رواية النغم الحزين الفصل التاسع والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كان نايم نوم عميق بعد ليلته معاها اللي قضاها في حضنها أغلبها حكاوي وطبطبة على مشاعرها اللي ياما إتجرحت سنين وسنين وهو مكانش موجود في حياتها، صحي على صوت أنينها اللي بتحاول تكتمه وميطلعش علشان متزعجهوش لحد ما بقتش عارفة تتحكم في وجعها فشهقاتها عليت شوية، قام مفزوع وهو بيسألها بحنان بقلق وبيرجع شعرها اللي مداري وشها:
ـ مالك يا "نغم" هتبكي ليه عاد؟
شكلك هيقول إنك هتبكي من بقالك كَتير، مالك يا حبيبي؟
جاوبته بشهقات عالية وهي بتحط ايديها على بطنها:
ـ الطلق جاي لي من الفجر وخلاص مقدراش أتحمَل؟
برق عينيه بصدمة وقام مفزوع وهو بيبص حواليه من التوتر لحد ما لمح تليفونه:
ـ طب هتتحملي الوجع من الفجر لحالك ليه مصحتنيش، وليه هتكتمي صوت بكاكي؟
ردت بالعافية وهي حاسة بألم شديد وأخيراً بقت تتوجع بصوت ووشها باهت:
ـ متعوَدة على اكده علشان مقلقكش وياي، يعني مش أول مرة أولد؟
كان بيلبس جلابيته وبيلم حاجته:
ـ يعني إيه متعوَدة، وكيف يعني متقلقنيش؟
نزلت عيونها في الأرض وافتكرت أول مرة إتوجعت فيها من الطلق لما كانت على ذمة "سمير" كان بيزعق لها لو طلعت صوت علشان متقلقهوش وهو نايم وتزعجه بصوت بكاها، عودها إنها تتألم في صمت علشان كانت عارفة العقاب بتاعه وشدته عليها، وقرب منها وهو بيشيلها:
ـ خلاص مش وقته كلام، يالا هوديكي المستشفى اللي مدام "رحمة" قالت عليها، وفي الطريق نكلَّم الدَكتورة "سكون" اللي تابعنا وياها آخر شهر تاجي تولدك بنفسها.
إعترضت على إنه يشيلها ويخرج بيها قدام كل اللي موجودين وخصوصاً أمه لأنها بتقضي فترة الصبح دي كلها في الجنينة هي وأبوه وطلبت منه وهي موجوعة:
ـ لااااه نزلني أني هعرف أمشي لحالي.
مسمعش كلامها ورد بتصميم:
ـ لاااه بزياداكي وجع متشغليش بالك.
سألته بنبرة مخنوقة من الوجع:
ـ طب ليه نقلق الدَكتورة على الصبح اكده، نروح المستشفي واللي موجود هناك يولدني؟
بص لها بتصميم:
ـ لاااااه أي حد كيف يعني؟!
هي الدكتورة داي اللي هتولدك إنتي متابعة معاها من بقالك شهرين ودي شغلها والست مهتتأخرش عنك قالت لك وقت ما ياجي لك وجع الولادة نكلمها طوالي.
نزل بيها جري كان أمه وأبوه قاعدين في الجنينة بيفطروا فسأله أبوه بقلق وفهم طبعاً من منظر "نغم" إنها هتولد:
ـ إيه يا ولدي هو دي وقتها ولا في حاجة تانية لاسمح الله؟
جاوبه "سند" وهو بيصبح عليهم باستعجال:
ـ صباح الخير يا أبوي، صباح الخير يا حاجة، أه يا أبوي ادعي لها تقوم بالسلامة، عن إذنكم.
دعا لهم من قلبه:
ـ روحي يابتي ربنا يقومك بالسلامه وترجعي لاولادك مجبوره الخاطر ويجعلها ساعه سهله عليكِ يلا يا ولدي روحي ربنا معاكم.
وبعد ما مشيوا لاحظ نظرات "رابحة" اللي بتطلع شرار من وشها فاستغل الفرصه أنهم لوحدهم واستغل فرصه إن "نغم" هتولد يمكن تكون دي البدايه للهدنة بينها وبين "سند" وكمان "نغم":
ـ مالك هتطلعي عليهم اكده ليه كانك هتاكليهم ما عَجبكيش طبعا إن ولدك شايل مرته اللي هتتوجع من ألم الولادة ولا إيه يا "رابحة"؟
مطت "رابحة" شفايفها بسخرية وهي بتجاوبه:
ـ ما كلاتنا ولدنا قبل كده ما حدش كان هيحملنا يعني ولا هو دلع على الفاضي حتة عيلة صغيرة ملهاش ريحة اللازمة عرفت تاكل بعقل ولدك حلاوة؟
ضرب بعصايته على الأرض بغضب وحذرها:
ـ بزياداكي عاد بقى يا "رابحة" السم اللي هتطلعيه من بقك دي، بزياداكي حقد هتعيشي وتموتي بيه على حتة عيلة لا حول لها ولا قوة كل ذنبها أنها وقعت تحت يدك وكل ذنبها إن أبوها راجل ما يعرفش ربنا الله يرحمه في تربته سلمها لعيل خسيس وأنتِ وابنك فضلت تذلوا فيها العمر دي كلاته.
وكمل بنفس نبرة الغضب وهو ذات نفسه جوزها أبو ولادها ما بقاش طايقها بسبب أسلوبها وطريقتها:
ـ بزياداكي سواد قلبك دي من ناحيتها كفاية أنك كنت هتستغلي مرضي ورقدتي وما كنتش هقدر أدافع عنيها وعن ظلمك ليها أنتِ وولدك؟
"رابحة" اإتعصبت جداً من كلامه ومصدومة من طريقة تعنيفه ليها وعلت صوتها عليه:
ـ جرى لك إيه عاد يا واش يا واش، كنت عملت إيه زيادة أني عن الحموات واللي هيعملوه؟ بعد العمر دي كلاته هربي في ولادك هتطلعني قلبي أسود وهتشتم فيا بزياداك أنت تســ..ـمم بَدن مَرتك أم ولادك علشان البت داي.
لوى شفايفه بسخرية وهو بيضرب كف على كف من تفكيرها المريض وهب فيها وسمعها كلام أول مرة تسمعه منه:
ـ يا ولية إنتي كبرتي وبقيتي جده وأحفادك بقوا أطول منك احترمي سنك واحترمي اللي باقي من عمرك ولمي ولادك وحريمهم كلاتهم حواليكِ بالمحبة مش بالكره، صدقيني هياجي يوم من الأيام عليكي وفي عز شدتك وااحتياجك ليهم هتلاقيكي لحالك وبطولك ما حدش حتى هيرضى يناولك بق ميه من قسوتك عليهم كلاتهم.
