رواية مر الحب الفصل الثالث 3 بقلم فاتن أسامة

 


رواية مر الحب الفصل الثالث بقلم فاتن أسامة


بعد ستين عامًا، وبعدما ظننتُ أنني نسيتكِ
التفتُّ ورائي لأرى كم ابتعدتُ عنكِ، فَـ وجدتني ما زالتُ عند محرابكِ، لم أبرح موضعي!.
يا حسرتي على ما أضعتُ من سنوات، لم تلتحم فيها يداي بيديكِ، يا مَن كان رؤياكِ يشبه البدر المنير في أنسدال الليل
فتستضيء بكِ عتمة الفؤاد مثلما تستنير السماء ببدرها؛
أربكتِ بِنوركِ رجلًا ظننته قد مات داخلي مُنذ عقد
وأسقطتِ بِـ جمال محياكِ عن قلبي الكهلَ شيخوخته
فجعلتِني أتوهم، يا صدفة
أن تلك السنوات الطويلة لم تمرّ بي البتة
بل مرّت من حولي
وأنا واقفٌ أنظر إلى امرأةٍ
تركت في العمر فراغًا لم تستطع ستون عامًا أن تملأه.

حتى أدركتُ أخيرًا
أن العمر ليس بضعة أعوامٍ تمضي فحسب...

إن عمري بدأ يوم وُلدتِ أنتِ، وينتهي لا حين أموت...
بل حين تموتين أنتِ،فما أنا إلا رجلٌ
امتدّ عمره ستين عامًا
ليكتشف أن حياته كلها
كانت معلّقةً بلحظةٍ واحدة يلتقي فيها صدفة..بِـ صدفة!.
ليحيى من جديد!. 

'بياخد نَفَسه بالتدريج بعد ما قفل الجواب 
بيكتبه كل سنة في يوم عيد ميلادها 
الموافق ٢٨ من شهر أغسطس'

إتولدت فيه الست إللي خطفت قلبه زمان 

وبعد محاولات مميتة للنوم 
فشل
وفضلت عيونه مع السقف، بيفتكر ذكرياتهم سوا

قد إيه غبي!
دوقها المُرّ بعد الحلو
بعد ما كان وعده ليها أنه يفضل حلو طول العُمر..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
'عيون الكل ثِبتت علي يوسف 
وأولهم أنا'

نظراته فيها خوف كبير، بتقول كلام شبه:
إزاي لساني خاني بالشكل دا'

_ أنا..
= أنت مين يا يوسف

'سألته بـتوسل
علي عكس توقعه، إني أزعق أو أتعصب عليه

'بَص لـفاتن، كانت واقفة جنب عمر
مش قادر ينطق أو يرد، لحد ما فاتن إتدخلت'

ـ إحنا... والله يا ست صدفه، إحنا كنا..

'عُمر بَصّلها وهو بيسأل بـ جدية'
ـ أنتي سمعتي يوسف بيقول إيه؟

'قال الجملة وبعدين قرب من يوسف
مسكه من دراعه وهو بيهزه بـخضة'
ـ أمير مين يا يوسف! وإزاي تقول كدا علي سِتي!

'ومع صوت عمر إللي كان بيعلي بالتدريج 
يوسف إتعصب، شد دراعه ووقف بعيد خطوتين 
بيبص للفراغ بـقلق وكأنه واقع في مصيبة كبيرة'

مصيبة لو إعترفلي إنه يعرف حبيبي أمير!

'عمر كان واخد الموضوع بشكل شخصي
وأنه بيسئ ليا، عشاني كل دنيته'

بس أنا لا
كنت بتمني كلامُه يكون حقيقة 
ويطلع حفيد حبيبي أمير 

'وبغضب يوسف قال'
ـ ما خلاص بقا يا عمر، كبرت الموضوع أوي

'دموعي بدأت تنزل بالتدريج
وعلي الناحية التانية، هاجر جت ووقفت جنبي
بتحاوط كتافي بـدراعها وهي بتطبطب عليا'

ـ إهدي يا سِتي
= أهدا إزاي يا هاجر، قوليلي..

