رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثالث 3 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثالث 

أمام قصر السيد حسين، توقفت سيارة فاخرة، وما إن ترجلت منها «زاد» حتى أسرعت إلى الداخل، فور وصولها إلى القاهرة بعد أن سمعت خبر مرض والدتها وتدهور حالتها.
وقبل أن يُغلق الحارس باب السيارة، تفاجأ بشخص آخر لا يزال بداخلها.
ترجل شاب فارع الطول، أبيض البشرة، أسود العينين، بملامح جذابة ولهجة مختلفة، توحي منذ الوهلة الأولى بأنه ليس من أبناء هذه البلدة.
أشار إليه الحارس بالدخول إلى القصر وانتظار الآنسة زاد في غرفة الضيوف، وقبل أن يغادر الشاب السيارة، ناداه قائلًا:
— بدي كاسة ماي.
انصاع له الحارس، وأحضر كوب الماء وقدمه إليه، ثم سأله الشاب وهو يتلفت حوله:
— وين راحت زاد؟ ما عم تبين هون؟
أجابه الحارس باحترام:
— الآنسة زاد طلعت فوق تطمّن على الهانم الكبيرة.
هز الشاب رأسه، ثم ارتشف قليلًا من الماء، واتجه إلى غرفة الضيوف.
ألقت «زاد» نفسها بين أحضان والدها وهي تبكي بحرقة، وكأنها لا تزال تأمل أن يخبرها أحد بأن ما سمعته مجرد كذبة.
قالت بصوت متقطع، يختلط فيه الخوف بالصدمة:
— حاسة إني هيجرالي حاجة يا بابا... أكيد الدكتور بيكذب علينا. إزاي ماما مش هتكون موجودة معانا تاني؟ أنا مش قادرة أصدق.
مسح حسين دموعها بيده، ثم مسح دموعه سريعًا وكأنه يخشى أن تراه ابنته ضعيفًا، وحاول أن يتحدث رغم الغصة التي خنقت صوته:
— دي إرادة ربنا يا بنتي... ومالناش يد فيها.
ثم أمسك بكتفيها ونظر إلى عينيها محذرًا:
— اسمعيني يا زاد، مش عايز حد يعرف بالكلام اللي قلتهولك ده. مش عايز ثريا تشم خبر بأي كلمة من اللي حكيتلك عليه. الأمر في غاية الصعوبة يا بنتي.
ازداد بكاؤها، وتشبثت بوالدها أكثر وهي تتوسل إليه:
— حاضر... بس أرجوك يا بابا، قول إن حضرتك بتكذب عليا علشان ما أسافرش تاني. وأنا مش هسافر والله، بس قول إن ماما هتاخد جرعة الكيماوي وهترجع زي الأول.
أغمض حسين عينيه لحظة، وكأنه يتمنى لو كان يستطيع فعل ذلك من أجلها، ثم قال بصوت متهدج:
— يا ريت كان ينفع يا بنتي... أنا عملت المستحيل علشان ثريا تتحسن، بس هي مستسلمة للمرض خلاص. هي في المرحلة الأخيرة، ومش هنقدر نعمل حاجة. وطلبها الأخير إنها تشوفك.
ثم مسح على شعرها بحنان وأردف:
— امسحي دموعك وبطلي عياط وتعالي نروحلها، بس لازم تحاولي تكوني متماسكة قدامها... فاهمة يا زاد؟
أومأت برأسها بصعوبة.
كانت تعلم أن القادم أصعب من كل ما مرت به في حياتها، ومع ذلك حاولت أن تجمع شتات نفسها، وتمسح دموعها، وتبدو قوية أمام أمها.

في غرفة واسعة فاخرة، امتزج أثاثها الراقي بطابع كلاسيكي يعود إلى الزمن الجميل، كانت كل التفاصيل فيها توحي بالترف والراحة.
لكن المرض استطاع أن يسرق من المكان جماله.