بصت له بعين ونص ومن جواها بيغلي من كلامه وطبعا لازم ترد عليه بقوة ولسان سليط كعادتها:
ـ هو العلاج اللي جابه لك ولدك من بلاد بره خلاك تتحسن وتشم نفسك عليّ أول واحدة؟
جرى لك إيه يا أبو "سند" لاحظ إنك هتغلط فيا وطريقة كلامك عفشه عفاشه ما حدش يتحملها واصل؟
جابها بنظراته من فوقها لتحتها بنظره اشمئزاز:
ـ كانك زعلانة إني شميت نفسي شويّ من رقدتي طول السنين اللي فاتت داي كلاتها؟
وكمل وعيونه راحت على الكرسي المتحرك اللي هو قاعد عليه:
ـ مع أني لساتي قاعد على الكرسي اللي هيمنعني أحجمك عن غلطك إنتي وولدك، بالك يا "رابحة" لولا إن ربنا إبتلاني بالمرض اللعين دي كان زمان ولدك الفائد دي ما خسرانش مرته ولا عياله وكنت عرفت أمشيه على الصراط، كان زمان حالنا كيف البني آدمين وما سبتش حرمة تتحكم في البيت وتربي عيالي وتستغل مرضي وغيابي عن الوعي بالأيام والشهور في أول مرضي، الله يعين كل واحد ما قادرش يحكم المرة اللي وياه إحساس صعيب ربنا ما يكتبه على راجل أبداً.
زهقت "رابحة" من كلامه و تلميحاته وضربت بايديها على الكرسي:
ـ كانك رايدها تقلب غم النهارده بسبب كلامك اللي ما لهوش عازة كنت عِملت إيه أني كل دي علشان الطريحة اللي هتديها لي على الصبح داي؟
رد عليها على طول بحكمة وعقل وهو بيحاول يصحي ضميرها شوية أو يحاول يزرع فيها حبة طيبة:
ـ علشان واحــدة غيرك لو شافت مرت ولدها هتتلوى من وجع الولادة وابنك رايح بيها جري على المستشفى كنت قمتي وياهم كيف أي حمـا، وخصوصاً لما يكون ولدك دي "سند" اللي شايل مصايبك إنتي وولدك وما مملاحقش على بلاويـ.ــكم وخصوصا البــلوة الأخيرة اللي وقعتينا فيها كلاتنا يا واكلة ناسك.
عيونها زاغت وهو بيتكلم عن جوازة "سمير" وكانت مفكرة أنه ما يعرفش حاجة عن نورا وقلبها بقى يدق بخوف وسألته بشك:
ـ تقصد إيه ما فهماكش بلوة إيه اللي هتتحدت عنيها داي؟
إبتسم بسخرية وجاوبها:
ـ كانك مفكراني راجل عاجز الأدوية اللي هتنيمني ليل ونهار وما هعرفش حاجة عن اللي هيدور حواليا في بيتي ومع عيالي؟
عقلك مريحك وعلى كدك يا "رابحة"، جوازة ولدك اللي وقعتينا فيها بقلة عقلك.
وقرب منها وهو بيحاول يهدي من عصبيته:
ـ قومي اكسبي قلب ولدك وروحي وراه وحسسيه ولو مرة واحدة في حياتك إن قلبك عليه وهتشيلي همه كيف ما هيشيل بلاويـ.ــكم، اقفي جاره ومرته هتولد شوي وهتلاقي دعاء رايحة وراهم المستشفى ما تخليهاش تبقى أحسن منك في نظر ولدك إنتِ أمه وجدة عياله.
وكمل كلامه لما لقاها بتزوم لكن حاول يقنعها بكل الطرق:
ـ وهيبقى أخو أحفادك القريبين من قلبك وكلاتهم هيتلموا حوالين اللصغير اللي هياجي الدنيا وهيفرحوا بيه وأنتي هتُبقي لحالك ما هتلاقيش اليد اللي هتطبطب عليكِ ولا تحن، بزياداكي جحود وقومي روحي ورا ولدك والبنية مرته غلبانة وبت أصول توْ ما هتبتسمي في وشها وتباركي لها بنفس راضية وصافية ما هتكسفكيش وأني خابرها زين.
كانت متحيرة من كلامه وسابت كل اللي اتكلم عليهم حواليها وحطت قدامها صورة "سمير" وهي بتسأله بحيرة:
ـ طب و"سمير" أكسر بخاطره مش داي كانت مرته في يوم من الأيام وما تزعلش مني إتاخدت منه غصبانية يعني أراضي التاني واتلم حواليه وياهم واسيب دي لحاله يحس إن كلاتنا ظالمينه؟
إتنهد بغلب على حال إبنه "سمير" ورد عليها:
ـ ولدك دي من الشقيانين اللي حالهم متشقلب وليلهم نهار ونهارهم ليل، ولدك هيلف طول الليل ورا الشمامين والبلطجية وما هيعاودش غير وش الفجر ينام لحد قرب المغرب وما هيحسش بيكي ورحت فين ولا جيتي منين واللي هتعملي له حساب دي هو الوحيد اللي ما هتلاقيش ليه عازة وياكي لو وقعتي ولا طبيتي في يوم من الأيام يا "رابحة".
فكرت في كلامه أول مرة تحس فعلا أنها ممكن تكون وحيدة في يوم من الأيام من قسوتها على كل اللي حواليها ومعاملتها الشديدة أول مرة تبص لقدام وما تتعاملش بكبر مع الموضوع لحد ما قال كلمته الأخيرة:
ـ إفتكري إن ما لكيش غير "سند" بعد ربنا سبحانه وتعالى هو اللي هيلم ورا بـ.ــلاوي ولدك اكسبي ودِّه وعطفه علشان يفضل ودود وعطوف معاكي طول عمره.
سرحت "رابحة" كثير وهي بتجيبها يمين وشمال وبتفكر في كلام جوزها وهو الوحيد اللي بيقدر يأثر عليها لحد ما قعدت مدة طويلة تجيب الموضوع يمين وشمال في دماغها وقالت له اللي صدمه وما صدقش إن كلامه جاب معاها نتيجه:
ـ خلاص اللي تشوفه يا أبو "سند" ما هكسرلكش كلمة هطلع أخد دعاء وياي ونروح لـ"سند" نادي على الغفير يجهز العربية.
إبتسم أبو "سند" أخيراً إن في كلام جاب نتيجة مع "رابحة" وطلعت نادت لدعاء ولقيتها جاهزة لأن "سند" كلمها لما وصلو المستشفى إن هي تروح له وتاخد معاها الشنطة الخاصة بالولادة وخرجوا هم الإتنين راحوا لـ"سند" المستشفى علشان يحضروا ولادة ابنه وطبعا لما وصلوا "سند" ما بقاش مصدق نفسه إن أمه جت مخصوص علشان تحضر ولادة "نغم" وبقى يبص لها باستغراب وطبعاً عرف مين البطل المجهول ورا مجية "رابحة".
