رواية طيور تهوى الخداع الفصل الرابع 4 بقلم فاطمة عبد المنعم


 رواية طيور تهوى الخداع الفصل الرابع 

 (هـ.ـرب)

بسم الله الرحمن الرحيم

كان يمكن للإنسانية أن تكون سعيدة منذ زمن، لو أن الرجال استخدموا عبقريتهم في عدم ارتكاب الحماقات بدلًا من أن يشتغلوا بإصلاح حماقات ارتكبوها.

_ جورج برنارد شو

__________________________________________

كان اتصال واحد كفيلًا بأن يقلب كيان "طارق" رأسًا على عقب؛ شقيقة "سهر" تخبره بأن زوجته في المشفى وفي حالة حرجة. 
لم يستطع إلا أن يتذكر مكالمة مشابهة تلقاها يوم حادث "نوارة".

ومنذ أن أغلق الهاتف، أخذ عقله ينسج أسوأ السيناريوهات، ولم يهدأ إلا حين وصل إلى المشفى، وما إن دلف إليها حتى وجد "غادة" تجلس على أحد مقاعد الانتظار، فأسرع نحوها، وسألها بقلق:
مالها "سهر" يا "غادة"؟

تركت مقعدها واستقامت واقفة أمامه، ثم سألته بغضب:
أنت بجد مش مكسوف من نفسك؟ اللي جوا دي مراتك، ولا جايبها من الشارع؟

لم يحتمل تقريعها، فرد عليها بحدة:
"غادة" أنا مش ناقصك، خلصي وقولي في إيه.

ابتسمت بسخرية من رده، قبل أن تقول بتهكم واضح:
لا مفيش حاجه، يا دوب بس مراتك اللي سايبها بقالك يومين لوحدها تعبت، ولما حاولت تتصل بيك ملقتكش، ومحدش لحقها غير أختها ومرات البواب.

ثم هتفت بعنف، وقد اشتد غضبها:
كسرنا عليها باب الشقة ولقيناها مرمية على الأرض، لولا إنها اتصلت بيا كان زمانها حصلها حاجه ومحدش عرف.

وأشارت إليه قبل أن تضيف:
وأنت؟ ولا هنا.

لم يصدق "طارق" ما يسمعه؛ فقد انشغل بالفعل في البحث عن "بلال"، ولم يرد على أي اتصال منها، لكنه لم يكن يعلم شيئًا مما حدث.

أسرع ناحية الطبيب حين لمح خروجه من الغرفة التي أشارت إليها "غادة" قبل قليل، وسأله باهتمام:
هي حالتها إيه يا "دكتور"؟

أجابه الطبيب بهدوء:
هي جت المستشفى في حالة إعياء شديدة، عندها هبوط واضح، وضغطها واطي ونسبة السكر منخفضة، وكمان عندها علامات جفاف.

وأضاف موضحًا السبب:
غالبًا ده بسبب إنها بقالها فترة مش بتاكل ولا بتشرب كويس، وواضح كمان إن حالتها النفسية مش كويسة.

صمت قليلًا قبل أن يستطرد:
احنا هنديها المحاليل والأدوية اللازمة، وهنفضل متابعينها، بس لازم تهتموا بيها كويس لما تخرج إن شاء الله، لأنها أهملت نفسها جدًا.

ثم أشار ناحية "غادة" متابعًا:
وكمان المدام قالت إن في مشاكل مأثرة على حالتها النفسية، فـ لو سمحتوا حاولوا تبعدوها عن أي ضغط أو مشاكل الفترة الجاية. 

كيف يمكنه أن يتخلص من شعور الذنب الذي ينهشه من كل جانب؟
دار السؤال في رأس "طارق" بعدما استمع إلى حالة زوجته، قبل أن يسأل الطبيب سريعًا:
ينفع أدخلها؟

سمح له الطبيب، وما إن تحركت "غادة" لتدخل معه، حتى قال لها "طارق" برجاء:
معلش يا "غادة"، سيبيني أدخل لوحدي الأول.

طالعته لثوانٍ، وكأنها تزن طلبه، قبل أن تتنهد بهدوء وتعود إلى مقعدها.

أما هو، فدخل إليها.

كانت "سهر" مستلقية على أحد أسِرّة المشفى، شاحبة الوجه، وقد بدت ملامحها مرهقة بصورة لم يعتد رؤيتها عليها. 
امتد أنبوب المحلول من الكيس المعلق بجوار السرير إلى يدها، بينما استقرت يدها الأخرى فوق الغطاء بلا حراك.

أغمضت عينيها، كأنها غارقة في نوم ثقيل، إلا أن اضطراب أنفاسها وحركة صدرها المتفاوتة أخبرا "طارق" بأنها لم تكن نائمة تمامًا.

اقترب منها بخطوات مترددة، وتوقف إلى جوار الفراش يطالعها بصمت، قبل أن يمد يده نحو يدها الباردة ويضمها بين كفيه.
عندها فتحت "سهر" عينيها ببطء، وما إن رأته أمامها حتى ظلت تحدق فيه لثوانٍ دون أن تنطق.

كانت عيناها الخضراوان، اللتان لطالما أسره بريقهما، خافتتين هذه المرة، وكأن شيئًا ما أطفأ ذلك البريق.

حزن "طارق" لرؤيتها على تلك الحال، ومسح برفق على رأسها، قائلًا بصوت خافت:
ألف سلامة عليكي يا "سهر".

لم تجبه، واكتفت بأن تطالعه بعتاب، فجلس على المقعد المجاور للسرير، وأخذ يبرر لها:
مكنتش لاقي "بلال"، كنت بدور عليه زي المجنون، ومش دريان بالدنيا.

ربت على كفها، وأردف معتذرًا:
مكنتش أقصد مردش عليكي، حقك عليا متزعليش.

وأخيرًا نطقت بصوت واهن:
ومكنتش تقصد برضو لما ضربتني؟

رأى الدموع تتجمع في عينيها وهي تتابع:
مكنتش تقصد لما قولتلي إني مساويش ضفر مراتك؟

أجابها في محاولة لتخفيف وقع كلماته السابقة:
أنتِ كمان مراتي.

لكنها لم تتقبل محاولته، وأدارت وجهها إلى الجهة الأخرى قائلة:
لو كنت فعلا معتبرني مراتك، عمرك ما كنت هتقول كده.

مد يده إليها، وأعاد وجهها نحوه برفق، ثم قال:
طيب أنا غلطان حقك عليا، بس علشان خاطري بلاش تفكري في أي حاجه تضايقك دلوقتي.

ابتسمت بسخرية قبل أن ترد عليه:
لا من الناحية دي اتطمن، أنا مفيش أي حاجه هتضايقني...خصوصًا لما أخرج من هنا وأرجع على البيت أقعد لوحدي أكلم الحيطان هناك.

أدرك أنها تؤنبه، فأغمض عينيه للحظة بتعب، قبل أن يعدها:
وأنا مش هسيبك تكلمي الحيطان يا "سهر".

هزت رأسها في استسلام، وقالت:
لا أتطمن وسيبني، أنا اتعودت عليها.

ثم تابعت بحسرة:
خليك مع "نوارة" هي محتاجالك أكتر.