فحين تذبل الروح، يصبح كل شيء من حولها بلا قيمة.
جلست السيدة «ثريا»، في بداية العقد السادس من عمرها، أمام المرآة، وفي يدها باروكة من الشعر المستعار.
كانت تحدق في انعكاس صورتها بصمت.
لم يعد هناك شعر فوق رأسها، ولا حتى رموش تحيط بعينيها؛ فقد أخذ المرض من جسدها الكثير، وأنهكه حتى بدا جمالها القديم كأنه ذكرى بعيدة.
ابتسمت بحسرة وهي تتأمل نفسها.
كم كان مؤلمًا أن ترى المرأة جمالها يتساقط أمام عينيها شيئًا فشيئًا.
مدت يدها إلى أدوات التجميل، وأمسكت قلمًا صغيرًا، راحت ترسم به حاجبيها بعناية، ثم وضعت الباروكة فوق رأسها ورتبتها.
وقفت أمام المرآة بكامل أناقتها، شامخة كما اعتادت أن تكون.
لم تكن تريد أن تستقبل ابنتها في هيئة امرأة هزمها المرض.
كانت تريد أن تراها أمها كما عرفتها دائمًا.
وسمعت طرقات خفيفة على الباب.
توقفت يدها، واتجهت عيناها إليه.
كانت تعرف من الطارق.
وبالفعل، فُتح الباب، وما إن رأت «زاد» والدتها حتى أسرعت إليها، وألقت نفسها بين ذراعيها، محتضنة إياها بقوة، مجاهدةً دموعها بكل ما أوتيت من قوة.
قالت بصوت مكسور من الاشتياق:
— ماما حبيبتي... وحشتيني أوي أوي.
أخرجتها ثريا من حضنها برفق، وأمسكت وجهها بين كفيها، تتأملها وكأنها تحفظ تفاصيله داخل قلبها، ثم ابتسمت بحنان:
— حمد لله على سلامتك يا زاد... جيتي في وقتك.
ابتسمت زاد، لكن شفتيها ارتجفتا وهي تقول:
— أول ما بابا قال إن حضرتك عايزاني، ما ترددتش لحظة واحدة وجيتلك فورًا.
ربتت ثريا على وجنتها، ثم تحركت بضع خطوات باتجاه فراشها وجلست عليه، وأشارت لابنتها كي تجلس بجوارها.
جلست زاد، بينما التفتت ثريا إلى زوجها وقالت بلطف:
— لو سمحت يا حسين... ممكن تسيبني أنا وزاد شوية مع بعض؟
لم يتردد حسين.
فهو لن يستطيع رفض طلب لها، خصوصًا الآن.
اقترب منها، وانحنى ليقبل قمة رأسها، ثم التقت عيناه بعينيها.
نظرة واحدة كانت كافية ليعرف أنها تعلم كل شيء.
لم يستطع أن يقول شيئًا.
اكتفى بأن أومأ لها، ثم نكس رأسه مهمومًا وخرج من الغرفة.
ما إن أُغلق الباب حتى عادت ثريا تنظر إلى ابنتها.
أرادت أن تشبع عينيها منها.
أرادت أن تحفظ كل تفاصيلها قبل أن يحين وقت الرحيل.
تأملت عينيها اللتين تضاهيان بريق الشمس، وشعرها البني، وبشرتها البيضاء التي تتناثر عليها بعض حبات النمش، والتي زادتها جمالًا.
لم تكن قصيرة ولا طويلة، وكانت كل تفاصيلها جميلة في نظر أمها.
فأي أم ترى أبناءها أجمل ما في الدنيا.
أما زاد، فكانت تنظر إلى أمها وكأنها تحاول أن تكذب الحقيقة بعينيها.
كيف يمكن أن تكون هذه آخر مرة تراها فيها؟
حاولت أن تحبس دموعها، لكنها فشلت.