```
*********
```
بيحسس إيده على مكان نومها جنبه لقاها مش موجودة وحس بصوت خفيف جنبه في الأوضه فتح عينه لقاها بتلبس حجابها ومستعجلة فبيسألها باندهاش:
ـ على فين أكده على الصبح يا "سكون" ومالك مستعجلة اكده ليه؟
كملت "سكون" لف الطرحة وهي بترد عليه باستعجال:
ـ معلش يا "عمران" عندي حاله ولادة مستعجلة وما رضيتش اأصحيك كمل نوم وأني لما أرجع هعرفك.
قام اتعدل على السرير وهو بيفرك عيونه واتكلم بنبرة معترضة:
ـ أهو هو دي اللي ناب "عمران" وسنينه من المستشفى الجَديدة اللي فتحتها لك كل يوم والتاني هلاقيكي قايمة من جاري وقال إيه عندك حالة ولادة مستعجلة.
وكمل وهو بيغمز لها باشتياق يمكن يحاول يأثر عليها:
ـ وحشني صباحك الخاص ليا، فين بقى لما نصحى هدلعك؟ هطبطب عليك، هنسيك هموم الدنيا؟
أهو دي جَزاة اللي يتجوَز دَكتورة نسا عاد.
قربت منه وهي بتحسس على شعره وبتطيب خاطره برقتها المعتادة:
ـ معلش الحالة داي بالذات لازماً أني اللي أولدها بنفسي وداي طبعاً تعاليم جوزها أولاً، ثانياً تعاليم الست "رحمة" أختك لأنها صاحبتها وموصياني عليها جامد ولاجل عيون "رحمة" نتحمل.
أستغل الفرصة ومسك إيديها وبايده التانية شدها لصدره وحاصرها ما خليهاش تعرف تتحرك وقال لها وهو بيرفع حاجبه باعتراض:
ـ مين جوزها دي إن شاء الله اللي هيأمرك وبعدين هو أنت هتكشفي على الحالة اللي هتتابع وياكي ولا هتتحدتي ويا جوزها اللي هيأمرك ويديكي تعاليم كمان يُبقى بلاها الشغلانة دي عاد؟
بصت "سكون" في تليفونها وهي مستعجلة وبعتت رسالة للممرضة اللي هناك تسألها عن حالة "نغم" وجاوبتها إنها لسة قدامها ساعة على الأقل، إتعصب "عمران" لما لقاها ماسكة التليفون وبتتكلم فيه ومطنشاه واتجنن:
ـ هي وصلت لحد أكده أكلمك مترديش عليْ وكمان باصة في التليفون ولا سألانة فيا؟
حطت التليفون جنبها وقربت منه بابتسامتها اللي دايـماً بتسـ.ــرق قلبه وحضنت وشه بين كفوف ايديها وهي بتسأله برقة:
ـ مالك يا عمراني صاحي زهقان أكده على الصبح ليه وهتمسك لي على الواحدة كمان؟
حرك وشه بين إيديها بحزن مصطنع والسكر مع تقدم السن بيخليه يتعصب علطول ورد عليها وهو بيبعد عيونه عنها:
ـ بعدي عني وروحي للي إنتي رايحالهم خلاص "عمران" راحت عليه واصل،
رجعت وشه تاني قصاد عيونها وهي عارفة إيه سبب خناقه منها إنه رجع بالليل لقاها نايمة ومكانتش في إنتظاره كعادتها وطبعاً "عمران" كأي راجل مصري أصيل ميحبش يرجع يلاقي مراته نايمة وخصوصاً لو كانت مراته مش أي حد دي "سكون" عشقه وغرامه، قربت منه وباسته من خده وحاولت تهديه برقتها المعتادة:
ـ طب خلاص بقى يا حضرة العمدة هدي أعصابك ولما أرجع هصالحك وهراضيك ومهسيبكش إلا وانت آخر تمام.
وكملت برقة وهي بتحسس بإبهامها على خده:
ـ بس بزياداك زهق وعصبية على الصبح، إنت بالذات اللي غيرت لي فكرة الرجالة اللي هتصحى من نومها تشخط وتنتر، انت باشا قلبي يا عمدتي.
طبعاً إتأثر بدلالها وحركاتها ومسك إيديها و قبل باطنهم وهو بيطلب منها بعبث وبيحاول يأثر عليها أنها تقعد وبيفك حجابها:
ـ طب العمدة معايزكيش تخرجي ولا تهمليه، خليكي جدعة وخلي أي حد يشوف الحالة داي.
حطت أيديها على راسها وهي بتمنعه يفك حجابها وقالت له:
ـ جرى لك ايه يا عمدة إكبر بقى يا روحي أنت واحد دخلت في ال ٥٥ سنة وعديتهم كمان مهتشبعش دلع ودلال؟
إتعدل في قعدته وبص لها بعين ونص وسألها باعتراض وهو بيشدها لصدره بقوة:
ـ معناته ايه كلامك دي!
إياكش يكون عندي سبعين سنة هو أني مقصر ولا حاجة يا دَكتورة ولا السن فرق وياكي؟
وكمل وهو بيرفع حاجبه:
ـ يكون في معلومك بقى أني أشد من ولادك ومهما الشعر شاب "عمران" ماهيقصرش واصل وإنتي خابرة زين.
حركت راسها وهي بتمط شفايفها بدلال وقالت له:
ـ معلوم معلوم، أني خابرة إن "عمران" كل لما يكبر يحلى ورايد دلع ودلال من سكونه أكتر من الأول، بس هملني دلوك أروح أشوف الحالة حكم أختك "رحمة" روشاني من بقالها أسبوع إني أخلي بالي منها وأنت خابر "رحمة" زين قطتها جمل.
ضيق عينيه بزهق من "رحمة" وحواراتها:
ـ هي "رحمة" أختي داي طالعة لي في علبة البخت، كل أسبوعين تبعت لك واحدة وتفضل توصيكي عليها وتعيد وتزيد وتقل في هناي، لما ترجعي من المستشفى إعملي لها بلوك.
شهقت بصدمة وهي بس متخيلة رد فعل "رحمة" لو عملت لها بلوك:
ـ يا حزني أنت رايدني أبلك "رحمة"؟ داي كانت تهد الدار داي فوق راسنا، داي بس لو عرفت نيتك وكلامك دي مهنخلصش من لسانها عاد.
رجع بضهره لورا وسند على السرير وعمل نفسه ولا يفرق معاه:
ـ ليه يعني كانت هولاكو داي "رحمة" يعني كائن عادي جداً أنتوا بس اللي هتخافوا من ردود أفعالها العفوية شوي.
ضحكت "سكون" بابتسامة سخرية وحركت راسها وأكدت له:
ـ آه "رحمة" فعلاً هولاكو ويتخاف منها وبصراحة اكده أني مش كدها، وعن إذنك بقى قبل ما الاقيها دلوك بتتصل بيا، للحديث بقية يا عمدة لما أعاود.
غمز لها قبل ما تخرج وهي بتلم مفاتيحها وموبايلها وحاجتها:
ـ طب مستنيكي ياقلب العمدة، أصل ليالي الحكمدار وحشتني.
