رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثاني والاربعون 42 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثاني والاربعون 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيُمكن للغد أن يمحو مرارة البارحة؟ وذلك القدر الذي تفنّن في إزهاق قلوبنا وإجلاء الأمل من حياتنا، هل يُمكن أن يترفق بنا يومًا، ويهبنا أمانينا السرية التي خبّأناها بين طيّات قلوبنا جيدًا، حتى لا تطالها أيدٍ ملوّثة بسُمِّ الكراهية؟

جميعها استفهاماتٌ مُرهقة يهاب القلب طرحها، خوفًا من إجاباتٍ قد تأتي على غير هوانا. ولكن حتى الأشياء التي لا تأتي وفق إرادتنا، قد تحمل الخير بين طيّاتها؛ وهذه الضربات التي نالت منا، لولاها لما وصلنا إلى ما نحن عليه.

لذا، فحتى إن لم نرغب في الاعتراف بذلك، نحن مدينون لكل التجارب التي خضناها، ولكل الآلام التي خابرناها.

نورهان العشري ✍🏻

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

توقف الكون من حولها لثوان حتى الهواء الذي كان ينساب في أرجاء المكان تجمد، وكأن الصدمة لم تُربكها وحدها، بل جعلت الزمن بأسره يتوقف عند تلك الحظة التي استدارت بها، لترى مديحة تقف خلفها وهي تناظر صدمتها بسخرية، لتتقدم منها وهي تقول بتهكم:

ـ والله و ليكِ وحشة يا أشجان، ولا اقول يا أشجان هانم؟

عبأت صدرها بالهواء لتحاول استجماع جأشها، لتأتي نبرتها مبحوحة حين قالت:

ـ انتِ ايه اللي جابك هنا؟

تشدقت ساخرة:

ـ جاية أشوف لحمنا يا عنيا، اطمن على ولاد ابني اللي وحشوني…

استفهام مُلِح طرأ على ذهنها، وهو كيف سمح لها الحرس بالدخول الى البيت؟ لتجد رسالة نصية تزور هاتفها، و التي كانت عبارة عن كلمة واحدة:

ـ دخليها…

انتابتها دهشة قوية من تلك الرسالة، ولكنها سرعان ما عادت الى جمودها حين قالت:

ـ اتفضلي جوا…

استدارت أشجان لترمقها بنظرات ساخطة، قابلتها مديحة بالسخرية، و هي تتقدم لتجلس في الصالون الواسع، لتبادر الأولى بالحديث قائلة:

ـ اسمعيني كويس، أنا ما صدقت ولادي خرجوا من الدايرة القذرة بتاعت ابنك، و بصراحة هما أصلًا مش فاكرينه لأنه مكنش فاضيلهم، كان عمال يجري ورا نزواته و قرفه، فمتفكريش أني هسمحلك انتِ و لا هو ترجعوهم لنقطة الصفر من تاني…

صاحت مديحة بتهكم: 

ـ ما تبلعي ريقك كدا يا أشجان، و استهدي بالله و قولي هديت، مالك طلعتي ياختي فيا زي المدفع كدا! أمين غلط أه بس تاب و ربنا هيقبل توبته، ماهو ربنا غفور رحيم مش كدا يا ستنا الشيخة؟

اغتاظت أشجان من وقاحتها المفرطة، لكنها لم تكد تتحدث حتى سمعت صوت نبيلة التي كانت تقف على أعتاب باب الغرفة:

ـ أيه يا أشجان انتِ معاكِ حد غريب و لا أيه؟

بلغ الغضب منها ذروته، فقد جاءت تلك المرأة في أكثر الأوقات الخطأ، لتُصدم حين سمعت صوت مديحة تشهق مستنكرة:

ـ لا غريب أيه؟ دانا حماتها و جدة الولاد..

نبيلة باهتمام زائف:

ـ أيه دا بجد؟ أنتِ جدة مريم و أمجد؟ أهلًا و سهلًا بيكِ.. نورتينا.

مديحة بطريقة مستفزة:

ـ دا نورك يا ست الكل، ان شالله يخليكِ يا غالية..

كما توقعت فتلك المرأة ستستغل الفرصة لمضايقتها، لذا ما ان رأتها تقترب لتجلس على الأريكة هتفت قائلة بجفاء:

ـ لو سمحتي يا نبيلة سبينا لوحدنا عشان بنتكلم في موضوع خاص…

لم تتوقع نبيلة ذلك الحديث من أشجان، و لا تلك النبرة و كذلك مديحة لتتوقف نظرات المرأتين الذاهلين على ملامح أشجان الجامدة التي أدارت رأسها لتستطرد قائلة:

.ـ بيتهيقلي أنتِ سمعتيني أنا قولت أيه؟

اغتاظت نبيلة من إحراجها بتلك الطريقة أمام مديحة التي افتعلت حركة سوقية بشفتيها، لتحترق نبيلة بغضبٍ جارف تجلى في نبرتها حين صاحت:

ـ انتٍ ازاي تتحرأي تكلميني بالطريقة دي؟ و كمان عايزة تحدديلي اقعد فين في بيت أبويا؟ 

كانت لحظة فارقة أمام إمرأتان تجسدان المعنى الحقيقي للشر في حياتها، لذا هتفت بنبرة قوية:

ـ دا بيتي و بيت جوزي و انتِ هنا ضيفة، بيتك انتِ عارفة طريقه كويس.

كانت إهانة بالغة لها، لم يستوعبها عقلها، خاصةً من تلك التي ظنت بأنها مجرد طرف طعيف في مثلث الخطر الذي تريد التخلص منه، ولكن ها هي تصفعها بقوتها في عقر دارها، لتهتف نبيلة بشراسة:

ـ هي حصلت! حصلت تقوليلي أنا الكلام دا؟ 

ـ في أيه بيحصل هنا؟

كان هذا صوت كمال الذي استرعى انتباهه أصواتهم العالية، ليتوجه إلى غرفة الجلوس، فهتفت نبيلة بنبرة مُغترة:

ـ أقوله كنتِ بتقولي لأخته الكبيرة أيه؟ و لا تقوليله انتِ؟ 

كانت تعلم أنها لا تكذب لذا أرادت الزج بها في مأذق لا فِرار منه، لتفاجئها أشجان التي كانت نبرتها مُهتزة بعض الشيء:

ـ كنت بقولك اني بتكلم مع جدة الولاد في موضوع خاص، و ياريت تحترمي خصوصيتي،  بس انتِ محترمتيش انتِ اتكلمت معاكي بطريقة كويسة، و اتعاملتِ بأسلوب وقح، و قولتيلي ان دا بيتك، و انا رديت عليكِ بنفس طريقتك، و قولتلك أن دا بيتي و بيت جوزي، و أنك عارفه طريق بيتك…

صُدِمت نبيلة من أنها كانت تتحدث بسلاسة غير عابئة بأي شيء، لتحاول استغلال الموقف لصالحها حين استدارت ناظرة إلى كمال وهي تقول باستعطاف: 

ـ سمعت يا كمال؟ أختك الكبيرة بتطرد من بيت أبوها، و بتتعاير قدام عنيك، يرضيك؟ 

كمال بجمود:

ـ لا ميرضنيش. 

التمعت عيني نبيلة بانتصار لتتوجه إليه وهي ترى آسيا التي كانت تقف خلفه تناظرها بأعيُن كانت كأعيرة نارية، لتتجاهلها، وتتوج عرضها بعبرات زائفة:

ـ خدلي حقي منها يا كمال. عرفها ازاي تغلط فيا؟ دي مش بس غلطت فيا. دي غلطت فيكوا كلكوا، دي أهانت أختك الكبيرة..

