رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الرابع 4 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الرابع 


انفرجت أسارير رباب أثر استجابة رضوان لعرضها في طلب الزواج، وكأن كلمة واحدة منه كانت كافية لأن تفتح في قلبها أبوابًا ظلت مغلقة طويلًا. وأخيرًا... دق قلبها بطبول الفرح، وارتبكت أنفاسها وهي تحاول أن تستوعب أن الرجل الذي أحبته طويلًا، والذي كانت تخشى في كل مرة أن يخذلها أو يهرب من حديث الزواج، قد قالها أخيرًا بوضوح. سيتقدم إليها.
تركته على استحياء، وعادت إلى بيتها بخطوات تكاد لا تلامس الأرض، وما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت يدها فوق قلبها الذي لم يهدأ منذ أن سمعت موافقته. ابتسمت لنفسها في المرآة. كانت السعادة تغزو ملامحها دون استئذان، وتحتل عقلها وقلبها معًا. هي حقًا تحبه... تحب كل تفاصيل وجهه، نظراته حين يغضب، هدوءه حين يتحدث، صمته حين يعجز عن التعبير، وحتى تلك الملامح القاسية التي تجعل من يراه للمرة الأولى يهابه. وتهيم بعضلات جسده التي صنعتها سنوات الشقاء، لا حبًا في مظهره وحده، وإنما لأنها كانت ترى خلف تلك العضلات سنوات طويلة من التعب والكفاح. كانت تعلم كم من الفتيات سيحسدْنها حتمًا على ذاك الأسمر. لكنها لم تكن تراه مجرد رجل أسمر قوي البنية. كانت تراه رضوان... الرجل الذي أحبته كما هو. أبعدت خصلة من شعرها عن وجهها، ثم ضحكت بخجل من نفسها عندما أدركت أنها تقف أمام المرآة منذ وقت طويل، وكأنها تنتظر أن تخبرها ملامحها إن كانت بالفعل على موعد مع حلمها. تركت تفكيرها جانبًا، ونهضت لتستعد لاستقبال حبيبها.
بينما كان رضوان لا يزال جالسًا في الورشة، غارقًا في أفكاره، لا يشعر حتى بصديقه عزت الذي عاد من الخارج ليكمل عمله. كان رضوان ينظر أمامه دون أن يرى شيئًا. توقفت المطرقة في يده منذ دقائق، لكن عقله لم يتوقف لحظة. لم يكن خائفًا... أو هكذا حاول إقناع نفسه. كان مضطربًا فقط. شعور غريب ظل يضغط على صدره منذ وافق رباب. إحساس يخبره بأنه ذاهب إلى المكان الخطأ، وأن هذه الخطوة، رغم أنها أكثر ما تمناه يومًا، قد تكون بداية لوجع لا يعرف مداه. هو يعلم أن والدتها لا ترغب به زوجًا لابنتها. ولم ينسَ ذلك اليوم الذي تقابل فيه هو والسيدة عفاف، والدتها، مصادفة في سوق المنطقة. كان يومها يشتري بعض الأغراض لوالدته، وحين رفع عينيه وجدها تقف على مسافة قريبة منه، تنظر إليه بسخرية واضحة لم تستطع حتى أن تخفيها. تعجب رضوان من نظراتها. فهو لم يعتد أن يترك أحدًا ينظر إليه بتلك الطريقة دون أن يعرف السبب. اقترب منها وألقى عليها التحية، ثم استرسل في الحديث عن باقي العائلة كنوع من تبادل الحديث بينهم، لكنها أجابته على عجل، وبدا عليها أنها تريد إنهاء الحديث والذهاب. إلا أنه أوقفها. نظر إلى عينيها مباشرة، وسألها سؤالًا لم يستطع كتمانه: لماذا أرى في عينيكِ عدم القبول؟ لم تحاول عفاف تزييف الحقيقة. كانت إجاباتها صريحة وقاسية، وكأنها أعدت كلماتها منذ وقت طويل. أخبرته أنها تعلم قصة حبه لابنتها، وأنه يحلم حلمًا بعيد المنال عنه. رباب، في نظرها، ليست فتاة عادية. ابنتها تربت على مستوى معين من المعيشة، ولن تتزوج حدادًا فقيرًا على آخر الزمان. ثم قدمت له نصيحة تشوبها نبرة تهديد واضحة: أن يبتعد عن رباب قبل أن يندم في يوم ما. فهو مهما حاول، سيظل في نظرها ابن اللص قاسم العطار، الذي مات بفضيحة عارمة، ولن يبرع في شيء سوى السرقة مثل أبيه.
كانت كلماتها يومها أشبه بمسامير دُقت في قلبه. لم ينسَ واحدة منها. ولم يخبر رباب بها. عاد رضوان إلى عالمه الحالي، وزفر بكل قوته، ثم مرر يده على وجهه. كاد رأسه ينفجر من كثرة التفكير. هو يكن لرباب حبًا كبيرًا. حبًا لم يسمح له يومًا بأن يكون مجرد نزوة أو إعجاب عابر. كانت عيناها تروي له في كل مرة قصص حبها له، وكان يريد أن يصدق أن الحب قادر على هزيمة كل شيء. يريد ألا يخذلها. ويريدها أيضًا أن تفهم سبب رفضه المستمر في كل مرة تتحدث معه عن الزواج. لكنه أسر الأمر في نفسه. لن تصدقه. سترى أنها مجرد حجة يختلقها حتى يتركها. وهو أيضًا لم يتعود أن يخلف وعده أبدًا. ولذلك رأى أنه فعل الصواب حين وافقها أخيرًا. وليكن ما يكن. نظر أمامه، فوجد عزت يعمل بجد ويدندن كعادته، فأخرج هاتفه ليرى كم من الوقت تبقى على الموعد. وحين وجد أن الوقت قد اقترب، نهض وخرج أمام الورشة، وأجرى اتصالًا هاتفيًا بالعم منعم في محل فراشته ليعتذر منه اليوم لأمر ضروري. أغلق الهاتف، وأنجز ما تبقى من عمله، ثم توجه إلى بيته ليبدل ملابسه ويرتدي أحسن ما عنده.
ما إن خرج رضوان من المرحاض حتى رأته أمه واقفًا أمام المرآة المكسورة، وقد ارتدى ثيابه، وأخذ يرتب شعره بعناية. توقفت عند الباب لحظات. كان منظرًا نادرًا. رضوان الذي لا يهتم كثيرًا بملابسه ولا يقف أمام المرآة إلا للضرورة، يقف الآن أمامها وكأنه يستعد لأمر مصيري. طرقت على بابه المفتوح وولجت إليه متسائلة في حيرة:
ـ إيه ده يا رضوان، ما شاء الله، لابس ومتشيك، عيني عليك باردة يا ابني. إنت رايح فرح؟
وضع فرشاة شعره والتفت إليها، ورسم على وجهه ابتسامة صغيرة حاول أن يخفي خلفها كل ما يدور داخله.