ابتسم "طارق" ابتسامة صغيرة، ومسح على جبهتها برفق قبل أن يقول:
أنا مش هسيبك ولا هسيب "نوارة"، وأهم حاجه عندي دلوقتي إنك تكوني كويسة.

ثم استقام واقفًا وأخبرها:
أنا هروح أسأل لو ينفع تخرجي ولا ولا

ومال ليقبّل رأسها، قبل أن يستطرد:
علشان لو ينفع، نروح بيتنا.

ظلت "سهر" تتابعه بعينيها حتى غادر الغرفة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة حنونة سرعان ما خفتت، وهي تتساءل في داخلها: هل سيظل متمسكًا بها، أم يأتي يوم يتخلى فيه عنها؟

كان السؤال أصعب من أن تجد له إجابة، ومع ضعف جسدها لم تستطع أن تظل مستيقظة طويلًا؛ فأغمضت عينيها واستسلمت للنوم، بينما بقي القلق يراودها.
_________________________________________

استيقظت "أميرة" وبدأت في ارتداء ملابسها استعدادًا للعودة إلى منزلها، وما إن انتهت حتى وضعت حجابها على رأسها وخرجت إلى الصالة.

وجدت "بلال" يجلس بمفرده أمام التلفاز، يتابعه في صمت، فسألته:
هو أبوك لسه مصحيش يا "بلال"؟

كانت تظن أن "طارق" لا يزال نائمًا في غرفة ابنه، لكن الصغير فاجأها حين أخبرها:
بابا نزل الفجر.

ثم أردف موضحًا:
في حد اتصل على تليفون البيت، وبعدها بابا نزل علطول.

_ يا بن الـ...

لم تكد "أميرة" تتم سبّتها حتى علا رنين الهاتف، فأسرعت نحوه، متوقعة أن يكون المتصل هو "طارق"،
وصدق ظنها، إذ جاءها صوته من الطرف الآخر:
ألو.

أشارت إلى "بلال" بعينيها أن يدخل غرفته، ثم ردت على "طارق" بنبرة ظهر فيها غضبها منه:
ألو يا جوز أختي 

ثم سألته باستهزاء:
خير كده إن شاء الله؟ سيبت بيتك وش الفجر وطلعت تجري على فين؟

جاءها صوته متعجلًا:
 والله يا "أميرة" أنا مش فاضي لرغيك، أنا متصل علشان أقولك تباتي مع "نوارة" اليومين دول لأني ممكن معرفش أرجع.

وأضاف سريعًا:
ومتقلقيش أنا استأذنت جوزك.

اشتد غضبها؛ فزوجها الذي لا يفوّت زيارة لها عند شقيقتها دون أن يتشاجر معها، وافق هذه المرة على بقائها لمجرد أن "طارق" طلب منه ذلك.

سألته بهدوء ما قبل العاصفة:
وأنت مش هتعرف تبات اليومين دول في بيتك ليه؟

رد عليها مبررًا غيابه:
واحد صاحبي عمل حادثة، وحصـ...

قاطعته بصوت جعل "طارق" يبعد سماعة الهاتف عن أذنه من شدته:
بقولك إيه يا "طارق" أنا مش مختومة على قفايا يا أخويا، بلا صاحبك بلا صاحبتك.

ثم أردفت بتهكم:
قولي أنا روحت عند اللي اتصلت بيا الفجر علشان تقومني من جنب ابني وتخليني أجري عليها.

سألها بحدة:
أنتِ مرقباني بقى؟

وردت عليه متمنية:
ياريت والله، علشان أنا لو كنت عملتها من زمان،  مكنتش عمرك هتعرف تجيب لأختي ضرة.

ثم أخبرته بسخرية:
ابنك هو اللي شافك يا محترم.

ولم يجد "طارق" فرصة أنسب من هذه ليتخلص من كذبة "سهر"، فرد على "أميرة" بعدما أوشك استفزازها له أن يدفعه إلى تهشيم رأسها:
طيب يا محترمة، أنا مش هعرف أجي علشان سهر في المستشفى.

تأهبت لسماع ما سيقوله، وما إن تابع:
لأنها تعبانة جدا علشان الحمل نزل.

حتى أطلقت زغرودة عالية فاجأت "طارق"، فأغلق الهاتف فورًا قبل أن يسمع قولها وهي تضحك:
ده دعايا ليكم يا جوز أختي، ما هو أنا مستلماكم ليل نهار.

أدركت أنه أغلق المكالمة، فألقت السماعة وهي تقول بفرح:
يلا، الله يعينك.

سمعت نداء "نوارة"، التي استيقظت بقلق إثر صوت زغرودتها، فأسرعت إلى غرفة شقيقتها، وخلفها "بلال"، الذي خرج بدوره على صوتها.

وما إن وصلت إلى "نوارة" حتى قالت لها بوجه مشرق:
ألف مبروك يا "نوارة"

لم تفهم "نوارة" سبب مباركة شقيقتها، فاستفسرت بعينيها، ولم تترك "أميرة" فرصة لفضولها طويلًا، فهتفت:
ضرتك سقطت، عقبال ما تطلق إن شاء الله.

لم يكن الحمل هو الرابط الوحيد الذي يربط "طارق" بها؛ كانت "نوارة" على يقين من هذا، لذلك لم تشعر بشيء حين علمت بخبر إجهاضها.
لم تعرف من الأساس ماذا يفترض بها أن تشعر في هذه اللحظة تحديدًا.

نظرت إلى ابنها الواقف خلف خالته، يراقبها في صمت، وابتسمت له قبل أن تطلب من شقيقتها:
تعالي قعديني على الكرسي.

ثم قالت بهدوء:
عايزه أعمل الفطار معاكي النهارده لـ "بلال".

وافقت "أميرة" على الفور، وكل أمنيتها أن تستعيد شقيقتها عافيتها قبل أن تقضي عليها الكآبة التي عرفت طريقها إلى منزلها منذ ما فعله زوجها.

____________________________________

مرّ اليومان ولم يعد "طارق" إلى المنزل، هذا ما كانت تفكر فيه "أميرة" أثناء وقوفها في مطبخ شقيقتها.

بدأت تضع الغداء في الأطباق، وإلى جوارها ابنها "مالك"، الذي أحضرته معها حين ذهبت إلى منزلها صباحًا، بعدما تشاجرت مع زوجها.

وما زالت تفاصيل ذلك الشجار تتردد في ذهنها، خاصة حين بدأت تسأل زوجها باتهام:

اشمعنا دلوقتي بتوافق أبات؟...من امتى "طارق" بقى حبييك؟ ولا هو بقى رش عليك رشة حلوه علشان توافق؟

سألها بغيظ، رغم إدراكه لصحة ما تقوله:
قصدك إيه يا "أميرة"؟

أجابته بسخرية:
قصدي هات الفلوس اللي طارق حبيبك أدهالك لما جه يستأذنك.

رد عليها مستنكرًا:
وأنا طارق هيديني فلوس ليه؟ أنا مش معايا حاجه.

لكن ابنها "مالك" كذّبه على الفور:
بس أنت كان معاك يا بابا لما بعتني الصبح أشتريلك السجاير.

اشتعل الغضب في عينيه، وقال:
شايفة ابنك ابن الـ...

قاطعته محذرة:
إياك تغلط في أبوه، الله يرحمه كان أمير، مش زي ناس.

