رواية ناب الافعي الفصل الرابع
جلس متجمدًا أمام الفراغ الذي صار مكانها... قبرها.
وانهمرت الدموع رغمًا عنه، بينما كانت يداه ترتجفان وهو يلامس الرخامة البيضاء المحفور عليها بخط واضح:
_"سهيلة مالك المنشاوي"_
_"تاريخ الوفاة: 7 / 1 / 2023"_
وضع باقة الورد الأبيض التي اعتاد إحضارها كل أسبوع، ثم جلس في مكانه كعادته منذ رحيلها. كان الصمت هنا قاتلًا، حتى صوت أنفاسه كان يؤلمه.
*سالم بصوت مبحوح:*
" سنتين... وأنا مش قادر أنساكي. حياتي كلها وقفت من بعدك مش قادر أتخيل انك خلاص سبتينى...انا بتحرق كل يوم من غيرك... كله بسببي أنا. انتي هنا بسببي أنا...
لو ما كنتش اتعصبت عليكي اليوم ده... لو ما كنتش بجري بالعربية... ماكانش كل ده حصل.
كان زمانا دلوقتي قاعدين بنضحك وبنلعب مع بنتنا الصغيرة. فاكرة؟ انتي كنتِ عايزة تسميها _أيلا_..."
شهق بقوة ومسح وجهه بيد مرتعشة
"سبتيني ليه يا سهيلة؟ ليه تعذبينى بعدك "
وانهار باكيًا بحرقة. ورغم كل تلك الدموع لم يهدأ قلبه. كان صدره يحترق من الداخل.
شعر بيد ثقيلة تستقر على كتفه عرف صاحبها دون أن يلتفت كان صديقه الوفي _أسامة مالك المنشاوي واخ زوجته العزيزه سهيله
*أسامة بصوت مكسور:*
"كفاية يا سالم...أنت كده بتعذب نفسك انت ملكش ذنب في اللي حصل. ده قضاء ربنا."
*سالم وهو يهز رأسه:*
"أنا السبب... ما كانش هيحصل كل ده لو ما كنتش اتعصبت عليها. ياريتني أنا اللي مُت."
أشفق أسامة على حاله فاحتضنه بقوة حتى هدأت شهقاته. ولكن فجأة شعر بجسد سالم يتصلب، وأنفاسه تتسارع.
*أسامة بقلق:* "انت كويس؟ سالم رد عليا!"
خرج الصوت منه مخنوقًا بالكاد:
*سالم:* "أنا... مش قادر أتنفس..."
*أسامة وهو يخرج هاتفه بسرعة:* "هتصل بعمران حالاً!"
*سالم ممسكًا بكمّه بضعف:* "عـ... عشان خاطري... ما تقولش لعمران."
ولم يكمل كلامه وأغمي عليه.
أسرع به أسامة إلى سيارته وهو يتصل بأخته الدكتورة _"سيلا"_ لتجهز له المستشفى.
وبينما كان يقود بجنون ظل مترددًا: أيتصل بعمران أم لا؟
*_*______
كان نائمًا على سريره كطفل صغير، غارقًا في أحلامه الوردية، حتى انصب عليه دلو ماء بارد متجمد.
انتفض فزعًا وغاضبًا وكاد أن يسب ويلعن من أيقظه من حلمه. كاد يصرخ، ولكن حين رأى الفاعل بلع ريقه خوفًا.
*أدهم بتوتر:* "عـ... عمران..."
*عمران ببرود مخيف وهو يرمي الدلو:* "أيوه عمران يا أخويا. ايه اللي مخليك نايم لحد دلوقتي يا بغل؟"
*أدهم:* "أصل... أصل أنا..."
*عمران اقترب منه خطوة:* "والله يا أدهم لو ما اتعدلتش وفوقت لنفسك، هتشوف من عمران زيدان الألفي وش عمرك ما شفته."
*أدهم يبتلع خوفه:* "مش هتكرر تاني يا عمران... أوعدك."
