مين؟ و ملجأ أيه؟ دا شيطان أيه علاقته بالملاجيء.. دا هو سبب كل البلاوي اللي احنا فيها…
رجفة قوية أصابت عمودها الفقري، و هي تستمع الى حديث كمال الذي لم يستوعبه عقلها، فالتفتت لا إراديًا تناظر خالد الذي كانت ملامحه غائمة كطقسٍ سيء، يجب على المرء أن يختبئ من عواصفه، فأعادت أنظارها إلى كمال الذي كان الملجأ في هذه اللحظة، فهتفت بلهفة:
ـ والله يا كمال دا اللي حصل.
ذعرها البادٍ على ملامحها، و ارتجافة شفتيها و جسدها، جميعها كانت إنذارات جعلته يحاول التفكير بروية ليقول بنبرة متحشرجة:
ـ اقعدي يا آسيا، و فهميني اللي حصل بالظبط..
ـ اللاب توب بتاعك فين؟
كان هذا صوت خالد القارص، كموجة شتاء عنيفة لا ينجو منها من لا مأوى له، لتشعر بألم حاد يكاد يفتك بصدرها، مما جعل عبراتها تتدحرج فوق خديها رغمًا عنها، فهذا الموقف كان مريعًا بالنسبة لها، لكنه كان مهينًا بالنسبة لكمال الذي صاح بانفعال:
ـ خالد. راعي أن اللي بتتكلم معاها دي مراتي، و أنا واثق أنها عندها تفسير مقنع للي شفناه.
قال جملته الأخيرة وهو يلتفت إليها ليجيبه خالد بقسوة:
ـ انا لسه متكلمتش…
قاطعه كمال بغضب:
ـ نبرتك نفسها مش عجباني.. خلينا نسمع منها الأول…
كان بداخله براكين مُشتعِلة، النيران تسري في عروقه مسرى الدماء، تنحت جميع المشاعر لتفسح ساحة قلبه للغضب ينهشه دون رحمة، و مهما حاول كبح جماحه لا يفلح، لذا أدار رأسه إلى الجهة الأخرى أمام ناظري كمال الذي رأى بوضوح مدى ثقل الأمر على شقيقه، مما جعله يلتفت إليها قائلًا بحدة:
ـ احكيلي كل حاجة حصلت من الأول.
أومات آسيا برأسها وهي تقول بشفاة مرتجفة:
ـ حاضر..
كانت تحاول الثبات أمام شعورها بالخوف، و العجز أمام اتهامات لم تُقال، لكنها تسمعها و تراها في عيني خالد، و يحاول كمال تكذيبها، فلم تحتمل ذلك ، وشرعت في سرد كل شيء منذ البداية:
ـ من فترة جتلي واحدة اسمها سحر عندها ملجأ، و عايزاني أنظملها حفلة خيرية، و أنا وافقت، و روحت شوفت الملجأ، مرة و اتنين، و تلاته، و كانع بتبقى لوحدها، بس آخر مرة دي كان معاها الراجل دا عرفتني عليه انه رجل أعمال و اسمه عثمان سراج الدين، انا مفهمتش علاقتها بيه، لكن واضح أنهم كانوا بيحبوا بعض، هي قالتلي انه شريكها في الملجأ، بس أنا مشغلتش بالي أوي، انا كنت هعمل شغلي و خلاص. و فعلًا دا اللي حصل، اتفقت على كل حاجة بخصوص الحفلة معاها و مشفتوش خالص من اليوم دا غير امبارح في الحفلة، جه يسلم عليا، و انا اتعاملت عادي، و اتفاجئت ان الفوتوجرافر جاي بيصورنا. و دا شيء طبيعي في كل الحفلات اللي بنظمها
صمتت تحاول التقاط أنفاسها، لتتوجه نظراتها تدريجيًا إلى كوب للمياة الموضوع على الطاولة، فشعر كمال بما تعانيه، فتوجه ليجلب لها كوب المياة، لتبلل حلقها الجاف، ليأتيها صوت خالد القاسي:
ـ خلصتي؟
وضعت الكوب من يدها، و هبت من مقعدها لتقول بعتب جريح:
ـ خلصت، بس هو أنا ممكن أعرف مين الراجل دا بالظبط؟ وأنا متهمة بأية؟
تجاهل حديثها ليشعر كمال بصدره يضيق بقوة من هذا الوضع الذي يحاول ترجمته و كشف ملابساته، ليتولى هو إجابتها:
ـ الراجل دا هو عدونا الأول من قبل مانا حتى اتولد، و هو كمان اللي ورا الشركة اللي بتنافسنا دي، و اللي ماسكها أمين طليق أشجان، و دي اللي رسيت عليها المناقصة.
آسيا بذهول:
ـ أمين؟ و أيه وصله لأمين؟
أجابها خالد بجفاء:
ـ بيجند الناس كلها قريب، و غريب عشان يحاربنا..
شهقت بعُنف، و التفتت تناظره باستنكار، و عينيها يجيش بهم ألم قاتل، من هذا الاتهام الذي أصبح جليًا كالشمس في وضح النهار، لتشعر بألمٍ حاد يجتاح جسدها، و لكنها تغلبت عليه، و مدت يدها لتمحي عبراتها بعُنف وهي تقول بنبرة متحشرجة:
ـ تمام، هطلع اجبلك اللاب توب حالًا، أو خلي حد من الخدامين يجيبه أضمن…
تجاهل حديثها لينادي على أحد الخادمات، و يأمرها بأن تحضر جهازها اللوحي، مما جعل غضب كمال يتعاظم، ليهتف بحدة و عينيه على خالد:
ـ أنتٍ مش في موضع اتهام أصلًا، لكن طبيعي أننا نفحص الأجهزة بتاعتنا، عشان نعرف نوصل لطرف خيط نمشي وراه..