خيم الصمت على المكان لثوان، احتبست فيه الأنفاس قبل ان يمزق ذلك السكون صوت كمال القاسي حين قال:

ـ معنديش أوامر أني اتعامل مع أشجان مهما عملت أو مهما حصل منها، دي مرات الكبير..

 تخشب جسدها حتى استحال إلى جماد حين سمعت كلمات كمال التي كالبارود الذي تفجر في المكان، فتفشى الصمت في المكان، قبل أن تقطعه نبيلة قائلة باستنكار يُخيم عليه الذهول:

ـ مرات الكبير! بقولك هزقتني و هانتني، و طردتني كمان، تقولي مرات الكبير ؟ يعني أيه الكلام دا؟

ـ يعني مراتي تعمل و تقول اللي هي عايزاه، و محدش يجرؤ يقولها قولتي أيه ؟ أو عملتِ كدا ليه؟

كان هذا صوت خالد القاسي الذي أتى من خلف كمال، بملامح واجمة تنُم عن طقسٍ غائم، و كأنها تحذير شديد اللهجة بأن عاصفة هوجاء على وشك الهبوب لذا لاذ الجميع بالصمت، ما عدا أشجان التي توجهت إليه بخطٍ لهيفة، ليمد ذراعه يحيط خصرها، و عينيه لا تفلتان نبيلة، التي نست ما يحدث معها، و أخذت تدقق في نظرات خالد التي أشعرتها بأن هناك شيء سيء يخصها، فصار الموقف على صفيح ساخن بدده الحنان في صوت أشجان حين قالت:

ـ حمد لله على سلامتك..

تتبدد عتمة الليل، و يقتحم الدفء برودة عينيه و نظراته حين ينظر إليها، حتى ان نبرته لانت قليلًا، وهو يُجيبها قائلًا:

ـ الله يسلمك…

لم تحتمل نبيلة ما يحدث، فاندفعت الى خارج البيت تجر أذيال الإهانة، فلم يلتفت لها أحد، بل استدار خالد ناظرًا إلى مديحة التي كانت ترتعب من مناظرهم جميعًا، فهي تقف أمام حرب أعصاب مدمرة حيث الجميع يحاول الخروج منها بأقل الخسائر، لكنها كانت الآن في مواجهة الطرف الأقوى بينهم المتمثل في ذلك الرجل المخيف الذي كانت نظراته تغلي و كأنها بركانٍ على وشك الانفجار في أي لحظة:

ـ اسمعيني كويس و وصلي الكلام دا لابنك، لو عايز يشوف ولاده يجيبلي حكم محكمة، و انا بنفسي هودي الولاد الرؤية عشان يشوفوه، غير كدا معنديش. تقدري تتفضلي…

كان إذنًا بالفِرار من قعر الجحيم، و النجاة من بين براثن أولئك الطُغاة، فهتفت بلهفة:

ـ وماله ياخويا هقوله، عداك العيب…

استدار خالد إلى احد الخدم، ليقول بجفاء:

ـ وصليها لحد بره…

أطاعته الخادمة، لتخرج مديحة الى خارج القصر، فطافت عينيها بتفحص، لتجد نبيلة تبكي على أحد المقاعد بالحديقة، فتصنعت الحزن لأجلها قائلة:

ـ استني يا بنتي أما أطيب خاطر الولية اللي اتمسح بكرامتها بلاط الفيلا دي..

صاحت الخادمة باستنكار وهي ترى مديحة تهرول تجاة نبيلة:

ـ استني يا ست انتِ. أنتِ رايحة فين؟

اقتربت مديحة من نبيلة التي كانت تضع رأسها بين كفيها و تبكي بانهيار، لتربت الأخيرة على ظهرها بيد و بالآخرى تمسك بكفها، وهي تقول بتعاطف زائف:

ـ متعمليش في نفسك كدا ياختي، في نسوان قادرين، يقلبوا الأخ على أخته، منهم لله البعدا..

رفعت نبيلة رأسها وهي تنظر الى مديحة نظرة ذات مغزى سرعان ما تحولت إلى غضبٍ عارم، وهي تدفع يدها من خلف ظهرها و تضربها في صدرها بعُنف تجلى في نبرتها حين هتفت:

ـ إنتِ اتجننتِ يا معتوهه إنتِ؟ ازاي تلمسيني؟

شهقت مديحة بطريقة سوقية:

ـ مالك يا ولية في أيه؟ الحق عليا إني جاية اواسيكِ؟ دا ليهم حق يمسحوا بكرامتك الجزم، و لية جربانة بصحيح.. 

ـ لو سمحت يا مدام اتفضلي معايا ميصحش كدا…

هكذا تحدثت الخادمة، لتصيح نبيلة بغل:

ـ خرجي البيئة دي برا، مش عايزة أشوفها قدامي…

جرت الخادمة مديحة إلى الخارج التي أخذت تسُب نبيلة إلى ان استقلت السيارة التي كانت تنتظرها في الخارج، لتقوم بجذب هاتفها للاتصال على أمين الذي أجاب بلهفة:

ـ ها يا ماما عملتي ايه؟

مديحة بسوقية، وهي تنظر الى الفلاشة التي بين يديها:

ـ عيب عليك تسأل السؤال دا؟ هي امك تلميذة ولا حاجة؟ جبت المعلوم، بس الولية اللي أسمها نبيلة دعكوا بوزها في الأرض قدامي، قولت دي هتهيف و مش هعرف اخد منها حاجة، قوم شغلت دماغي، و عملت فيلم كدا، عشان اعرف أخد منها البتاعة اللي قولت عليها دي، اسمها معرفش جُلاشة و لا أبصر أيه!

صاح أمين بلهفة:

ـ سيبك منها تولع، المهم انك خدتي منها الفلاشة..

مديحة باستنكار:

ـ اسيبني منها ازاي؟ أمك اللي عملت الشغل كله، يعني حلاوتي هتزيد…

أمين بنفاذ صبر:

ـ يا اما فتحي مخك معايا، انتِ مش هتبطلي تاكلي حلاوة لو الباشا رضي عننا. 

مديحة بجشع:

ـ احنا عنينا للباشا، شوف عايز أيه و احنا معاه…

انقضت نصف ساعة قبل أن يمسك أمين الفلاشة بيده ثم هاتف رماح الذي كان يغلي من الغضب، فأجابه بحدة:

ـ بتتصل عايز أيه يا زفت؟ مش قولتلك متتصلش بيا غير لما تعرف اللي حصل دا حصل ازاي؟

عودة إلى ما قبل ثلاثة أيام:

كان يسترخي في مقعده، و هو يُفكر كيف يصل إلى تلك المرأة التي أعياه عشقها، فصار مهووسًا بها، يريد هدم العالم للوصول إليها حتى لو كلفه ذلك إشعال فتيل الحرب، و سفك دماء كل من تسول له نفسه للوقوف بينه و بينها، خاصةً بعد ما افصحت لابنته عن سرها العظيم، بأنها لا تزال تعشقه، فانتشى سائر جسده وهو يتخيل انه سيعيدها إليه مرة آخرى، اقتحم مخيلته المريضة رنين هاتفه، فسرعان ما أجاب حين وجد أحد رجاله:

ـ الحقنا يا بيه، النار كلت المخازن اللي في **** باللي فيها..

رماح بصدمة:

ـ بتجول أيه يا جحش انت؟ دي فيها بضاعة بملايين..