ولم تترك له فرصة للرد بل تابعت:
وبعدين تعالى هنا، هو أنا كام مره هقولك متبعتش حد من العيال يجيبلك سجاير.

ثم وبخته بغضب:
اتقي الله بقى، ابنك "راضي" أنا شايفاه بعيني من كام يوم بيشرب واحده في الشارع...ده بدل ما تخليهم يقلدوك في حاجه عدلة يا شيخ.

رد عليها بغضب مماثل:
ملكيش دعوة يا "أميرة"، أنا موافق إن "راضي" يشرب، شيليه من دماغك بقى، وخليكي في حبيبة القلب "رنا" اللي هتبوظيها.

علقت على حديثه بنفاذ صبر:
والله ما حد بايظ غيرك.

رد عليها باستهزاء:
خلاص يبقى أجيب التانية تصلح البايظ بقى.

باغتته بثورتها؛ فأبعدت ابنها عن مرماهما، ثم صرخت في وجهه:
تجيب إيه يا راجل يا ناقص، هو أنت عارف تكفي بيتك لما هتروح تتجوز؟... مش كفاية شايلة قرفك وساكتة؟ أنت مين تستحملك أصلا؟ ده أنت تحمد ربنا كل يوم إني رضيت واتجوزتك.

ولم تمنحه فرصة للرد، بل واصلت هجومها:
عيالك دول لولايا كان زمانهم سارحين في الشارع، ولا ورشتك اللي بصرف معاك عليها بدل ما تصرف هي علينا، ولا...

توقع أن تأتي بما هو أسوأ، فقاطعها متراجعًا:
هو في إيه؟...أنتِ هتاكليني علشان كلمتين قولتهم بهزار؟

ثم أضاف بضجر:
وبعدين كل شوية عيالك، عيالك...ما أنا كمان شايل معاكي "مالك".

طالعته من رأسه إلى أخمص قدميه باستهجان، ثم باغتته بهجومها؛ إذ اندفعت نحوه تحاول انتزاع المحفظة من جيب بنطاله.
دفعها بغلظة محاولًا منعها، لكنها عضته في ذراعه بقوة حتى تمكنت من أخذها.

سمعته يسبها، لكنها لم تكترث. ابتعدت عنه قليلًا، وأخرجت من محفظته ما أرادت، ثم ألقتها إليه وهي تقول:
وقف الغاغة اللي أنت عاملها دي، أنا مخدتش منك إلا فلوس طلبات بيتك وعيالك، وياريت هيكفوا.

حذرها متوعدًا:
أقسم بالله يا أميرة لو إيدك اتمدت على المحفظة تاني هكون قاطعهالك.

أسرعت ترد عليه:
لا يا أخويا، وأنا ميرضينيش، مش همدها تاني لو كفيت بيتك.

ثم وعدته ضاحكة وهي تربت على صدره:
عارف يوم ما يكفي ويفيض، هروح أختارلك التانية بنفسي يا سي عبد الكريم.

تنهد بانفعال، وأخذ يفحص محفظته قبل أن يطالبها:
طب هاتي من اللي خدتيه علشان دول مش هيمشوني.

هزت رأسها رافضة:
 والله العظيم ما ينفع...البت "رنا" عايزه حاجات، و"راضي" عايز حاجات، و"مالك" هو كمان عايز، ده غير إن البيت عدمان على الأخر.

ثم سألته مؤنبة:
أنت عارف أنا مجبتش حاجة جديدة ألبسها من امتى؟

وأكملت بحسرة:
ده من يوم ما اتجوزتك باين.

ثم غادرت من أمامه، وهي تتمتم باستهزاء:
قال عايز يجيب التانية قال...يا أخويا شوف الأولى الأول، بلا هم.

لم يلحق بها، واكتفى برفع صوته لتسمعه:
ماشي يا "أميرة" والله لما أرجعلك من الورشة لـ يبقى ليا كلام تاني معاكي.

توقفت "أميرة" عن استعادة تفاصيل الشجار، وعادت إلى ما بين يديها، تضع آخر الأطباق على المائدة، ثم التفتت إلى ابنها قائلة:
أنده "بلال" على ما أروح أصحي خالتك.

وافق "مالك" وهرول ناحية غرفة ابن خالته، الذي كان يلعب معه قبل أن تناديه "أميرة"، أما هي فقطع توجهها إلى غرفة شقيقتها طرقات على باب المنزل.

تنهدت بانزعاج، ثم اتجهت لفتحه، لكنها ما إن فعلت حتى فوجئت بـ"نجوى" شقيقة "طارق" تقف أمامها.

كانت "أميرة" تعرفها جيدًا؛ تلك التي كادت تتشاجر معها يوم زفاف "طارق" و"نوارة"، امرأة في الثلاثينات من عمرها، تشبه أخويها "طارق" و"شهاب" إلى حد كبير.

قالت "أميرة" وهي تفسح لها الطريق:
 أهلا يا "نجوى" اتفضلي.

حاولت "أميرة" أن تستشف سبب زيارتها، خاصة أنها تعرف من شقيقتها أن "نجوى" نادرًا ما تأتي إلى هنا، وتوعدت "طارق" في سرها إن كان هو من أرسلها للضغط على شقيقتها أو تبرير فعلته.

ابتسمت "نجوى" بهدوء، ودخلت برفقتها إلى غرفة استقبال الضيوف، وما إن جلست حتى سألتها "أميرة":
تشربي إيه؟

هزت "نجوى" رأسها نافية:
لا، ملوش لزوم ارتاحي.

قالت "أميرة" بسخرية التقطتها "نجوى":
لا ميصحش لازم تشربي.

ابتسمت "نجوى" وهي ترد:
أنا مش ضيفة يا "أميرة" ده بيت أخويا.

جلست "أميرة" قبالتها، ولم تفوت الفرصة لترد عليها بعتاب:
وبيت أخوكي ده مش كان أولى تنصحيه ميخربهوش؟

تنهدت "نجوى" بأسف قبل أن تقول:
صدقيني أنا مكنتش أعرف أي حاجه عن موضوع "سهر" ده، ولما عرفت غلطته.

سألتها "أميرة":
ويا ترى سمع منك؟

لم تجبها "نجوى"، وكأنها تعمدت تجاوز السؤال، واستفسرت بدلًا منه:
هي "نوارة" فين؟

حاولت "أميرة" أن تحافظ على هدوئها وهي تجيبها:
"نوارة" نايمة، وياريت يا "نجوى" لو "طارق" بعتك تقوليلها أي حاجه تبرر عملته بلاش 

ثم تابعت بحزن:
علشان هي فيها اللي مكفيها.

نفت "نجوى" سريعًا، وقالت:
"طارق" ميعرفش إني هنا، أنا جاية أتطمن على "نوارة".

ثم راحت تخبرها، بينما كانت "أميرة" تتابعها باهتمام:
أنتِ متعرفيش أنا بحب "نوارة" و"بلال" ازاي، وزعلانة جدًا من اللي طارق عمله.

ثم ألقت بالجملة التي قلبت ملامح "أميرة" رأسًا على عقب:
بس أنا متأكدة إنه هيصلح غلطه، ومش هيخلي "سهر" على ذمته بعد موضوع إنها كذبت في حملها ده.