لم تتبدل نظرات خالد و لا ملامحه ليكز كمال على أسنانه، و يتوجه إلى آسيا يمسكها من مرفقها، و هو يقول بهدوء يتنافى مع حدة الموقف:
ـ اقعدي…
انفتح الباب، و دلفت أشجان بدلًا من الخادمة، و هي تمسك بالجهاز في يديها، و على وجهها إمارات القلق، فما أن رآها خالد حتى ضغط بقوة على ضروسه حتى كاد أن يطحنها، لكنه لم يُبدي أي ردة فعل بل أخذ الجهاز من يدها، دون أن ينظر إليها، ليقوم بفتحه، ليرفع أنظاره إلى كمال وهو يقول بجفاء:
ـ افحصه….
زفر كمال بقوة، وهو يتوجه بلا أي حديث ليقوم بإخراج جهاز آخر من أحد الخزانات، و يبدأ بفتحه ثم أخذ يعمل لبعض الوقت قبل أن يغمض عينيه بقوة مما جعل كلا المرأتين تتبادلن النظرات المذعورة، ليتحمحم كمال بخشونة قبل إن يبدأ بالحديث قائلًا:
ـ امبارح الساعة ١٢ الضهر اتبعت ميل بملف المناقصة من على الإيميل بتاعك، و بعدها الميل دا اتحذف…
وقعت الكلمات على مسامع آسيا كصخورٍ مدببة تهشم ما تبقى من ثباتها، فشعرت كأنها تلقى حية في بئرٍ سحيق، كلما حاولت التشبث بحافته امتدت إليها أصابع الاتهام لتدفعها أعمق. مما جعل عيناها تتسع في ذهولٍ موجع، فما أقسى على المرء من أن يُكتب على جبينه تهمة لم يقترفها، فأخذ قلبها يتخبط في صدرها كطائرٍ مذعور يبحث عن مخرج من قفص أُحكم إغلاقه، وتسلل إليها خوف بارد حتى جمد أطرافها، لتقترب منها أشجان بلهفة لتصرخ آسيا بنبرة يغلب عليها القهر:
ـ بس أنا معملتش كدا… أنا مبعتش حاجة لحد…
تدخل كمال قائلًا بنبرة جافة:
ـ أشجان خدي آسيا و اخرجي بره…
قاطع حديثه صوت خالد الصارخ:
ـ اخرجوا كلكوا بره…
نظر كمال إلى خالد بغضب حاول أن يتداركه قبل ان يهب من مقعده ليتوجه الى حيث تقف آسيا التي كان جسدها ينتفض بقوة ليجذبها من ذراعها إلى الخارج وهو يقول بنبرة لا تقبل النقاش:
ـ يالا يا آسيا…
كانت كالشاة التي حُكِم عليها أن تُذبح دون رحمة، ولا اعتبار لبرائتها، لتترك نفسها له يجرها خلفه، بينما أشجان و لأول مرة في حياتها تشعر بأنها لا تخاف غضبه المروع، و ذلك لأن غضبها مما يحدث مع شقيقتها طغى على كل شعور لديها، لتقترب منه وهي تقول بحدة:
ـ خالد…
التفت ناظرًا إليها بحدة، وهو يزمجر بشراسة:
ـ لو هتقفي تدافعي عن أختك قدامي، يبقى تخرجي من الباب اللي جيتي منه..
صدمها حديثه، و بالرغم من أنها مدركة لخسارته الفادحة، و مدى تأثره بهذا الأمر، لكنها لم تستطِع منع نفسها من الدفاع عن شقيقتها لتهتف بلهجة جافة ولكن صارمة:
ـ لا مش هدافع عن أختي، عارف ليه؟ عشان أختي مش في موضع اتهام أصلًا…
كان الغضب بداخله في أوجه، يشعر بأن جميع الجهات التي تحيط به ليست آمنه، بالإضافة إلى مرارة الخسارة التي لم يعتد عليها طوال حياته، إلى جانب ذلك كانت الاحتمالات تعصف به دون رحمة و التي جميعها تقوده إلى خسارة آخرى، فلم يعد يستطِع احتمال نقاش آخر مما جعله يهتف بنبرة حادة كالسيف:
ـ مش عايز اتكلم دلوقتي، اخرجي
لم تقبل إجابته، بل أرادت بتر كل أصابع الاتهام التي تشير إلى شقيقتها، لتصيح بانفعال:
ـ أنت فعلًا مصدق أن آسيا ممكن تعمل كدا…
خرجت الأمور عن السيطرة، ليقوم بالضرب على المكتب بقوة وهو يصرخ بصوت اهتزت له جدران الغرفة:
ـ قولتلك اخرجي بره…
ارتد جسدها إلى الخلف من فرط الذُعر، لتتناحر الأنفاس بصدرها، و تتساب مياه عينيها الرقراقة فوق خديها، لتتراجع الى الخلف وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا في حالة من عدم التصديق لطريقته معها، إلى أن غادرت مهرولة إلى الأعلى و عبراتها تفرش الأرض أسفل أقدامها أمام مرأى و مسمع من الجميع، لتهتف نبيلة بشماته:
ـ شوفوا انتقام ربنا. مش كانوا شمتانين فيا من شوية، أهو ربنا ردهالهم على طول.