مرت نصف ساعة قبل أن يتوجه رماح الى مكان المخازن التي احترقت بكل ما فيها، فكاد ان يُجن، وهو يرى كل هذه الأموال تحترق أمام عينيه، ليصرخ بعويل:

ـ يابوووووي، طفوا النار دي يا ولاد المحروجة. طفوها يلعن أبو اللي جابوكوا…

في هذه اللحظة وصل أمين الذي صُدِم حين شاهد ذلك الحريق الهائل، و كذلك حالة رماح المُذرية، الذي ما أن انتهوا من إخماد الحريق حتى خر على ركبتيه وهو يقول بنبرة تميل إلى الجنون:

ـ يا خراب بيتك يا رماح.. يا خراب بيتك…

اندهش أمين من حالته، ليقترب منه قائلًا:

ـ أيه يا رماح بيه دي شوية بضاعة يعني بكام مليون، ميستحقوش كل دا.

اهتاج رماح، ليصرخ في وجهه كمن أصابه الجنون:

ـ بضاعة أيه وزفت أيه على وشك! دي المخدرات كلاتها أهنه.

بهتت ملامح أمين من الصدمة، ليحاول تصليح الأمر قائلًا:

ـ طيب، طيب ما تكلم الباشا، وهو هيتصرف..

اندفع رماح يجذبه من عنقه وهو يصيح بتحذير:

ـ باشا أيه؟ دي تطير فيها رقبتي،  اياك تجيب سيرته..

ازدرد أمين ريقه بذُعر، وهو يقول بتلعثم:

ـ طب، طب هتعمل أيه؟ أنا، انا بحاول افكر معاك في حل…

شعر بأن الأرض تدور به، لا يعرف كيف يفكر؟ يرى كل شيء يتحول إلى رماد تتغلغل رائحته إلى أنفه، لتختنق رأتيه، و هو يتخيل ان يصيبه نفس المصير إن تسرب ذلك الخبر إلى جماعته المشبوهه

ـ تفتكر مين عمل كدا؟

كادت الحيرة تصيبه بالجنون، و خاصةً حين هرول إليه أحد الرجال، وهو يحمل بقايا أحد العبوات التي كانت بداخل المخزن، وهو يقول بلهفة:

ـ لقينا بقايا من العلب دي جوا..

اقترب أمين يفحصها، ليقول باندهاش:

ـ معقول!

رماح بلهفة:

ـ في أيه؟

أمين بحيرة:

ـ العبوات دي حد زرعها جوا، و بعدين اتفجرت، هو انت مش قولت ان المخازن دي ببصمتك أنت، و محدش يقدر يدخلها و لا يخترق نظامها… ازاي قدروا يدخلوا جوا و يزرعوها جوا؟ 

استفهام آخر كاد ان يقوده إلى الجنون، ليكز على أسنانه بغضب، وهو يصيح:

ـ معرِفش، محدش جدر يعملها جبل اكده.

أمين باستفهام:

ـ طيب حد يقدر يدخلها غيرك؟ 

صمت رماح لثوان قبل أن يقوم بجذب هاتفه لإجراء مكالمة وهو يبتعد عن أمين،  و ما ان أجابه الطرف الآخر حتى صاح بلهفة:

ـ الباشا فين؟

ـ في مكانه،  بتسأل ليه؟

صاح رماح بحدة:

ـ متسألش كتير، جولي فادي معاه؟

ـ معاه.

رماح باستفهام غاضب:

ـ حوصول أي حاجة غريبة عِنديكوا النهاردة؟ 

صمت الرجل يُفكر قبل ان يقول:

ـ لا، يعني حاجات تافهة، كام واحد من الحرس ضربوا بعض بسبب القمار، و الباشا أمر بتأديبهم..

اغلق رماح الهاتف، وهو يقول بحيرة:

ـ عِملوها كيف؟ وصلوا للبصمة كيف؟ مفيش غير خالد الكلب اللي جلبه يجيبه و يعملها، بس ازاي جدر يدخل جوا..هتجنن..

اقترب أمين منه وهو يقول باستفهام:

ـ ما تقولي في أيه يمكن افيدك، انا كنت ظابط في يوم من الأيام، يعني اقدر أساعدك…

صمت رماح لثوان قبل ان يقول بغموض:

ـ تعرِف تدخل جصر الوتايدة؟

عودة إلى الوقت الحالي 

ـ عفارم عليك يا أمين، ضربة معلم بصحيح…

أمين بنبرة مُغترة:

ـ عرفت بقى اني أقدر افيدك، و أوي كمان..

رماح بسخرية:

ـ عرفت ياخويا…

أمين بلهفة:

ـ يبقى تقولي الفلاشة دي فيها أيه؟

صمت رماح يتذكر ما حدث قبل ثلاثة أيام

ـ لا، اوعى تأذي خالد. 

هكذا صرخت نبيلة ليجيبها رماح ساخرًا:

ـ وه، خايفة عليه و لا أيه؟

نبيلة بتلعثم:

ـ اسمعني كويس، انا مش عايزة حد منهم يتأذي، عايزة حقي و اغور الكلاب اللي اتبلينا بيها دي..

رماح بتخابث:

ـ واني موافق، هخلصك منيهم، و مش همس أخواتك بحاجة عفشة، بس صافية تلزمني..

نبيلة بحقارة:

ـ اشبع بيها هي مش فرقالي..

ابتسم رماح بسخرية قبل أن يقول بمكر:

ـ يوبجى متفجين، اني هدخل الجصر اخد صافية، و اخرج، و يا دار ما دخلك شر…

شهقت نبيلة بصدمة:

ـ بتقول ايه؟ أنت عايز تدخل القصر بتاعنا؟

رماح بتحذير:

ـ ده اللي عندي،  لو كنتِ عايزاها تعدي بسلام، و عشان توبجي عارفة، انتِ اللي هتعرفيني أماكن الكاميرات، و مخارج و مداخل الجصر، و هتصوريلي كل شبر فيه..

ارتعبت نبيلة من حديثه، لتهتف بتلعثم:

ـ طيب، انا حتى لو عملت كدا، هبعتلك الصور ازاي أنا بكلمك على تليفون من العادي، و استحالة هبعتهالك من تليفوني..

رماح بمكر:

ـ اعملي اللي جولتلك عليه، و سيبي الباقي عليا. 

نبيلة بإذعان:

ـ موافقة، بس في حاجة مهمة عيزاك تعملهالي

ـ حاجة أيه؟

نبيلة بغل:

ـ هبعتلك صور واحدة، عيزاك تخلي حد يركبلها صور، و فيديوهات قذرة مع واحد و اتنين و تلاتة، و تنشرها على النت.. عايزة مصر كلها تشوف فيديوهاتها و صورها…

رماح باندهاش:

ـ وه، دا انتِ حرمة جوية صحيح، و مين اللي بتحبيها و عايزة تخدميها اكده؟

نبيلة بنبرة حاقدة:

ـ دي بت جربوعة، ابني عايز يتجوزها..

رماح بشر: 

ـ متكونش بنت الجيارة؟ 

نبيلة بلهفة:

ـ هي…

قهقه رماح بشر التمع في عينيه، و تخلل إلى نبرته حين قال:

ـ لاه، دولم حبايبنا، يعني لازم نخدموهم صوح، و اللي عتجوليه ده، سهل ينكشف، أني بحب كل حاجة تكون مظبوطة..

ـ تقصد أيه؟

رماح باستفهام:

ـ تعرفي تدخلي أوضتها؟

ـ احاول، اعتبرني دخلت، هعمل ايه في أوضتها؟ 

رماح بشر:

ـ اللي هجوله ده صعب و محتاج تفكير و تخطيط عشان يتنفذ صوح، هتحطي تلافونك الحلو في الحمام بتاع السنيورة، و تشغلي الكاميرا في الوجت اللي تكون هي داخله تتسبح فيه… عايزين حاجة حجيجية عشان العيار يصيب صوح.