توقفت "أميرة" عن الرد، ظنت للحظة أنها أساءت السمع، قبل أن تتسع عيناها باستنكار وتكرر:
كدبت في موضوع الحمل !

ثم سألتها بذهول:
ليه هي مكانتش حامل؟

في اللحظة التي خرج فيها السؤال من فمها، أدركت "نجوى" ما فعلته، فاعتذرت مسرعة:
أنا أسفة جدًا، الظاهر كده إني عكيت الدنيا.

لكن "أميرة" لم تعد تحتمل مزيدًا من التلميحات، فطالبتها وقد نفد صبرها:
لا سيبك من أي حاجه بقى، وقوليلي كده أنتِ مين اللي قالك إنها مكانتش حامل؟

ترددت "نجوى" للحظات، وظهر القلق على وجهها قبل أن تنطق:
أنا كنت بحسبكم عارفين، "طارق" كان عندي من كام يوم وقالي إنه اكتشف إنها مش حامل، حتى أنا ساعتها قولتله إن الصح دلوقتي إنه يطلقها، ويحل اللي حصل مع "نوارة".

ثم أسرعت تضيف:
وكان ماشي من عندي على إنه راجع هنا علشان يتصالح هو و"نوارة".

تسارعت الأفكار في رأس "أميرة"، وأعادت ترتيب ما حدث خلال اليومين الماضيين. 

لقد عاد "طارق" إلى البيت في اليوم نفسه الذي اختفى فيه "بلال"، كان عند شقيقتها في الغرفة، وحين علم باختفاء ابنه نزل معها للبحث عنه، وبعد عودة الصغير، بقي عنده في غرفته حتى الفجر، إلى أن تلقى اتصال "سهر" فغادر المنزل مسرعًا.

رفعت "أميرة" عينيها إلى "نجوى"، وقد بدأت الصورة تكتمل أمامها، ثم قالت بحدة:
لا يا حبيبتي أخوكي مبلغش "نوارة" بحاجه من اللي قولتيه ده، وسايب بيته بقاله يومين وطلع يجري في الفجر، وقالي خليكي مع أختك علشان أنا مع "سهر" أصلها سقطت.

بدت "نجوى" كمن سُكب عليه دلو من الماء البارد، وأسرعت تحاول تدارك ما قالته:
"أميرة" بصي ممكن أنا فاهمة غلط، ياريت تهدي وأنا هتصرف 

ثم طالبتها برجاء:
بس متقوليش أي حاجه لطارق عن كلامنا ده، علشان ميحصلش مشاكل بيني وبينه أرجوكي.

صاحت "أميرة"، وقد طفح بها الكيل:
مشاكل إيه، بقولك أخوكي مأكلنا الأونطة ومفهمنا إنه معاها علشان سقطت، وأنتِ تقوليلي مشاكل !

وتابعت، وقد استبد بها الغضب:
ده بدل ما يأدبها على اللي جت عملته هنا قدام ابنه ومراته؟

_ ماما، خالتو بتنده عليكي.

قطع "مالك" حديثهما، مخبرًا والدته بحاجة شقيقتها إليها، فالتفتت إليه، والانفعال لا يزال ظاهرًا على وجهها، وطلبت منه:
تعالى يا "مالك" أقعد مع خالتك لحد ما أشوف "نوارة".

لم تستطع "نجوى" أن تنطق بشيء، وهي ترى "أميرة" على هذه الحال، بينما اتجهت الأخيرة إلى غرفة شقيقتها، وما إن دخلت حتى سألتها "نوارة":
"نجوى" عايزه إيه يا "أميرة"؟..."مالك" قالي إنها هنا.

تمنت "أميرة" لو استطاعت أن تسب ابنها في تلك اللحظة، لكنها تماسكت، وحاولت أن تبدو طبيعية وهي تجيبها بابتسامة:
مش عايزه حاجه يا حبيبتي، هي جاية تطمن عليكي، بس أنا قولتلها إنك نايمة ومش هتقابلي حد.

_ وصوتك العالي اللي واصلي لحد هنا علشان هي جاية تطمن عليا يا "أميرة"؟

سألتها "نوارة" بنظرات أربكتها، فأسرعت تبرر:
ما أنتِ عارفاني، مقدرتش أستحمل لما شوفتها فطلعت غلي من "طارق" فيها.

لم تكن "أميرة" تجيد الكذب، وكان ارتباكها كافيًا ليخبر "نوارة" أن وراء الأمر شيئًا آخر، لذلك طلبت منها:
قعديني على الكرسي علشان أخرجلها.

ظلت "أميرة" في مكانها ولم تستجب، فعلا صوت "نوارة":
يا تقولي في إيه يا "أميرة"، يا تخرجيني لـ "نجوى" أعرف بنفسي.

هربت "أميرة" بنظراتها، وقد أدركت أنه لم يعد أمامها مفر من مصارحتها، فقالت:
"نجوى" بتقول إن "سهر" مكانتش حامل.

شحب وجه "نوارة" فجأة، فأسرعت "أميرة" تمسك بكفيها، وقبل أن تنطق بأي شيء، سألتها بصوت بالكاد خرج:
"طارق" عارف؟

أجابتها بما خمنته:
تقريبًا مكانش يعرف لما جت، وقالت كده هنا، بس عرف بعدين.

حاولت "أميرة" أن تجد له مبررًا، لعلها تخفف وقع الخبر على شقيقتها، فقالت:
هو أكيد قالنا إنها سقطت علشان ملهوش وش يقول إنها كدابة، مكسوف طبعًا منـ...

لم تستطع إكمال عبارتها؛ إذ قاطعتها "نوارة"، وقد فقدت قدرتها على سماع المزيد:
متقوليش أي حاجه يا "أميرة"، أنا مش عايزه أسمع حاجه.

آلمها القهر الذي تسلل إلى نبرة شقيقتها، فقالت لها:
متعمليش في نفسك كده يا "نوارة"، استني نفهم الأول، وبعدين نشوف هنعمل إيه.

لم تجبها، ظلت صامتة تحدق في الفراغ أمامها، بينما بقيت "أميرة" إلى جوارها عاجزة عن قول شيء آخر، حتى دخل "مالك" الغرفة ينبه والدته:
ماما، طنط نجوى نزلت وبتقول هتيجي وقت تاني.

انتفضت "أميرة" من مكانها، ولم تنتظر أكثر؛ أسرعت خلفها، وهي تتوقع أن تلحق بها على الدرج، لكن حين وصلت إليه لم تجدها.

نزلته مسرعة لعلها تلحق بها قبل أن تغادر، وبالفعل لمحتها تستعد لركوب سيارة برفقة شخص لم تتعرف إليه في البداية، حتى اقتربت منهما، فإذا بـ"شهاب" يلتفت إليها ويقول بابتسامة:
أهلا يا مدام "أميرة".

لم تكن "أميرة" في مزاج يسمح لها بالمجاملات، ولا رغبت في وجود شخص ثالث يعطل ما جاءت من أجله، فقالت وهي تلتقط نظرات "نجوى" المتوجسة:
لا أهلا، ولا سهلا.

ثم وجهت حديثها إلى "نجوى":
بما إن أخوكي حاكيلك فأكيد قالك عنوان بيته الجديد فين، اديني العنوان.

_ يا "أميرة" أنا معرفش أي حاجه، وبلاش انفعالك ده احنا مش عايزين الدنيا تتعقد بين "طارق" و"نوارة".

