رواية ساكن الجسد الفصل الثالث 3 بقلم مصطفى محسن

 

 


رواية ساكن الجسد الفصل الثالث بقلم مصطفى محسن



شاف عينين سودا واسعة، كانت في المقعد الخلفي، وباصاله من خلال المراية. ياسين. فتح باب العربية ونزل منها وهو بياخد نفسه بالعافية وحط إيده على صدره. وطلع موبايله بإيد بتترعش، واتصل بصاحبه جورج. أول ما جورج رد، ياسين قال له: "جورج... الحقني، أنا في مصيبة." جورج اتخض وقال: "خير يا ياسين؟ في إيه؟" ياسين بص حواليه وقال: "مش هينفع الكلام في التليفون، هبعتلك اللوكيشن وتيجيلي حالًا." جورج قال: "إنت فين؟" ياسين قال: "هتلاقي اللوكيشن على الواتساب ، وتعالى بسرعة." جورج قال: "مسافة السكة. بعد حوالي ربع ساعة، عربية جورج وقفت جنبه، ونزل منها، وأول ما شاف ياسين اتخض. كان جسمه كله بيترعش، وعينه ثابتة في الأرض.
-
جورج قرب منه وقال: "ياسين؟ مالك يا صاحبي؟" ياسين قال: "أنا مش فاهم حصل إيه." جورج قعد جنبه وحط إيده على كتفه وقال: "اهدى بس، خد نفسك، واحدة واحدة." ياسين بدأ يحكي لجورج كل حاجة حصلت من الصبح، من أول ما داليا دخلت مكتبه، وكلامها عن السكن، والحالات القديمة، والشياطين، ولحظة اختفائها قدامه، ولما خرج من الجريدة واكتشف إن الليل جه، ولحد اللحظة اللي شاف فيها عيون سودا في مراية العربية. جورج قال له: "بص يا ياسين، إنت طول عمرك شغال في موضوع الظواهر الغريبة، وبتقرا وبتدور وبتدخل نفسك في حكايات من النوع ده، فطبيعي جدًا إن عقلك يهيئلك حاجات من دي." ياسين قال: "يعني إنت شايف إني كنت بهلوس؟" جورج قال له:
-
مش بس كده، بكرة أنا هأكدلك إن كل اللي حصل هلاوس. ياسين قال: "إزاي؟" جورج قال: "بسيطة، كاميرات المراقبة مسجلة كل حاجة، هنشوف إنت دخلت إمتى، وداليا دخلت إمتى، وهل خرجت ولا لأ، وهنعرف إنت كنت في المكتب كام ساعة." ياسين قال: "يا ريت يكون اللي حصل ده يكون هلاوس." جورج قام وقال: "يلا اركب، أوصلك البيت، وبكرة الصبح نروح الجريدة ونشوف التسجيلات بنفسنا." ياسين ركب العربية مع جورج، وبعد دقايق قليلة جورج وصل ياسين لحد البيت، وقبل ما ينزل ياسين، جورج قال له: "نام وريح دماغك، وبكرة هتعرف إن كان هلاوس." ياسين فتح باب العربية، لكنه قبل ما ينزل بص لجورج وقال: "لو مكنش هلاوس؟" جورج ضحك وقال: "يبقى ده عفريت." نزل ياسين وقفل الباب، ووقف يتابع عربية جورج وهي بتبعد عنه. وبعد ما اختفت العربية من قدامه،
-
ياسين دخل العمارة وهو لسه مش قادر يطلع من دماغه اللي حصل. طلع السلم بسرعة، وكل دور كان بيعديه كان بيبص وراه من غير ما يحس، كأنه مستني يشوف حد طالع وراه. وصل قدام باب شقته، حط المفتاح في الباب، لكنه وقف فجأة قبل ما يلفه. كان سامع صوت خافت جاي من جوه الشقة، صوت حاجة بتتحرك. ياسين فضل ثابت مكانه، وحبس نفسه، وحاول يسمع كويس. الصوت اختفى. بلع ريقه، وقال لنفسه: "أكيد الجيران." لف المفتاح وفتح الباب، ودخل. أول حاجة عملها إنه نور كل الأنوار مرة واحدة، وبص في الصالة، والمطبخ، والحمام، وأوضة النوم. مفيش حد. قفل باب الشقة بالمفتاح، وحط المفتاح على الترابيزة، وبعدها قعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه. كان مرهق بشكل كبير. فضل قاعد كام دقيقة، وبعدها قام عشان يشرب مية. وهو داخل المطبخ، لمح حاجة على الأرض. وقف مكانه.
-
كان فيه تراب مبلول على السيراميك. ياسين قرب ببطء، وبص للأرض. كانت فيه آثار رجلين صغيرة، مبلولة، داخلة من ناحية الصالة ومتجهة للمطبخ. ياسين حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة. رجع يبص ناحية باب الشقة. الباب كان مقفول. نزل على ركبته، ولمس آثار الرجل بإصبعه. كانت لسه مبلولة. سحب إيده بسرعة، ومسحها في هدومه، ووقف وهو بيبص حواليه. وفجأة سمع صوت خطوات خفيفة جدًا جاية من وراه. خطوة... وبعدها خطوة. ياسين ما قدرش يلف. جسمه كله اتشد، وعينه اتثبتت قدامه. الخطوات قربت أكتر. وقف الصوت خلفه. ياسين غمض عينيه، وبعد ثواني جمع شجاعته ولف مرة واحدة. مفيش حد. لكن على ترابيزة السفرة كان فيه شيء ما كانش موجود قبل ما يدخل. صورة قديمة. ياسين قرب منها، ومد إيده وأخدها. كانت صورة لفريق صحفي قديم واقف قدام مبنى الجريدة.
-
الصورة شكلها قديم جدًا، يمكن من عشرين سنة أو أكتر. قلب الصورة على ضهرها، فلقى تاريخ مكتوب بالقلم: "١٢ أكتوبر ٢٠٠٦". وتحت التاريخ جملة قصيرة: "آخر يوم قبل اختفائها." ياسين قلب الصورة تاني، وبدأ يبص في الوجوه واحد واحد. موظفين، صحفيين، ناس مش عارفهم... لحد ما عينه وقعت على بنت واقفة في الصف التاني. وشها كان مألوف بشكل مرعب. ياسين قرب الصورة من عينه، وحس إن الدم انسحب من وشه. كانت داليا. نفس وشها، نفس عينيها، نفس ملامحها بالظبط. لكن الصورة عمرها عشرين سنة. ياسين وقع الصورة من إيده، ورجع خطوة لورا، وهو مش قادر يتنفس. فضل يبص للصورة اللي على الأرض، وبعدها قعد على ركبته ومسك الصورة تاني بإيد بتترعش.
-
قلب الصورة، ودور على أي اسم أو تعليق يفسر اللي شايفه. مفيش غير الجملة المكتوبة تحت التاريخ: "آخر يوم قبل اختفائها." وفجأة سمع صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة. ياسين رفع راسه بسرعة. حد كان بيفتح الباب من بره. قام واقف، وجسمه كله بيرتعش. الباب اتحرك ببطء، والمفتاح لف جوه القفل. ياسين رجع لورا، وعينه ثابتة على الباب. الباب اتفتح شوية، وظهر


تعليقات