نبيلة بسخط:

ـ و انا هعرف منين هي داخله تتنيل امتى؟

صاح رماح بنبرة أفزعتها:

ـ ديه مشكلتك مش مشكلتي…

نبيلة بلهفة:

ـ حاضر، هخلص و هقولك…

عودة إلى الوقت الحالي 

رماح بتحذير:

ـ إياك تسأل في حاجة ملكش فيها، الأسئلة الكتير دي هتضيع المجهود اللي عِملته عشان توصل للفلاشة، و إياك عجلك يوزك، و اوعاك شيطانك يوزك و تفكِر تفتح الفلاشة او تشوف فيها أيه..

أمين بلهفة:

ـ عيب دانا الراجل بتاعك، الفلاشة حالًا هبعتهالك، و مش فارقلي فيها أيه..

رماح بسخرية: 

ـ اكده تعجبني…

 ♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

ـ بابي، حمد لله على سلامتك..

هكذا هتفت  رنا، وهي تندفع إلى أحضان خالد الذي احتواها بقوة، لتهمس رنا من بين عبراتها بألم:

ـ كنت عارفة إنك مش هتسبني في يوم زي دا لوحدي..

خالد بنبرة حانية: 

ـ مقدرش، و أنتِ عارفة كدا كويس…

تدخلت أشجان مستفهمة بعد ان اصابتها الحيرة من هذا الحديث الغامض و ملامح رنا المُذرية:

ـ  مالك يا رنا يا حبيبتي؟  انتِ معيطة و لا أيه؟ 

ناظرتها رنا بألم، و لم تجيبها، لتشعر بالخوف يتقاذفها بقوة، فرفعت أنظارها إلى. خالد قائلة بقلق:

ـ في أيه يا خالد؟ هو النهاردة في أيه؟

رفع نظراته الغامضة إليها قبل أن يقول بجمود:

ـ ثانوية سهام النهاردة…

 

صدمتها الإجابة، لتناظره بألم لا تعرف هل لظنها بأنه لم يستطِع أن يفوت هذا اليوم، ففي السنة الفائتة لم يكُن غائبًا، و مر الأمر هادئًا، و قد تفهمت الإمر، بل أنها أعطت لهم بعض الخصوصية، و ذهبت الى بيت والدتها حتى يتثنى له هو و ابنته ممارسة حزنهم دون قيود، و لكن اليوم، كان في رحلة عمل، لا تعلم هل قطعها لأجل هذا الإمر أم انه كان عائدًا بكل الأحوال، انبت نفسها لهذه المشاعر الأنانية و اندفعت تحتضن رنا بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ تعيشي و تفتكري يا حبيبتي…

تناثرت العبرات من عيني رنا لتقترب آسيا منها تحتضنها هي الآخرى، و كذلك شددت أشجان من ضمها اشجان بقوة وهي تضع قبلة حانية فوق جبهتها، ليتحدث خالد بنبرة مقتضبة:

ـ اجهزي يا رنا على ما اخلص شوية حاجات مع كمال. 

رنا بخفوت:

ـ حاضر…

تبادلت أشجان النظرات مع آسيا قبل ان تقول بحنو:

ـ تعالي معايا يا رنا…

في الأعلى دلفت أشجان مع رنا إلى غرفتها، لتجلس بجانبها على السرير، و تمسك بيدها قائلة بخفوت:

ـ رنا، ممكن اطلب منك طلب؟

رنا بخفوت:

ـ اتفضلي..

تحمحمت قبل ان تقول بنبرة متحشرجة: 

ـ أنا حابة أشاركك تفاصيل اليوم دا، حابة أكون جنبك، هينفع؟ 

صمتت رنا لثوان تناظرها بصدمة من هذا الطلب، ثم همست بنبرة خافتة:

ـ ممكن أسأل ليه؟

أشجان بتأثر:

ـ عايزة اطمن ماما انك مش لوحدك، و اني جنبك و هخلي بالي منك. هقولها رنا في عنيا.

تأثرت الصغيرة بحديثها قليلًا خاصةً حين لمست الصدق في عينيها، لتنهمر عبراتها بغزارة وهي تندفع الى أشجان قائلة من بين نهنهاتها: 

ـ تعالي معايا، متسبنيش، أنا مش عايزة أكون لوحدي أبدًا.

شاركتها أشجان نوبة انهيارها، وهي تضمها إلى صدرها بقوة، لتهتف بلهفة:

ـ مش هسيبك أبدًا، أنتِ بنتي، و صاحبتي. انا جنبك العمر كله..

بعد عدة دقائق هدأت نوبة انهيار رنا لتتراجع من بين أحضان اشجان التي قالت بحنو:

ـ نمسح دموعنا الحلوة دي بقى، و نفكر ازاي هنفرح ماما الله يرحمها.

رنا بعدم فهم:

ـ حضرتك تقصدي أية؟

أشجان بهدوء:

ـ عارفة أحلى حاجة تعمليها لماما، عشان تعرفيها انك بنوتتها حبيبتها لسه فكراها، و بتحبها؟

رنا بلهفة:

ـ أيه؟

أشجان بابتسامة هادئة:

ـ انك تدعيلها، و تتصدقي عليها.

رنا بلهفة:

ـ بابي بيطلع صدقة على روحها على طول..،

ابتسمت بهدوء، وهي تتذكر أنها كانت أحد الذين يتصدق عليهم لأجل زوجته الراحلة، يا للمفارقة العجيبة، فها هي اليوم زوجته!

ـ عارفة. بس سيدنا رسول الله ﷺ قال:

«إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».

تخيلي بقى ان الصدقة دي تروحلها على طبق من نور،و الملايكة تقولها دي من رنا بنتك حبيبتك…

( ملاحظة: مش متأكدة من موضوع الطبق اللي من نور دا، بس من وانا صغيرة كانت ممتي تقولي كدا، و كنت بعمل كدا على روح جدي الله يرحمه، و كانت بتقولي تخيلي حفيده اللي كان منى عينه يشوفها تبعتله طبق من نور يفرحه في قبره، و الموضوع دا كان بيفرحني اوي، و بحس أني بعمل عمل عظيم، و كبرت و بقت الصدقة دي حاجة كبيرة أوي بالنسبالي، و بعلم ولادي كدا، اتمنى تدعو لجدي بالرحمه هو و تيتا و عمتي و حمايا اللي يرحمهم، وبعتذر عن الإطالة ❤️)

ابتسمت رنا بحُب، وهي تقول بلهفة:

ـ هتصدق عليها على طول، مش هفوت يوم من غير ما ادعيلها و اتصدق عليها..

ابتسمت أشجان بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ يالا هخرج أنا عشان تجهزي براحتك، و بعد ما نرجع من المقابر نتفق هنعمل أيه..

ابتسمت رنا، فهبت أشجان من مكانها، لتوقفها رنا التي هتفت بلهفة:

ـ خليكِ انا هلبس بسرعة، مبخدش وقت..

التفتت أشجان لتقول بابتسامة صافية:
ـ مينفعش يا حبيبتي عشان تغيري هدومك براحتك..

صمتت رنا تطالعها للحظات قبل أن تقول باستفهام:

ـ هو أنا مينفعش اغير قدامك؟ يعني اقصد أن حضرتك ممتي، و بنت زيي؟

ضيقت أشجان عينيها باندهاش، قبل ان تقول بنفي:

ـ أكيد لا طبعًا، حتى لو انا ممتك و بنت زيك، أنتِ دلوقتي كبرتي، و بقيتي آنسة، هو أنتِ متعرفيش ان دا حرام؟

رنا بلهفة و ارتباك:

ـ لا طبعًا عارفة، أنا بس….