ـ إنتِ مش كنتِ عايزاني أخد قرار في موضوع رباب؟
عقدت ما بين حاجبيها. لم تفهم ما يعنيه. هو ذو رأس صلب، لا يغير قراراته بسهولة مهما حدث، وهي تعرف طباعه منذ وفاة والده، وتعرف أكثر مقدار التغير الذي حدث له بعد ذلك. حركت رأسها له قائلة:
ـ أيوه يا ابني، أنا بقالي مدة طويلة بتحايل عليك، بس برده مش فاهمة إيه علاقة رباب بإنك لابس ومتشيك على سنجة عشرة كده.
نظر إليها لحظة، ثم قال بهدوء:
ـ أنا رايح أطلب إيدها من أهلها يا أمي.
شهقت فرحًا. لم تستطع حتى إخفاء صدمتها من الخبر. وأخيرًا... أفاق ابنها لنفسه. وأخيرًا قرر أن يفتح لنفسه بابًا للحياة بعدما أغلق قلبه طويلًا. ابتسمت وضحكت، وكأن الخبر يخصها هي، ثم قالت بحماس:
ـ يا ألف مبروك يا رضوان، يا فرحة قلبي، دي حبيبة أختك هتطير من الفرحة لما تعرف بالخبر الحلو ده.
ثم أسرعت تقول:
ـ اسمع! استناني هنا خمس دقايق بس، هلبس العباية السودا وأحط حاجة على راسي وأجي معاك، وكمان نتصل على عمك عادل وخالك فاروق و...
قاطع كلامها بهدوء:
ـ لا يا أمي، خليكِ إنتِ المرة دي.
توقفت ونظرت إليه باستغراب.
ـ إزاي يا رضوان، وده ينفع يا ابني! تدخل على الناس بطولك؟
أجابها بثبات:
ـ أيوه ينفع. أنا رايح أتكلم مع أبوها وأمها وأشوف مَيتهم إيه من ناحيتي! لقيت في قبول وموافقين؟ ساعتها بقى آخدك إنتِ وعمي وخالي ونطلب إيدها رسمي.
صمت لبرهة، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم زفره ببطء، وكأن الجملة التالية أثقل عليه من كل ما سبق.
ـ أما بقى لو رفضوا، يبقى دي حاجة بيني وبينهم وخلصت من غير شوشرة.
كانت أمه تعرفه. وتعرف أن هناك شيئًا يخفيه. لكنها لم تضغط عليه. أما هو، فكان يقصد شقيقته حبيبة تحديدًا. لا يريد أن تعرف شيئًا عن أبيها وماضيه. لقد جاهد مرارًا أن يتجنب الحديث عن هذا الأمر أمامها، وفعل كل شيء بوسعه حتى يخبئ هذا السر عنها حتى الآن. لم يكن يريد أن تتأثر. ولا أن ترى نفسها أقل من غيرها بسبب ذنب لم ترتكبه. حزنت أمه لأجله، لكنها ابتسمت سريعًا لتمنحه أملًا ونورًا ينبعث من قلبها:
ـ بلاش تفكر بالطريقة دي يا رضوان، وما تحكمش على ناس إنت لسه ما دخلتش بيتهم يا ضنايا، ورباب بتحبك وهتخليهم يوافقوا غصب عنهم. بلاش تنكد على نفسك وتحكم على حاجة في علم الغيب. هتروح وهترجع فرحان ومبسوط، وهتيجي عندي جري تقولي: باركيلي يا أم رضوان، وافقوا على ابنك زينة شباب الحتة كلها. هما هيلقوا زيك فين؟
شعر براحة تسري في جسده من حديثها العفوي الجميل. كانت أمه تملك قدرة غريبة على تخفيف ما يثقله، حتى وإن كانت لا تعرف تفاصيله. اقترب منها وقبل يدها.
ـ ادعيلي بس يا أمي.
رفعت يدها إلى صدره وربتت عليه بحنان. لبس حذاءه، ووضع معطره الخاص، لم يكن باهظ الثمن، لكنه كان يؤدي الغرض. وقبل عودة حبيبة من حصتها بالجوار، خرج من البيت. فهو يعرف أنها لن تصمت عندما تعرف، وستثرثر كعادتها، ولن تدعه يذهب دون أن تعرف كل التفاصيل.
هبط رضوان إلى الشارع، واتجه إلى محل يصنع الحلوى، واشترى طبقًا منها، ثم توجه إلى بيت رباب. وقف أمام الباب. رفع يده نحو الجرس، ثم تراجع للحظة. لم يكن التردد ضعفًا. رضوان لم يكن يخشى مواجهة أحد. لكن كبرياءه كان أغلى ما يملك. وكان يعرف أن دخوله هذا البيت يعني أنه سيضع قلبه أمام أشخاص قد لا يقدرونه. ابتلع لعابه. ثم ضغط على زر الجرس.
فتح له الباب صبي في الثانية عشرة من عمره، يعاني من زيادة في الوزن، ممسكًا في يده قطعة حلوى كبيرة، وفمه ممتلئ بها. نظر إلى رضوان دون اهتمام وقال وهو يلوك الطعام بشراهة:
ـ مين رضوان؟
رفع رضوان حاجبه، ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة.
ـ إزيك يا كعبورة!
اغتاظ الفتى من اللقب الذي يغضبه كثيرًا، وتحدث بغلظة:
ـ كعبورة! طب أبويا بيقولك عدي علينا بكرة.
كاد رضوان أن يلكمه في فمه المحشو بالطعام. ليس لأنه أخطأ في حقه فقط، بل لأن طريقة كلامه جعلته يتساءل أين أهل هذا الطفل عن تعليمه آداب الحديث مع الكبار. لكنه ابتلع غضبه. وقال بلطف مصطنع:
ـ وماله يا حبيبي، نجيله بكرة وبعده كمان، خش بقى قوله بكرة جه ورضوان على الباب. يلا يا كعبورة، مش عايزين نتأخر يا حبيبي.
وقبل أن يتحدث الصبي بوقاحة جديدة، جذبته أخته رباب بعيدًا، فسقط على ظهره أرضًا. لم تلتفت إليه. لم تهتم لأمره. فقدوم رضوان إليها الآن كان أكبر برهان على حبه. نظرت إليه غير مصدقة. كانت تتمنى هذه اللحظة منذ وقت طويل، لكنها عندما جاءت لم تعرف كيف تتصرف.
ـ رضوان!
نظر إليها. وفي تلك اللحظة، شعر أن كل الطريق الذي قطعه حتى وصل إلى باب بيتها لم يكن مهمًا. كان يريد فقط أن يرى هذه النظرة في عينيها. وتمنى أن يجمعهما القدر قريبًا. أجابها:
ـ جيت على الميعاد بالظبط؟
ازداد خجلها، وتسارعت دقات قلبها، وابتسمت برقة:
ـ أيوه، طول عمرك كلامك مظبوط، يا فرحة قلبي والله ما مصدقة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ـ لا صدقي يا رباب، أنا جيت أطلب إيدك رسمي، بس إنتِ قولي يا رب.
نظرت إلى السماء بترجٍّ كبير.
ـ يا رب، يا رب. تعال ادخل، أبويا مستنيك جوه.
ولج رضوان إلى داخل المنزل. كان واسعًا، به أثاث كثير متين وقوي، وعدد من الغرف، وأمامه مباشرة صالة فسيحة، يتوسطها الصالون المذهب الذي يلمع تحت ضوء المصابيح. وجد والدها ووالدتها جالسين في انتظاره. كانت السيدة عفاف حادة الطباع حتى في جلستها، أما والدها فكان منشغلًا بتناول الفاكهة والحلوى الموضوعة أمامه على المنضدة، ولم يعير رضوان أي اهتمام.
ألقى رضوان التحية عليهم، واعتذر عن مجيئه دون موعد مسبق. جلس. وتبادلوا أطراف الحديث دقائق قليلة. لكن رضوان لم يكن رجلًا يحب الدوران حول الكلام. أخذ نفسًا عميقًا، ثم تحدث في صلب الموضوع مباشرة، وتقدم بطلب الزواج من رباب.
ساد الصمت. صمت ثقيل جعل رضوان يدرك منذ اللحظة الأولى أن الأمر لن يكون سهلًا. لم يحرك والدها ساكنًا. أما والدتها فعقدت ما بين حاجبيها، وسخرت منه بابتسامة باردة، ثم لوت فمها وهي تقول:
ـ رباب بنتِ!! وإن شاء الله بقى إنت جاي وناوي على خطوبة وجواز على طول! ولا خطوبة خمس ست سنين وتركن رباب جمبي على ما تكون نفسك!
لم يعجبه حديثها. لكنه ابتلع كل شيء يشعره بالضجر من أجلها. لم يأتِ إلى هنا ليثبت لها شيئًا. جاء من أجل رباب. وتكلم بأسلوبه اللبق:
ـ لأ، خمس سنين إيه بس يا ست أم رباب، أنا عندي الشقة موجودة، وكمان محوش قرشين كده حلوين للزمن، ولو إن شاء الله يعني كده تمت الموافقة. هنعمل خطوبة على الضيق كده، وسنة ولا حاجة هكون ظبطت دنيتي والشقة فرشتها، ويبقى كتب كتاب ودخلة مع بعض إن شاء الله. وبرده طلباتكم بأمر الله مش هنختلف عليها.
ابتسمت عفاف بسخرية. لم يكن في ابتسامتها أي ترحيب. بل كان فيها شيء أقرب إلى الاستفزاز المتعمد.
ـ خطوبة على الضيق! حيلك حيلك، هو سلق بيض ولا إيه يا سي رضوان! طب والشبكة هتقدر تجيبهالها ولا هنعمل زي بتوع اليومين دول وهتجيبلها دهب صيني؟ ولا يكونش ناوي تشتريلها دبلة فضة!
شعر بحرارة تصعد إلى وجهه. لكنه تماسَك. كان يعلم أنها لا تتحدث عن الذهب. هي تتحدث عن قيمته في نظرها. وهذا ما آلمه أكثر. تنهد وقال:
ـ والله دهب صيني أو دهب أصلي، ده مش هيفرق بالنسبالي حاجة؛ وبعدين مش حاجة مهمة قوي الدهب بالنسبة للي بنتك هتعيش معاه، المهم الراجل اللي يقدر يصرف ويعرف يجيب القرش بالحلال ويعيشها حياة كريمة. أما بقى الحاجات التانية اللي بتقولوا عليها دي شكليات، والشبكة دي هدية العريس لعروسته في النهاية، بس أنا مش هبخل على ست البنات بحاجة، ومعاكي للآخر عايزة دهب، ربنا يقدرني ونجيب الدهب، وأنا مش هعمل حاجة أقل من العرف اللي متعودين عليه.
كانت كلماته هادئة. لكنها لم تكن ضعيفة. وكانت عفاف تدرك ذلك. اغتاظت أكثر لأنها لم تستطع استفزازه. وتريد عدم إتمام تلك الزيجة.نهضت من مكانها، وحركت ذراعها، ثم قالت:
ـ والشقة اللي بتقول إنها عندك دي إن شاء الله بقى في الزمالك ولا مصر الجديدة؟ أنا أول مرة أعرف إنك عندك شقة من أصله، اللي أعرفه إنك متأجر يا حبة عيني. معندكش تمليك!
أجابها بهدوء مصطنع:
ـ لا في الزمالك ولا في مصر الجديدة يا ست أم رباب، بس في نفس الحارة اللي إنتوا عايشين فيها معانا هنا، وأنا بتكلم على الشقة اللي عايش فيها أنا وأمي وأختي.

شهقت. وكأن مجرد ذكر كلمة الحارة كان إهانة لها.
ـ نعم؟ إنت هتجيب عمارتنا الطول بعرض، والشقة فيها يرمح فيها الخيل، لباقي شقق الحارة دي! وعايز رباب بنت المعلم صفوت الدويقي كبير الجزارين في الحي كله تتجوز في بيت عيلة وإيجار كمان!! ما يحكمش يا حبيبي.
شعر رضوان أن آخر ذرة صبر داخله بدأت تتآكل. لكنه ظل جالسًا. وظل صوته هادئًا.
ـ يا ست أم رباب، استهدي بالله، أنا مش أول ولا آخر واحد يتجوز في شقة إيجار، وكمان بيت عيلة إيه بس! ما فيش حد غيري في البيت، وحبيبة بتكمل تعليمها ومسيرها في يوم للجواز. وكده كده أمي ست طيبة وغلبانة وفي حالها وبتحب رباب، وحبيبة بتحبها هي كمان، بيتهيألي ما فيش أي مشكلة إن إحنا نمشي الأمور.
ثم نظر إلى والدها الجالس صامتًا. كان صمته يستفزه أكثر من كلام عفاف. قال بغيظ مكتوم:
ـ ولا إيه رأيك يا معلم صفوت؟ إنت شايف إيه في موضوع بنتك ده؟ ما تسمعنا صوتك.
تنحنح والدها. وضع الصحن من يده، ومسح أصابعه ببطء، ثم قال:
ـ والله يا ابني إن كان عليا ما عنديش مانع. بس أم العروسة تعرف أكتر مني. انت عارف ،أنا طول اليوم بره البيت في محل الجزارة بتاعي بشتغل وبتعب علشان أجيب القرش ومعيشهم عيشة بسم الله ما شاء الله زي ما إنت شايف كده.
ثم نظر إلى رضوان نظرة تحمل شيئًا من التقييم، وأكمل ساخرًا من وضعه:
ـ أصل بنتي رباب دي يا رضوان، بنت عز طول عمرها متربية على الغالي، واللحمة دي ما بتتقطعش من البيت، وأمها بقى هتشوف الصالح بتاعها وتقول عليه، قدرت تعيشها في نفس المستوى ده وأحسن كان بها، ما قدرتش يبقى ما تحرجش نفسك من أولها، ولا إيه رأيك يا أم رباب؟
أجابت عفاف دون تردد:
ـ طبعًا يا معلم، كلامك مظبوط. أنا بنتي لازم تعيش في مستوى زي مستوانا، غير كده ما ينفعناش.
ثم نظرت إلى رضوان وهي تحرك الحلي في يدها، وترفع إحدى حاجبيها.
ـ وبصراحة بقى يا رضوان، مش إنت اللي هتسعد بنتي. وطلعت ولا نزلت شغلتك حداد. وآخر الكلام كده يا حبيبي، طريقك أخضر، شوف واحدة على مقاسك، ما تبصش لفوق، ده حتى المثل بيقول.على قد لحافك مد رجليك.
في تلك اللحظة، شعر رضوان أن شيئًا داخله انكسر. ليس لأنه لا يملك ما تملك رباب. ولا لأنه يعيش في شقة إيجار. بل لأنها جعلت من الفقر عيبًا، ومن العمل الحلال شيئًا يستحق الخجل. وكان يريد أن يرد. أن يخبرها أن المال الذي جمعه لم يأتِ من حرام. وأن يديه الخشنتين ليستا شيئًا يخجل منه. وأن الرجل لا يُقاس بما يعلقه في رقبته من ذهب، بل بما يستطيع أن يضعه في يد من يحب حين تحتاج إليه. لكنه تذكر أنه جاء من أجل رباب. فقط من أجل رباب.
وفي تلك اللحظة، سمعت رباب كل شيء. خرجت من مكانها مسرعة، والدموع تملأ عينيها. اقتربت من أمها وأمسكت يدها، تتوسل إليها:
ـ ليه كده يا ماما، أبوس إيدك، أنا كلمتك في الموضوع ده وقلتي إنك هتوافقي، وكنتي فرحانة عشاني. ليه غيرتي كلامك دلوقتي؟ وافقي علشان خاطري.
زجتها أمها بعيدًا عنها.
ـ اخرسي يا بت، عايزاني أوافق على إيه! على واحد ماحلتوش اللضى،أنا أكتر واحدة أعرف مصلحتك، وإنتِ بنت المعلم صفوت سيد المعلمين وكبير المنطقة، وأمك اللي لابسة الدهب من هنا لهنا، عايزة تتجوزي حتة حداد على آخر الزمن، ده مش هيعرف ياكلك أسبوع واحد على بعضه، ده إنتِ معاه هتنسِي شكل وطعم اللحمة ياخايبه. كاتك إيه؛ انجري خشي جوه.
لم تتحرك رباب. كانت تنظر إلى رضوان، وكان هو ينظر إليها.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، ثبت رضوان نظره عليها لثوانٍ. لم يحتج إلى أن يتكلم؛ كانت نظرته تحمل بين طياتها شيئًا من العتاب الهادئ، وكأن عيناه تقول لها: ألم أقل لكِ إن أمك سترفضني؟
كانت نظرة رجل رأى أمام عينيه تمامًا ما حذّرها منه، لكنه لم يشمت بها، ولم يحمّلها مسؤولية ما حدث. فقط أرادها أن تفهم أن خوفه منذ البداية لم يكن بلا سبب.
فهمت رباب ما أراد قوله من نظراته، فانكسرت عيناها أكثر، وهزّت رأسها بحسرة، وكأنها تعترف له بصمت بأنها لم تصدقه، وأنها الآن تتمنى لو أنها فعلت.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع أمام عينين تحاولان ألا تسمحا لدمعة واحدة بالسقوط. لم يكن يحتاج إلى أن يسألها إن كانت تحبه. كانت الإجابة أمامه. لكن عفاف لم تمنحهما حتى تلك اللحظة.
همَّ رضوان واقفًا. رفع رأسه، وكأن جسده كله استعاد صلابته في لحظة واحدة. ثم نظرت إليه عفاف وأردفت بتهكم:
ـ وإنت يا رضوان إيه؟ ما سمعتش ردنا عليك؟ هتفضل واقف كده يا أخويا زي تمثال الشمع! خد طبق الحلويات بتاعك واتكل على الله، أنا ما عنديش بنات للجواز!
وقعت عيناه على رباب مرة أخرى. كانت تبكي. وتلك الدموع كانت الشيء الوحيد الذي كاد يهز كبرياءه. أراد أن يقول لها شيئًا. أن يطمئنها. أن يقول لها إنه لم يندم. لكنه لم يستطع. لأن عفاف أكملت، وكأنها تعمدت أن تغرس آخر خنجر في قلبه. وضعت يد على الأخرى قائلة:
ـ وبعدين إن الله حليم ستار يا رضوان يا ابن قاسم العطار، ها! عندك حاجة تاني تقولها ولا هتتفضل من غير مطرود!
تجمد رضوان للحظة. عاد الماضي أمام عينيه. قاسم العطار. الاسم الذي عاش سنوات يحاول أن يثبت أنه ليس نسخة من صاحبه. والذنب الذي لم يرتكبه، لكنه ورث عاره. نظر إليها. لم يسمح لملامحه أن تفضحه. لم ينكسر أمامها. لم يتوسل. ولم يحاول الدفاع عن نفسه. فالكبرياء الذي خرج به من هذا البيت كان آخر شيء يستطيع الاحتفاظ به.
استدار ولم يلتفت وراءه، خطا نحو الباب. كانت كل خطوة ثقيلة. لكن رأسه ظل مرفوعًا. لم يلتفت. حتى عندما سمع شهقة رباب خلفه. لم يلتفت. ليس لأنه لا يريدها. بل لأنه لو التفت، ربما لم يستطع الرحيل.
خرج رضوان من البيت، وأغلق الباب خلفه. وفي الخارج فقط... سمح لنفسه أن يأخذ نفسًا عميقًا. كان صدره يؤلمه. ووجهه ثابت. لكن قلبه كان ينزف. تأرجح عاليًا، لكنه لم ينكسر. ومهما كان تجريح قلبه وكبريائه، ظل متمسكًا بنفسه، لا يسمح للألم أن يظهر في عينيه.
عاد إلى منزله. كانت خطواته أبطأ مما خرجت به. وحين رأته والدته وأخته، لم يحتج إلى كلمة واحدة. عرفتا. الحزن كان واضحًا في وجهه. عرفتا أن ما كان يخشاه قد حدث. اقتربت منه أمه، لكنه لم يتحدث. ولج إلى غرفته وجلس. ووضع يديه فوق ركبتيه. وظل صامتًا. حتى هو نفسه لم يعرف ماذا يقول. وفي النهاية أقنع قلبه بجملة واحدة: أن كل مُر سيمر.

كانت إيمان تقف في الشرفة تجمع الثياب، حين رأت زوجها كريم يهبط من سيارة الأجرة. أغلق باب السيارة بعصبية، ثم سار نحو البناية دون أن يلتفت إلى أحد. توقفت يدها عن جمع الملابس. نظرت إليه حتى اختفى خلف باب البناية. كان في مشيته شيء أقلقها. كريم لم يكن هكذا. دخلت الشقة، وانتظرته. وما إن ولج حتى بدأت تتحدث معه وتسأله عما يقلقه بهذا الشكل. جلس منهكًا، وكان يعلم أنه لا مفر منها؛ فهي تخاف عليه، وتقرأ ملامحه قبل أن ينطق. استند بظهره إلى الأريكة، وقال بنبرة تحمل التخبط:
ـ عايزاني أقولك إيه يا إيمان! أقولك إن فاتورة الكهربا الشهر ده كسرت الألف جنيه! ولا الغاز والإيجار وفواتير المية المتكومة علينا؟ وبعدين من غير ما أقول، ما إنتِ شايفة بعينيكِ، الدنيا مش راضية تتعدل معانا، كل قرش عارف هو رايح فين، ده حتى الجمعية اللي قلنا هنقبضها ونعمل بيها مصلحة، أهو على يدك اتصرفت في البيت ومصاريف ما لهاش أول من آخر، أنا زهقت وما بقتش عارف أعمل إيه، هجيب منين وهكفي إيه ولا إيه؟

شعرت إيمان بوخزة في قلبها. لم تحب نبرة اليأس في صوته. كان كريم منذ وقت طويل يحاول أن يبدو قويًا أمامها وأمام أولاده، لكن التعب بدأ يظهر عليه. جلست جواره، واحتوت كفه بكفها، وضغطت عليها بحنان.
ـ ربك بيفرجها يا كريم من غير ميعاد، واعرف إن الدنيا ما اتبنتش في يوم، ولو أزمت اليوم، بكرة هتفرج. إنت ما تشيلش هم حاجة.
حرك رأسه موافقًا. لكن عينيه لم تحملا الاقتناع نفسه. كان الصمت أحيانًا أرحم من البوح. وضع وجهه بين كفيه، ومسح على شعره بوهن. نظرت إليه إيمان طويلًا. ثم نهضت دون أن تخبره بما قررته. ذهبت إلى المطبخ. بدأت تعد الطعام، لكن عقلها كان في مكان آخر. لم تكن تريد أن ترى زوجها مكسورًا أمامها. إذا كان البيت يحتاج إلى يد أخرى... فستكون تلك اليد يدها.
وضعت الطعام، وجلسا وقت الغداء في صمت. وبعد دقائق استعادت رباطة جأشها، وألقت ما في جعبتها إليه:
ـ بقولك إيه يا كريم، أنا بفكر أنزل أدور على شغل.
رفع عينيه إليها فورًا. لم يكن يتوقع ذلك.
ـ شغل إيه يا إيمان اللي إنتِ عايزة تدوري عليه؟ إنتِ شايفة الوضع اللي إحنا فيه يتحمل إن إحنا الاتنين نسيب البيت ونشتغل؟ ناسية إن عندك تلات عيال؟
قامت وجلست بجانبه محاولة إقناعه.
ـ يا كريم اسمعني بس، أنا فكرت في كل حاجة. هو أنا يعني هقولك عايزة أشتغل من غير ما أفكر في ولادي؟ أنا يا سيدي هتفق مع ماما، هبعت عندها العيال بعد ما يفطروا وأظبطهم، وأنا راجعة أجيبهم معايا، بس الموضوع سهل وبسيط خالص.
فرك جبينه بحيرة.
ـ أيوه يا إيمان، بس إحنا متفقين من زمان إن ما فيش شغل، أنا مش عايز أبهدلك معايا. وكمان الشغل هيخليكي تهملي البيت والأولاد. من قلة الوقت.
ابتسمت له. لم تكن ابتسامة امرأة تبحث عن عمل فقط. كانت ابتسامة زوجة قررت ألا تترك زوجها وحده في المعركة.
ـ فين البهدلة دي بس يا كريم؟ أنا هنزل واشتغل شغل كويس. حتى لو بشهادتي، ما فيش بهدلة ولا مرمطة إن شاء الله. ومالكش دعوة بمسؤولية البيت. أنا هقدر إن شاء الله أوفق بين الشغل والبيت. إنت بس وافق وسيبها على الله، وبعدين أنا لسه هدور على شغل، يعني مش قلت لك هنزل من بكرة.
ظل صامتًا دقائق. ثم قال:
ـ اسمعي يا إيمان، أنا حقيقي مش عايزك تتبهدلي معايا. بس أنا هحاول أشوف لك حاجة حنينة كده، يعني شغل يأدي الغرض، أربع خمس ساعات كده، أهو برضو اسمك بتفكِ عن نفسك شوية، بس صدقيني والله ما عايز أضغط عليكِ.
ابتسمت.
ـ يا سيدي مليون مرة قلت لك والله ما فيش بهدلة ولا حاجة، وأنا كمان هدور من ناحيتي وهسأل أصحابي، ولو لقيت حاجة سهلة ولذيذة كده عادي، ما فيهاش حاجة، وبعدين أنا ما بعملش حاجة كبيرة، أنا لازم أقف جنبك.

تنهد كريم. لم يجد ما يقوله. وفي النهاية ترك لها مساحة لتبحث. وبالفعل، بدأت إيمان البحث، وبمساعدة إحدى صديقاتها وجدت عملًا في مركز طبي، وأصبحت تعمل في استقبال المرضى. لم يكن الأمر سهلًا. لكنها كانت مستعدة. فهي لم تنزل إلى العمل لأنها ملّت من البيت. بل لأنها أرادت أن تقول لزوجها بطريقتها: أنا معك.

عاد كريم من عمله في أحد الأيام، ولم يرغب في الذهاب إلى المنزل. لم يكن هناك أحد. زوجته في العمل منذ الظهيرة. فكر للحظات، ثم قرر أن يذهب إلى رضوان في عمله ليطمئن عليه. فهو لم يذهب أول أمس، يوم الجمعة، إلى المقهى كما اعتادوا.
وصل إلى الورشة. وجد عزت وبعض العاملين، لكنه لم يجد رضوان. صافح عزت وسأله:
ـ رضوان فين؟
كان عزت يطرق على الحديد المنصهر، ثم قال دون أن يرفع عينيه:
ـ رضوان من يوم الخميس مجاش الورشة، وسألت عليه خالتي أم رضوان قالت إنه بعافية شوية.
كشر كريم بين حاجبيه.
ـ يعني رضوان مظهرش من تلات أيام وتعبان، وإنت ما تقوليش يا عزت؟ طب ده اسمه كلام يا جدع؟ رضوان يقول عليا إيه دلوقتي؟ ده مبيتأخرش عليا في سؤاله، يا بوز الأخص إنت.
تأفف عزت ودافع عن نفسه:
ـ يا عم الكروان، اهدى عليا، ما أنا جايلك في الكلام أهو، أنا روحت يومها أشوفه ماله، قالي إنه كويس وعايز يفضل يومين كده مع نفسه ومش عايز حد يشغل باله، وأكد عليا إنه زي الفل.
ظل كريم غير مقتنع.