التفتت شروق ناظره إليها، وهي تقول بنبرة مُحتقرة:
ـ طب بمناسبة انتقام ربنا، فخلي بالك انك لسه مشوفتيش منه غير حاجات بسيطة أوي، ياريت تستعدي عشان أنتِ مصايبك كتير، و عمايلك السودا أكتر…
لم تكد شروق تنهي جملتها حتى وجدوا باب غرفة المكتب و خالد يندفع إلى الخارج كالإعصار، و ماهي إلا دقائق حتى سمعوا صوت احتكاك عجلات السيارة بالأرض بعُنف أجفل الجميع…
اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ ❤️
♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎
كانت جيوش الغضب تجاورها جيوش الألم يتناحرون بضراوة داخل صدره، وهو يتذكر حديث ذلك العامل، و عقله لا يقدر على استيعاب أنها قد تتخطاه، و تذهب إلى الطبيب دون أن تخبره، فلو لم تطلب منه ذلك الصباح أن يسمح لها بالذهاب مع والدتها لزيارة خالتها، لما كان اهتم، فهو كالغبي قام بتوصيلها الى بيت والدها امتثالًا لطلبها، دون أن يشك و لو للحظة في انها قد تخدعه، القى بجسده فوق المقعد الجلدي بتعب، يفرك وجهه بكلتا يديه قبل أن يقوم بجذب هاتفه، ليتذكر بأنه يحتفظ بتسجيلات المكالمات، فأخذ يبحث عن مكالمتها الأخيرة مع والدتها، ليعرف على ضالته، فقام بتشغيل التسجيل، و إذا به يُصدم حين سمع تلك المكالمة، و كيف أن تلك المرأة تحاول تسميم عقلها، و تخريب حياتهم، و بالرغم من اعتراضاتها على حديث والدتها، و لكنه لم يزيده إلا غضبًا حارقًا جعله ينهض من مكانه، و يتوجه إلى سيارته التي كان يقودها مغلولًا من تلك المرأة التي لا تنفك على تسميم حياتهم، و تلك الغبية التي تعطيها الفرصة لذلك، ليوقف سيارته أمام منزل مرزوق، متوجهًا الى الباب يدقه بعُنف،
ليفتح مرزوق الباب، و الذي تفاجيء به، و خاصةً حين رأى ملامحه المتجهمة و عينيه التي كانت تشعر غضبًا حارقًا ليقول الرجل بوجل:
ـ أهلًا يا ياسر يا ابني، في حاجة و لا أيه؟
ياسر بجفاء:
ـ عايز اتكلم معاك شوية…
مرزوق بقلق:
ـ طب اتفضل نتكلم جوا..
تربع ياسر فوق المقعد في غرفة الضيوف، ليقول مرزوق بنبرة ودودة:
ـ تشرب أيه؟
قاطعه ياسر بجفاء:
ـ أنا مش عايز أشرب حاجة، أنا جاي اتكلم معاك في موضوع مهم..
جلس مرزوق في المقعد المقابل له وهو يقول بقلق:
ـ في أيه يا ابني؟ قلقتني، أنت اتخانقت انت و غنى و لا أية؟
ياسر بجفاء:
ـ هتعرف كل حاجة دلوقتي، لكن قبل ما اتكلم عايزك تتصل على حماتي، و تقولها تجيب بنتها و تيجي على هنا حالًا…
مرزوق بلهفة:
ـ دول راحوا يشوفوا عمك عزام أصله تعبان شوية..
ياسر بغضب:
ـ دا اللي أنا و أنت نعرفه، لكن اللي هما بيعملوه غير كدا..
ـ تقصد أيه يا ياسر؟
هكذا استفهم مرزوق الذي اختفت الدماء من وجهه، ليقول ياسر بحدة:
ـ اتصل عليهم الأول، و هتعرف كل حاجة…
جذب مرزوق هاتفه و قام بالاتصال بزوجته التي ما أن أجابت حتى صاح فيها بحدة:
ـ أنتِ فين يا صابرين انتِ و بتك؟
صابرين بارتباك من نبرته، و استفهامه:
ـ عند رضا أختي، مانا قيلالك ان عزام تعبان و رايحين نشوفه، في حاجة ياخويا؟
مرزوق بنبرة صارمة:
ـ خمس دقايق، و تكونوا قدامي أنتِ وهي…
أوشكت على الحديث، فقام بإغلاق المكالمة و التفت إلى ياسر قائلًا بتفاذ صبر:
ـ ممكن تعرفني في أيه بقى؟
لم يتحدث ياسر إنما قام بإدارة التسجيل، ليصدح صوت صابرين في أرجاء المكان:
ـ اسمعيني كويس، و فتحيلي دماغك كدا، أنا من ساعة ما قفلت معاكي العصر، و سمعت كلام اللي ما تتسمى، و انا عقلي مبطلش تفكير، و لقيت حل أنما أيه عشرة على العشرة
غنى بعدم فهم:
ـ حل لأيه يا ماما؟ انا مش فاهمة انتِ بتتكلمي عن أيه؟
صابرين بحدة:
ـ يا بت ركزي معايا، أنتِ خيبة على طول كدا ليه؟ مش قولتلك عايزين نطمن على موضوع الخلفة دا، عشان لو لا قدر الله لو في حاجة نلحق نعالجها قبل الحرباية اللي عندك دي ما تخرب عليكِ…
عادت مخاوفها تهاجمها بشراسة لكنها هتفت بحدة:
ـ انا كمان فكرت، و قررت اني هطلب من ياسر أننا نروح للدكتور عشان نطمن..
صاحت صابرين بفزع:
ـ الله يخربيت هبلك، اوعي تكوني كلمتي جوزك في حاجة زي كدا!
غنى بتلعثم:
ـ في أيه يا ماما؟ لا مكلمتوش لسه.
صابرين بلهفة:
ـ طب الحمد لله، اسمعيني يا عبيطة يا هبلة، بقولك لو في حاجة عايزين نلحقها عشان منحطش صوباعنا تحت ضرس هيام، تقومي تروحي تسلميلها رقبتك..
هتفت غنى بانفعال:
ـ يا ماما أبوس إيدك كفاية ألغاز انا اعصابي اتحرقت، قولي عايزة أيه على طول..