شعرت أشجان بارتباكها، و رأت حرجها بوضوح، فعادت ادراجها مرة آخرى لتقول بحنو:

ـ اسمعيني يا رنا يا حبيبتي، أنا عارفة انك كبيرة و عاقلة، بس كل ما هتكبري كل ما هتتعلمي اكتر، و نصيحة مني لازم لما تكوني عارفة ان دا حرام تكوني عارفة هو حرام ليه…

ابتسمت رنا، لتتابع أشجان بنبرة هادئة:

ـ ربنا قال في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

— سورة النور، الآية 30. 

و سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال كمان:

«لا ينظرُ الرجلُ إلى عورةِ الرجلِ، ولا المرأةُ إلى عورةِ المرأةِ، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجلِ في ثوبٍ واحدٍ، ولا تُفضي المرأةُ إلى المرأةِ في الثوبِ الواحدِ»

رواه مسلم

ليه بقى كل دا؟ عشان الإنسان ميفقدش حياؤه، و الحياء دا صفة جميلة جدًا و لما الإنسان يفقدها بيكون شهص مقزز، كمان دي صفة من صفات النبي عليه الصلاة و السلام، و بردو من باب العفة، ان الإنسان يبتعد عن الشهوات، و منعًا لهتك الستر اللي ربنا أمرنا بيه. جسمنا دا له حرمة، مينفعش أبدًا أننا نتعدى عليها فهمتي؟

لطالما كانت الفطرةَ السليمةَ عصيّةٌ على وساوس الشيطان، التي قد تحاصرها ، تنتزع منها سلامها لبعض الوقت  لكنها لا تستطيع أن تلوثها، وما كان القلبُ نقيًا في أصله، أبى الله له أن يكون مرتعًا دائمًا للظلام.

ابتسمت رنا بارتياح تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ هو أنا مكنتش عارفة ليه أوي؟ بس كنت متأكدة انه غلط..

صمتت أشجان لثوان، تنظر الى عيني الصغيرة قبل ان تقول:

ـ اسمعيني كويس يا رنا، أنتِ بنت ذكية، و متربية كويس، و فطرتك سليمة، اوعي تسمحي لحاجة تلوثها، و اوعي تتنازلي عن الصح قصاد الغلط لمجرد انك شوفتي الناس كلها بتعمله، انتِ عارفة الصح، يبقى تعمليه حتى لو هتكوني عكس الناس كلها. ربنا هيحاسب كل إنسان لوحده، هيحاسبه على عمله. فهماني..

شعرت الفتاة بالارتياح يغزو أوردتها أكثر لتبتسم بهدوء قبل ان تقول بحسم:

ـ فهمت، وهعمل كدا…

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ»❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡

ـ خالد انت بتقول ايه؟ ازاي تعمل حاحة خطيرة زي دي لوحدك؟ افرض كان جرالك حاجة؟

هكذا صاح كمال بانفعال بعد أن أخبره خالد عما حدث تلك الليلة، ليزفر بتعب قبل ان يقول بنفاذ صبر:

ـ مكنتش لوحدي قولت، و دا تحديدًا اللي مخلانيش أقولك، ان مينفعش نروح فيها احنا اللتنين، و الناس اللي هنا دي كلها هنسيبها لمين؟ 

كمال بتأثر:

ـ أنت بتقول أيه يا خالد؟ رايح تعرض حياتك للخطر و لوحدك عشان خاطرنا…

زفر خالد بملل، ثم صاح بحنق:

ـ كمال، مش عايز شعارات فارغة، كل واحد بيشيل شيلته، محدش فينا بختار يبقى مين…

كمال بمرارة:

ـ اول مرة اعرف ان شيلتك دي صعبة أوي كدا امبارح… و أنا مضطر ادافع عنها…

خالد بحدة:

ـ قفل على القصة دي. وصلت لأيه في موضوع آسيا؟

ـ قبل موضوع آسياد قولي انت ليه جازفت و دخلت المكان دا؟

خالد بجمود:

ـ دا المكان الوحيد الللي هضمن أنه مش هيفتكر فيه أي حاجة، و كمان أنا مش عايز الراجل دا يبقى كارت محروق، بالنسبالهم، لإني لسه محتاجه، و مكنتش عايزه يكشف اللي عملناه معاه لرماح، لأنه لو اتكشف شغلنا كله باظ، و متنساش اننا بتجهز لضربة اقوى من دي بكتير، و كمان أنا عايزه يحتار، الحيرة هتشتت تفكيره، و هتغلطه، و دا في صالحنا..

اومأ كمال برأسه، و هو يقول بنبرة خشنة:

ـ آسيا في الأسبوع اللي قبل المناقصة كانت كل تحركاته معروفة، و الحرس بلغني بيها أول بأول، و حسب كلام نجاة لرحيم، عرفنا ان رماح بيستخدم اسم عثمان في حاجات كتير، زي ما استخدمه عشان يخدم آسيا، و اعتقد ان الموضوع وراه بلاوي، احنا لسه في أول البحث.

خالد باختصار:

ـ و بعدين؟

استرسل كمال في شرح ما بجعبته:

ـ مقدرش أجزم ان الخاين دا من البيت، لإن آسيا في اليومين دول خرجت راحت شغلها.

خالد باستفهام:

ـ شاكك في مين؟

كمال باختصار:

ـ في منة السكرتيرة بتاعتها…

خالد باختصار:

ـ عندك دليل؟

كمال بجفاء:

ـ على خيانتها معنديش راجعت الكاميرات، و لقيت ان الوضع طبيعي، هي حتى مجتش جنب اللاب توب، بس عندي خيوط امشي وراها..

خالد باستفهام:

ـ زي أيه؟

كمال بنبرة خشنة:

ـ البنت دي والدتها كانت محجوزة في المستشفى من فترة، محتاجة زرع كلية و كانوا بيدوروا على متبرع فجأة ظهر، و النهاردة عملت العملية. لو قولنا انه ظهر و دي صدفة السؤال بقى، جابت الفلوس منين؟ دا مبلغ مش قليل..

ضيق خالد عينيه مُفكرًا قبل أن يقول بنبرة جافة:

ـ طيب ماهي بردو مش غبية عشان تجري تعمل عملية أمها في نفس الوقت اللي نخسر فيه المناقصة، و تطلع آسيا هي اللي سربت السعر،  كلامك دا بيأكدلي أن الخاين جوانا، و البنت دي مجرد كبش فدا، و انت فاهم دا كويس، المهم دلوقتي نويت تعمل أيه؟

ـ هبتدي من عندها…

خالد باقتضاب:

ـ ماشي، كتب كتاب عمر و شروق بكرة بالليل، يعدي على خير و ابقى اعمل اللي أنت عايزه، و مش محتاج أأكد عليك أن محدش يعرف حاجة…

اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡

ـ الجميل سرحان في أيه؟

هكذا تحدث كمال إلى آسيا التي كانت تنظر من شرفة غرفتها، لتلتفت ناظره إليه، وهي تقول بوجوم:

ـ و لا حاجة. عادي..

اقترب يعانقها من الخلف، وهو يقول بجانب أذنها:

ـ كل حاجة هتتصلح، متقلقيش من حاجة طول مانا موجود…

ابتسمت بهدوء قبل أن تقول بنبرة متحشرجة:

ـ ممكن أسألك سؤال؟

كمال بتحسر:

ـ احنا هنقضيها كلام. قولي عايزة تسألي عن ايه؟

رمقته بنظرة غاضبة، قبل ان تقول بترقب:

ـ هو انت مشكتش فيا اني ممكن اكون سربت ملف المناقصة فعلًا؟

اندفع كمال يجيبها:

ـ و لا لحظة…

لا إراديًا ارتسمت بسمة ارتياح فوق شفتيها، قبل ان تقول:

ـ مانا عارفة على فكرة

 تحدث مازحًا:

ـ كان نفسي اجننك شوية، بس هعمل ايه في قلبي الطيب ؟

آسيا بتهكم:

ـ إنت قلبك طيب؟ قول كلام غير دا..