قالت بصوت مرتجف:
— طمنيني عليكِ.
أجابتها ثريا بابتسامة هادئة:
— أنا دلوقتي أحسن بكتير... حاسة إني خفيفة أوي لما شوفتك قدام عيني.
ساد الصمت بينهما.
ثوانٍ قليلة، لكنها بدت كأنها عمر كامل.
ثم انهارت زاد، وألقت رأسها في حضن أمها، وانفجرت بالبكاء وهي تقول وسط شهقاتها:
— أنا بحبك أوي يا ماما... أنا مش هبعد عنك تاني. هفضل معاكي ليل ونهار.
مسدت ثريا على شعرها بحنان، وابتسمت رغم الدموع التي تجمعت في عينيها:
— فات الأوان يا زاد.
رفعت يدها تمررها على شعر ابنتها، ثم تابعت:
— أنتِ بتحبي السفر، وبتحبي تلفي العالم كله. الدور عليا المرادي... بس سفري أنا طويل، وهيكون من غير رَجعة.
شهقت زاد وهي ترفع رأسها إليها.
لقد فهمت.
أمها تعلم كل شيء.
وهذا جعل الألم أشد.
قالت وهي تهز رأسها بعنف:
— مش هقدر أعيش من غيرك... أرجوكي يا ماما، متقوليش الكلام ده. لو سمحتي. أنتِ هتبقي كويسة، صدقيني، ومش هيحصلك حاجة. هتفضلي عايشة وموجودة في حياتنا.
أمسكت ثريا بيديها، ونظرت إليها طويلًا قبل أن تقول:

— دي الحقيقة يا زاد... ومفيش مفر منها.ممكن تبطلي عياط وتسمعيني، أنا عارفه كل حاجه، وفات وقت البكا يا حبيبتي، لأنه مش هيرجع اللي راح،أنتِ كبيره وناضجه وعارفة إن المرض اللي عندي نهايته معروفة، يعني مش جديد علينا. والحمد لله يابنتي إني عارفة إنه ميعادي قرب، دي نعمة كبيرة من ربنا علشان الحق نفسي قبل ما أقابله."
صمتت قليلاً، وأطرقت برأسها وهي تستجمع أنفاسها، وكأن الكلمات القادمة أثقل من أن تُقال بسهولة. ارتجفت أصابعها قليلًا، ثم رفعت عينيها إلى زاد وتأملتها بنظرة طويلة امتزج فيها الحنان بالخوف، وكأنها تحفظ ملامح ابنتها في قلبها للمرة الأخيرة. ابتلعت غصتها، ومسحت بيدها دمعة استقرت عند طرف عينها، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتابع حديثها بنبرة أكثر جدية:

— واللي أنا عايزة أقولهولك مهم جدًا، ولازم تسمعيه مني دلوقتي قبل فوات الأوان.
أنصتت زاد إليها بكل جوارحها، ودموعها تنساب على وجنتيها.
قالت ثريا:
— أنتِ طول عمرك رغم نضجك.عنيدة، وبتعملي اللي ييجي على بالك، ورامية الدنيا كلها ورا ضهرك. وده مش صح. لازم تراجعي نفسك وتخافي على نفسك.
توقفت قليلًا، ثم أكملت:
— ياريت تقللي من سفرك، وتخليكي جنب باباكي. هيكون محتاجلك أوي الفترة الجاية، أكتر من أي وقت فات.
ثم ابتسمت بحنين، وكأنها تستعيد شريط سنوات طويلة:
— حسين... من يوم ما جه وعاش في مصر واتقابلنا، اتبنت بينا قصة حب كبيرة وراقية، رغم إنه عنيد، واللي يصمم عليه بيعمله.
ضحكت بخفة رغم ألمها:
— إلا إننا عشنا مع بعض أكتر من أربعين سنة. يعني عمر بحاله. مش هقولك إننا ماعداش علينا مشاكل في حياتنا. بالعكس إحنا مرينا بظروف قاسيه جداً. والحمد لله عديناها مع بعض ، ورغم كل ده،كان بينا كل الود والاحترام.
