رواية الفلاح والمخطوفة الفصل الثالث 3 بقلم صباح عبد الله فتحي


 رواية الفلاح والمخطوفة الفصل الثالث 

في الكهف – ليل.. كانت ريماس قاعدة سرحانة، بتفكر في كلام جبل اللي قلب كيانها من جوا. أما مي فكانت بتبص حواليها، تدور على أي مخرج للهروب. لمحت فتحة صغيرة محدش واقف عليها يحرسها زي المخرج الرئيسي، فقربت من ريماس وهي متكتفة وهمست:

مي
بت، بصي كده... فيه مخرج تاني ممكن نهرب منه.

فضلت ريماس سرحانة وما ردتش عليها. بصتلها مي باستغراب.

مي
هو الجدع ده قالك إيه ولا عمل فيكي إيه؟ من ساعتها وإنتِ قاعدة سرحانة كده.

بصتلها ريماس بقلق وقالت:

ريماس
مش عارفة يا مي... أول مرة أحس إني خايفة بجد من حد.

ضحكت مي بخفة.

مي
معقولة إنتِ تخافي يا ريماس؟ ده إنتِ بتعملي المصايب كلها، وعمر ما حد قدر يقولك نص كلمة. علشان أخوكي رياض باشا طبعًا. ولو قصدك على البلطجي ده، فأنا متأكدة إن رياض هيعرف يوصله ويدفنه بالحيا، ما تخافيش.

بصت ريماس قدامها بشرود، وسكتت شوية، قبل ما تهمس بصوت واطي:

ريماس
المرة دي عندي إحساس إنها غير كل مرة... وحاسة إن حتى رياض مش هيعرف ينقذني زي كل مرة.

مي بصتلها باستغراب من كلامها.

مي
إنتِ بتقولي إيه؟ رياض عمره ما سابك في مصيبة إلا وطلعك منها.

ريماس وهي باصة في الفراغ:

ريماس
عارفة... بس جبل مش شبه أي حد قابلناه قبل كده. نظراته وكلامه... حاسة إنه شايف حاجات محدش غيره شايفها. وكأنه متأكد من نجاح كل خطوة بيعملها. وحاسه إني هكون خطوته الجاية. 

مي حاولت تتمالك نفسها رغم خوفها.

مي
مهما كان، برضه بني آدم. وكل بني آدم ليه غلطة وليه نقطة ضعف.

ريماس
بهمس
يمكن... بس خوفي المرة دي مش منه بس.

مي
أومال من إيه؟

ريماس
من الحقيقة اللي ممكن أعرفها لو فضلت هنا أكتر.

مي
باستغراب
قصدك على إيه؟ ومين؟

بصتلها ريماس بحزن ولخبطة، وكأنها خايفة حتى تنطق اللي بيدور في دماغها.

ريماس
جبل... فيه شبه كبير منه. خايفة أوي الحاجات اللي بفكر فيها تطلع صح.

اتسعت عيون مي بصدمة، وحاولت تستوعب اللي سمعته.

مي
استني بس... استني... أنا حاسة إن مخي وقف من كلامك. قصدك على مين بالظبط؟ وإيه اللي جبل شبهه؟ أنا مش فاهمة منك حاجة.

تنهدت ريماس ببطء، ولفت وشها الناحية التانية.

ريماس
كل ما أبص له أو أسمع صوته أحس إني رجعت سنين لورا... نفس النظرة... نفس الطريقة... حتى غضبه شبهه.

مي
بعدم فهم
شبه مين يا ريماس؟

بلعت ريماس ريقها بصعوبة، بينما نبرة صوتها كانت بتترعش.

ريماس
شبه أبويا.

اتجمدت مي في مكانها من هول المفاجأة.

مي
بصدمة
إيه؟! أبوكي!