فتحت بقها بصدمة من تلميحه:
ـ حكمدار مين دي إن شاء؟ مع نفسك يا عمدة أني صحتي ولا حمل حكمدار ولا يحزنون.
رد بثقة:
ـ طب لما ترجعي بقى إن شاء الله نشوف الموضوع دي ياسكوني.
وراحت "سكون" المستشفى وراحت على الحالة علطول وأول ما دخلت "سند" قال لها بقلق:
ـ إتأخرتي قوي يا دَكتورة هتتوجع قوي والوجع هيزيد كل دقيقة.
ردت "سكون" عليه وهي بتفحصها بهدوء وابتسامة حنونة:
ـ متخافش عاد هي قدامها لسة تقريباً نص ساعة.
جحظت عيونه بصدمة:
ـ بعد الوجع دي كلاته قدامها نص ساعة كمان؟
جاوبته وهي بتخلع الجوانتي وبصت له بتركيز ولأول مرة يقابلها حالة جوزها مرعوب عليها بالشكل ده، وجاوبته:
ـ معلش يا فندم هي الولادة الطبيعي أكده بتاخد وقت شوي وهي مجربة قبل أكده وعارفة.
"رابحة" كانت بتبص لـ"سند" وكأنها عايزة تاكله على قلقه الزايد عن اللازم عليها، أما دعاء كانت واقفة جنبها وشايفة حالتها الصعبة وألمها ومن جواها حمدت ربنا إنها بتولد قيصري، كانت بتطبطب وبتهون عليها:
ـ معلش يا "نغم" اتحمَلي هبابة كلاتها ربع ساعة وتقومي بالسلامة.
بصت "سكون" لدعاء وشافت حنيتها على "نغم" أكتر من حماتها فسمت عليهم وهي بتقول لـ"رابحة":
ـ بسم الله ما شاء الله أول مرة أشوف سلايف زين مع بعض أكده، ربنا يبارك لك فيهم يا حاجة.
إبتسمت "رابحة" وكتمت ضحكتها بالعافية وقربت من "سكون" وقالت لها في ودنها:
ـ دول ضراير مش سلايف يا بتي.
إنصدمت "سكون" من اللي سمعته وحمدت ربنا إنها متكلمتش قدامهم وقالت باستنكار لـ"رابحة" وصوتها واطى:
ـ معقولة كيف دي؟ وعايشين مع بعض عادي من غير أي مشاكل.
هزت "رابحة" راسها وهي بتبتسم على إستغرابها:
ـ معلوم يابتي هما متجوَزين أي حد واصل دي "سند" ولدي اللي هيقدر على المستحيل، هما مش هيقولوا جوز الإتنين قادر.
"سكون" بقت بتسمع "رابحة" وهي من جواها مستغربه من طريقة دعاء و"نغم" مع بعض وأنهم كويسين جداً، وبعد نص ساعة كان إشتد الوجع بـ"نغم" وخلاص دخلت على أوضة الولادة وقامت بالسلامة وجابت ولد وطبعاً هي بتبقى فايقة، فطلبت منهم وهي بتاخد نفسها بالعافية أنها تشوفه وتبوسه من راسه زي ما عملت مع إخواته بالظبط، والممرضات لبسوه وخرجوه كان "سند" واقف ملهوف أن هو يشوفه ويحضنه وأول ما خرجوا بيه سالهم عن "نغم" وعن صحتها وطمنوه إنها بخير و أخذوا منهم وهو بيمد إيده بلهفه وحضنه جامد وباسه من راسه ودعاء هي كمان أخذته منه بلهفة وحضنته لأنها بتحب العيال جداً وبدأت تقرأ له ما تيسر من الذكر الحكيم، ورفعت رأسها لـ"سند" وهي بتسأله بابتسامة:
ـ يا ترى هتسميه إيه يا "سند" ولا مختارين الاسم؟
سنه كان بيبص له وهو بيحسس على راسه بهدوء فدعاء حذرته وهي بتشيل إيده بالراحة:
ـ بس شيل يدك راسه لساتها طرية ما هتتحملش لمساتك.
ضحك "سند" على دعاء وافتكر زمان أما ولدت "سما" وكانت واخداها في حضنها نفس الحضن كانت دايما بتخاف عليها وبتحذره أن ايده تقيل عليها وقال لها وهو بيبتسم:
ـ ياه لساتك كيف ما أنتِ يا دعاء فاكر أول ما ولدتي "سما" كنتي هتخافي عليها من الهوا الطاير وكنتي هتقولي لي يدك تقيلة عليهم وأها دي كمان هتقفي لي على الواحدة فيه.
إبتسمت دعاء وهي حاضنة الطفل برفق وحنية:
ـ ياه لساتك فاكر يا "سند" من ١٨ سنة من وقت ولادة "سما"؟
رفع حاجبه بتعجب وهو بيأكد لها:
ـ عمري ما أنسى أول حضن حضنته لاولادي ولا أول نظرة وابتسامة منهم ليا ولا أول ما ضمتهم لحضني إنتي خابرة كيف أني متعلق باولادي، والصغنن دي شكله هيبقى دلوعة البيت كله وهتخسروه لي من دلوك وأنت ضماه لحضنك أكده وما راضياش تديه لابوه.
طبطب "سند" على ظهرها وهو بياأكد لها:
ـ وه وهتسيبي "نغم" تربيه لحالها وهي معاها عيال صغيرين غيره لازمن تاخدي بالك منه وياها طبعا.
بصيت له بعيون ممتنة جداً وهي بتسأله:
ـ بجد يا "سند" يعني ممكن أشيله كتير وأربيه وياها؟
حرك راسه بتأكيد:
ـ وه عاد يا دعاء وإيه المانع يعني طبعاً إحنا كلاتنا عيلة واحدة ويد واحدة وكمان أني واثق أنك هتروحي تلاقي "مازن" و"سما" مستنيينا مع جدهم في الجنينة.
وعلى سيرتهم تليفونه رن وكانت "سما" بترن فيديو رد عليها وسألته بلهفة:
ـ إيه يا بابا النونو حبيب أخته وصل ولا لسه.
إبتسم وهو بيبص لدعاء على لهفه "سما" وكان "مازن" قاعد جنبها بيحاول يظهر في الشاشة:
ـ آه يا حبيبتي الحمد لله أخوكم وصل بالسلامة للدنيا.
إبتسمت "سما" بسعادة وهي بتطلب من أبوها وبتتحايل عليه:
ـ بالله عليك يا بابا وجه الكاميرا عليه عايزة أشوف شكله عامل إزاي يارب يخليك يا بابا؟
هنا دعاء رفضت وخبت الطفل في حضنها وبتدي "سند" ظهرها:
ـ لااااه يا "سما" نور وإشعاع التليفون غلط عليه لما ناجي أبقي شوفيه بطلي إلحاح علشان أخوكي ما ينضرش.