'بَصيت لـيوسف وأنا بقول بـحُرقة'
= مش عايز يقول إنه حفيد أمير حبيبي، برغم أنه نفس ملامحه بالمللي 

'قربت منه وأنا بلمس وشه بـهدوء'
= حواجبه الكثيفة، والعرق البارز إللي بيفصل بينهم 
بشرته الغامقة وغمازاته 
ولا عيونه البنية وشعره الناعم إللي بيطير مع كل نسمة هوا

'فكيت الشال الخفيف بتاعي من علي كتفي وأنا بتكلم بـحسرة'
= أنت عارف دا إيه؟
دا شال أمير، لَفه حواليا يوم ما سابني
يوم خطوبتنا..

لما شافني بدأت أرجف من الصدمة 
قلعه ولبسهولي

'مسحت دموعي بإيدي إللي بتترعش وقولت'
= قالي وقتها أنه بيحبني بس غصب عنه
مِشي عشان وعده ليها أنه عمره ما هيسيبها 
بس سابني عادي 

سابني 
وملقيتش إللي ياخد حق سنين عمري إللي ضاعت وأنا وحيدة

مقدرتش أحب غيره 
ولا عرفت أعمل عيلة تليق بـقلبي الحنون 

إنما هو ما شاء الله 
عنده بدل الحفيد إتنين
وأنا؟
عيشت طول عمري نفسي أكون أم
بس لـولادنا أنا وأمير، مش حد غيره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ يعني دا الصح يا يوسف!! نمشي ونسيبها؟ 
_ وأنتي شايفة إيه غير كدا يتعمل؟

|فلاش باك|

'قربت من الست صدفه بـتردد
وبدون تفكير، فتحتلها حضني'

دخلت جواه ومعاها قلبها المكسور 
إزاي قدرت تعمل كدا !!

وللحظة.. حطيت نفسي مكانها 
راجل أناني حبسني جوا قفص حبه 
إختار نفسه وسابني تايهة مش لاقية نفسي 

ونهاية المطاف..
وحيدة

= يعني إنتو بجد أحفاد أمير صح! 
صح يا فاتن! أمير بدر، إللي كان..
ـ أيوا إحنا، أحفاده

'شفايفها بترجف وجسمها كمان
وملامحها إنهارت بـزيادة لما إتأكدت خلاص'

أحفاد حبيبها أمير

= هو.. هو عامل إيه 

'رَد عليها يوسف بـتوبيخ'
_ هو!! لا بجد أنا إستحالة أكمل في الحكاية دي

'بصيتله بـ إستغراب فـ كمل'
_ أنتي شايفة إللي بيحصل يا فاتن! دي طلعت ولا متجوزة ولا مخلفة 
وجدو عنده بدل البنت بنتين والحفيد إتنين
وهي...؟

'بصيت حواليا علي عمر وهاجر وبعدين سألت'
ـ أومال مين دول؟

'رد يوسف وهو بيقرب منها
أخدها من حضني لـحضنه وهو بيقول'

ـ دي ياستي تكون خالتنا أنا وهاجر
ماما توفت هي وبابا في حادثة عربية، بعد ولادة هاجر بفترة مش طويلة 
بعدها خالتي صدفه قررت تاخدنا وتربينا بنفسها، بحكم إنها مكانتش ناوية تتجوز ولا أي حاجة 

'حطيت إيدي إللي بتترعش علي صدري وأنا بقول بـ أسَف'
ـ عمر.. إحنا.. إحنا شكلنا وحش أوي 

'مسكت إيدي الإتنين وهي بتقول بـ لهفة'
= لا يا حبيبتي مش كدا خالص، دا قدر ونصيب
مكتوبله يتجوز أميمة
ومكتوبلي أعيش وحيدة 

'رد عليها يوسف وهو بيحاول يتمالك أعصابه'
_ إنتي إزاي غبية بالشكل دا؟

'بلع ريقه وهو بيهَدي نفسه'
_ مع إحترامي ليكو كلكو، بس إزاي تكوني أسيرة حياة مش حياتك
وسببها راجل قرر يختار نفسه وبس

'ردت عليه بـإعتراض'
= بس أمير حبيبي، عمره ما حَبّ ست غيري يا يوسف

|باك|

دقيقة، إتنين، لحد عشرة 
بدأت أستوعب إن يوسف معاه حق

مينفعش نرجعهم لـبعض، حتي لو هي عايزة كدا
وللحظة حسينا إن كدا هناخد حقها 

قرار قاسي
بس أمير  ميستاهلش ست زي صدفه

ـ يوسف!