صابرين بتخطيط:
ـ البت صفاء جارتنا بتشتغل في عيادة دكتورة نسا شاطرة أوي مش بعيد عننا، أنا خلتها تحجزلنا عندها بكرة عشان نروح نكشف عليكِ و نطمن، و لا مين شاف و لا مين دري..
غنى بسخط:
ـ بتحجزي ليه من غير ما تقوليلي، افرض ياسر مش فاضي بكرة… لحظة واحدة ماما هو أنتِ عيزاني أروح من ورا ياسر؟
قالت جملتها الأخيرة بذهول قابلته صابرين بسخط:
ـ أيوا ياختي من ورا ياسر، عيزاه يروح يقول لأخته مراتي عندها مشكلة في الحمل، عشان تجري هي تجيبله عروسة، ماهي هتموت وتشمت فينا..
غنى بحدة:
ـ ماما هو انتِ طبيعية؟ عيزاني اخرج من ورا ياسر! دا كان يطلقني..
صابرين بتقريع:
ـ وهو هيعرف منين ياختي! بيضرب الودع! جمدي قلبك عشان تعرفي تعيشي مع الحرباية اللي عندك دي، لازم تشغلي دماغك، المهم هنروح بكرة على الضهر كدا.
غنى بنبرة مُلتاعة:
ـ انا مش هعمل كدا، مش هكذب على ياسر، و حتى أو مبخلفش هقوله مش هخدعه، انا بهدلته كتير معايا.
صابرين بمسكنة:
ـ يابت تفي من بقك، احنا هنروح كشف عادي زي ما كل الستات بتكشف، نطمن عليكي بس، و بعد كدا قوليله اللي أنتِ عيزاه. أقولك ؟ لو مش عايزة تكذبي عمك عزام تعبان قوليله انك رايحة تشوفيه، و كدا كدا الدكتورة مش بعيد عن بيت خالتك، قوليله عرفت ان في دكتورة نسا هناك قولت أخليها تبص عليا عادي موضوع بسيط أوي..
نجحت كلماتها في تحجيم خطورة الأمر، و تبرير الكذب بطريقة منمقة، لتصمت غنى قليلًا قبل ان تستمع الى صوت ياسر يخرج من الحمام، فهتفت بلهفة:
ـ طيب يا ماما هبقى اكلمك تاني..
اغلق ياسر التسجيل و هو ينظر إلى ملامح مرزوق الذي كان الغضب يتبلور بوضوح في ملامحه، و الذي تضاعف حين قال ياسر:
ـ أيه رأيك في اللي سمعته يا حاج مرزوق؟
كان الحرج و الغضب باديان على ملامحه، و تخلل الارتباك نبرته حين قال:
ـ حقك تزعل يا ابني…
قاطعه ياسر غاضبًا:
ـ حقي أقولك بنتك عندك يا عم الحاج، خليهالك مش عايزها، مش أنا مش راجل هايف عشان مراته تضحك عليا و تقولي أنها رايحة مكان وهي رايحة مكان تاني.. الكلام دا يصح؟
مرزوق بغضب:
ـ لا طبعًا ميصحش، بس لما ييجوا انا هشوف شغلي معاهم.،
ياسر بجفاء:
ـ تشوف شغلك مع مراتك، مراتي أنا كفيل بيها، كل اللي أنا عايزة منك، حماتي ملهاش علاقة ببنتها، و لا مراتي هتيجي هنا تاني. انا كدا غلطان يا عم مرزوق؟
الأمر يبدو في ظاهره يبدو مُجحفًا، ولكن في هذه الحالة لا يملك وسيلة للرفض بعد ان وضعته زوجته و ابنته في هذا الموقف المحرج ليقول على مضض:
ـ عداك العيب يا ابني…
قاطع حديثهم صوت باب البيت يُفتح، لتظهر صابرين و خلفها غنى التي تجمدت في مكانها حالما رأته، و خاصةً حين لمحت الغضب بادٍ على ملامحه، و الشرر يتطاير من عينيه، لتهمس بخفوت:
ـ ياسر…
صاح مرزوق بغضب:
ـ اقعدي أنتِ و هي…
حاولت صابرين تهدئة الأمر، فقد فطنت بأن مخططهم قد انكشف، لتهتف بترحيب:
ـ يادي النور، الريس ياسر عندنا؟ طيب مش تقولي يا غنى أن ياسر جاي ياخدك؟ عشان كنت عملتله غدوة حلوة، طب والله و ماليك عليا حلفان دانا مربية دكرين بط يا ياسر أنما أيه يستاهلوا بقك، و كنت ناوية اعملك محشي ورق العنب اللي بتحبه، و اعزمك أنت و غنى..
لم يكُن يُبالي بحديثها إنما كان منشغل بعتب قاسي أرسلته عينيه لتلك التي كادت تذوب الشمعة من فرط الخوف، لتسمع والدها يقول بحدة:
ـ بط أيه و وز أيه أنتِ كمان! بتك مش هتدخلك بيت تاني…
شهية مختنقة خرجت من فم غنى، بينما صابرين صاحت بانفعال:
ـ كلام أيه اللي بتقوله دا يا أبو غنى؟
مرزوق بحدة:
ـ اللي سمعتيه، الست اللي تقوي بنتها، و تخليها تكذب على جوزها، و تقوله أنها راحة مكان و هي راحة مكان تاتي تبقى متستحقش حد يبص في وشها…
ارتبكت صابرين من حديث مرزوق، لتحاول تجميل الموقف حين قالت بلهفة:
ـ كلام أيه دا يا أبو غنى؟ انا هقوي بنتي على حوزها! و لا أخليها تضحك عليه؟ احنا بس مكناش عايزين نشغله، و لا نقلقه، قولنا نطمن على البت مش أكتر..