كمال بنبرة عاشقة: 

ـ يمكن مش طيب بس بيحب، و ميقدرش يشوفك متوترة او قلقانه..

لونت حمرة الخجل خديها، لتتحمحم قبل ان تقول بنبرة خافتة:

ـ يعني أقدر أقول ان ثقتك فيا رجعت زي الأول؟

كمال  بنبرة خشنة:

ـ رجعت أحسن من الأول، عارفة ليه؟

خربشت كلماته فضولها، فاستفهمت قائلة:

ـ ليه؟

كمال بنبرة عذبة:

ـ عشان بقيت شايف آسيا على طبيعتها، شايفها من جواها، من غير أقنعة و لا تصنع، بقيتي قدامي زي الكتاب المفتوح، قبل ما يحصل اللي حصل، كنت بتعامل مع قناع الشخصية اللي أنتِ عايزة تكونيها، مش آسيا الحقيقية، آسيا اللي بتقعد من غير مكياج، و بتضحك، و بتتريق، اللي بيخرج الكلام منها عفوي، مش بتكون محضراله. 

وضع يده فوق قلبها النابض بقوة داخلها وهو يتابع قائلًا:

ـ شوفت الوجع اللي جواكي، و بقيت عارف هداويه ازاي، مينفعش نقفل على جروحنا،  من قبل ما نطهرها، عشان تعرف تطيب. و متتحولش لندوب تشوه الحلو اللي جوانا. 

تأثرت لحديثه كثيرًا للحد الذي أسال مياه عينيها، ليتابع وهو يمحو عبراتها بحنو بأطراف أنامله:

ـ مش هنكر أن اللي حصل دا موجعنيش، ولا سايب آثر جوايا، بس زي مانا واثق إني هقدر أداوي جرحي اللي جرحتهولك، واثق انك هتنسيني كل الوجع اللي اتوجعته. 

كانت لاتزال تحت تأثير جلد ضميرها، و أنين وجعها، لتهتف بحزن:

ـ بس احنا غلطنا في حق بعض كتير أوي، أنا مش قادرة اسامح نفسي على غلطي، و لا قادرة أسامحك على جرحي.

كان يرى في عينيها شيئًا أبعد من ذلك بكثير، كان يرى توسل صامت بأن يحطم جميع مخاوفها، و أن يعزز ثقتها به و بعشقهم، بدا يتعرف إلى حانب آخر من جوانبها، و الذي هو صفة موحدة بين جميع النساء، وهو الرغبة في ان تكون مرغوبة، لذا اقترب أكثر ليكوب وجهها بين يديه وعينيه تتشربان ملامحها بعشق فاض به القلب و أصبح عاجزاً عن كبحه ليهمس بنبرة تقطُر شغفًا:

ـ احنا مبقاش ينفع نبعد عن بعض أكتر من كدا!

غمرتها كلماته كطوفان زعزع ثباتها حتى كاد أن يودي به، ولكن هناك خوفًا يلوح بالآفاق، و جرحًا لا يزال ينزف ألمًا شاب نبرتها حين قالت:

ـ اللي مينفعش فعلًا هو أننا نكون مع بعض.

يرى بعينيها كم الألم الذي يغتال سحرها و قلبه في آنٍ واحد، و هذا الخوف الذي يعلم جيدًا مصدره، ليهمس بخفوت:

ـ تفتكري هنقدر على البُعد؟!

أمطرت عينيها وجعًا همست له شفاهها حين قالت:

ـ الوجع هيخلينا نقدر.

اقترب يُلثم عينيها الحزينة بحنو وكأنها يُعطيها إعتذارًا يتوجه العشق الذي انساب من بين حروفه حين قال:

ـ بس أنا بحبك.

اضرمت كلمته الرجفة بين أوصالها و شعرت بأنها على وشك التلاشي بين ذراعيه لتحاول جذب نفسها بعيدًا عنه وهي تقول بلوعة:

ـ الحب لوحده مش دوا، دا مجرد مخدر للوجع مش أكتر.

قست يديه حين أعادتها إلى ذراعيه وهو يهتف بنبرة قوية:

ـ مش صح..

عاندته بنبرة مُشجبة:

ـ لا صح.

في قانون العشق: لا يوجد شيء مُستحيل، و في قانون رجل المُستحيل: العشق أما أن تموت به أو تحيا من أجله

 قرب وجهها من خاصته ليستنشق أنفاسها وهو يهتف بنبرة بها من الحزم ما يوازيه من العشق:

ـ طب بما إن كدا وجع وكدا وجع، فأنا اخترت أتوجع وأنا في حضنك. على الأقل هيكون في سبب اتحمل الوجع عشانه.

اخترقت كلماته أعماق قلبها الذي نفض عنه الألم لتدق طبول الفرح بداخله، فها هو يختارها رغم كل شيء، يختارها بالرغم من كل ما حدث، ليتوهج الزمُرد في عينيها قبل أن يُطفأه أنين الكبرياء الذي لازال يقاتل بشراسة، و هي تتذكر تلك الصفعة التي نالت من كرامتها، فحاولت التملص من بين يديه التي أفلتتها على عكس عينيه مما جعل الكلمات تتأرجح فوق شفتيها ما بين الحيرة والارتباك:

ـ مش هينفع. كل واحد فينا جرح التاني لدرجة أن مبقاش في أي مكان للغفران بيننا.

كان عينيه تعريانها من ضعفها أمامه وعشقها الذي يقاتل لأجله لذا وضع يديه في جيوب بنطاله بكسل ارتسم فوق ملامحه وهو يقترب منها قائلاً بابتسامة عذبة:

ـ عارفة أيه أحلى حاجة في حكايتنا؟!

آسيا بخفوت:

ـ أيه؟

اسند يديه على الطاولة ليُحيطها من الجانبين وهو يتحدث بخُبث:

ـ أن مهما عملنا في بعض، وعاندنا بعض عيوننا مبتقدرش نداري الحب اللي جواها. 

كان يُخضعها دون لمسة واحدة. يُثير جميع مشاعرها تجاهه بكلمات بسيطة تودي بثباتها و تهزمه شر الهزيمة لذا أخفضت رأسها تهرب من عينيه التي تعريان مشاعرها أمام عينيه لتصل إليها ضحكته التي أتبعها قائلًا بمُزاح:

ـ خلينا متفقين أنك بتهربي تمام!

عرفت الابتسامة طريقها إلى ثغرها لترفع رأسها تناظره بأعيُن متوهجة لتهمس بخفوت:

ـ تمام.

ضيق عينيه وهو يناظرها بخُبث تجلى في نبرته حين قال:

ـ لا أنا التمام بتاعي مبيكونش كدا. شكلك نسيتي، وأنا لازم أفكرك..

لم يتسن لها الوقت لفك شفرة نظراته المتأرجحة بين الحيرة و اللوعة. لتتفاجأ به يندفع نحوها بإصرارٍ مجنون، كمن تاه في صحراء الحياة لسنوات حتى أنهكه الظمأ، فلمّا أبصر شفتيها لم يرى فيهما سوى قطرات شهدٍ مغوية تروي عطشه، فأخذ يعمق اقترابه منها وهو ​يرتقى بشغفه فوق حدود توقعها، فلازال يقتنص تلك الثمار الشهية المكتنزة فوق ثغرها بدفءٍ جارف يتضرع عشقاً، و في قربه لهفةً لم يغفل عنها قلبها، لهفة عاشقٍ تجرع مرارة الفراق حتى أضناه بالوجع، وها هو الآن يسترد من بين أنفاسها حياته المسلوبة منه لينزع عن روحه غبار الأيام الماضية، غارقاً في طوفان تلك القبلة التي لا ترحم اشتياقه، ولا تمنحه كفايته منها.