ثم انخفض صوتها قليلًا:
— ورغم إني فشلت إني أنجب له الولد وأعمل له عيلة كبيرة، وفي كل مرة أخلف فيها ما كانتش فرحتنا بتكمل، والطفل كان بيتوفى... وده قضاء الله، ومش هنقدر نعترض عليه.
ضغطت على يد ابنتها:
— ورغم كل ده، كان حسين وما زال الزوج الصبور اللي صبر معايا في وقت مرضي.
ابتسمت بحب:
— ولأنك بنتنا الوحيدة وفرحتنا الكبيرة، وربنا رزقنا بيكي بعد صبر سنين، ما حرمكيش من حاجة. وأبوكِ من حنيته عليكي سايبك تعيشي براحتك، رغم إنه مش مبسوط ببعدك عننا بالشهور، وإنك تسافري في كل بلد شوية.
ثم نظرت إليها برجاء:
— أنا عايزاكي تستقري مع باباكي يا زاد... علشان خاطري. باباكي محتاجك الفتره دي ،اكتر من اي وقت فات.
سكتت لحظات، ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
— وصيتي الأولى والأخيرة ليكي... إنك تسمعي كلام حسين. محدش هيعرف مصلحتك قده.
أخفضت زاد رأسها، وانهمرت دموعها من جديد.

بعدما خرج حسين من غرفة زوجته، اتجه إلى مكتبه الخاص.
لكن قبل أن يصل إليه، لمح ذلك الشاب جالسًا في غرفة الضيوف، ممسكًا هاتفه ويبتسم وهو ينظر إلى شاشته.
توقف حسين للحظة.
لم يره من قبل، ولم يكن يعلم من هو.
أشار إلى أحد الخدم وسأله عنه، فأخبره أنه وصل مع ابنته.
ظن حسين أنه أحد ضيوف زاد، ولم يرغب في الانشغال بالأمر الآن، فذهنه لم يكن يحتمل شيئًا سوى زوجته.
توجه إليه، ومد يده مصافحًا إياه:
— أهلًا وسهلًا... اتفضل يا ابني استريح.
ابتسم الشاب وصافحه قائلًا:
— شكرًا كتير إلك عمو.
توقف حسين عند لهجته، وسأله:
— أنت من بلاد الشام؟ لهجتك مش مصرية. أنت سوري بقى ولا لبناني؟
ابتسم الشاب:
— تقدر تقول لبناني على سوري، بس عايش بلبنان. واسمي باسل.
رحب به حسين:
— لبنان... عاصمة بيروت من أجمل البلاد اللي زرتها أنا وزوجتي. أهلًا وسهلًا يا أستاذ باسل، نورتنا ونورت مصر كلها.
ابتسم باسل وقال:
— شكرًا كتير عمو، والله يشفي الخالة ثريا، وإن شاء الله بتفرح بعافيتها عن قريب.
تنهد حسين، وعاد وجه زوجته أمام عينيه.
— متشكر يا ابني.
ثم صمت قليلًا قبل أن يسأله:
— لكن اعذرني في سؤالي... ممكن أعرف إيه الظروف اللي جمعتك مع زاد بنتي؟ يعني اتقابلتوا صدفة مثلًا؟
أجابه باسل بكل عفوية، ودون أن يدرك أن كلماته القادمة ستشعل غضب الرجل أمامه:
— أو لي علينا... أنا خطيبَ لزاد يا عمي.
تجمدت ملامح حسين.
— إيه؟
رفع عينيه إليه مصدومًا:
— خطيبها؟

جلس حسين في مكتبه الخاص، تتنازعه الحيرة، والغضب يشتعل داخله.
لم يكن يدري ماذا يفعل.