تدخل ياسر هاتفًا بصرامة:
ـ بنتك دي مراتي، أنا اللي ملزم بيها مش أنتِ، لما تعوز تطمن على نفسها أنا اللي أروح و أجي بيها، انما تروح من ورايا معاكِ يبقى أنا مش مالي عينها..
صاحت غنى باندفاع وهي تبكي بقوة:
ـ بس أنا مروحتش في أي مكان والله..
حدجها بغضب تجلى في نبرته حين قال:
ـ الكلام مش ليكِ يا هانم.
اخفضت رأسها، و هي تبكي بصمت، ليلتفت ياسر ناظرًا إلى مرزوق، وهو يقول بجفاء:
ـ أنا حطيتك في الصورة عشان مترجعش تلوم عليا في حاجة، و هقولها لمراتي قدامك، مفيش مجي هنا تاني و لا حتى مكالمات في التليفون، سمعاني يا غنى؟
غنى بصدمة:
ـ هتمنعني عن أهلي يا ياسر؟
هب ياسر من مقعده وهو يقول بحدة:
ـ دا اللي عندي يا بنت الناس، و الاختيار ليكِ..
رفعت رأسها تناظره بصدمة متزوجة بألمٍ قاتل، فلأول مرة تعهده قاسيًا على هذا النحو، فأخذت تعاتبه بصمت ليُدير رأسه إلى الجهة الآخرى، لتشعر بالإهانة من طريقته، و لكن جاء صوت والدها ليحسم الأمر حين قال بصرامة:
ـ روحي مع جوزك يا غنى، جوزك عداه العيب، مفيش واحدة محترمة تكذب على جوزها، أو تقوله رايحه في مكان وهي رايحه في مكان تاني. حتى أو كان السبب أيه، الكذب مالوش مبرر..
أنهى جملته، و ألتفت ناظرًا إلى ياسر، وهو يقول بأسف:
ـ حقك عليا يا ياسر يا ابني، و اللي حصل دا مش هيتكرر تاني..
ياسر بنبرة خشنة:
ـ و أنا عشان عارف انك راجل محترم، و مش هتقبل بالغلط جيتلك.
مرزوق بنبرة خافتة:
ـ تسلم، و تعيش يا ابني، و بالنسبة لموضوع الشراكة دا، ياريت نفضها، لأني دلوقتي بس عرفت هي جت ازاي..
تحمحم ياسر قبل أن يقول بنبرة هادئة:
ـ الشغل اللي بيننا بره عن المواضيع دي كلها، و مفيش واحدة فيهم ليها أنها تدخل فيه.
التفت ناظرًا إلى صابرين التي لم تكُن تقوى على رفع رأسها في مواجهة كُلًا من زوجها، و ياسر الذي اضاف بنبرة حادة كالسيف:
ـ و لو مفكرة يا حماتي أني عشان بحب بنتك، فهي ممكن تمشيني، غلطانه، و لو مفكرة بردو ان هيام ممكن تمشي عليا تبقي غلطانه اوي، أنا الريس ياسر الوايدي و متخلقتش لسه الست اللي تمشي كلمتها عليا…
اومأت صابرين برأسها بلهفة وهي تقول:
ـ طبعًا ياخويا، حد يقدر يقول غير كدا…
غادرت برفقته دون أي حديث، و لكن صدى انفاسه المسموعة كان يفوق هدير السيارة التي كانت تنهب الارض، حتى خُيل إليها أنها كانت تطير كنسرٍ جارح يبحث عن فريسته، و لكنها أبت أن تكون هي تلك الفريسة لذا التزمت الصمت إلى أن وصلا سويًا إلى البيت، ليخطو إلى الداخل، وهي بجانبه، فوجدوا كُلًا من يزيد و هيام يجلسان سويًا في الصالة، فرمقها شذرًا وهو يقول بنبرة آمرة:
ـ اطلعِ على فوق….
اومأت برأسها دون حديث لتهرول إلى غرفتهم، و اتجه هو إلى حيث يجلسا، فهتف بنبرة حادة لا تقبل جدلًا، و لا تحتمل نقاشًا:
ـ هما كلمتين ملهمش تالت عشان نفض الليلة دي، و اخوكي هيشهد عليهم، عشان مش هعيدهم تاني…
هبت هيام من مكانها وهي تقول بلهفة:
ـ في أيه يا ياسر؟
ياسر بقسوة:
ـ والله، والله، والله يا هيام، لو عرفت أنك دوستِ لغنى على طرف، لهتبقى قطيعة بيني و بينك العمر كله، و اياكِ تفكري تتدخلي في حياتنا، و لا تقوليلها حرف واحد سامعه؟
تبادلت هيام النظرات بينها و بين يزيد لتقول بتلعثم:
ـ أنا عم، عملت ايه يا ياسر؟
تجاهل حديثها، و هتف بنبرة أفزعتها:
ـ سامعة ولا لا؟
التفتت هيام الى يزيد وهي تقول بنحيب:
ـ سامع يا يزيد أخوك بيكلمني ازاي؟
يزيد بتعقل:
ـ أخويا من حقه يدافع عن بيته يا هيام، لو انتِ باقية عليه اسمعِ كلامه الموضوع بسيط..