*عمران:* "أنا حذرتك. وانت حر. وما أعتقدش انك هتحب تشوف شري... قوم. رن على أخوك. قال رايح مشوار واختفى."
وفي اللحظة التالية تغير وجهه تمامًا. ذاب الغضب وصارت ملامحه حانية.
لأنها ظهرت... صغيرته الجميلة.
_ترتيل زيدان الألفي_... واقفة أمامه بنقابها الأسود الأنيق وفستانها الرقيق.
*ترتيل بهدوء:* "عمران..."
*عمران بابتسامة دافئة:* "والله العظيم انتي الوحيدة الى تربيتى في البيت ده."
*أدهم يتمتم بسخرية:* "أيوه أيوه... وأنا ابن البطة السودا."
*عمران:* "بتقول حاجة يا أدهم؟"
*أدهم بغيظ:* "لا بقول ربنا يخليكم لبعض.
كتمت ترتيل ضحكتها وهي تكمل كلامها
*ترتيل:* "كنت جاية أستأذنك أروح أدي المحاضرة للعيال في الجامع. فلو مش هتعبك... ممكن توصلني؟"
*عمران:* "طبعاً يا حبيبة قلب عمران. اديني بس دقيقة أشوف البغل أخوكي ده."
التفت إلى أدهم الذي كان لا يزال جالسًا بملابسه المبللة.
*عمران بحدة:* "اعمل حسابك انك هتبات في الشركة النهاردة. تخلص ورق صفقة شركة السيوفي وتتأكد من كل الإيميلات. وإلا انت عارف عقابك هيبقى ازاي... يلا يا ترتيل."
وتركه ينظر إلى أثرهما وهما يرحلان. كان في داخله غضب ممزوج بحنين. كان يدرك أن عمران يفعل ذلك لمصلحته، ولكنه تمنى فقط أن يستمع إليه... أن يعودا كما كانا صغارًا.
نظر إلى الساعة فكانت الخامسة. فتنهد ونهض متجهًا إلى الحمام ليستعد.
____________________________________
كانت جالسة بجواره في السيارة. لم يكن الصمت بينهما مريحًا. أدرك أنها تريد قول شيء.
*عمران وهو ينظر إلى الطريق:* "ممم... عارف انك عايزة تقولي حاجة. ساكتة ليه؟"
*ترتيل بخوف:* "أنا خايفة على سالم يا عمران."
*عمران:* "ماله سالم؟"
*ترتيل:* "يمكن مش باين عليه، بس سالم مش كويس من ساعة ما سهيلة ماتت... الله يرحمها."
تنهد عمران بثقل.
*عمران:* "عارف. وعارف انه بيمثل علينا انه كويس. بس أعمل ايه؟ حاولت كتير أخرجه من اللي هو فيه بس هو رافض. شايف نفسه السبب."
*ترتيل:* "عنده حق... الموضوع مش سهل. بس احنا اخواته يا عمران. لازم نقعد معاه ونواجهُه. لازم يواجه نفسه ويعرف ان دي أقدار."
*عمران وعينه على الطريق:* "هحاول أتكلم معاه مرة كمان... بس خايف أوجعه لما أفكره بيها."
*ترتيل بهدوء حكيم:* "لازم نتوجع شوية يا عمران... عشان نعرف نكمل الطريق."
ساد الصمت. وكان في داخله كلام كثير. منذ وفاة والدهم وهو يتحمل مسؤولية الجميع. كانت هذه المسؤولية تنهكه... ولكن رؤيتهم سعداء كانت الوقود الوحيد الذي يبقيه واقفًا. كان يتمنى لو يحمل هم الدنيا كلها عنهم ويضعه في داخله، حتى لا يرى الحزن في عين أحد منهم. كان يحبهم، فهم أبناؤه الذين لم ينجبهم، وهم يرون فيه حنان الأب الذي فقدوه
*___________________________________*