هل يذهب إلى ابنته ويلقنها درسًا قويًا بسبب تصرفاتها الصبيانية؟
لكن صورة زوجته المريضة حضرت أمامه من جديد.
لو علمت ثريا بهذه المشكلة الآن، فقد يكون وقع الصدمة عليها أخطر من أن يتحملها جسدها.
كبت غضبه بصعوبة، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم أطلق زفرة طويلة.
بعد لحظات، وقف واتجه إلى شرفة مكتبه.
نظر إلى حديقة القصر، وهناك رأى ابنته تصافح ذلك الشاب وتودعه.
ضاقت عيناه.
لم يرتح له.
هناك شيء في الأمر كله يزعجه.
شيء لا يستطيع تفسيره.
ما إن دخلت زاد القصر حتى أخبرتها إحدى الخادمات أن والدها ينتظرها في مكتبه.
توقفت للحظة، ثم تنهدت واتجهت إليه.
طرقت الباب ودخلت.
كان حسين واقفًا، وملامحه لا تبشر بالخير.
قالت بحزن:
— نعم يا بابا... حضرتك طلبتني؟
لم يتمالك أعصابه، لكنه تراجع عن فكرة الاقتراب منها بعنف، وقبض على حافة مكتبه بقوة، ثم قال بصوت غاضب:
— ممكن تقوليلي وتفسريلي اللي شفته وسمعته من شوية ده؟
نظرت إليه بدهشة.
— بابا... إيه اللي سمعته حضرتك وإيه اللي شفته يخليك متعصب عليا للدرجة دي؟
رد بين أسنانه:
— الشاب اللي جاي بيتي من غير استئذان، ولا وكمان جايباه معاكي بكل بجاحة، وبيقولي بكل جرأة إنه خطيب بنتي! أنا عايز أفهم حالًا إزاي حصل الكلام ده، وإلا قسمًا بالله يا زاد، هتشوفي بعينيكي معاملة ما كنتيش تتمنيها في حياتك.
ابتلعت زاد غضبها، وأردفت باقتضاب:
— بابا لو سمحت حاول تهدى... الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم.
ضرب حسين كفه على المكتب:
— خلاص! فهميني يا بنت حسين المالكي! فهمي أبوكي، لأني خلاص فاضل برج واحد في دماغي ويطير! والله عال واحد ألاقيه قاعد في قلب بيتي مش معروف، ويقولي بكل برود: أنا خطيب بنتك!
أجابته مدافعة:
— أبدًا، لسه ما حصلش كلام من ده.
صمتت لحظة، وابتلعت ريقها، ثم قالت:
— أنا وباسل في فترة تعارف... لسه بنفهم طباع بعض.
رمقها حسين بنظرة غاضبة، ففهمت أنه يريد التفاصيل.
تابعت:
— لما سافرت تركيا، قابلت باسل هناك. حاول يتعرف عليا أكتر من مرة، وحضرتك عارف إن موضوع الجواز مش أهم حاجة في حياتي، لأن حياتي مش واقفة عليه. لكنه حاول أكتر من مرة، ولما لمح ليا بالجواز قلت له إني مش موافقة.
تنفست بعمق:
— قال إنه محتاج فرصة نفهم بعض أكتر، ويمكن في يوم أقدر أتقبله. وبعدها طلعنا أنا والجروب في رحلة بحرية، وباسل كان موجود معانا. ولما حضرتك كلمتني وقلت إن ماما تعبانة، قرر ما يسيبنيش لحظة واحدة، وصمم إنه يرجع معايا القاهرة.
ثم قالت بسرعة:
— وأنا كنت هقولك على كل حاجة يا بابا، صدقني، لكن موضوع  ماما خلاني مش مركزة في أي حاجة... دي كل الحكاية.
ازداد غضب حسين.
لم تعجبه طريقة حياة ابنته، ولا فكرة أن رجلًا لا يعرفه أصبح قريبًا منها إلى هذه الدرجة.