ـ لآخر مرة همنع نفسي عنك يا آسيا، بس دا لحد ما أجبلك حقك من اللي حاول يلبسك التهمة دي.

هكذا تحدث كمال من بين أنفاسه اللاهثة، ليلتمع العشق في عينيها، و هي تهمس بنبرة تذوب تحت وطأة حضوره الطاغي:

ـ طيب، و حقك؟ 

ضيق عينيه و هو يشاكسها بنبرة عابثة:

ـ حقي هخلصه منك كل يوم، و على أقل من مهلي…

زحف الخجل الى وجنتيها، فهتفت بتذمر:

ـ أنت قليل الأدب…

قهقه على حديثها، قبل ان يقول مازحًا:

ـ احلى حاجة فيكِ انك بتفهميها، و هي طايره…

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡

ـ أيه؟ بتقول أيه يا عمو؟ كتب الكتاب النهاردة؟ 

هكذا تحدثت شروق بلهفة، حالما سمعت ذلك الحديث من عامر الذي مازحها قائلًا:

ـ سألتك موافجة؟ جولتيلي موافجة، و العريس مستعجل، جولت على بركة الله… نرجع في كلامنا و لا أي؟

شروق بلهفة:

ـ لا طبعًا مقصدش، بس، أنا أتفاجئت…

لم تكد تُنهي جملتها حتى تفاجئت بأصوات جلبة في الخارج، فابتسم عامر وهو يقول:

ـ انزلي في ناس مستنياكي تحت…

التمعت عينيها بالفضول فاندفعت مهرولة إلى الأسفل، لتتفاجيء حين شاهدت كُلًا من آسيا و أشجان و غنى، بجانبهم جميلة التي هتفت بحماس:

ـ مفاجأة…

 شهقت شروق بصدمة، لتقترب منها جميلة و تعانقها بقوة، وهي تقول بمرح:

ـ يالا يا عروسة عشان نجهز، مفيش وقت…

اجتمعت الفتيات حولها، فهتفت آسيا بحبور: 

ـ بصي بقى أنتِ تسبيلنا نفسك خالص، و احنا هنريحوكي على الآخر.

و ساندنها غنى التي بالرغم من حزنها الداخلي، إلا أن سعادتها لصديقتها جعلتها تتناسب كل شيء، و تقترب منها تعانقها بقوة وهي تقول بسعادة:

ـ أيوا يا شقو، هتبقي احلى عروسة في الدنيا…

اغرورقت عيني شروق بالعبرات تأثرًا بالتفاف الفتيات حولها، لتقترب منها أشجان قائلة بمزاح:

ـ حرام عليكوا خضيتوا البت، شكلها هترجع في كلامها بسببكوا.

صاحت شروق بلهفة:

ـ لا، ارجع في كلامي أيه، مش للدرجادي، أنا بس. مفتقدة نجاة أوي. حاسة ان فرحتي كانت هتكمل وهي جنبي…

كانت كل واحدة تشعر بأن هناك شيئًا ينقصها بغياب نجاة، و لكنهم حاولوا عدم إظهار الأمر أمامها حتى يفسحون المجال للفرحة بأن تزورها، لتفاجأهم بحزنها هي الآخرى، ليقتربن منها جميعهن، و يتعانقن بقوة، و النظرات الحزينة تأتي و تذهب بينهن، دون أي حديثٍ يُقال. ليأتيهم صوت صافية المستنكر من خلفهم:

ـ مالهم دول؟ هما بيلعبوا فتحي يا وردة و لا أي؟

استدارت الفتيات، ليجدوا كُلًا من صافية و سوزان التي ما أن رأت ملامحهن، حتى صاحت بلهفة:

ـ هما عاملين كدا ليه؟ محدش قالهم ان عندنا فرح باين؟ مالك منك ليها حصل ايه؟

هرولت شروق تندفع إلى أحضان سوزان، وهي تقول بحزن:

ـ مفتقدة نجاة اوي يا سوزي. كان نفسي تكون معانا…

ربتت سوزان على ظهرها بحنو تجلى في نبرتها حقن قالت:

ـ ان شاء الله هترجع تاني وسطكوا يا حبيبتي، و تفضلوا العمر كله مع بعض…

و رددت صافية بتمني:

ـ ربنا يحفظها، و يجويها، و نخلوص من الحلوف ده…

أخذت الفتيات تتجهز، و بدأت التحضير لعقد القِران في قصر الجيارة على قدمٍ و ساق، ليقف راجي كالتمثال تراه من الخرج صلبًا يوزِع الأدوار ثم يعود لجموده من جديد، ثم يمزقه بابتسامة مجاملة للمدعوين، سرعان ما تنمحي، و تعود ملامحه جامدة كالحجر مرة آخرى، و على النقيض كان شعوره من الداخل، فقد كان يذوب تحت وطأة الألم، و الخيبة، و الوجع الناجم عن انكسار قلبه، حالما علِم، بذلك الاتفاق بين عمه، و بين خالد على عقد القِران بهذه السرعة، كان يود لو يطول الأمر حتى يُشفى قلبه من لوعة عشقها، و لكن لم تشفق الحياة على وجعه، و لوعته، ولكنه قرر أن يتعامل و كأن قلبه لا تشتعل بداخله الحروب، ليلمح عمر الذي كان يقف بسيارته على مقربة من القصر، و بجانبه فتاة، لم يتعرف إليها، و لكنها كانت جميلة بالقدر الكاف الذي يجذب كامل انتباه أي رجل، و لكنه أدار رأسه إلى الجهة الآخرى حالما رأهم مقبلين عليه.

و على الناحية الآخرى انتهت الفتيات من تجهيز شروق، ليبدأن في تجهيز انفسهن، و كانت غنى أول من انتهت، لتشعر بأنها تختنق في الأعلى، فتوجهت الى الخارج، لاستنشاق الهواء الطلق، فلم تكُن تعلم بأنه قد جاء، فتوجهت إلى الحديقة الخلفية التي كانت مليئة بالورود و الأزهار الجميلة، فاسترعى جمالهم انتباهها، فلم تشعر بمن يراقبها من الخلف بأعيُن يلتمع بهم العشق، و الألم معًا، فقد ضاق ذرعًا من كل ما حدث معهم، يريد أن يحيا بجانبها بسلام، ولكن الجميع يقفون ضدهم. زفر بقوة وهو يقترب منها قائلًا بنبرة رخيمة:

ـ غريبة مكنتش أعرف انك بتحبي الورد للدرجادي؟

رجفة قوية اصابت عمودها الفقري حالما سمعت صوته خلفها، لتحاول السيطرة على مشاعرها و نبرتها حين قالت:

ـ محدش مابيحبش الورد.

كان يعلم أنها غاضبة، يائسة، و حزينة، وهو كذلك بل أكثر، فهو مُشتاق، و يجبر نفسه على التظاهر بعكس ذلك، و قد كان هذا أمرًا شاقًا، ولكنها ضاعفت شقائه حين قالت:

ـ أنا آسفة يا ياسر، عارفة انك مش عايز تفتح، و أنا كمان مش هفتح، لكن كان لازم اعتذرلك..

أمرًا إكثر من مؤلم لعاشق مثله أن يرى حبيبته في هذه الحالة من اليأس، و الإنكسار، الذي يأتي بقلبه جرًا خلفها دون النظر لكل ما يشعر به، ولكم قاوم بضراوة حتى لا يجذبها إلى صدره، ليبدد ذلك الألم البادٍ في عينيها و ملامحها، و بدلًا عن ذلك تحدث بنبرة متزنة:

ـ بتعملي كدا ليه يا غنى؟ بتسمحيلها تلعب بيكِ ليه؟

غنى بنبرة متحشرجة:

ـ عشان عندي مخاوف كتير اوي لسه مقدرتش اتغلب عليها، و هي عارفة دا.