'الإسم جه من ورانا 
كانت..'

ـ هاجر صح!
ـ أيوا 

'خطوة ورا، وخطوة قدام 
مش عارفة تبدأ كلام إزاي، وفجأة..'
ـ طيب يا يوسف، أنا هنزل تحت أسلم علي الست صدفه قبل ما نمشي

'مشيت بسرعة قبل ما يحاول يوقفني 
ولما عديت من جنب هاجر غمزتلها 
وهي تلقائي إبتسمت'

أكيد عايزة تعتذر عن إللي حصل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ علي فين
ـ عمر!
_ إيه شوفتي عفريت ولا إيه
ـ أصل ظهرتلي فجأة 
_ إنتي إللي ماشية بسرعة، عايزة تلحقي معاد قطر ولا إيه 
ـ إحنا فعلا ورانا معاد قطر
_ هتمشو!
ـ مفيش حل غير كدا

'لمس شعره بأنامله وهو بيبص حوالينا وبعدين قال'
_ كنت عايز أتكلم معاكي شوية قبل ما تمشي

'هزيت راسي بالموافقة فـ قال'
_ غير كمان إن شكلك هفتانة عشان مأكلتيش لحد دلوقتي
ـ مركز أوي ما شاء الله 

'قرب من ودني وهو بيقول بصوت مهموس'
_ يمكن عشان عيني منها

'رجعت راسي لـ ورا وأنا بقول بـتوهان'
ـ هي مين؟
_ وكمان مبتفهميش، ما شاء الله 

'خبطت دراعه وأنا بتكلم بـضيق مصطنع'
ـ ظابط وفارد جناحاته 
_ وشيف من الآخر 
ـ يعني هدوق قبل ما أمشي!
_ أوي أوي 

'مشينا كام خطوة لـ أخر الطُرقة
بيحاول يفتح مواضيع وأنا معاه'

وبعد كام ثانية كان موبايلي بيرن
= ألو.. أيوا يا جدو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كنت بس عايزة أعتذر علي الدوشة إللي حصلت تحت 

'حطيت أخر تيشرت في الشنطة الباك بتاعتي'

بعد تخطيطنا للقعدة إسبوع عشان نلم الشمل
في نفس اليوم قررنا نبعده تاني
أمر حزين

'هاجر كانت بتتكلم كتير، وكله بنفس المعني 'إعتذار'
بس أنا مكنتش مهتم، ولا عايز أهتم بـ أي حاجة غير أننا نمشي من المكان دا'

ـ وبس يا سيدي
_ بس إيه؟

'حطيت الشنطة علي جنب وأنا بقعد علي طرف السرير
وهي لسه واقفة في مكانها، بتفرك في صوابعها، وملامحها كلها عبارة عن لخبطة'

_ دي القطة إللي كانت بتخربش تحت من شوية 
ـ بدل ما تقول كويس إني معترفة بـغلطي وجاية أعتذرلك!

'ضحكت ضحكة جانبية وأنا بقول بـعدم إهتمام'
_ والله يا أستاذة هاجر، مفرقتش تعتذري أو لا، إحنا كدا كدا هنغور في ستين داهية

'عيونها وسعت بالتدريج 
وبعد ثواني من الصمت قالت'
ـ دا بجد
_ إيه يا قطة؟ زعلانة ولا إيه 

'قومت من مكاني وأنا بلم باقي حاجتي
وهي واقفة بتحاول تلم جملتين علي بعض تقولهم 
وهنا حسيت إن فيه حاجة غلط'

_ هو فيه حاجة!
ـ أيوا فيه

'قالتها بـإندفاع وبعدين تراجعت
وقبل ما تتوه عن الإجابة، صممت إنها تتكلم'
ـ أنت مينفعش تمشي وتسيب سِتي في نارها لوحدها

'بلعت ريقها وهي بتتكلم بـ توسل'
ـ أنا عارفة كل حاجة من زمان أوي 
من وأنا عمري سنة وهي دايما تحكيلي عنه، زي حكايات قبل النوم كدا
كبرت لغايت خمس سنين وفجأة قطعت الحكاية
مبقتش تحكيلي خوفًا إني أعرف أو أفهم حاجة 
مفكراني كبرت ونسيت حكاويها عنه
متعرفش إني حافظة كل كلمة وسطر

من أول حُبهم وهما في الكلية
لغايت ما سابها عشان البنت إللي كان بيحبها قبلها 

'مسحت دموعها وهي بتتكلم بـتسرع وكأنها إفتكرت حاجة'
ـ بس جدك أمير مكانش سئ للدرجة يا يوسف
عشان مراته جَت مرة في بيتنا القديم، إللي في القاهرة، قبل ما ننقل

'قاطعتها بـزهول'
_ نعم! 

|فلاش باك|

= أميمة!