والأسوأ من ذلك أنه لم يرتح لباسل منذ اللحظة الأولى.
كان وجهه هادئًا ومبتسمًا، لكن شيئًا داخله كان يخبره بأن وراء هذا الهدوء أمرًا آخر.
قال بسخرية:
— هي دي كل الحكاية! بذمتك؟ مش مكسوفة وإنتِ واقفة قدام أبوكي وبتقولي كلام يرفعلي الضغط ويجيب أجلي؟
ثم أشار إليها بحزم:
— اسمعي يا زاد... الشاب ده ممنوع تقابليه من هنا ورايح. ويرجع على بلده في أسرع وقت، وده هيكون أحسن ليه وليكي. وحوار الخطوبة والكلام الفارغ ده منتهي بالنسبالي. ولما تحبي تتجوزي، أنا هجوزك بمعرفتي. فاهمة ولا لأ؟
حدقت فيه زاد بدهشة.
— إزاي حضرتك تقول إن الموضوع منتهي؟ ويعني إيه هتجوزني بمعرفتك؟
نظر إليها حسين بتحذير:
— زاد، أنتِ عارفة إني بعدي بمزاجي، لكن وقت الجد بكون واحد تاني. أنتِ مش هتعرفي مصلحتك أكتر مني. الظاهر إني دلعتك أكتر من اللازم.
ثم أضاف بصوت أكثر إنهاكًا:
— وأنا دلوقتي مخنوق ومش شايف قدامي بسبب اللي بيحصل مع والدتك. والكلام ده سابق لأي شيء... يعني لا وقته ولا أوانه.
نظرت إليه بجمود، وقالت:
— فعلًا... لا وقته ولا أوانه. بعد إذنك، أنا طالعة أوضتي أستريح شوية.
غادرت الغرفة على عجل.
كانت غاضبة من والدها، لكنها كانت أكثر غضبًا من باسل الذي وضعها في هذا الموقف دون أن يفكر في توقيته.
ما إن وصلت إلى غرفتها حتى أمسكت هاتفها واتصلت به.
كان باسل لا يزال في السيارة متجهًا إلى الفندق.
ابتسم عندما رأى اسمها، وأجاب فورًا:
— أهلين حياتي.
جاءه صوتها غاضبًا:
— حياتك إيه وزفت إيه؟ تقدر تقولي إيه التصرف اللي إنت عملته مع بابا ده؟
عقد حاجبيه:
— شو عملت؟ أنا ما عم بفهم عليكِ.
قالت بحدة:
— إزاي يا أستاذ تقول لبابا إنك خطيبي؟ وفي أول مقابلة كمان! وفي ظرف زي ده! أظن إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده.
فهم الآن سبب غضبها، فقال محاولًا تهدئتها:
— حبيبتي روقي كرمال الله ولا تعصبي. أنا مو بقصدي، صدقيني. قلت هيك الحكي، وأبوك ما شاء الله عليه... أبضاي كبير، وما بعرف شلون اقدمله حالي بأي صفه أنا جاي معك عالقاهره! عطول طلعت مني هالكلمة قدامه. سامحيني كرمال الله.
— أسامحك إزاي يا باسل؟ بابا متعصب جدًا بسببك. أنت ما تعرفش بابا، على قد ما هو حنين، بس غضبه ممكن يكسرني ويكسرك.
مسح باسل وجهه بقلق:
— ولي علينا... طب شو أعمل؟ بتحبي أرجع اعتذر منه؟
أجابته بسرعة:
— لا، لا، ما تجيش. الموضوع كده ممكن يتعقد أكتر. أنا هتصرف.
قال باسل بنبرة هادئة:
— حبيبتي روقي كرمال الله... كل شي بينعمل متل ما بدك. ما تزعلي حالك. المهم هلأ نطمن على الخالة ثريا، وكل شي بيهون بعدها... صح حكي حبيبتي؟
تنهدت زاد.