رد "سند" على "سما" بقلة حيلة:
ـ أها ما ليش صالح عاد يا "سما" أمك اللي ما رايداش توريه لك علشان الوسواس اللي في دماغها إصبروا احنا كلاتها ساعة وجايين.
خطف "مازن" منها التليفون وهو بيسأل أبوه:
ـ طب ما عرفناش إسمه يا بابا هيبقى إيه؟
سأله "سند" وهو بيقترح عليه:
ـ لسه ما اخترناش قول لي إيه رأيك تسميه أنت علشان يبقى أخوك وصاحبك ورفيقك وتربية يدك؟
إبتسم "مازن" وهو بيرد على أبوه مباشرة بدون تفكير:
ـ "نوح" يا بابا نسميه على إسم سيدنا نوح عليه السلام إسم جميل ومريح وكمان حروفه قليلة وسهل في النطق.
"سند" فرد جبينه باعجاب للإسم وهو بينطقه تاني وقرب منه وهو في حضن دعاء ومسك رجله بيداعبها:
ـ "نوح" الله إسم جميل جداً يا "مازن" ويا ريت يكون نصيبه من نصيب نبي الله "نوح" ويبقى سفينة نجاة لأي حد، خلي بالك من "محمد" والشقية التانية إخواتكم على ما ناجي.
وبعد شوية رجعت "رابحة" كانت بتصلي الضهر وأول ما "سند" شافها أخد "نوح" ووداه لأمه وأول ما شافته إبتسمت وأخذته في حضنها ودعت له:
ـ ربنا يبارك لك فيه يا ولدي وتفرح بيه هو واخواته وحمد لله على سلامتها.
وبعد شوية خرجت "سكون" وهي بتطمنهم على حالة "نغم" وإن هي كويسة جداً وفايقة وودوها أوضتها، وودعتهم بعد ما نقطت الطفل زي وصية "رحمة" وشكرها "سند" ودعاء وقربت "سكون" من "رابحة" وهي بتقول لها وصية "رحمة" ليها لو "رابحة" موجودة:
ـ "رحمة" بتسلم عليكي قوي وبتقول لك يا ماما الحاجة خلي بالك من النونو خليه يحبك إنتي أكتر من أمه وخليكي حنينة عليه علشان أمه ما تنتصرش عليك كل مرة خليكي أنتِ أحسن منها.
فتحت "رابحة" عيونها بدهشه وهي بتسألها:
ـ وه وأنتي هتعرفي "رحمة" منين؟
جاوبتها "سكون" بابتسامتها الهادية الرقيقة:
ـ أني أبقى مرت أخوها يا حاجة.
إبتسمت "رابحة" وهي بتشكر في "رحمة" جامد:
ـ وهي الصبية "رحمة" هتعرفنا على إيه غير على ناس زين كيفك يا دَكتورة سلمي لي عليها قوي وقولي لها إبقي تعالي شوفي ماما الحاجة علشان إتوحشتك قوي.
حركت "سكون" راسها وهي بترد عليها بخفة وبتستعد أنها تمشي:
ـ يوصل يا حاجة همشي أني بقى قبل ما يبقى جوزي جوز الإتنين هو كمان ويطفش مني.
ضحكت "رابحة" جداً على كلامها:
ـ الله يعزك يابنتي دي أنتِ كيف القمر ولسانك كيف البلسم ما تفرقيش عن "رحمة" تمام وبعدين هو هيلاقي زيك فين جمال وعلام وهدوء ربنا يبارك لك فيه وفي ولادك يا قمرة.
"سند" دخل أخيراً لـ"نغم" وقرب منها وهو بيبوسها من راسها وبيبارك لها بعيون بتلمع بالفرحة:
ـ حمد لله على السلامة يا حبيبي أخيراً جالنا نونو صغير هينور دنيتنا.
ردت "نغم" بوهن وهي بتسأله عن إبنها وبتبص حواليها:
ـ الله يبارك فيك يا حبيبي أمال هو فين عايزة أبوسه وأحضنه؟
إبتسم "سند" وهو بيشاغبها:
ـ آه أمال إيه المفعوص الصغير دي هو اللي هيتباس وهيتحضن بعد أكده وهياخد كل الحنيه بتاعه أمه وأبوه هيتركن على الرف.
إبتسمت "نغم" برقه كعادتها:
ـ كيف دي يعني أنت الكل في الكل يا حبيبي.
طمنها عليه وهو بيسألها:
ـ دعاء هتشربه حاجه سخنة الممرضات ادوها لها، قولي لي أنتِ بقى هتسميه إيه؟
جاوبته بكل رضا:
ـ لااااه سميه أنت الواد أبوه يسميه لو كانت بنت كنت سميتها.
ضحك "سند" على منطقها وعرض عليها إسم "نوح" اللي إختاره "مازن":
ـ شوفي يا ستي علشان ما أكذبش عليك أخوه "مازن" سماه "نوح" بس أني قلت أسألك الأول لو كان في بالك إسم نسميه على طول ها إيه رأيك في إسم "نوح"؟
عجبها الإسم جداً وردت بابتسامة راضية:
ـ الله "نوح" إسم جميل خلاص توكلنا على الله سميه "نوح" "سند" الناجي.
وبعد شوية دخلت دعاء وهي حاضنه "نوح" برعاية وهي مبتسمة وبتبارك لـ"نغم" وحطيته على دراعها المفرود:
ـ مبروك يا حبيبتي سمي الله وبوسي "نوح" على رأي "مازن" هو اللي سماه.
ـ الله يبارك فيكي يا دعاء جميل إسم "نوح" ومش هنكسر لـ"مازن" كلمة طبعاً وخصوصاً أن ذوقه حلو في إختيار الأسماء.
ودخلت "رابحة" باركت لها لكن طبعاً بمعالم وش خشب واتقبلت منها "نغم" مباركتها لكن بوجه مبتسم وبشوش كعادتها وهي بتعمل حساب إنها أم "سند" وجدة أولادها لحد دلوقتي،
وما فيش ساعة ورجعوا كلهم على البيت وأول ما وصلوا "سند" حط "نوح" في حجر جده وهو بيقول له:
ـ سمي ياأبوي واستلم أصغر حفيد ليك خليه ياخد البركة منك.
"سما" و"مازن" كانوا واقفين فوق راس جدهم وهم عايزين ياخدوا منه "نوح" وبيتخانقوا عليه، وبعد جدو ما باسه ودعاله وبارك لأمه وهي داخلة لبيتها وبارك لأبوه "سند" أخذه بقى محتار مش عارف يديه لـ"سما" ولا "مازن"، ولو كانت دعاء موجودة كانت قدرت تحل المشكلة دي لكن هي طلعت مع "نغم":
ـ طب دلوقتي أنتوا الإتنين مش صغيرين "سما" هتبوسوا وهتحضنوا يا "مازن" وبعدين أنت خليه معاك.
هنا "سما" اللي رفضت وهي بتقول لأبوها:
ـ لاااه يا بابا خليه يبوسه ويحضنه وبعدين أنا هاخده وهطلع بيه عند خالتى "نغم" وأقعد جنبها أنا عايزة أقعد معاه شوية كتير.