سألتها باستنكار:
وهي لسه هتتعقد؟

فتدخل "شهاب" محاولًا تهدئتها:
ياريت تهدي يا مدام "أميرة".

هزت رأسها موافقة، لكن انفعالها لم يهدأ وهي تقول:
حاضر أنا ههدى بس عرفوني عنوان بيته التاني، بدل ما والله العظيم أروح شغله أعمله وأعملها فضيحة تخليهم ميعرفوش يرفعوا عينهم في وش حد تاني

عندها أدركت "نجوى" أن إخفاء الأمر عنها لن يزيد الوضع إلا سوءًا، فالتفتت إلى شقيقها الذي رفع كتفيه في إشارة واضحة إلى أن عليها أن تخبرها.

ترددت "نجوى" قليلًا قبل أن تقول:
هو مقاليش عنوان، لكن أنا عارفة إن عنده شقة اشتراها من فترة، هديكي عنوانها.

ثم رجتها:
بس يا مدام أميرة بلاش موضوع الفضايح ده، لإنك كده مش بتأذي "طارق" لوحده، خصوصا لما تضريه في شغله.

_ هاتي العنوان.

قالتها "أميرة" دون أن تعبأ بكلمة أخرى، فاستدارت "نجوى" إلى شقيقها بنظرة متخوفة، ليقول لها:
ما تديها العنوان بقى يا "نجوى".

ثم نظر إلى "أميرة"، التي لم تستسغ نظراته إليها منذ أن رأته، وأكمل:
مدام أميرة عاقلة، ومش هتعمل مشاكل.

وفي النهاية، رضخت "نجوى" وأعطتها العنوان، بعدما أوصتها مرارًا ألا تخبر "طارق" بأي شيء مما دار بينهما، مؤكدة لها أنها ستتحدث مع شقيقها بنفسها وتوضح له الأمر كله.

______________________________________

_ أنا مش قادرة أصدق اللي أنت خلتني أعمله ده.

قالتها "نجوى" بأعصاب منهكة لشقيقها، الجالس خلف عجلة القيادة إلى جوارها، فالتفت إليها باستغراب:
وأنا خليتك تعملي إيه؟

ثم تابع قبل أن يمنحها فرصة للرد:
وبعدين أنا اللي المفروض أزعل، يعني عارفة إن طارق متجوز سهر، وعرفتي كمان بموضوع زيارتها لمراته وإنها مطلعتش حامل ومخبية عليا.

ضحك بسخرية وهو يسترسل:
ومقولتيش غير لما ضغطت عليكي، خلاص أنتِ وطارق بقى سركم كله مع بعض وأنا الشرير مش كده؟

ردت عليه مدافعة عن نفسها:
أنت عارف يا "شهاب" كويس أنت بالنسبالي إيه، لكن أنا معرفتش إن طارق اتجوز سهر غير بعد فترة من جوازهم أصلا، وهو اللي طلب مني مقولكش.

ثم عادت بذاكرتها إلى حال شقيقها في ذلك الوقت، وأضافت:
ده غير إن حالته كانت صعبة جدًا لما سهر راحت البيت لنوارة، وأكتشف بعدها إنها مش حامل، علشان كده فضفضلي

تنهدت بانزعاج، وهتفت:
أقوم بقى بدل ما أداري عليه أسمع كلامك وأجي معاك هنا أشوف "نوارة" عرفت بموضوع كذب سهر ده ولا لا، طارق كده هيزعل مني أوي.

سألها باستهتار، دون أن يرفع عينيه عن الطريق:
ويزعل ليه؟ أنتِ معملتيش حاجه

ثم أوضح لها وجهة نظره:
مش أنتِ قولتيلي إنه بعد ما حكالك أقنعتيه يعرف "نوارة" باللي حصل ويحل معاها، ويسيب "سهر"، وهو قالك إنه هيعمل كده.

وببساطة شديدة نطق:
يبقى أنتِ معملتيش حاجه، مجرد جيتي تطمني على نوارة، وتهديها من ناحيته.

وتابع مهونًا الأمر عليها:
وكنتي فاكراه قالها فخدتي راحتك في الكلام، ولما عرفتي إنه العكس حاولتي تمشي بس "أميرة" وقفتك وأصرت يإما تقوليلها عنوان شقته يإما هتروح شغله وتعمل مشاكل 

ثم سألها بابتسامة:
هو مش ده اللي حصل؟

زفرت "نجوى" بانزعاج قبل أن ترد:
طارق أصلا ميعرفش إني عارفة عنوان شقته.

نظر لها "شهاب" باهتمام فوضحت له:
ده أنا كنت بكلم حمدي السمسار قريب علشان حاجه، وهو اللي قالي إن طارق كان جاله علشان يشوفله شقة يأجرها، وإنه جايبله شقة لقطة بس لسه هيوريهاله.

تناولت زجاجة المياه وارتشفت منها قبل أن تتابع:
وبعدها اتصل بيا وعرفني إن طارق أجر الشقة، وطلب مني مجيبش سيرة قدامه إنه قالي

ثم فسرت سبب طلبه:
لإن "طارق" وصاه بعد ما استقر على الشقة ميقولش لحد، وهو مكانش يعرف إنه عايز الموضوع مستخبي، فاتكلم قدامي بحسن نية في المرة الأولى.

ابتسم "شهاب" وعلق:
طيب ما كده كويس أهو، مفيش أي مشاكل هتحصل، ابقي قولي لطارق الكلام ده، واتطمني أنتِ معملتيش حاجه غلط.

نظرت "نجوى" أمامها بضيق وقالت:
معملتش إيه بس؟ أفرض "أميرة" دي راحت عملتله مصيبة.

ضحك "شهاب" حين تذكرها، وأردف:
سيبيها تقرص ودنه شوية، ويعتبرها واحده بواحده، "سهر" جت عملت مشكلة في بيته، و"أميرة" ردتلها الزيارة.

_ هو أنت هتجيب "سهر" لـ "أميرة" برضو، رغم إني مش قابلة "سهر" بس "أميرة" دي ست بيئة وشرشوحة أوي، ده وأنا قاعدة قدامها كنت خايفة تقوم تضربني.

قالتها ثم أضافت باستغراب:
مش عارفة ازاي دي أخت "نوارة" و"إيمان" الله يرحمها، الاتنين في منتهى الرقي عكسها تمامًا.

كان شقيقها عكس رأيها تمامًا، فقال:
الحقيقة إن أنا معجب جدًا بشخصيتها.

رمقته "نجوى" باستهزاء:
وأنت بتاع شخصيتها برضو؟...ده أنت كنت هتاكلها بعينك وهي بتسألنا عن العنوان.

_ لا بيتهيألك، أنا فعلا معجب بشخصيتها مش أكتر، أصل اللي زي أميرة دي هي أكتر واحده تنفع مع "طارق".

عقدت "نجوى" حاجبيها في حيرة، وقالت:
أنت حيرتني يا "شهاب"، يعني أنت عايزها تعمل إيه لطارق؟

ثم أكدت على غرضها من البداية:
احنا عايزين نحل، وأنا سمعت كلامك وجيت علشان اتأكد إذا كان قال لنوارة موضوع كدب سهر ده ولا لا على أساس كده، مع إني قولتلك استنى نكلمه نسأله الأول.

قال بانزعاج، بعدما اضطر إلى تخفيف سرعته بسبب زحمة الطريق:
وبتكلميه بقالك يومين ومبيردش، كنا هنستنى إيه تاني بقى، وعموما متقلقيش الموضوع هيتحل، أنا متأكد من ده.

لم تكن "نجوى" على يقين مثله، وظل شقيقها وما يحدث معه هو أكثر ما يشغل عقلها في تلك اللحظة.
كانت تحاول أن تجد سببًا واحدًا يدفعه للكذب على زوجته بشأن حمل "سهر"، وخمنت أنه بالتأكيد لا يريد الانفصال عن زوجته الثانية، لكن ما حيّرها حقًا هو كيف عادت الأمور بينهما إلى الحد الذي جعله يترك بيته ويهرع لها، خاصة بعد شجارهما الأخير الذي قصّه عليها؟

أرهقتها كثرة الأسئلة التي تتزاحم في رأسها دون إجابات، فقررت أن تتوقف عن التفكير، وأغمضت عينيها محاولة أن تنام بقية الطريق.

______________________________________

لم يكن يشغل "أميرة" الآن سوى التأكد من أن زوج شقيقتها موجود في منزله الآخر برفقة "سهر".
لم تخبر "نوارة" بما تنوي فعله، وتركتها مع "بلال" و"مالك" و"إيمان"، ثم قالت:
أنا هنزل أجيب حاجات من تحت وراجعة علطول.

كانت تعرف أن حالة "نوارة" أسوأ من أن تسمح لها بالاعتراض، كما أنها لم ترغب في تركها بمفردها، لذلك أوصت جارتها "أمل" بأن تصعد إليها حتى تعود.

أخذت الورقة التي دوّنت عليها العنوان الذي أخبرتها به شقيقة "طارق"، واستقلت أول سيارة أجرة صادفتها، حتى توقفت أمام العمارة التي تقصدها.

لم تحتج إلى كثير من البحث؛ كانت سيارة "طارق" متوقفة أمام العقار، سبّته في سرها، ثم أسرعت نحو المدخل، إلا أن بواب العمارة استوقفها بسؤاله:
رايحه فين يا ست؟

أجابته بثقة:
طالعة لجوز أختي الأستاذ طارق، اللي ساكن في التالت.

حدّق فيها الرجل لحظة، ثم قال بما يعرفه:
أختك مين؟ مدام غادة هي أخت مرات أستاذ طارق، حتى هي ومراتي اللي لحقوا الست "سهر" من كام يوم لما وقعت.

توقفت "أميرة" لثوانٍ، تعيد في رأسها ما قاله، قبل أن تتضح لها الصورة، فقالت:
أنا أخت مراته الأولى، أصله عقبال عندك متجوز اتنين، وخلص بقى وسيبني أطلع ورايا مشاغل.

ولم تنتظر منه تعليقًا آخر، بل تجاوزته ودخلت العمارة مسرعة.
صعدت إلى الطابق الثالث، وهناك وقفت أمام شقتين متقابلتين، تأملتهما بحيرة فلم تكن تعرف أيهما تخص "طارق"، وبعد لحظات من التردد، حسمت أمرها واتجهت إلى إحداهما وطرقت الباب.
انتظرت بضع ثوانٍ، ثم فُتح الباب، ولسوء حظ "طارق" وجد "أميرة" واقفة أمامه.

طالعته من رأسه إلى أخمص قدميه باستخفاف، ثم قالت:
مساء الخير يا جوز أختي.

لم يجبها "طارق"، ظل واقفًا للحظات يحاول استيعاب ظهورها المفاجئ أمام شقته، لكنها لم تمنحه فرصة ليستوعب صدمته، بل تجاوزته إلى الداخل وهي تقول:
طيب طالما مش هتقولي أتفضلي، هتفضل بنفسي.

أغلق الباب خلفها، وقد بدأ يتوقع أن الأسوأ لم يأتِ بعد، خاصة حين وصل إلى مسامعه صوت "سهر" من الداخل:
مين يا "طارق"؟

لم تحتج "سهر" إلى أن يجيبها؛ فقد ظهرت "أميرة" أمامها، وقالت:
أنا يا "سهر"، أميرة أخت صاحبتك "نوارة"، اللي طول عمرها تقول إنك ....

_ أميرة.

قاطعها "طارق" بتحذير، فاستدارت إليه، بينما سألها بحدة:
جاية ليه، وعرفتي طريق البيت منين؟

كانت "سهر" لا تزال متعبة، ولم تكن حالتها تسمح لها بالدخول في شجار، خاصة مع "أميرة"، شقيقة "نوارة" التي لم ترتح لها يومًا.

لكن "أميرة" لم تمنحها فرصة للابتعاد عن المواجهة، وردت على "طارق" بسخرية:
جاية أرد الزيارة، وأقول ألف سلامة للمدام بعد ما سقطت.

جلست "سهر" على أقرب مقعد، وردت عليها ببرود:
الله يسلمك يا "أميرة"، إن شاء الله المره الجاية تكمل على خير، وتيجي تباركي.

انطلقت ضحكة ساخرة من "أميرة"، قبل أن تقول وقد التفتت بينهما:
وهو كان في مره أولى يا أختي؟

ثم اتجهت إلى "طارق"، وربتت على كتفه ربّتة مستفزة، وسألته:
ما تقولي يا سبع الرجال، هي الحلوة لما ضحكت عليك وقالت إنها حامل وهي كدابة، مخافتش كده إنك لما تكتشف تسترجل وترمي عليها يمين الطلاق؟

وقبل أن يرد عليها تركته واتجهت نحو "سهر"، التي تراجعت إلى الخلف في مقعدها بقلق، وهي تسمع "أميرة" تقول:
ولا يمكن كان هيسترجل، وأنتِ قولتي لما أعمل نفسي تعبانة وأقع، علشان ينسى أي حاجه ويجيلي جري زي الجردل...صح يا بت؟

قالت عبارتها الأخيرة وهي تقبض على ذراع "سهر" بعنف، فصرخت بها:
ابعدي عني.

لم ينتظر "طارق" لحظة أخرى؛ أسرع وأبعد "أميرة" عنها، وهو يهتف بغضب:
لأخر مره هحذرك يا "أميرة"، وبعدين إيه الجنان اللي بتقوليه ده، مفيش حاجه من دي حصلت، أنا هنا مع "سهر" علشان سقطت.

لم تكترث بغضبه، بل واجهته وقد نفد صبرها:
أنت كداب و ××× ، وهي زيك بالظبط.

ثم حاولت الاندفاع نحو "سهر" من جديد، لكن "طارق" حال دون وصولها إليها، فهتفت:
بإذن الله بطنك عمرها ما هتشيل عيل يا خرابة، وبكرا تشوفيه وهو بيسيبك وبيجري ورا أول واحده تديله ريق.

احتمت "سهر" خلف "طارق" وقالت:
أنا مش هرد عليكي علشان "طارق" بس.

لكن "أميرة" لم تتراجع، وحاولت أن تنال منها وهي تهتف:
لا ردي عليا، تعالي يا بت ردي عليا علشان أخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي.

عندها أمسك "طارق" بذراع "أميرة"، وقال بحدة:
أنتِ زودتيها أوي، اطلعي برا يا "أميرة"، وأنا ليا كلام مع "نوارة".