— عندك حق... المهم دلوقتي ماما وبس. وبعدها كل شيء يهون.
رفع أذان العصر.

وبعد وقت طويل من المذاكرة، شعرت «حبيبة» بالوهن، وقررت أن ترفه عن نفسها قليلًا.
لكنها كانت تعلم جيدًا أن أحدًا لو رآها تتكاسل عن أداء واجباتها، فلن يعجبه الأمر.
فتحت باب غرفتها ببطء، وأخذت تبحث بعينيها عن أمها.
وما إن وجدتها في المطبخ تعد وجبة الغداء، حتى تنفست الصعداء.
مشت على أطراف أصابعها عبر صالة المنزل، وجلست أمام التلفاز، وخفضت الصوت إلى أدنى درجة خوفًا من أن تسمعها أمها.
أسندت وجنتيها إلى يديها، واندمجت مع البرنامج حتى نسيت الوقت تمامًا.
وفجأة...
فزعت حبيبة حين ارتطم حذاء أمها بوجهها!
انتفضت من مكانها، بينما راحت أمها توبخها على إهمالها للمذاكرة وتكاسلها عن الصلاة المفروضة، وهددتها بأنها ستهاتف أخاها وتخبره بكل ما حدث.
اقتربت حبيبة منها مسرعة، تتوسل إليها:
— حاضر يا ماما، والله ما هعمل كده تاني! متتصليش على رضوان خلاص ،اخر مرة والله.
وكزتها أمها في كتفها، وأشارت إليها بحزم:
— انجري من قدامي وروحي صلي يا مايله، وإلا هسود عيشتك النهارده! مفيش ورانا غير التليفزيون السنادي.
ثم حذرتها بشدة:
— وإوعي تأخري صلاتك تاني. وإلا أقسم بالله ما هعديهالك. جيل آخر زمن.
هزت حبيبة رأسها بسرعة، وذهبت على الفور لتتوضأ وتلبي نداء الصلاة.

حداد في يومه... ومقاتل في ليله.
مرت أشهر على هذه الحال.
كان يمسك مطرقته بين يديه ويشكل الحديد بعزم، حتى أصبح صوت المطرقة جزءًا من يومه.
لم يكن مجرد حداد في ورشته، بل كان فنانًا ينقش قصة حياته بكل طرقة.
في صوت المطرقة وشرر الحديد، كان يجسد كفاحه.
وفي كل قطعة تخرج من بين يديه، كانت تظهر لوحة من التحدي والقوة التي لا تلين أمام أحزان الزمن.
كان «رضوان» منسجمًا في عمله، حتى شعر بحركة خلفه.
التفت فجأة.
كانت «رباب» تقف خلفه، تنظر إليه بعينين تقدحان شررًا.
كانت غاضبة.
ثلاثة أشهر كاملة مرت منذ آخر مرة ذهبت فيها إليه، ومنذ ذلك اليوم لم يسأل عنها، ولم يمنحها حتى كلمة تطمئن بها على مكانتها عنده.
ألقى رضوان نظرة سريعة حول الورشة.
لم يجد أحدًا.
اطمأن قليلًا، ثم سألها باستغراب:
— رباب؟ إيه اللي جابك الورشة؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟
رمقته بعينين غاضبتين وقالت بضجر:
— تلات شهور! تلات شهور وأكتر يا رضوان من آخر مرة كنت عندك وطردتني من بيتك بالذوق، ومن يومها وإنت لا سألت فيا ولا عبرتني بكلمة. حسستني إني هينة قوي عندك.
تنهد رضوان:
— متظلمينيش يا رباب. إنتِ عارفة إنتِ عندي إيه. مش كل شوية هقولك الكلام ده.
ثم تابع بجدية:
— لكن علشان نكون واضحين، أنا لازم أكون جاهز من كله يا بنت الناس، علشان أهلك يوافقوا عليا، وما أسمعش منهم كلمة تقل مني.