ريماس
عشان كده خايفة... خايفة يكون كل اللي عرفناه طول عمرنا كدب... وخايفة أكتر أكون أنا اللي وصلت متأخر. وحاسة إن فيه حاجة كبيرة ورا كل اللي بيحصل ده... اللي حصل مش مجرد صدفة عابرة. حاسة إنه أكبر من كده بكتير أوي.
____________

سراية جبل

كان رياض قاعد على الأريكة جنب أدهم. عينه كانت ثابتة على صورة كبيرة معلقة على الحيطة، باين فيها جبل واقف جنب راجل كبير شبهه بدرجة كبيرة في الملامح والهيئة... قبض رياض على إيديه بغضب، وبدأ يتنفس بضيق واضح. أدهم لاحظ حالته فسأله.

أدهم
إنت كويس يا رياض بيه؟

رياض
أيوا.

أدهم
ما تقلقش يا فندم، إحنا كلنا فداك وفي ضهرك. وإن شاء الله أخت حضرتك ترجعلك بالسلامة.

بص له رياض بحزن وتنهد.

رياض
بإذن الله.

سرح رياض في الصورة وتمتم بصوت واطي بالعافية يتسمع.

رياض
بس يا ترى... لو ريماس عرفت الحقيقة، هتفضل معتبراني أخوها؟

أدهم
باستغراب
حضرتك بتقول إيه يا فندم؟ مش سامعك كويس.

وقبل ما يرد رياض، نزل جبل من على السلم وهو بيقول بابتسامة باردة:

جبل
يا أهلاً وسهلاً... خطوة عزيزة يا رياض باشا.

رفع رياض راسه وبص له بحنق... تقدم جبل ووقف قدامه، وبعدها مد إيده عشان يسلم عليه.

جبل
كنت عارف ومتأكد إن عقلك كبير ويوزن بلد، وعارف كويس فين مصلحتك يا رياض باشا.

بص رياض لإيده الممدودة باحتقار، ورفض يسلم عليه.

رياض
أختي فين يا جبل؟ أنا مش جاي أسمع كلامك الفاضي ده.
أنا جاي أعرف أختي فين، وعاوز منها إيه؟

اشتدت ملامح جبل للحظة وقبض على إيده بغضب، لكنه بسرعة رجّع الابتسامة الساخرة لوشه.

جبل
الظاهر كده إنك بتنسى كتير يا رياض باشا. بس معلش... هاجي على نفسي وأقولك تاني.. أنا طالب يد المحروسة أختك، وعاوز أتجوزها وآخدها بالحلال على سنة الله ورسوله.. قولت إيه يا رياض بيه؟

رياض
بجمود
قولت مستحيل يا جبل… وإنت عارف كويس أوي إن جوازك من ريماس مستحيل.

بص له جبل بهدوء غامض، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة.

جبل
أنا عارف كويس إنت تقصد إيه يا رياض بيه. بس أحب أقولك إن الزمن ده مفيهوش حاجة اسمها مستحيل… وبالذات لو كانت حاجة جبل عاوزها. وأظن إنك عارف الكلام ده كويس. ومش محتاج أني نقوله.

اتبادلوا الاتنين نظرات حادة، بينما القلق بدأ يتسلل لعينين رياض... ابتسم جبل وكأنه مستمتع بتوتره.

جبل
المهم... مش حابب تشوف الضيف اللي مستنيك من صباحية ربنا؟

ضيق رياض عينيه باستغراب وحذر.

رياض
تقصد إيه؟ ومين اللي معاك يخصني؟

وسعت ابتسامة جبل أكتر، وبعدها لف ناحية السلم ونادى بصوت عالي:

جبل
اتفضل يا ضيفنا... رياض باشا مستنيك.

اتجمدت ملامح رياض وهو باصص ناحية السلم، أول ما ظهور الشخص الغامض اللي جبل بيتكلم عنه.
__________

بعد وقت...

وقفت عربية جبل قدام مدخل الكهف من بره. كان سايق، وبجنبه قاعد رياض. ملامح رياض كانت مكسورة بين الحزن والغضب، كأنه بيتسحب غصب عنه لطريق مش عايزه. بص له جبل بطرف عينه وابتسم بسخرية.

جبل
معلش بقى يا رياض باشا… الغابة ما يحكمهاش غير أسد واحد. واللي يغلب هو اللي يكمل للآخر.

بص له رياض بعينين مليانة حزن وحيرة. 

رياض
إنت هتستفيد إيه من كل اللي بتعمله ده يا جبل؟ وبالأخص جوازك من ريماس؟ دي بنت غلبانة مالهاش ذنب في أي حاجة بيني وبينك. لو سمحت سيبها في حالها، وما تحملهاش مسؤولية أكبر منها.

بص له جبل لحظات طويلة، وكأن الكلام لمس حاجة جواه، وبعدين قال بضيق:

جبل
والله يا رياض باشا، إنت مش غريب. بس بصراحة أختك، على قد ما هي حلوة، لسانها بينقط سم.

وبعدين ابتسم رغمًا عنه وهو بيفتكر طريقتها في الكلام.

جبل
وأني، زي ما إنت عارف، ماليش في صنف الحريم من أوله لآخره. لكن أختك دي… حالة خاصة بصراحة.

رياض
بحنق
حالة خاصة أكيد علشان عنيدة ومش طايقاك؟

جبل
لا...

سكت لحظة وهو يبص قدامه.

جبل
علشان أول واحدة تحط عينيها في عيني وتتكلم معايا بالطريقة اللي أختك كلمتني بيها، وكأنها مش همها أنا مين ولا ممكن أعمل فيها إيه… وأول واحدة رغم غرورها وقوتها… أشوف الخوف في عينيها وهي بتحاول تداريه، وتفضل ثابتة قدامي زي الحية اللي عارفة إن السيف هيحش رقبتها بس لسه بتلف عليه.

رياض
بسخرية
معقولة جبل بيه هو اللي بيقول الكلام ده؟ بس ده إعجاب مش حب يا جبل، عشان تاخد قرار كبير زي ده وتقرر تتجوزها في يوم وليلة.

ابتسم جبل ابتسامة غامضة.

جبل
ومن إمتى الحب بييجي بإذن صاحبه يا رياض باشا؟ بس أحب أطمنك… أنا مش هتجوزها علشان ميت في دبدبتها والكلام الفاضي ده.

تنهد رياض بضيق وقال بمرارة:

رياض
إنت فاكر إنك لما تتجوزها كده تبقى انتصرت عليا يا جبل؟ وهتاخد اللي إنت عاوزه؟

بص له جبل نظرة طويلة قبل ما يرد بصوت هادي لكنه حاد:

جبل
لا… أني هعتبر نفسي انتصرت يوم ما الحق يرجع لأصحابه.  ويومها بس هتعرف إني ما بدأتش الحرب دي من فراغ.

بص له رياض باستغراب، وسكت وهو بيحاول يفهم كلامه، وبعدين قال بحدة:

رياض
مش قادر أفهمك يا جبل. إنت عارف إنك مجرم وخارج عن القانون، ومع ذلك بتحاول تحط نفسك في مكان مش مكانك.

ما ردش جبل، اكتفى بابتسامة غامضة، وبعدين نزل من العربية واتجه ناحية مدخل الكهف بخطوات ثابتة وواثقة. رياض تابعه بنظرات حادة.

وقبل ما يدخل الكهف، وقف فجأة… ولف له بنظرة فيها شموخ وغموض، وقال:

جبل
وهتعمل إيه لو قولتلك… إنك إنت اللي واخد مكاني يا رياض بيه؟

عقد رياض حاجبيه بعدم فهم، بينما ابتسامة خفيفة ارتسمت على وش جبل… وبعدين دخل الكهف، وسيب رياض قاعد مكانه، وكلامه بيرن في دماغه ومش لاقي له تفسير.


تعليقات