ياسر بنبرة تعج بالمشاعر:

ـ و انا فين؟ قولتلك انا جنبك و هنعدي كل حاجة سوى…

غنى بسخرية مريرة:

ـ أنت مضمون يا ياسر هما لا

ياسر بعدم فهم:

ـ يعني أيه؟

تحشرجت نبرتها وهي تقول بابتسامة ساخرة:

ـ يعني انا عارفة انك جنبي، و مش هتسبني، لكن هي! كل مرة بتتخلى عني بسهولة، و انا لسه زي الغبية بتعلم فيها، السنة اللي بعدنا فيها غيرت حاجات كتير جوايا، خلت الحياة حلوة اوي في عيني، بس لما رجعنا، غصب عني رجعت اتعشم فيها تاني. 

صمتت تحاول التغلب على تلك الغصة القوية في صدرها، وهي تتابع بنبرة تفوح منها رائحة القهر:

ـ أنا كل مرة بتعشم في ماما، و بتخذلني…

تناثرت عبراتها، فسارعت بمحوها، وهي تتابع بنبرة مبحوحة:

ـ طول الوقت بحاول أسد النقص اللي عندهم من ناحيتي، و بدفع تمن اني مجتش ولد، الحاجة الوحيدة اللي ملت النقص دا في عنيها، اني اتجوزت الريس ياسر، و بقيت بنتها حييبتها، و انا عارفة كدا و قابله على فكرة. 

رفعت رأسها تطالعه بقهر يسود نبرتها حين تابعت:

ـ اه قابله. عشان دي أمي و بحبها. غصب عني مش بمزاجي، هتقولي عملتلك ايه هقولك أمي، هتقولي أذتك و بهدلتك و ذلتك، هقولك عملت نفسي ناسية كل دا، و بدأت معاها من جديد

أدارت رأسها، تغمض عينيها بقوة، فقد كان الألم يفوق طاقتها على الاحتمال، مما جعل نبرتها متهدجة:

ـ عشت احساس كان نفسي اعيشه اوي معاها، و ابقى البنت اللي سرها مع أمها، زي ما كنت بشوف صحابي زمان، طمعت، يا ياسر طمعت…

علت نبرتها حين هتفت بجملتها الأخيرة، لتتابع بنبرة ملتاعة:

ـ فكرت أني ممكن أعيش سعيدة بينكوا انتوا اللتنين، أعيش وسطكوا مبسوطة و مرتاحة، و في النهاية خسرتكوا انتوا اللتنين. ماهو الطماع لازم يخسر كل حاجة في النهاية..

لم يكن يتخيل حجم ما تمر به، و ذلك الثقل الذي تحمله في قلبها، و كل هذا الحزن الذي يجعلها ترتجف، و كأنها على وشك السقوط كورقة خريف، تحاول الصمود أمام رياح الوجع القاسية، ليقترب منها و يجذبها لتتوسط ذراعيه، فشعر بدقات قلبها المذعورة، و كأن الألم يطاردها في الداخل كشبحٍ مرعِب تخشاه و بقوة، فهتف بنبرة لهيفة:

ـ اهدي يا حبيبتي،  خلاص موضوع و انتهى، خدي نفسك يا غنى. 

أدارت الحروف ظهرها، فلم تجد ما يسعفها للرد عليه، فلاذت بالصمت، حتى ان عينيها حجبت تلك العبرات الغزيرة خلف ستار من الجمود الذي كان نتاجه ألمًا قويًا أصاب قلبها، فأغمضت عينيها بتعب، لينتفض قلب ياسر رعبًا عليها، ليصرخ بنبرة ملتاعة:

ـ غنى….

أجابته بنبرة خافتة:

ـ إنا كويسة. مش قادرة افتح عنيا بس….

حملها ياسر ليجلس على مقعدٍ قريب و هي بين ذراعيه، يمسد خصلاتها بحنو، في محاولة منه لتهدئة ذلك الوجع الثائر في صدرها….

♡♡♡♥︎♡

ـ أنت فين يا كمال؟

هكذا هتف خالد غاضبًاد وهو يوجه حديثه إلى كمال الذي أجابه، وهو يتوجه إلى أحد المباني المتهالكة: 

ـ أنا في مشوار كدا و جاي. مش هتأخر..

خالد مُحذرًا:

ـ كمال، قولتلك نعدي كتب كتاب عمر على خير. مش هنبقى احنا وهما عليه…

كمال بنبرة مُطمأنة:

ـ متقلقش يا خالد. كل حاجة هتبقى تمام، و أنا مش هتأخر…

أغلق كمال الهاتف، وهو يصعد الدرج، ليصل إلى الشقة المنشودة، فقام بدق جرس الباب، فمرت ثوانٍ قبل ان تقوم منه بفتح الباب، لتشهق بصدمة حالما رأته، فحاولت إغلاق الباب إلا ان كمال كان أسرع منها، و قام بوضع قدمه ليمنعها من اغلاقه، ثم قام بدفعه، فتراجعت هي إلى الخلف، ليدلف كمال الى داخل الشقة، على إثر استفهامها المرتجف:

ـ ان. أنت أيه اللي جابك هنا؟

كمال بأنفاس لاهثة:

ـ اللي عملتيه و مخوفك، و خلاكي تقفلي الباب عشان مدخلكيش. 

كانت تنتفض أمام عينيه بذُعرٍ أدهشه، مما جعله يقول باستنكار:

ـ أنتِ خايفة كدا ليه؟ هو أنا ماسكلك سكينة؟ أنا عايز اعرف منك ايه اللي حصل و مين اللي خلاكي تعملي كدا؟

أخذت تحرك رأسها يمينًا، و يسارًا وهي تقول بفزع:

ـ أنا معملتش حاجة، معرفش حاجة…

اقترب كمال خطوتين منها، لتتراجع على إثرهم خمس حتى خطت الى خارج الشرفة، وهي تسمعه يقول:

ـ اهدي، و اسمعيني أنا مش هأذيكي، و انتِ ميرضكيش ان آسيا تتأذي بسببك…

لمح وميض من الندم في عينيها ليقترب خطوتان وهو يقول بهدوء:

ـ اهدي و خلينا نتكلم…
كان على أعتاب الشرفة، وهي على بعد خطوة واحدة منه، ليتابع حديثه قائلًا:
ـ آسيا تستاهل منك كدا؟

هزت الفتاة رأسها بنفي، وهي تخفض رأسها خزيًا، ليتابع كمال بترقب:
ـ طيب خلينا نقعد و نتكلم، و متخافيش، أوعدك أني هحميكي من أي حاجة.

رفعت الفتاة رأسها تناظره بألم، سرعان ما تبدد ليتحول إلى فزع جعلها تصرخ بهياج:
ـ لا، ايعد عني أنت عايز مني أيه؟  ابعد عني..

اقترب كمال يحاول ابعادها عن السور،  فحاولت مقاومته،لتحذب نفسها بعُنف جعلها ترتد الى الخلف بقوة، لتفقد إتزانها، و تسقط من فوق الحاجز الحديدي للشرفة، لتقع ارضًا غارقة في دمائها، وسط ذهول كمال الذي كان ينظر إليها غير مصدق ما حدث في اللحظات الإخيرة، و لكن صوت صرخات الجيران انتزعه من بين براثن صدمته ليزج به في صدمة أقوى من سابقتها: 

ـ قـ.تلها، المجر.م قتـ.لها…


تعليقات