إن لم يجد الظالم من يسانده في ظلمه، فحتمًا لن يتمادى، و قد كان هذا حالها في تلك اللحظة، فقد كانت ترى التيار يسير في عكس اتجاهها لذا اذعنت لحديث ياسر و قالت بنبرة منكسرة:
ـ حاضر يا ياسر…
التفت ياسر مندفعًا إلى الأعلى، ليدلف إلى باب الغرفة و يدفعه بقوة، ثم يقوم بإغلاقه بنفس القوة لتنتفض غنى في مكانها مفزوعة، لتُصدم حين رأت ذلك التعبير في عينيه، و الذي كان أبعد ما يكون عن الحب، و اقرب بكثير من القسوة التي تجلت في نبرته حين قال:
ـ و أنتِ بقى يا هانم أيه قصتك؟ فكرتي اني راجل هايف هتقدري تضحكي عليه، و تمشيه بمزاجك؟ ردي عليا…
قال جملته الأخيرة صارخًا للحد الذي جعلها تنتفض بقوة وهي تطلق العِنان لشهقاتها و نهنهاتها التي ضاق بها صدرها، ليقترب منها وهو يجذبها من مرفقها بقوة آلمتها، و لكن ألمه كان أكبر بكثير خاصةً حين هتف بنبرة رغم حدتها، و لكن كان الألم يفوح منها:
ـ فكرتي ان حنيتي عليكِ و حبي ليكِ ضعف؟ للدرجادي خليتك تستهتري فيا؟
كانت تتألم كما لو أن روحها على وشك ان تفارقها، لتتعاظم شهقاتها وهي تهتف من بين نهنهاتها:
ـ والله أبدًا، إنا مردتش أروح معاها…
صاح بها بقسوة كانت نابعة من ألمٍ عظيم يتمشى بصدره كالسُم:
ـ أنتِ بتستعبطيني! مش دا اتفاقكوا امبارح؟ انك تضحكي عليا و تقوليلي أنك رايحة تشوفي جوز خالتك، و من هناك تطلعوا على الدكتور؟ بتكذبِ عليا و إنتِ عينك في عيني!
اندفعت صارخة من بين بكائها المرير:
ـ والله روحت معاها عند خالتي بس، مردتش أروح في اي مكان تاني، من غير ما أقولك..
تركها بغتة وهو يقول بحدة:
ـ أسكتِ، أنا مش طايق اسمع صوتك، أنا اللي غلطان، أنا اللي دلعتك أوي لحد ما فرغتي عينك مني.. لكن ماشي يا غنى ملحوقة، و غلطي هصلحه…
أنهى جملته وهو يشيعها بنظرات حادة كالسيف قبل أن يغادر و يتركها خلفه فريسة بين أنياب الذنب و الألم….
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ». ❤️
♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎
ـ حاسة أن قلبي هيقف يا سوزي، مش قادرة اتخيل اللي حصل دا حصل ازاي؟ و ازاي يشكوا فيا؟
هكذا تحدثت آسيا وجسدها يرتجف بقوة و كأنه أصيب بحمى القهر، لتحاول سوزان تهدئتها قائلة:
ـ اهدي يا نور عيني، و بطلي عياط، محدش يقدر يشك فيكِ. أكيد هما اتصدموا بس، و أنتِ عارفة الخسارة كانت جامدة قد أيه؟
آسيا بنبرة مُشبعة بالألم:
ـ أنا معرفش دا حصل ازاي؟ والله ما أعرف، انا عمري ما كنت خاينة ولا وحشة؟ بس هي العيلة دي كلها كدا، معندهمش مشكلة يظلموا الناس و يهينوهم، أنا مش هقعد هنا و لا لحظة بعد كدا…
عند هذه الجملة انفتح باب الغرفة، و أطل منه كمال الذي كانت نظراته غامضة يصعب تفسيرها، و كذلك نبرته حين قال:
ـ معلش يا سوزي، ممكن تسبينا شوية مع بعض؟
التفتت تناظره بحدة:
ـ لا معلش أنت، أنا ماشية من البيت دا، و مش قاعدة فيه ثانية واحدة و لا عايزة اتكلم مع حد منكوا…
لم يلتفت إلى حديثها، بل نظر إلى سوزان التي نهضت متوجهة إلى باب الغرفة ثم أغلقته خلفها، لتستدير آسيا و تنظر الى النافذة بقلب يأكله الألم، و تفترسه مرارة الظلم، لتشعر به يقترب منها حتى شعرت بحرارة جسده من الخلف، فتناثرت العبرات كالسيل من عينيها، لتسمعه يقول بنبرة خشنة:
ـ أول مرة أشوفك كدا يا آسيا؟
هتفت بنبرة ملتاعة:
ـ و آخر مرة تشوفني أصلًا…
كمال بنبرة عابثة:
ـ اتكلمي على قدك..
استدارت بحدة وهي تصيح من بين عبراتها:
ـ أنت بتهزر؟
مد أنامله يمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرته حين قال:
ـ لا مبهزرش، بس أنا فعلًا أول مرة اشوفك ضعيفة كدا، مش لايق عليكِ أصلًا، فين القادرة بتاعتي اللي مبيهمهاش حد؟
صاحت آسيا بنبرة مقهورة:
ـ تعبت، مبقاش فيها طاقة تحارب، كل ما أجي أقف على رجلي، ييجي حد منكوا يخسف بيا الأرض، انا وقعت و قومت بدل المرة مليون..
كمال بلهفة وهو يحتوي وجهها بين كفوفه:
ـ و هتقومي المرة دي كمان، و لو طاقتك خلصت زي ما بتقولي أنا هسندك…
كانت كلماته كالضماد التف حول جراحها، فهدأت قليلًا، و لأول مرة تترك العِنان لضعفها أن يقودها أمامه، لتهمس بنبرة يشوبها الرجاء:
ـ أنت صدقت أن أنا ممكن اعمل حاجة حاجة زي دي! صدقت أني ممكن أكون خاينة؟
كمال بنبرة رخيمة:
ـ تفتكري لو صدقت كنت هبقى معاكي دلوقتي؟ أنا عمري ما أصدق انك تعملي حاجة زي كدا، و عارف أن خالد كمان استحالة يصدق. بس في نفس الوقت أنا بعذره في غضبه و عصبيته، أنتِ عارفة الوضع عامل ازاي؟
أخفضت رأسها تبكي بقوة فضمها إليه بحنو، ليستمع إلى صوتها تقول:
ـ أنا معرفش دا حصل ازاي؟ إنا مبعتش حاجة، و مكنتش اعرف الراجل دا مين والله ما كنت أعرف…
شدد من إحتوائها، وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ مش مضطرة تحلفي أنا عارف انك مكنتيش تعرفي، و هعمل المستحيل عشان اعرف اللي حصل دا حصل ازاي، و مين اللي عمل كدا؟
رفعت رأسها تناظره بتعب و العبرات تنساب فوق وجنتيها تحفران الأسى فوق ملامحها الجميلة، لتهمس بخفوت:
ـ أحضني يا كمال.