'كانت واقفة علي الباب،بتبص بقرف
وعلامات الغِل باينة علي ملامحها'

ـ مفيش إتفضلي!

'نبرة صوتها كانت عالية مليانة شر
لدرجة جيت جري من جوا عشان أشوف مين
وفضلت واقفة ورا الستارة..'

= وليه تتفضلي يا أميمة؟ 

'دخلت برغم عدم موافقة سِتي
وبكل بجاحة قعدت علي الرُكنية، وعيونها بتلف علي كل شبر في البيت'

ـ جايالك في معاهدة سلام، بعد سنين الحرب دي كلها
بيني وبينك تعبت، وزهقت وكمان طهقت

'حطت رجل علي رجل وسِتي قاعدة قدامها لا حول لها ولا قوة'
ـ كنت مفكرة الرجالة لما تتجوز وتخلف وكمان عيالهم يخلفو
هينسو إللي كانو متزفتين بيحبوهم 
بس طلع لا

'بَصّتلها من فوق لـتحت'
ـ إزاي بيحبك برغم إني الأولي في حياته

'ردت عليها سِتي بـضحكة خفيفة'
= وهو الحب الأول لازم يكون الحقيقي 
ـ أيوا

'إجابتها كانت بـعنف، بان في نبرتها'
ـ أيوا يا صدفه، هو الحقيقي
= لو كان حقيقي، عمره ما كان حَبّني أنا وإتقدملي أنا 

'ردت بـرفعة حاجب'
ـ وبعدين؟ كملي!
سابك ورجعلي، رجع لحُبه الأولاني
= أنتي عايزة إيه
ـ عايزة أعرف جوزي بيحبك ليه لحد دلوقتي!!

'وقفت في مكانها وهي بترد عليها بـ إشمئزاز'
= أنتي جاية لحد عندي، في نص بيتي، تسأليني سؤال غبي زي دا

'ضحكت'
ـ لا يا حبيبتي، جاية أخد راحة بالي، عشان بصراحة مبحبش النوَش ولا وقف الحال
= أنتي؟
ـ تعرفي عني غير كدا 

'سِتي ضحكت فـ ردت وقالت'
ـ طيب يا حلوة، تسيبي القاهرة وتغوري في ستين داهية زي الشطورة، وإلا..

'ردت عليها سِتي بـإستهزاء'
= وإلا إيه 
ـ عمر

'الثقة تلاشت سِنة بـسِنة'
= ماله عمر
ـ أصل بعيد عنك عيني منه

|باك|

'مكنتش فاهمة قصدها
كنت طفلة لسه عندي خمس سنين
وسِتي واقفة عينها يمين وشمال لحد ما وافقت علي كلامها'

بعدها عرفت إنه كان تهديد
هددتها بـ عمر، عشان كدا جينا هنا 
بدأت حياتها معانا واحدة بـواحدة
وقدرت تكَوِّن نفسها من غير مساعدة حد

وبقت أشهر خياطة في كفر الشيخ كلها
وخيط الست صدفه يتعرف من بين مليون خيط

'قعدت علي السرير بـصعوبة لما رجلي بدأت تفشل أنها تشيلني
بصيتلها بـكسوف بسبب إللي عرفته
وبصوت مهزوز..'
_ أنا أسف يا هاجر

'وفي الكرسي إللي قصادي، قعدت هي كمان 
وبـرجاء قالت'
ـ مش من حقهم يحضنو بعض! حضن واحد قبل ما العمر يسرقهم أكتر من كدا 

'وقبل ما أرد، فاتن دخلت الأوضة فجأة
بتاخد نفسها بالعافية 
واللي علي لسانها كلمات غريبة، بترددهم وأنا مش فاهم..'

ـ جدو.. جدو بين الحياة والموت يا يوسف


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات