رواية ناب الافعي الفصل الثالث
*صوفيان*: دليلة
تركت *رزان* يد *دليلة* التي تنظر لها بتحدٍ، ثم مثلت أنها تبكي وذهبت وارتمت في أحضان *صوفيان* الذي كان يحاول إبعادها تحت نظرات *رزان* الحادة.
*دليلة*: شايف... شايف الناس اللي انت مشغلها بتعاملني إزاي؟ شايف كانت ماسكة إيدي إزاي وعاوزة تضربني؟
*رزان*: الكلام ده محصلش يا أستاذ صوفيان. هي اللي حاولت تمد إيديها عليا وتضربني، وأنا أكيد مش هقف أتفرج.
*دليلة*: كدابة... محصلش... كل ده عشان قولتلها تجيب...
قاطعتها *رزان* بحدة:
*رزان*: كل ده عشان جت وقالتلي أجيبلها شنطتها من العربية. وأنا أعتقد يا أستاذ صوفيان إن ده مكنش مكتوب في الـ CV بتاعي. فقولتلها بأدب إن ده مش شغلي حضرتك، فاتكلمت معايا بأسلوب مش أحسن حاجة واتكلمت عن عيلتي بطريقة مش كويسة. وأنا عيلتي خط أحمر. لو حضرتك شايف اللي عملته ده كان غلط فأعتقد إن دي مشكلة حضرتك.
نظر إليها الجميع بصدمة. فمن هذه التي تحدث *صوفيان الفهد* بهذه الجرأة؟ لم يتجرأ أحد على فعلها من قبل.
*دليلة*: انتي...
*صوفيان*: اسكتي يا دليلة. أنا أصلاً كنت سامع وشايف كل حاجة... اتفضلي اعتذري.
*دليلة*: صوفيان... أنا
*صوفيان*: قولت اعتذري يا دليلة.
*دليلة*: أنا أعتذر؟ انت مش واخد بالك أنا مين وهي مين؟ لا طبعاً مش هعتذر.
أمسك معصمها بقوة وهو ينظر إليها بغضب عارم وتحدث وهو يكز على أسنانه:
*صوفيان*: اعتذري قولت.
نفخت *دليلة* بضيق ثم تحدثت:
*دليلة*: سوري.
فلتت يدها من *صوفيان* وتحركت خارج الشركة قبل أن تلتهمها تلك النيران التي تنبعث منه. كم يكره *دليلة* ابنة عمه المدللة. تنهد ثم نظر إلى الجميع وصرخ فيهم:
*صوفيان*: كل واحد على شغله يلاا.
ثم وجه نظراته لـ *رزان* وهو يبتسم على قوتها. فالجميع في الشركة يهابه، فكيف هي الآن تقف أمامه وتخبره إنها مشكلته هو؟ كم هي جريئة وكم أعجب تصرفها هذا ولامس غرور ابن الفهد.
*صوفيان*: أنا بعتذر بالنيابة عنها يا آنسة رزان، وأوعدك الموقف ده مش هيتكرر تاني.
*رزان*: أنا مش جاية الشركة هنا كمتدربة عشان أنا مثلاً محتاجة وظيفة، ولا عشان دي شركة فهد الأسواني اللي الكل بيحلم يشتغل فيها، ولا عشان أسمع كلمتين من أي حد عني أو عن عيلتي. أنا جاية هنا عشان أحقق حلمي وأبتدي من الصفر. عشان عاوزة أأسس شركتي الخاصة في ما بعد. لكن صدقني أنا مش جاية أتهان.
تركته مصدوماً إثر كلماتها يقف كالأبله ينظر لها وهي ترحل عنه بعيداً. هو معتاد على أن تنظر إليه الفتيات نظرة إعجاب، ولكن هذه *رزان* لا تكترث له من الأساس. سمع حديث أحد الموظفين وهو يهمس لزميله بصدمة:
_دي مين دي اللي خلت الفهد يسكت كده؟_
ابتسم وهو يضع يداه في جيب بنطاله وهو مندهش من *رزان* هذه.
بينما اتجهت هي إلى مكتبها والغضب يغزو ملامحها الجميلة. أجل، هي فتاة هادئة ولكن من تجرأ على أن يذكر اسم عائلتها فقط سيأتيه الجحيم من أبوابه.
جاءت *عائشة* وهي تحمل القهوة بابتسامة. لم تكن تدري بأي شيء حدث. نظرت إليها *رزان* بغضب:
*رزان*: انتي اختفيتي فين فجأة؟
لمحت *عائشة* غضبها فقالت بدرامية:
*عائشة*: شكل كده فاتني كتير.
نظرت إليها *رزان* ثم انفجرت ضاحكة على طريقتها الدرامية. تلك الفتاة تشعر كأنها تعرفها منذ زمن.
*رزان*: من ناحية فاتك كتير فهو كتير بجد.
*عائشة*: احكيلي احكيلي، هو إحنا ورانا حاجة؟
سردت لها *رزان* ما حدث فتحدثت *عائشة* بحماس:
*عائشة*: طب والله جدعة أيوة كده. بس منادتيش عليا ليه؟ كنت جيت جبتها من شعرها البت دي.
*رزان*: أهو اللي حصل بقى يلا الحمد لله.
*عائشة*: الحمد لله إن أستاذ صوفيان كان سامع كل اللي حصل. والله ربنا بيحبك.
*رزان*: الحمد لله.
*_**_**_**_**_*___
في مكتب *صوفيان* كان *تميم* يجلس على الكرسي المقابل لمقعد *صوفيان* وهو يضحك بشدة حتى كاد يقع من على كرسيه.
*تميم*: طب والله جدعة. أخيراً حد وقف في وش الحرباية دي.
*صوفيان*: خد بالك يا تميم من كلامك. دليلة تبقى بنت عمي برضو ميصحش.
*تميم*: دي بنت خالتي أنا كمان للأسف.. لا أنا ولا انت طايقينها. بس اعرف إنها خلاص حطت البنت دي في دماغها يعني مش هتسيبها في حالها.
تذكر *صوفيان* جرأة البنت وهي بتكلمه فضحك بسخرية وقال:
*صوفيان*: معتقدش، دي يتخاف عليها لا.
*تميم*: هي غمزت ولا إيه؟
*صوفيان*: اقعد على جنب الله يهديك وخلينا بس نفرح بيك الأول.
تغيرت ملامح *تميم* وارتسم على ملامحه الحزن. أدرك *صوفيان* وقع حديثه عليه وبما ذكره فأخذ يعتذر منه بسرعة ويبرر لنفسه.
*صوفيان*: أنا آسف... بس انت مش هتوقف حياتك برضو.
*تميم*: صوفيان... الملف اللي طلبته أهو. أنا كده خلصت شغلي النهاردة.
*صوفيان*: تميم... أنا خايف عليك. انت مش هتفضل في اللي انت فيه ده كتير. الموضوع خلص من زمان.
*تميم*: أرجوك أنا مش عاوز أتكلم في الموضوع ده بجد. لو بتحبني فبلاش.
تنهد *صوفيان* وهو يراقب حالة *ابن خالته* وصديقه المفضل التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
*صوفيان*: تمام براحتك.
تركه *تميم* ثم رحل، فأخذ ينظر إلى أثره بحزن. صار نادراً حين يراه يضحك بعد تلك الحادثة... تنهد بحزن ثم فتح الملف وباشر عمله.
*_**_**_**_**_**_*__
تحدث *عمران* بلكنة باردة وأسلوب متكبر وهو ينظر إلى الملف الموضوع أمامه بازدراء:
*عمران*: لم أكن أتوقع هذا منكم.
تحدث أحد الجالسين بتوتر وهو يحاول أن يخفي توتره ويرسم ابتسامة على وجهه:
*جيمس*: سيد عمران... هل هناك مشكلة؟
*عمران*: مشكلة؟ لقد أضحكتني يا جيمس. هل تعتقد حقاً أنني بهذا الغباء ولم ألاحظ البند الذي أضفتموه للعقد دون علمي؟
ارتبكت ملامح الجميع تحت أنظار *عمران* الذي يبتسم بسعادة لرؤية وجوههم المصفرة إثر حديثه. فتحدث هذه المرة بسخرية وهو يوجه حديثه لسيدهم:
*عمران*: اعذرني، ولكنكم أغبياء إلى حد اللعنة. كان بإمكانكم وضع هذا البند في أواخر العقد حتى لا ألحظه. ولكن بذكائكم "الخارق" وضعتموه كبند أول.
تحدث سيدهم وهو ينظر إلى *عمران* يحاول التودد له، فإن خسر عقد العمل معه سيخسر أموالاً طائلة:
*ألبرت*: نعتذر سيد عمران. ربما تبدلت ملفات الصفقات. صدقني نحن لم نقصد هذا.
*عمران*: حقاً؟ هل تظنني غبياً سيد ألبرت؟ أنا منذ البداية على دراية بما تحاول صنعه. لذا هذه الصفقة لن تتم أبداً.
*ألبرت*: سيد عمران... أرجوك نحن لم نكن نقصد.
*عمران*: كلمتي واحدة. هذه الصفقة لن تتم. وأيضاً من اليوم تم إلغاء جميع التعاقدات بين الشركتين.
ابتسم ابتسامة باردة وكأنه لم يقل شيئاً لذلك الجالس الخائف من ضياع أمواله.
*عمران*: اعذروني، أنا لا أضيع وقتي أبداً مع الشركات الخاسرة. لذا سأكون سعيداً إن رحلتم من هنا دون التحدث بأي كلمة أخرى. وإلا لن أجعل أي شركة تتعامل مع شركتكم مجدداً. رفاقتكم السلامة أحبائي.
غادر *عمران* غرفة الاجتماعات وهو ينظر إلى ساعة يده فابتسم ثم غادر شركته بسيارته السوداء الفاخرة من نوع المرسيدس. ساق قليلاً حتى وصل إلى أمام *شركة فهد الأسواني* ونظر إلى تلك التي تقف أمام الشركة بفستانها الأبيض الرقيق وحجابها الرصاصي الذي يتناغم مع اللون الأبيض بشدة. نظر إليها بغموض والابتسامة لم تفارق وجهه. ارتدى نظارته السوداء مخفياً خلفها عيناه الرمادية الجميلة لكن رغم ذلك لم يقلل من وسامته شيئاً. تحدث بصوته الرخيم وهو يقول:
*عمران*: أنتِ لي وحدي يا ذات العيون الخضراء... لن تكوني سوى لي. وسنلتقي قريباً... قريباً جداً.
*_**_**_**_**_**_**_*_
*دليلة*: شوفتي يا خالتو عاملني إزاي قدام الزبالة دي؟
أتاها الرد من سيدة تجلس أمامها يبدو عليها الرقي. يبدو عليها أنها في الثلاثين من عمرها رغم كبر سنها. وضعت تلك السيدة كوب القهوة بغضب وهي تتحدث بصرامة:
*مريم*: إزاي صوفيان يعمل كده؟ يزعقلك انتي عشان خاطر حتة موظفة لا راحت ولا جت؟
*دليلة*: ده كمان خلاني أعتذرلها. انتي متخيلة أنا دليلة هانم أعتذر لدي؟
*مريم*: حقك عليا. أنا لما يجيلي ليه عندي كلام تاني.
تحدثت *دليلة* بخبث وهي تتصنع ملامح الحزن على وجهها ببراعة:
*دليلة*: أنا مش عارفة بس صوفيان بيعاملني كده ليه؟ ده أنا حتى بحبه وبخاف عليه من وإحنا صغيرين.
*مريم*: متزعليش... هو صوفيان شخصية صعبة شوية بس أنا واثقة إنه لما يجي يتجوز هيختارك انتي.
*دليلة*: وايه الثقة دي يا خالتو؟ مش يمكن يكون مبيحبنيش؟
*مريم*: ساعتها أنا اللي هجوزهولك غصب عنه.
*دليلة*: تسلميلي بجد يا خالتو مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.
*مريم*: ولا حاجة يا حبيبة خالتو.. اشربي قهوتك يلا قبل ما تبرد.
ابتسمت *دليلة* بمكر وهي ترتشف قهوتها وتتأمل صور *صوفيان* على الحائط وهي تتخيل اسمها جنب اسمه على بوابة القصر وأنها ستصبح سيدة هذا المنزل.
*_**_**_**_**_**_*