دفعها باتجاه الباب، بينما لم تتوقف عن الكلام:
كلام إيه؟ هتقولها معلش خبيت عليكي إنها كدابة علشان إيه؟...أنت لسه ليك عين يا بجح تجيب سيرة "نوارة" على لسانك.

أخرجها "طارق" وأغلق الباب خلفها بعنف، ثم وقف للحظات في مكانه، يلتقط أنفاسه ويحاول استيعاب ما حدث، وما إن التفت إلى "سهر" حتى كانت نظراته إليها مليئة بالشك، فأقسمت له:
والله العظيم ما قولتلهم حاجه، أكيد مش هعرفهم يا "طارق" إني مكنتش حامل.

_ وجابت عنوان البيت منين؟

سألها بانفعال، فردت عليه بالمثل:
معرفش، ولو بتتهمني تبقى اتجننت، أكيد مش هفضح نفسي لمجرد أطلعك كداب عند "نوارة"، اللي أنا كنت عايزاه خدته وهو إنك تعترف بيا قدامها.

في الخارج، كان غضب "أميرة" قد بلغ ذروته. وقفت للحظة أمام باب الشقة، تحاول أن تبتلع ما تبقى من غضبها، لكنها لم تستطع، فارتفع صوتها:
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا "طارق"، وفي الحرباية اللي متجوزها 

انفتح باب الشقة المقابلة على صوت "أميرة" المرتفع، وخرجت منه سيدة تطالعها باستغراب وضيق، قبل أن تقول عندما وجدتها لا تتوقف عن الحديث:
يا مدام أهدي، الأستاذ "طارق" ومدام "سهر" محترمين وعمرنا ما شوفنا منهم حاجه.

لم تهدئ كلمات السيدة "أميرة"، بل زادتها إصرارًا على رفع صوتها، متعمدة أن يصل إلى الجميع، وخاصة "طارق" الذي وقف في الداخل غير مصدق ما تفعله في الخارج:
المدام المحترمة دي خدت جوز صاحبتها، والأستاذ المحترم اتجوزها في السر من ورا مراته

اتسعت عينا السيدة، بينما بدأت أبواب الطابق الرابع تُفتح واحدًا تلو الآخر، وظهر بعض سكانه عند أعلى الدرج يتابعون ما يحدث بفضول. 

ما إن لمحتهم "أميرة" حتى رفعت صوتها أكثر، مستغلة تجمعهم لتصعيد الأمر:
المحترمة دي خدت من أختي جوزها ومكتفتش بكده، دي جتلها لحد البيت تقهرها وتقولها جوزك متجوزني وأنا حامل منه.

في الداخل، كانت "سهر" تزداد شحوبًا مع كل كلمة تسمعها. تشبثت بأقرب شيء إليها، وبدا أنها على وشك أن تفقد وعيها، قبل أن تقول بصعوبة لـ"طارق":
أنت هتسيبها كده يا "طارق"؟ هتسيبها تكمل فضايح ليا وليك.

لكن "أميرة" لم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، واستمرت في الخارج:
بس العيب مش عليها، العيب على الراجل المتجوز اللي عنده بيت وعيل زي الفل، وراح يجري وراها علشان ميملاش عينه إلا التراب.

ثم رفعت رأسها نحو السيدات اللاتي تجمعن بالأعلى، وأضافت:
كل واحده تحرص على جوزها أحسن تلاقيه جايب عليها واحده ومتجوزها في السر، وأكبر مثال أهو اللي عملته العقربة اللي ساكنة معاكم.

لم تحتمل "سهر" المزيد، رأت "طارق" يفتح الباب، ويندفع نحو "أميرة"، أمسك بذراعها بعنف وأعادها إلى الداخل، بعيدًا عن أعين الجيران التي لاحقته بنظرات مستنكرة، وعن همساتهم التي بدأت تتصاعد في أرجاء المكان.

في اللحظة نفسها، ترنحت "سهر" قبل أن تسقط مغشيًا عليها، فالتفت إليها "طارق" مسرعًا، بينما قالت "أميرة":
أيوه يلا أبدأي في الكـ....

لكنّها لم تكمل؛ إذ أفلت "طارق" ذراعها واندفع نحو "سهر"، ثم التفت إليها غاضبًا وهو يهتف:
والله العظيم يا "أميرة" اللي عملتيه ده مش هيعدي، ولو فضلتي قدامي لحظة كمان أنا هسجنك.

_ يا أخويا غايرة من قدامك، أنت مفكرني ميـ.ـتة على الوقفة هنا.

قالتها وهي تراقبه منشغلًا بمحاولة إفاقة "سهر"، ثم تركت مكانها واتجهت نحو الباب المفتوح، مقررة المغادرة في اللحظة نفسها التي دخلت فيها إحدى الجارات إلى الشقة بعدما رأت "سهر" تفقد وعيها.

_______________________________________

_ كان لازم تقوليلي قبل ما تعملي كده.

قالتها "نوارة" بانفعال لأختها الجالسة أمامها، والتي لم يمضِ على عودتها سوى ساعات، قضتها في التردد قبل أن تخبرها بكل ما حدث.

أجابت "أميرة" بما لم تستطع كتمانه:
مقدرتش أمسك نفسي، حسيت هيجرالي حاجه وهو بيطردني برا الشقة وشايفاها جوا مستخبية وراه.

ثم أضافت بغل:
دي بت مش سهلة، أول ما قلب عليها بعد موضوع الحمل عملت إنها تعبانة علشان يروحلها وينسى.

ما إن أنهت جملتها حتى انفتح باب غرفة شقيقتها فجأة دون استئذان، وظهر "طارق" بوجه مكفهر، وخلفه "بلال". 
رأى الصغير والده وهو يجذب خالته من ذراعها ويخرجها من الغرفة، فاعترضت "أميرة" وهي تحاول الإفلات منه:
أوعى أبعد عني.

أخرجها "طارق"، وقبل أن يغلق الباب خلفها، توقف مكانه حين سمع زوجته تقول ببرود:
خدي "بلال" وروحي أوضته يا "أميرة"، علشان في كلمتين عايزه أقولهم لـ "طارق".

ترددت "أميرة" للحظات، فلم تطمئن إلى ترك شقيقتها معه، لكن "طارق" حسم ترددها حين أغلق الباب، تاركًا إياها في الخارج.

استدار نحو "نوارة" التي كانت جالسة على مقعدها، ثم جلس أمامها وقال بسخرية:
طبعًا الهانم أختك حكتلك اللي حصل.

هزت "نوارة" رأسها مؤكدة، وابتسمت وهي ترد:
اه حكت، وقولتلها أنتِ غلطانة، أكيد فاهمة غلط...أصل إيه هيخلي "طارق" يقول معلش أنا معاها علشان الحمل نزل وهي مكانتش حامل أصلا!

وقبل أن ينطق، واجهته بما هو أقسى:
أصل اللي يعمل حاجه زي دي يبقى جبان، معقول يا "طارق" بعد السنين دي كلها أتصدم النهارده إنك جبان؟

زفر بضيق، ثم قال:
أنا معرفش أميرة جابت الكلام ده منين.

_ عيني في عينك كده يا "طارق".