هنا "مازن" إعترض وهو بيقول لها:
ـ طب وليه أنت تقعدي معاه وتاخديه ما ليش دعوة أنت أنانية على فكرة؟
"سند" دماغه وجعته من خناقتهم وما بقاش عارف يفض بينهم وهم واقفين يتخـ.ــانقوا على "نوح" لحد ما اقنع "مازن" في النهاية:
ـ طب يا ولدي هي بنت وهتطلع تقعد جنب أمه انت ينفع تقعد جنب الحريم؟! بوس اخوك وخده في حضنك وبعد اكده لما يشد عوده شوي هتقعد معاه لما تزهق.
وقدر يفض الاشتباك بينهم واخدته "سما" وطلعت بيه عند "نغم" وهي بتخرج لسانها لـ"مازن" وبتمسك على عنده وبتحضن اخوها وكمان "محمد" أخوه كان واقف بيتخانق معاهم علشان يشيل النونو لكن "سما" كانت خايفة عليه والأجواء بينهم كانت جميلة جدا وأخيرا الفرحة زارت بيتهم بعد عناء طويل.
********
في نفس التوقيت "علي" كان قاعد في اوضته سرحان في الفراغ اللي حواليه دخلت عليه مامته وهي بتفتح الشبابيك:
ـ يلا يا حبيبي زمايلك زمانهم على وصول وبيقولوا كمان انهم عاملين ليك مفاجأة يلا البس طقم شيك وسرح شعرك وكمان احلق دقنك أو خففها زي ما كنت هتعمل يلا يا "علي" بقى.
رد عليها بزهق وهو بيتأفف:
ـ يوه يا امي هو اني مش منبه عليكي انك تعتذري لهم وتقولي لهم اني تعبان او نايم او اي حجه عاد ما رايدش اقابل حد يا امي.
أمه طبعا كانت عارفة طريقته وزهقه ودايما كانت بتعذره فقعدت قدامه على الكرسي ومسكت ايديه وهي بتطبطب عليه:
ـ "علي" يا حبيبي انت قوي واقوى من اكده كمان لازم تواجه الدنيا ولازم تغلب ازمتك انت مش طفل صغير ولا واحدة ست هتدارى وهتستخبى ورا مرضها انت قوي يا "علي"، وبعدين اصحابك لو حد فيهم لا قدر الله كان جرى له اللي جرى له كنت انت هتعمل كيف ما هما هيعملو، يلا يا حبيبي فوق لنفسك بقى بزياداك يا "علي" احنا كلاتها أربع شهور وهنسافر تعمل العملة اللي فاضله لك وان شاء الله هترجع تمشي على رجليك وخصوصا ان دَكتور العلاج الطبيعي قال ان في تحسن شديد ورجلك كمان بدأت تتحرك شوية وتستجيب.
وفضلت وراه لحد ما ساعدته دخل الحمام واخد دش وغير هدومه وخرج تاني وساعدته إنه يلبس وجابت له هدومه لانه من ساعة حادثته وهي اللي بتساعده في كل حاجة وكمان هندم دقنه وكل ده وهو متردد يسألها السؤال اللي نفسه يسأله لكن ما بقاش قادر يستنى وفضوله خلاه يسألها لكن بتخفي:
ـ هم كل اصحابي جايين يا ماما ولا حد معين هو اللي جاي؟
طبعا فهمت معنى سؤاله وجاوبته على طول علشان تريحه وهي بتبتسم له:
ـ اه كلاتهم جايين و"شيماء" كمان جايه معاهم وهيقولوا إنهم عاملين لك مفاجاه زينة قوي يا "علي"، يلا بقى علشان هتلاقيهم دلوك هيرنوا الجرس.
وفعلا ما فيش ربع ساعة كانوا وصلوا كانت هي خرجته في الصاله واول ما دخلوا وشافوه حطوا الشنط اللي في ايديهم وهم بيقولوا بصوت عالي:
ـ كل سنة وانت طيب يا دكتور "علي" وعقبال 100 سنه في صحة وهنا وسعادة يا رب.
"علي" استغرب وبص على النتيجة اللي متعلقة في الحيطة لان النهاردة عيد ميلاده اللي هو كان ناسيه وفي وسط دول كلهم وهو بيبتسم لهم كانت عينه رايحه على "شيماء" اللي واقفه في وسطهم مكسوفه وهي كمان بتبص له، فطلبت منها امه:
ـ تعالي يا دكتورة "شيماء" معاي نجهز السفرة والاطباق علشان نحتفل بعيد ميلاد الباشا "علي".
ودخلت "شيماء" معاها واول حاجه سالتها عنه:
ـ قولي لي يا طنط "علي" غلبك طبعا علشان يقابلنا ولا كان عادي لما عرف ان احنا جايين؟
جاوبتها وهي بتتنهد بغلب من "علي":
ـ يوه غلبني قوي يا "شيماء" يا بتي، دي غير ان كل أيامه معاي غلبَه، هياكل بصعوبة وهياخذ دواه بصعوبة ولحد دلوك منعزل عن العالم وما هيعملش أي حاجة غير انه حابس نفسه في الأوضه وما هيرضاش حتى يخرج للجنينة ولا يتفرج على التلفزيون، كل اللي عليه يمسك التليفون يقلب فيه من غير حتى ما يعمل أي حاجة ، "علي" بيضيع مني يا "شيماء" نفسيا وبدنيا.
مطت "شيماء" شفايفها بأسى وسندت على الرخامة وهي مربعة ايديها حوالين صدرها:
ـ يعني يا طنط لحد دلوك رافض يرجع الجامعة ورافض ان هو يواجه المجتمع وكانه إنسان عادي لسه ما خرجش من صدمته؟
بصيت لها بحزن وهي بتحرك راسها لقدام:
ـ ولا حياه لمن تنادي يا بنتي اني قلت هلاقي عِندك إجابة السؤال دي، هو ما بيردش عليكي لحد دلوك وطريقة كلامكم مع بعض عاملة كيف لاني ما هحبش اتدخل في خصوصياته ولا احسسه إني متطفلة عليه علشان تعبه؟
نفخت "شيماء" بضيق وهي بتجاوبها:
ـ والله يا طنط مره يرد و عشرين لااه وهحاول معاه ان شاء الله احنا واصحابنا النهارده نحاول نخرجه من المود الوحش اللي هو فيه.
لمت الاطباق بسرعة:
ـ طب يلا علشان ما نتاخرش عليه اللي ما تعرفيهوش ان هو كان هيتجنن ويشوفك وكان هيسألني من تحت لتحت اذا كنتي جايه وياهم ولا لااه، فبالله عليكي خلي زمايلك يمشوا واقعدي اتكلمي وياه شوي وانى هبقى حواليكم، وربنا يجعل الخير على يدك، ميعاد عمليته فاضل عليها أربع شهور ولازمن يتاهل ويروح للمستشفى من قبلها بشهر وفي حاجات هيعملها في المستشفى اهنه قبل ما يسافر وموال كبير قوي يا بتي.