لم يدعها تُكمِل جملتها، بل اندفع يحتضنها بقوة، يسكب حنانه فوق ملامحها، و خصلات شعرها، و كلماته الدافئة تطمأنها، لتمر عدة ساعات وهي غافيه بين ذراعيه، ليستمع إلى صوت هاتفه يهتز، فتركها ليلتقطه، فوجد رقم عمر، فسرعان ما خرج من الغرفة ليجد الأخير في الأسفل، فتوجه إليه ليبادره الأخير القول:
ـ أنا عرفت خالد فين..
كمال باقتضاب:
ـ يبقى يالا بيننا…
♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎
كانت نائمة فوق مخدعها تنظر أمامها بشرود، و ملامح تسيدها الوجوم، لتجد أحد الفتيات تدلف إلى داخل الغرفة، وهي ممسكة بصينية مستديرة فوقها جميع أصناف الطعام الشهي، لتهتف نجاة بحدة:
ـ خدي الوكل ده، و اطلعي بره، معيزاش آكل..
لكن الفتاة لم تعطيها إهتمامًا بل تقدمت إلى الداخل لتضع الطعام فوق الطاولة، مما جعل الغضب يجتاحها و يتشعب إلى نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ يا بت أنتِ مش بقولك اخرجي. معيزاش آكل…
تفاجئت حين ارتكت الفتاة أسفل قدميها تمسك بيدها، وهي تقول:
ـ أحب على يدك يا ست نجاة، كلي من يدي، سيدي رماح بيه جال اللي هتخليكي تاكلي هتاخد مكافأة كبيرة جوي، و أني غلبانه، و محتاجة الفلوس دي…
كادت نجاة ان تصرخ في وجهها، و لكنها تفاجئت حين دست الفتاة بيدها كيس قماشي أسود و تابعت بهمس:
ـ سيدي رحيم باعتلك ده عشات تِعرفي تكلميه، ادخلي الحمام، و أني هستناكِ أهنه..
تزاحم النبض في أوردتها، و خشيت من أن يكُن الأمر مجرد فخ لتسمع الفتاة تخبرها بخفوت:
ـ بأمارة أسطبل الخيل..
ارتاح قلبها قليلًا، لتقوم بجذب يدها من يد الفتاة، وهي تقول بحدة مفتعلة:
ـ طب اوعي يدك دي، هجوم اغسل وشي و آجي….
اخذت تفحص الهاتف، بعد ان اغلقت عليها باب الحمام، لتجد رسالة على الهاتف من رقم رحيم الخاص محتواها:
ـ اطمني، و كلميني…
على الفور قامت بالأتصال به، ليأتيها صوته المُشتاق على الطرف الآخر:
ـ نجاة..
ما أن سمعت صوته حتى هتفت بلهفة:
ـ رحيم..
صاح بلوعة:
ـ وحشتيني يا روح جلب رحيم.. طمنيني عليكِ..
نجاة بنبرة أقرب إلى البكاء:
ـ أني بخير، ناجصني أشوفك، واطمن عليك..
رحيم بنبرة غليظة:
ـ أني بخير، و جريب جوي هخلصك من السجن ده، بس انتِ اصبري عليا..
نجاة بلهفة:
ـ هتعمل أيه؟
ـ ملكيش صالح، جوليلي عرفتي من أمك حاجة عن الرموز دي؟
هكذا تحدث رحيم باستفهام، قابلته بخيبة الأمل حين قالت:
ـ أبوي جه الفجر، وهي استحالة هتتكلم، و هو أهنه.
رحيم بنبرة حانقة:
ـ و لا هتتكلم خالص، طول ماهي عِندك، اسمعيني زين، البت اللي جتلك دي هتعرِف توصلني بيكِ في أي وجت، و أني بخطط لحاجة هتخلصك أنتِ و أمك منيه، تسمعي اللي هجولك عليه زين، و تنفذيه بالحرف…
نجاة بلهفة:
ـ سمعاك…
اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأغْنِنِي بفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».❤️
♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎
ـ قررت أيه يا خالد؟
هكذا تحدث سالم الوزان، وهو ينظر إلى خالد الذي كان شاردًا في البعيد، بملامح واجمة، و أعيُن حادة كالصقر، ليُجيبه بنبرة جافة:
ـ هرد الضربة عشرة…
سالم بتحذير:
ـ أنا معاك، بس خلي بالك، أن أيًا كان اللي ناوي تعمله، ميقصرش على اللي بقالك كتير بتخططله..
خالد بشرود:
ـ طب أيه رأيك لو استعجلنا اللي بخططله؟
سالم بجمود:
ـ هتكون مجازفة، لازم مستعد لنتايجها ايًا كانت هي أيه…
كان خالد يقف أمام النافذة من مكتب سالم في شركته، ليرن هاتفه و الذي كان للحارس الذي أخبر سالم بأن عنر الوتيدي، و كمال الوتيدي في الأسفل، ليأمره بإدخالهم، و فور أن وصل كمال إلى الداخل حتى صاح غاضبًا:
ـ ياريت تكون هديت عشان نعرف نتكلم..
لم يلتفت خالد إنما أجابه بنبرة جافة:
ـ لو عندك جديد قوله..