قالتها وهي تجبره على مواجهة نظراتها، ثم سألته، وقد كانت تعرف الإجابة قبل أن تسمعها:
أميرة كدابة؟

هز رأسه نافيًا، وقد قرر ألا يراوغ هذه المرة:
لا مش كدابة.

ثم احتدت نبرته وهو يتابع:
لكن مهما كان اللي حصل، ده ميديهاش الحق تعمل اللي عملته.

وللمرة الأولى، ترتفع نبرة "نوارة" في وجهه على هذا النحو:
ومهما كان اللي حصل، ده ميدكش الحق تخدعني تاني.

رأى دموع القهر تلمع في عينيها قبل أن تسأله:
بتكدب ليه؟ أنت أصلا مش محتاج ده، ما أنا قولتلك كمل معاها، قولتلك ملكش في البيت ده إلا ابنك وبس.

وضَحكت بمرارة، كأنها لا تصدق ما آلت إليه الأمور:
بس ازاي، لازم نوارة، وسهر، وبلال...لازم تاخد كل حاجه يا طارق.

ظل يطالعها صامتًا، عاجزًا عن الرد على ما تلقيه في وجهه من حقائق متتالية، قبل أن تتابع:
فبقى أهون عليك تقولي إنها سقطت ويا عيني محتاجه ليك أحسن ما تقول إنها مكانتش حامل أصلا، علشان متشوفش في عيني بصة إني مستنياك تطلقها
وضربت على صدره، وقد ازدادت نظراتها حدة:
متشوفش نظرة إني مستنياك تاخد موقف.

حاول أن يستعيد هدوءه، فقال:
 اسمعيني يا "نوارة".

لكنها انفجرت فيه:
لا مش هسمعك، مش عايزه أسمعك يا أخي، وأنت اللي هتسمع 

ثم هتفت بما استقر في داخلها ولم تعد قادرة على التراجع عنه:
هتسمع وتفهم إنك مش محتاج تلف وتدور وتكدب علشان أنت حتى لو طلقتها مبقتش تفرق معايا حاجه... مبقتش شايفاك أصلا

وانهارت الكلمات منها دفعة واحدة:
أنت دمرت بيتي، وبتدمر ابنك، ومش عايز تسيب حاجه واحده بس حلوه من اللي بنيناه تفضل موجودة.

حدقت فيه كأنها تحاول أن تجد الرجل الذي عرفته يومًا، ثم قالت بذهول:
أنا كإني معرفكش، حاسة إني بشوف واحد تاني غير اللي عيشت معاه، وكنت بنام في حضنه.

مد يديه إلى كفيها، وقال بعينين دامعتين:
أنا هو اللي أنتِ بتحبيه، متسمعيش كلام أختك، متبوظيش حياتنا.

خرجت منها ضحكة قصيرة بألم، قبل أن تقول:
تصدق إن أختي كانت بتقولي أسامحك؟

ثم سحبت يديها من بين يديه وأكملت:
أنت اللي بوظت حياتنا يا "طارق" بس مش قادر تفهم ده.

حاول التشبث بما تبقى بينهما:
أنا بحبك يا "نوارة" وعايزك، سيبك من أي حاجه حصلت، حتى اللي عملته "أميرة" أنا هعديه بس.....

لم يكمل بسبب مقاطعتها له وهي تخبره:
وأنا مش طايقة أبص في وشك.

لم يصدق أنه يسمع منها هي تحديدًا هذا الكلام، ولم تترك له فرصة ليستوعبه، بل أكملت بنظرات جامدة:
سيب البيت وأمشي، روح أقعد معاها...ولما ابنك يوحشك ابقى تعالى ده لو افتكرته أصلا.

ثم قالت بحزم أنهى أي مجال للنقاش:
وقبل كل ده هتطلقني.

هز رأسه نافيًا:
لا يا "نوارة".

_ لا هتطلق، علشان أنا حتى لما اتعاملت معاك بالعقل والمنطق علشان مصلحة ابننا فضلت كداب، وأنا مش عايزه أعيش مع واحد زيك.

عندها لجأ إلى الورقة الأخيرة التي ظن أنها ستجعلها تتراجع:
أنا لو طلقتك مش هتلمحي بلال تاني.

رفعت حاجبيها باستهانة، وكأن تهديده كشف لها شيئًا كانت تنتظر رؤيته:
أيوه كده، طلع اللي مخبيه كله ووريني أكتر...سيبك بقى من بحبك يا "نوارة" ونرجع علشان خاطر اللي بينا.

ثم ثبتت عينيها عليه وقالت:
محدش في الدنيا مهما كان مين هيمنعني عن ابني يا "طارق".

_ يبقى هاخده وأمشي، ولما تعقلي نتكلم.

ثم خرج من الغرفة، تاركًا خلفه "نوارة" تحدق في أثره للحظات، قبل أن تستوعب ما قاله وتدفع عجلات مقعدها مسرعة خلفه.

كان "بلال" في الخارج، وما إن وقعت عينا والده عليه حتى اتجه إليه، وجذبه من الأريكة وهو يقول:
يلا معايا يا "بلال".

صرخت "نوارة" من خلفه، غير مصدقة أنه ينفذ تهديده بالفعل:
سيب ابني يا "طارق".

اندفعت "أميرة" نحوه محاولة منعه، لكنه دفعها بعيدًا، وأمسك بابنه وأجبره على التحرك معه رغم مقاومته:
أنا مش عايز أسيب ماما، وإيمان.

_ بقولك أمشي.

صرخ فيه "طارق"، فعاودت "أميرة" محاولة جذب "بلال"، وفي تلك اللحظة خرج "مالك" من الغرفة لمساعدة أمه، بينما التصقت "إيمان" بساق "نوارة" في خوف، وأخذت الأخيرة تحاول بكل قوتها الوصول إلى ابنها.

لكن "طارق" لم يتراجع، تشبث بـ"بلال" وسحبه معه رغم رفضه حتى أفلت الصغير من يده فجأة، وصرخ فيه للمرة الأولى في حياته:
أنا بكرهك، ومش همشي معاك، أنت لسه كنت بتقولي مزعلش ماما أبدًا، لكن أنت بتزعلها، ودلوقتي عايز تاخدني غصب عنها.

تجمد "طارق" في مكانه.
كان هذا أقرب ما يكون إلى كابوس؛ ابنه، الذي لم يعتد أن يرفع صوته عليه، يقف أمامه الآن معلنًا كراهيته له، ولم يتوقف "بلال" عند هذا بل أكمل:
أنا مش همشي معاك، وطول ما أنت عامل كده في ماما عمري ما هرجع أحبك تاني.

انهمرت دموع "نوارة" وهي تطالع ابنها، وحاولت الاقتراب منه، لكن "طارق" سبقها إليه، ومد يده نحوه برفق بعدما أدرك أخيرًا تأثير ما يحدث على ابنه.

لم ير  "بلال"  في اقتراب والده سوى محاولة جديدة لأخذه رغمًا عن أمه، فابتعد عنه مذعورًا، ثم استدار واندفع نحو الباب الذي كان "طارق" قد فتحه قبل لحظات.

ركض بأقصى ما يستطيع، كأن وحشًا يطارده ولا يملك سوى الفرار منه، وكان أقسى ما في الأمر أن مصدر خوفه الآن هو والده.


تعليقات