ـ ولا يا عزت، يعني إنت متأكد إن رضوان مافيش فيه حاجة كده ولا كده؟
أقسم عزت:
ـ يا عم، أقسم بالله رضوان زي الفل، عادي يعني بيريح يومين من الشغلانة الهم دي.
وفجأة جاء صوت عند باب الورشة:
ـ السلام عليكم.
كان عصام. رد عليه كريم بابتسامة، بينما تقلص وجه عزت عندما رآه. رد التحية سرًا، ثم عاد يطرق بكل قوة على الحديد.
اقترب عصام.
ـ إزيكم يا شباب عاملين إيه؟
أجابه كريم:
ـ بخير يا عصام، وجيت في وقتك، أنا كنت لسه هتصل عليك.
انتبه عصام.
ـ خير يا جماعة؟ مالكم، وبعدين فين رضوان؟ بتصل عليه من الصبح ما بيردش؟
قبل أن يتحدث كريم، اندفع عزت بكل غلظة، فقد كان يشعر دائمًا بأن عصام لا يحبهم، وإنما يعرفهم لأنه يريد أن يتعالى عليهم.
ـ خير يا عصام وعايز رضوان في إيه؟ يكونش جايب له وظيفة مستعجلة خلت جنابك تتنازل وتدخل ورشة حدادة؟ مع إن ده مش مقام جنابك.
رمقه كريم بتحذير. أما عصام فبدا عليه الاستغراب.
ـ هو في إيه يا عزت؟ وإيه الطريقة اللي بتتكلم معايا بيها دي؟
رد كريم معتذرًا:
ـ معلش يا عصام، عزت ما يقصدش، إنت عارف إنه مدب وما بيعرفش يذوق الكلام.
أجابه عصام:
ـ وماله يا كريم، إن كان ده طبعه نستحمله، بس أنا شايف إن ده مش طبعه ولا أسلوبه، ومعرفش ليه دايمًا حاسس إن عزت قارش ملحتي.
رفع عزت صوته:
ـ أيوه يا عصام، أنا قارش ملحتك، هتعمل إيه يعني؟ أنا واحد ربنا خالقني كده، ما بحبش الناس اللي بتتكبر علينا.
تعجب عصام وكريم.
ـ وهو أنا اتكبرت عليك في حاجة يا عزت علشان تتكلم معايا بالطريقة دي؟
رد عزت:
ـ آه يا خويا بتتكبر، محسسنا دايمًا إن إحنا مش من مستواك؛ إنت ابن معلم كبير تاجر جملة، وإحنا غلابة تحت الأرض. مش شايفنا؟ رضوان يتصل عليك يقولك تعال اقعد معانا على القهوة، الشباب مستنياك! تقوله لا معلش، أصل أنا ماليش في قعدة القهاوي، ومرة يقولك تعالى نحضر الفرح الفلاني، تقوله معلش، أصل أنا ماليش في جو الأفراح الشعبي، محسسني يا خويا إنك مش ابن المنطقة دي ولا مولود ومتربي فيها ولا مفطوم على شوربة عدس زينا، ده النبي عربي يا عم عصام، مش كده؟ حط واطي شوية يا خويا الله يكرمك، أصل الواحد مبقاش مستحمل، مش عارف أنا رضوان مستحملك على إيه؟
ظل عصام ينظر إليه لحظات. ثم قال بهدوء:
ـ أنا مش هرد عليك احترامًا لكريم، وكمان في مكان أكل عيشك. خليك إنت كده ماشي ورا تفكيرك السو ده، وربنا يعينك على المهلّبية اللي في دماغك.
تدخل كريم بحزم:
ـ ما خلاص، إنت وهو، إنتوا مش هتكبروا أبدًا، وإنت يا عزت اتلم شوية وبطل تحدف الناس بلسانك اللي عامل زي الدبش ده، وإنت يا عصام كبر دماغك منه، ده عيل دماغه طاقه. المهم دلوقتي أنا عايزك تيجي معايا نشوف رضوان ونقعد معاه ونعرف ماله وإيه اللي مخليه مختفي كده.

مرت قرابة ثلاثة أشهر على رحيل السيدة ثريا. ثلاثة أشهر فقط... لكنها كانت كافية لتجعل البيت الذي كان يعج بصوتها يبدو غريبًا، باردًا، وكأن شيئًا أساسيًا انتُزع منه إلى الأبد. كانت ثريا بالنسبة إلى عائلتها أكثر من زوجة وأم. كانت روحًا. شمعة تضيء حياتهم بحبها وعطفها الدافئ. ولهذا لم يكن فراقها مجرد غياب شخص. كان غياب جزء من البيت نفسه.
وفي ذلك اليوم، جلس حسين في كرسيه الخاص متعبًا. ثلاثة أشهر مرت، لكنه لم يتعلم كيف يعيش بدونها. كان أحيانًا يستيقظ من نومه وينسى للحظة أنها رحلت، ثم يبحث عنها بعينيه. وأحيانًا يتخيل أنه سيسمع صوتها من إحدى الغرف. ثم يتذكر. فتسقط روحه في الحقيقة من جديد.
نظر إلى الصور الباهتة للأيام السعيدة بينه وبين زوجته. مد يده نحو إحدى الصور، ومرر إصبعه على وجهها. ابتسم. ثم انطفأت ابتسامته سريعًا. وعادت الذكرى. ذلك اليوم المشؤوم... اليوم الذي لم يكن يعرف فيه أن آخر مرة سيمسك فيها يدها ستكون فعلًا آخر مرة.
في غرفة النوم الهادئة، وسط أجواء مليئة بالحزن والوداع، اجتمع أفراد العائلة حول سرير ثريا. كانت ترقد على فراشها الأبيض، جسدها ضعيف، وأنفاسها متقطعة، وكل نفس منها كان يجعل حسين يشعر بأن شيئًا من حياته يُسحب منه ببطء. جلس بجانبها. أمسك يدها بقوة. كانت يدها باردة على غير عادتها. رفعها إلى وجهه، وقبلها. ثم اقترب منها أكثر.
ـ ثريا...
لم تجبه. ابتلع غصته، وحاول أن يبتسم.
ـ ثريا بصيلي يا حبيبتي.
ظلت عيناها مغمضتين. ضغط على يدها أكثر.
ـ أنا جنبك أهو... سامعاني؟
لم يصله رد. كانت زاد جالسة بجانبها على الفراش، تمسح على جبين والدتها الحبيبة، وتبكي بحرقة، بينما كانت الدموع تنزل من عيني حسين دون أن يشعر.
أعاد حسين مناداتها:
ـ ثريا... افتحي عينيكِ بس.
سكون. سكون لم يعتده منها. هو الذي قضى معها سنوات طويلة، كان يعرف كل أصواتها. يعرف تنهدها. يعرف ضحكتها. يعرف حتى صمتها. لكن هذا الصمت... كان مختلفًا. كان صمتًا لا عودة منه.
اقترب من وجهها أكثر.
ـ ثريا... أنا هنا.