صاح كمال غاضبًا:
ـ أنا عارف انك استحالة تصدق ان آسيا ممكن تعمل حاجة زي دي…
استدار خالد و هو يزأر بوحشية:
ـ ليه؟
كمال بغضب كان كالحجيم:
ـ عشان باختصار هي مش خاينة، و انت عارف كدا…
خالد بنبرة حادة كنصل السكين:
ـ ورق المناقصة اتبعت من على الإيميل بتاعها، في توقيت قاتل، و صورها اللي معاه كل دي مش أدلة ضدها
كاد كمال أن يُجن من حديث خالد مما جعله يصرخ كالملدوغ:
ـ كلها أدلة مفتعلة عشان تبقى ضدها، وهي حكت قدامك علاقتها بيه بدأت ازاي، و أنا مصدقها..
صاح خالد بقسوة مرعبة:
ـ و أنا مش مصدقها…
برقت أعيُن كمال و أخذ يضم قبضته بعُنفد و كأنه يحاول السيطرة على غضبٍ كان كفيضانٍ غاشم لن يعوقه أي سد، ليقف الشقيقان، و لأول مرة في مواجهة حامية على مرأى و مسمع من سالم الهاديء، و عمر المتحفز للتدخل في أي وقت أن بدأت المعركة، و لكن تراجع كمال خطوتين إلى الخلف، وهو يقول بنبرة أهدأ و لكنها كانت قوية:
ـ و انا بقولهالك للمرة المليون آسيا مش خاينة..
تفاجيء من حديث خالد حين قال بنبرة هادئة برغم قوتها:
ـ يبقى تثبتلي دا، بدل ما انت واقف قصادي تزعق و تعلي صوتك، روح أثبت برائتها
كمال بعتب قاسي:
ـ عندك حق، أنا مينفعش أقف قصادك و اعمل كدا، عشان دا بالظبط هو الغرض من اللي حصل مع آسيا. حقك عليا، و هثبت برائتها، بس وشرف أمي يا خالد ما هرحم اللي عمل فيها كدا، سواء كان قريب أو غريب، و بقولهالك قدامهم أهو، مش هرجعلك في أي حاجة هعملها.
رفع كمال يديه الإثنان إلى الأعلى، وهو يقول بهدوء قاتل:
ـ حق مراتي آخده بالشكل اللي يريحني..
خالد باختصار:
ـ و أنا موافق…
كمال بجفاء:
ـ يبقى متفقين… يالا يا عمر….
غادر عمر خلفه دون أي حديث، لينظر سالم إلى ساعته وهو يقول بجمود:
ـ أعتقد انك فعلًا لازم ترد الضربة عشرة، عشان طول ما أنت حاسس أنك اتهزمت كدا هتفضل مش عارف تتعامل.
ابتسامة مرعبة اعتلت ثغره، وهو يقول باختصار:
ـ دا اللي قولته من الأول..
اللَّهُمَّ إِني عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي»❤️
♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎♡♥︎♥︎♥︎
وصل الإثنين إلى القصر ليلتفت عمر ناظرًا إلى كمال وهو يقول بهدوء:
ـ عارف ان اللي هقوله صعب بالنسبالك، و هيبقى صعب بالنسبالي لو كنت مكانك، بس خالد معذور، العيلة دي الكل بيضرب في بعضه، متعرفش مين بيحب مين، و مين بيكره مين؟ صدمته كانت صعبة، حتى لو هو عارف معدن آسيا كويس، الشغل مالوش علاقة بالعواطف…
اومأ كمال برأسه، ليُضيف عمر بجمود:
ـ احنا محتاجين نفرز كل الناس اللي حوالينا، و نتأقلم مع فكرة أن مش كل اللي بنحبهم كويسين، و يستحقوا الحب دا..
زفر كمال بتعب تجلى في نبرته حين قال:
ـ عندك حق.. أنا مش حاسس بالأمان مع أي حد من اللي حواليا، في حاجة غريبة في البيت دا، تخليك مش مرتاح، مش قادر تبقى مطمن…
ربت عمر فوق كتفه، وهو يقول بنبرة ساخرة:
ـ الحاجة الوحيدة اللي مريحاني أن احتمال خالد يتجنن، و يخلص علينا كلنا في يوم…
ابتسم كمال على حديثه ليتركه عمر و يتوجه إلى قصرهم، و في مكانِ آخر تحديدً في الملحق صدح صخوت سعاد الساخر، وهي توجه حديثها إلى نبيلة قائلة:
ـ أيوا أنا اللي خليت زينة تكلمك، و كنت عارفة انك ما هتصدقي تجبيها هنا عشان تكدري أشجان، و تبوظي علاقتها بخالد، و كنت متفقة معاها أنها تضحك عليكِ و تجاريكِ في موضوع خالد، لكن في الحقيقة هي كانت بترسم على عز، عشان تخليه يحبها و يرميكي زي الكلبة، و أهو حصل… قوليلي إحساسك أيه بقى، لما اتهانتِ و اطلقتي، و اتبهدلتي كدا؟
شهقت نبيلة بذهول، و وضعت يدها فوق رأسها وهي تشعر بالأرض تدور بها، لتجحظ عينيها بغضب بعد أن استوعبت ما أُلقي على مسامعها منذ لحظات، فهتفت بجنون:
ـ يعني أنتوا كنتوا بتلعبوا بيا الكورة أنتِ و الكلبة التانية دي؟
سعاد بشماتة:
ـ تخيلي! و بعدين أنتِ زعلانه ليه؟ دي حقوق و بترجع..
بلغ الغضب منها مرحلة خطيرة، لتخطو تجاهها و الجنون يتبلور في عينيها و نبرتها حين قالت:
ـ حلو، أنا بقى هاخد حقي منك دلوقتي حالًا…
أنهت جملتها و اندفعت تجاهها تحكم يديها حول عنق سعاد بقوة ووووو