نظرت إليه بعينين دامعتين، ثم قالت:
— في عريس متقدملي يا رضوان.
تجمد للحظة.
أكملت:
— متريش ومعلم، وأبوه معلم شارب منه الصنعة. عنده بيت وعربية، وقال لأبويا: هجيب لها الدهب اللي هي عايزاه، وتسكن وتعيش في الحتة اللي تشاور عليها.
رفع رضوان عينيه إليها.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم سألها بصوت خافت:
— إنتِ هتوافقي عليه؟
اقتربت منه ووكزته في كتفه بغيظ:
— إنت شايف إيه يا رضوان؟ شايف إني ممكن أضحي بيك علشان عربية وشقة وشوية دهب؟
ثم قالت بحسم:
— أنا ما يملاش عيني غيرك يا ولا، ويمين الله يا رضوان، لو بإيدي كنت عملتها أنا وطلبت إيدك، ما دام إنت مش راضي تعملها.
آلمته كلماتها.
لم يغضب من حبها، وإنما من ذلك التلميح الذي شعر معه وكأنها تتهمه بالعجز عن فعل ما هي مستعدة لفعله.
ومع ذلك، كان يعرف أنها غاضبة وأن اندفاعها يجعلها تقول أحيانًا ما لا تقصده.
مسح وجهه، ونظر إلى السماء للحظات، ثم عاد إليها:
— وبعدهالك يا رباب؟ هتفضلي تحسسيني بالذنب كده كتير؟
اقترب منها قليلًا وقال:
— يا بنت الناس، يعلم الله أنا شاريكي قد إيه. والله لو عارف إن أهلك هيوافقوا عليا، كان زمانك مراتي من سنتين فاتوا، مش دلوقتي. إيه اللي هيخليني أستنى كل ده لولا الظروف اللي أنا فيها؟
رمت كلماته خلف ظهرها، وكأنها لم تقتنع بأي شيء مما قاله.
— كل الكلام اللي قلته ده ما يهمنيش وما يخصنيش. وإنت إيه اللي عرفك إن أهلي مش هيوافقوا عليك؟ إنت جربت وجيت لهم مثلًا؟
ثم اقتربت منه بثبات:
— لأ. إنت بتحط افتراضات من دماغك وبس يا رضوان.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— أنا عايزاك تثبتلي إنك بتحبني وما بتلعبش بيا. لو بتحبني بجد يا رضوان، تيجي تتقدملي النهارده قبل بكرة، وإلا هصدق عليك كلام صحابي اللي بيقولوه عليك، وإنك بتتسلى بيا مش أكتر.
ثم رفعت حاجبها متحدية:
— قلت إيه يا رضوان يا عطار؟
ساد الصمت بينهما.
كان رضوان يعلم أن هذه اللحظة لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— هو ده اللي هيريحك يا رباب؟
أجابته بثبات:
— آه. إنك تطلب إيدي من أمي وأبويا، وأبقى خطيبتك قدام الناس كلها. آه، ده اللي هيريحني يا رضوان.
حرك رضوان رأسه ببطء، وكأنه اتخذ قراره أخيرًا.
— ماشي يا رباب.
ثم أردف:
— النهارده إن شاء الله، بعد صلاة العشا، هكون عندك في البيت. هطلب إيدك، وهثبتلك إني شاريكي.
ثم نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يضيف:
— بس الدور والباقي هيبقى عليكِ إنتِ يا بنت الناس.

رفعت رباب عينيها إليه، ولم تكن تعلم أن موافقة رضوان التي انتظرتها طويلًا قد تكون بدايةً لاختبارٍ أصعب بكثير مما تخيلت… وربما تكون أجمل خطوةٍ أقدمت عليها في حياتها، دون أن تدري إلى أين ستأخذهما هذه الخطوة.


تعليقات