ظل ممسكًا بيدها. انتظر. ثم حدث ما لم يكن قلبه مستعدًا لتصديقه. توقفت أنفاسها. وبعد فراقها للحياة، تعالت الصرخات، وانشق القلب من الأسى والحزن. انهارت زاد. أما حسين فلم يتحرك. ظل ممسكًا بيدها. كأنه ينتظر منها أن تضغط على يده كما كانت تفعل دائمًا.
ـ ثريا؟
لا رد.
ـ يا ثريا...
لا رد.
هنا فقط عرف. ترك يدها للحظة، ثم عاد يمسكها كأن عقله يرفض الحقيقة. كانت المرة الأولى التي يمسك فيها يدها ولا يشعر بأنها تمسكه من الجهة الأخرى.
صدح صوت القرآن الكريم في المكان، لينشر السكينة والصبر في القلوب. كان حسين دائمًا يتذكر صوتها هي فقط يدنو منه. ضحكتها. كلماتها. نداءها له. كل سنواتهما مرت أمام عينيه في لحظات.
تقدم بقلب مكسور، وقبل جبينها بوداع أخير. ثم وضع جبهته على جبينها. وأغلق عينيه. وكأنه ينتظر معجزة. لكن المعجزات لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نريد.
انطلقت دموعه بحرية. لم يعد يخجل منها. فقد ماتت زوجته. ومات معها جزء كبير من الرجل الذي كانه.
استفاق حسين من ذكرياته. مسح عينيه سريعًا. كان نجيب، شقيقه الأصغر، يجلس بالقرب منه. نجيب، الرجل الذي بلغ من العمر خمسين عامًا، كان أكثر قربًا إلى حسين في هذه الفترة. لم يكن صغيرًا حتى يتعامل مع حزن أخيه بخفة، ولا كبيرًا لدرجة أن يتخلى عن دوره. كان رجلًا يعرف معنى الفقد، ويعرف أن بعض الأحزان لا تحتاج إلى نصائح كثيرة، بل إلى شخص يجلس بجوارك فقط.
نظر حسين إليه وقال بصوت مؤلم، غير مصدق:
ـ مش قادر أصدق إن ثريا راحت وانتهت. كانت جزء كبير جدًا من حياتي، مش قادر حتى أستوعب إنها غابت عننا.
اقترب نجيب منه.
ـ وحد الله، مش كده يا حسين يا خويا، الست ثريا الله يرحمها ذكراها هتبقى عايشة معانا العمر كله، ويعني كلنا هنروح فين؟ مسيرنا نقابلها في يوم من الأيام. أنا عايزك تفوق لنفسك وصحتك، بقالك شهور على الحال ده، واخرتها؟!
خفض حسين عينيه.
ـ مش عارف أعمل إيه؟ حقيقي سابت فراغ كبير في حياتي.
ربت نجيب على كتف أخيه.
ـ الوقت هو اللي هيساعدك، يا حسين. الذكريات والأوقات الحلوة مع ثريا هتبقى دايمًا في قلبك. هي دلوقتي في مكان آمن، وهتبقى ذكراها حية في قلوبنا، والموت ده بداية الحياة الحقيقية، إحنا هنا على الأرض مجرد ضيوف مش أكتر.
تنهد حسين.
ـ شكرًا يا نجيب على وقفتك المدة دي معانا. أنا هحاول أكون متماسك أكتر من كده علشان خاطر زاد.
ابتسم نجيب.
ـ إنت بتشكرني على واجبي ناحيتك يا حسين! أنا مش هعاتبك ولا هزعل منك، أهم حاجة إن الحمد لله رجعت لعقلك أخيرًا، وده اللي يهمنا كلنا.
ثم نظر حوله.
ـ صحيح فين زاد؟ بقالي يومين كل ما أجي مشوفهاش.
جاءه صوتها عند الدرج:
ـ أنا هنا يا عمو.
التفت نجيب إليها. كانت زاد تهبط الدرج. اقترب منها نجيب. صافحها، ثم قبل قمة رأسها بحنان.
ـ إزيك دلوقتي يا زاد؟ طمنيني عليكي يا حبيبتي.
نظرت إلى والدها. كان حزنها على والدتها لا يزال يسكن عينيها، لكن شيئًا آخر كان يوجعها أيضًا. منذ وفاة أمها، لم تشعر أن والدها قريب منها. لم يسأل عن قلبها. لم يسأل عما يؤلمها. وكأن حزنه على زوجته جعله ينسى أن لديه ابنة فقدت أمها أيضًا.
تأبطت ذراعها وقالت بصوت يشوبه الألم:
ـ أنا بخير يا عمو، ميرسي على سؤالك.
ابتسم نجيب بحنان:
ـ إنتِ كمان بتشكريني على واجبي يا بنتي! أنا لو كان عليا أشيل حزنكم وأرميه بعيد، المهم دلوقتي أنا عايزك تفوقي لنفسك، وكمان تنشطي الراجل الكسلان ده، اللي سايب شركته وشغله يضرب يقلب ومش سأل عن حاجة أبدًا.
أرادت زاد أن تقول له: وأنا يا عمي؟ أرادت أن تخبره أن والدها لم يسأل عنها هي الأخرى. لكن الكلمات ماتت قبل أن تخرج. نظرت إلى والدها. ذلك الرجل الذي كانت في طفولتها ترى أنه عالمها كله. وسألت نفسها في صمت: منذ متى لم يعد أبي يحبني هكذا؟ أنا زاد... ابنته الوحيدة. دللني حين كنت صغيرة. كان يخاف عليّ من نسمة الهواء. فأين كان يخبئ ذلك الكره في داخله؟
أتى اتصال هاتفي للسيد حسين. نهض واتجه إلى الشرفة ليجيب، تاركًا زاد ونجيب وحدهما في الصالة. ظل نجيب ينظر إليها. كان يرى شيئًا في عينيها لا تقوله. عرض عليها المجيء إلى منزله.
ـ إيه رأيك يا زاد لو تيجي تقضي يومين عندي في الفيلا معانا؟ مازن وسما وكارم هيفرحوا جدًا ومرات عمك كمان، ها قولتي إيه؟
ابتسمت للطف عمها.
ـ أوعدك يا عمو إني قريب هاجي أقضي معاكم وقت.
ابتسم نجيب.
ـ أيوه كده، فرحي عمك. من سنين ما جيتيش عندنا، ويا سلام لو تقنعي أبوكي، أصل أنا مقدرش عليه.
ضحكت زاد ضحكة خافتة لم تصل إلى عينيها.
ـ حاضر يا عمو.
نظر نجيب إلى أخيه الذي كان لا يزال منشغلًا بمكالمته الهاتفية. استأذن بالانصراف. ودع زاد، ثم غادر.
عاد حسين إلى الصالة. وكانت زاد على وشك الصعود، لكنه أوقفها بصوته الحازم:
ـ استني يا زاد، عايزك.
توقفت. استدارت إليه. لم يكن في عينيها الدفء المعتاد.