ابتسمت "شيماء" وهي بتطمنها:
ـ ما تقلقيش يا طنط ان شاء الله كل حاجة هتُبقى زينة يلا عشان نخرج.
وخرجوا ورصوا الاطباق على السفرة وكل أصحابه اتجمعوا حواليه وهم بيهزروا وبيضحكوا معاه وبيحاولوا يخرجوه من المود اللي هو فيه وهو لأول مرة يبتسم من قلبه ويتجاوب معاهم وما كانش متخيل ان حد هيفتكر عيد ميلاده ويجو كمان يحتفلوا وياه والبيت اللي كان مليان بخنقة وتعب وضلمه نور أخيرا بوجود أصحابه وخصوصا وجودها هي وسطهم واحتفلوا بعيد ميلاده وكل واحد قدم له هديته إلا "شيماء" قررت انها ما تقدمهاش إلا لما هما يمشوا، وبعد وقت طويل أخيرا كلهم مشيوا وقربت منه وهي بتناوله هديتها ببسمتها البشوشه:
ـ كل سنه وانت طيب يا "علي" حبيت اديك هديتك بعد ما يمشوا علشان تشوفها وتقول لي رأيك فيها وتقول لي رأيك في ذوقي؟
الشنطة اللي هي جايباها كانت ضخمة فسألها باستغراب:
ـ طب يا ترى الشنطة دي كلاتها فيها ايه يا دَكتورة، دي واضح إنك مكلفة حالك قوي ؟
طلبت منه إنه يفتحها ويشوف جواها ايه وبعد ما فتحها أخيرا بدأ يطلع من البوكس، أول حاجة طلعها كانت قميص لونه ابيض والجرافته ملصوقة عليه لونها كحلي، مد ايده تاني طلع بنطلون قماش لونه كحلي ومد ايده تاني طلع شيكولاته وازازه برفيوم من النوع المخصوص اللي بيحبه وطبعا عرفته من والدته، ولحد دلوقتي ما فهمش معنى الهدية قامت وجابت شنطة البدله وكانت فيها الجاكيت مكمل الهدية وهي بتسأله:
ـ ايه رايك في هديتي وايه رايك في البدلة طبعا هدية مختلفة تماما عن أي هدية؟
استغرب طبعا من هديتها وهو بيسألها:
ـ طب اشمعنى اخترتي بدلة هدية؟
ابتسمت وجاوبته برقة:
ـ علشان لما ترجع من سفرك ان شاء الله ماشي على رجليك أول يوم تاجي بيه الجامعة وترجع شغلك تلبس البدلة داي، برده ما قلتليش إيه رأيك في ذوقي؟
كان بيبص للبدلة بتمني وطبعا ذوقها عجبه جدا لكن رد عليها بملامح حزينة:
ـ لساتك عِندك أمل إني هرجع امشي على رجلي تاني، هتضيعي وقتك وياي والله يا "شيماء"؟
بلعت ريقها بصعوبة من نبرة صوته الحزينة وردت عليه الرد اللي خلى قلبه يدق بين ضلوعه :
ـ واضيع عمري وسنيني اللي جايه كلاتها يا "علي" وأني جنبك ومعاك ومهفوتكش ابدا مهما يحصُل .
وكملت كلامها وهي بتنزل عيونها في الارض بخجل ومش عارفه تجيبها له ازاي لكن قررت انها ما تخبيش عنه أي حاجة يمكن كلامها واحساسها ناحيته تخليه يقتنع إنها عمرها ما تسيبه:
ـ نفسي اسافر معاك يا "علي" واحضر معاك كل حاجة، نفسي اشاركك رحلتك بس لو تديني فرصة؟
"علي" قلبه دق بين ضلوعه علشان كلامها ومعناه:
ـ انتي صعبانة عليا وعلى عمرك اللي رايده تضيعيه وياي يا "شيماء"؟
أكدت له بتصميم:
ـ ما تخليهوش يضيع هدر وأني مستنياك يا "علي"، وليه يضيع؟ انت ممكن تاجي تتقدم لي ونكتب كتابنا ونعمل اشهار علشان اقدر اسافر وياك واحضر رحله علاجك واكون داعم قوي ليك.
وكملت وهي بتشاور بايديها قصاد عيونه:
ـ وقبل ما تعترض انت ما هتخسرش حاجه وما لكش صالح بالناس ولا كلامهم وما لكش صالح بعمري اللي انا هضيعه كيف ما انت موهوم، صدقني عمري هيضيع لو ما كنتش معاك علشان اني مهكونش مع غيرك وقلبي معاك.
الاتنين فضلوا يتكلموا مع بعض كتير جدا و"علي" كانت الجلسة دي بالنسبة له وياها كانها ردت له روحه وطلب منها انها تفكر تاني لكن هي أكدت له مرارا وتكرارا ان ده قرارها وما كان منه إلا انه اتمسك بيها واتمسك بقرارها ورد عليها بتخبط:
ـ خايفه أوافقك وهحس بعدها اني أناني وهدفنك وياي بالحيا يا "شيماء"؟
ابتسمت بحماس وهي بتأكد له:
ـ دي مش أنانية كل إنسان مننا من حقه يعيش مع الإنسان اللي هيحبه وهيرتاح وياه بعيدا عن أي حاجه تانية أهم حاجة إن الحب والارتياح والأمان موجودين أي حاجة بعد اكده تتحل يا دكتور.
وأخيرا وافق "علي" إنه يخليها تشاركه رحلة علاجه والسعادة دخلت قلبه بعد أزمه شديدة اتعرض لها، وطبعا امه فرحت جدا وزغرطت لهم كمان وقالت لها ان هي هتجيب اخوها واعمامه وهيجولها في أقرب زيارة وهي اديتهم رقم "سند" علشان يتواصلوا معاه وياخدوا ميعاد، ودعته بابتسامتها ولا هي كانت عايزه تمشي وتسيبه ولا هو كان عايزها تمشي ومن اللحظة دي موده اتغير 180 درجة وبقى أكتر حماس لحياته اللي جايه.