ـ نعم يا بابا.
قال بحدة:
ـ أخيرًا خرجتي من أوضتك! إيه، ناسية إن ليكي أب تسألي عليه؟
نظرت إليه طويلًا. كان السؤال في عينيها أكبر من الكلمات. ثم قالت:
ـ لا مش ناسية يا بابا، وأنا فعلًا كنت نازلة أطمن على حضرتك، وشوفتك بتتكلم مع عمو نجيب واطمنت عليك، وطالعة أوضتي تاني، لأن ببساطة مفيش حد أتكلم معاه ولا حد هيسمعني غير ماما، وماما خلاص الله يرحمها.
تغيرت ملامح حسين للحظة. لكنه حاول أن يستعيد صلابته. هز رأسه متفهمًا حزنها:
ـ الله يرحمها. زاد، أنا عارف إنك مضايقة وزعلانة مني الفترة اللي فاتت، بس ده يا بنتي يرجع في الآخر لعنادك وعدم سمعانك للكلام.
عقدت ما بين حاجبيها. لم تفهم.
ـ إزاي؟ مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟ إحنا من يوم وفاة ماما وعلاقتنا روتينية، مفيش أي حوار ناتج ما بينا، ما بين أب وبنته على الأقل.
نظر إليها طويلًا. ثم قال:
ـ لأ، مفيش روتين ولا حاجة. أنا متجنبك عن قصد يا زاد، من يوم ما الولد ده جه بكل بجاحة يطلب إيدك مني، ولسه ثريا مكملتش عشرين يوم على رحيلها، قمة الاستخفاف بقلوب الناس في أحزانهم واللعب بمشاعرهم.
فهمت. إذن هذا هو السبب. كل هذا الجفاء... بسبب باسل.
تنفست بعمق، ثم قالت:
ـ أنا مع حضرتك إن باسل غلط وأنا ضد اللي هو عمله تمامًا، لكن ده كان رد فعل مش أكتر، لما عرف مني إن حضرتك معترض عليه جه يوضح لك نيته من ناحيتي وإنه عايز يتجوزني. أنا قلت له إنه غلط في النقطة دي، لكن ده مش معناه إنك تعاملني بالطريقة دي.
رفع حسين يده معترضًا:
ـ بطلي تدافعي عنه! هتفضلي سلبية كده لحد إمتى! وأنا لا عاملتك وحش ولا عاملتك حلو، أنا بعدت عن الفوضى اللي إنتِ عملاها، أنا زوج مراته راحت وقلبه موجوع عليها، في ظل إني برده أب عنده بنت مش عارفة مصلحة نفسها وعايزة ترمي نفسها في النار.
ردت زاد بوجوم:
ـ نار إيه حضرتك اللي عايزة أرمي نفسي فيها؟ ده جواز على سنة الله ورسوله، يعني ما أجرمتش لما قلت إني موافقة عليه، وحتى اعتراضك لحد دلوقتي مش لاقية ليه سبب وجيه على رفضك ليه؟
رفع حسين رأسه. وكانت إجابته هذه المرة أكثر ثقة:
ـ الولد ده طمعان في فلوسك يا زاد.
ابتسمت بسخرية.
ـ آه، هي الحكاية كده. أحب أوضح لحضرتك إن جو الأفلام ده خلص من زمان، طمعان في فلوسك، وعايزك علشان يلهف ثروتك، الكلام ده قديم أوي، ومستحيل أصدق إن باسل يكون من النوع ده.
استشاط غضبًا. ليس فقط لأنها تدافع عن باسل. بل لأنها تتحدث معه وكأن رأيه لا قيمة له.
ـ إنتِ بتدافعي عنه ومش مصدقة كلامي! فوقي لنفسك، إنتِ بتتكلمي مع أبوكي مش حد من صحابك، وأنا قلتها كلمة، الولد ده مستحيل أوافق عليه حتى لو ما اتجوزتيش. وفضلتي العمر كله من غير جواز، فاهمة ولا لأ؟
شعرت زاد أن شيئًا بداخلها انهار. لم تكن تريد أن تعاند أباها. كانت تريد فقط أن يفهمها. أن يعطيها سببًا حقيقيًا. أن يتحدث معها كما كان يفعل في الماضي. لكن الرجل الذي أمامها لم يعد ذلك الأب الذي تعرفه.
قالت، والدموع تلمع في عينيها دون أن تسقط:
ـ لو سمحت يا بابا، دي حياتي وأنا حرة فيها. حضرتك عودتني آخد قراراتي بنفسي طول ما أنا شايفاها صح. والمرة دي أنا شايفة إن قراري صح. أنا ما شفتش من باسل حاجة وحشة. وبعدين فين الخطر اللي حضرتك بتتكلم عنه؟ يا ريت حتى تقولي سبب معين للرفض، وأنا أسمعه وأقرر أرفضه أو لأ، غير إنه طمعان فيا. أنا مش فاهمة حضرتك عايز مني إيه.
خبط حسين بعكازه على الأرض من الغضب.
ـ لو الحرية اللي أنا اديتها لك هتخليكي تقفي قدامي وتبجحي فيا بالطريقة دي، وكل كلمة بيني وبينك بالند، يبقى أنا فعلًا فشلت في إني اربيكي.
سكتت زاد. كانت هذه الجملة أشد من كل ما سبق. كأن كل السنوات التي عاشتها معه لم تكن شيئًا. وكأن كونها ابنته التي ربّاها ودللها وأعطاها الحرية، يمكن أن يتحول في لحظة إلى تهمة.
نظرت إليه طويلًا. ثم قالت بصوت هادئ هذه المرة، لكنه يحمل قرارًا اتخذته بالفعل:
ـ تمام يا بابا.
لم يفهم. أما هي فكانت قد اتخذت قرارها. لن تبقى هنا. لن تبقى في بيت تشعر فيه أنها غريبة. ستذهب إلى عمها نجيب. ليس هروبًا من أبيها. بل هروبًا من هذا الصراع الذي أصبح يأكل ما تبقى من قلبها.
صعدت زاد إلى غرفتها. أغلقت الباب. وسقطت دموعها أخيرًا. وفي الأسفل، ظل حسين واقفًا في مكانه، يحدق في الدرج الذي اختفت خلفه ابنته. كان غاضبًا. لكن خلف الغضب كان هناك شيء آخر. خوف. وحزن. ووجع. هو فقد زوجته. والآن يشعر أنه يفقد ابنته أيضًا. لكنه لم يعرف كيف يمنع ذلك.
أما زاد، فكانت تجمع أشياءها في حقيبتها ودموعها تنزل بصمت. كانت تعرف أنها حين تغادر هذا البيت، لن تأخذ معها ملابسها فقط. ستأخذ معها سؤالًا سيظل يؤلمها طويلًا: متى تغيّر أبي عليّ؟
وفي تلك الليلة، لم يكن أحد منهما يعرف أن المسافة التي بدأت بكلمات غاضبة، ستكبر أكثر مما يتخيلان.


تعليقات