*******
بعد مرور أسبوعين كان "سند" قاعد مع صاحبه اللي دايما بيقعد معاه وحكى له عن مشكله "سمير" وعن مشكله مراته النفسية فصاحبه الشيخ بص له ورد بذهول مين اللي سمعه:
ـ كيف الكلام دي يا "سند" انت ما تعرِفش ان الجوازه داي باطلة ودخول اخوك عليها حرام شرعا وان وجودها في بيتكم على انها مرت اخوك حرام لأنها خارجة عن الاهلية فيعتبر جوازهم باطل شرعا وقانونا؟
"سند" بص له باستغرب لأن في حالات كتير زي "نورا" وخصوصا في القرى سواء كانت راجل او ست بيتجوزوا عادي:
ـ كيف الكلام دي يا شيخنا ما في حالات كَتير كيف "نورا" سواء كانوا رجالة او ستات هيتجوَزوا عادي وهيخلَفوا كمان ما حدش منعهم ليه يعني؟
ضـ.ــرب صاحبه كف على كف وجاوبه بأسى على حال المجتمع:
ـ أيوه معلوم اللي هتقوله وحداك حق فيه كمان الناس هيستسهلوا الحرام عادي وياما قلت لهم ونصحتهم ان الجوازات اللي كيف داي حرام هينكروا مرض أولادهم النفسي وجنونهم وهيخليهم يتجوَزوا ويخلفوا عيال بنفس العقلية الجنونية وكل دي حرام في حرام، اني بنصحك كيف ما نصحتهم يا "سند" ان الجوازة باطلة ، ركز وياي يا "سند" القاعدة الفقهية هتقول يجب أن يكون الزوج والزوجة عاقلين ومدركين لمعنى الزواج وما يترتب عليه من حقوق وواجبات، وبطلان عقد فاقد العقل، فعقد المجنون أو فاقد الوعي أو غير المُميِّز لا يصح؛ لعدم أهليّته لقصد الزواج والتعبير عن الإرادة الصحيحة لأن العقل هو الأساس الذي يبنى عليه الرضا والقبول وهما ركنان أساسيان في صحة العقد،
والدليل الأصح والأشهر على رفع التكليف عن فاقد العقل هو قول النبي صلى الله عليه وسلم، رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ تَلَاتَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ،هذا الحديث يدل على أن المجنون مرفوع عنه القلم، أي لا تصح أقواله ولا تصرفاته ولا عقوده كالزواج والطلاق بمجرده ودون ولاية صحيحة، لعدم وجود القصد والإرادة الواعية المعتبرة شرعاً.
وكمل الشيخ وهو بينصحه:
ـ فاخوك يرمي عليها يمين الطلاق ورجعها لأهلها لان وجودها كزوجة ويا "سمير" اخوك حرام شرعا.
"سند" افتكر كلامها واللي اخواتها بيعملوه فيها وطبعا اخوه لا يقل عنهم اجرام وكمان مش مضمون انه يفضل ملتزم ببعده عنها وهو عقليته زي عقليتهم انها مراته وحلاله وبقى قاعد محتار وهو بيحكي للشيخ حيرته وحكى له عن كل حاجه تخص "نورا" علشان ياخد بمشورته:
ـ فأني دلوك محتار يا شيخنا لو وديتها لهم هبقى بوديها للموت والهلاك من تاني وأني خابر زين هم هيعملوا فيها ايه، ولو سبتها اخوي ما هيرحمهاش ويده طايلة واني ما هفضلش حارسها ليل ونهار وكمان امي ما هتسيبهاش على ذمه "سمير" وهي بعقليتها داي؟ انت ما تتصورش كل يوم والثاني هتقول لي البت دي هتغور ميته من البيت علشان اللي عِملته في "سمير" كان بشع ليلة جوازهم ومن وقتها وامي هتخاف منها وهتخاف على نفسها وعلى كل اللي في البيت وخصوصي "سمير" .
الشيخ هو كمان بقى محتار وهو بيرد عليه:
ـ يعني انت هتبقى أحن عليها من اهلها اللي من لحمها ودمها يا "سند"؟
أني شايف ان انت تروح تتحدت وياهم وتعرفهم إنها محتاجة تتعالج وانهم ما ينفعش يتعاملوا معاها بالقسوة داي وشوف مايتهم ايه وبعدين تعال لي نتناقش في اللي هما قالوا لك عليه ونحاول نوصل لحل.
سأله "سند" بشك :
ـ تفتكر الحل دي هينفع مع عقليتهم داي؟
ـ انت هتعمل اللي عليك وخصوصا ان امك واخوك ما هيفوتوش الموضوع يمشي بالساهل ولا هيتقبلو وجودها في حياتهم والموضوع شائك جدا يا صاحبي.
والاتنين بعد كلام كتير قرروا ان "سند" يروح لأهلها لكن هياخده معاه ومش هيروح لوحده، وبعد شويه وصلوا لعندهم وطبعا "رابحة" كانت معرفاهم كل حاجة حصلت لما كلمت أمها في التليفون واتخانقوا خناقة كبيرة ويا بعض و"رابحة" ما عرفتش تاخد معاها حق ولا باطل غير ان ام "نورا" هددتها تهديد كبير انها ما ينفعش تطلق بعد اسبوعين جواز ولا بعد شهرين حتى وواقفة لها الند بالند، وبعد ما قعد "سند" ويا اخوها الكبير "كرم" يجيبه يمين يجيبه شمال ودماغه ناشفه ومهما "سند" وصاحبه يعرفوه إن الجوازة حرام وباطل وإنه يحافظ على أخته وإنها في خطر مع "سمير" ما لقاش قدامه غير إنه يهدد "سند":
ـ يكون في علمكم يا "سند" أختي لو حد مس بس طرفها العذبة بتاعتكم كلاتها هتولـ.ـع وهنجيب عاليها واطيها وهتُبقى خراب على الكل، وأخوك بالذات لو مد يده عليها ولا فكر يأذيها قول على روحه رحمن يا رحيم، وحتى الحاجة أم...
"سند" مخلهوش يكمل ويجيب سيرة أمه وعيونه احمرت بالغضب وهو بيرد عليه بقوة والند بالند:
ـ متجيبش سيرة الحاجة على لسانك، هو خدوهم بالصوت قبل مايغلبوكم ولا ايه ؟
ويكون في معلومك "سند الناجي" ميتهددش واصل، ولو فكرتو بس مجرد تفكير تلمسوا اخوي ولا تاجوا ناحيته ولا عقلكم يوزكم إنكم تأذوه ولو برمش عينيه أني اللي هوريكم جهنم على الارض.
وكمل وهو بيواجههم وبيركبهم الغلط علشان يتكسف:
ـ كيف يا كبارات زي ما هتقولو تجوزوا أختكم وهي متنفعش للجواز وحرام شرعاً لأنها خارجة عن العقل، انتم ما تعرفوش اني ممكن اسجنكم بسبب جوازكم لأختكم دي؟
اتنرفز أخوها جدا وهو بيرد عليه وعروق رقبته برزت من العصبية بسبب كلام "سند" :
ـ أختي عاقلة مش مجنونة ولو عندك حاجة تثبت قدمها بس يمين بالله وقتها هفتح العيون للحكومة على اخوك وبلاويه اللي انتم مفكرينا ما هنعرفش عنيها حاجة.
وكمل باستفزاز وهو بيرد له سؤاله ان الند بالند:
ـ وكيف انتم تجوزوا اخوكم المجرم الفالت دي رد السجون لبنات الناس اللي زيه ما يصلحش للجواز واصل؟
ابتسم "سند" ابتسامة سخرية ورد عليه باللي خلاه معرفش يرد ....
