رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثالث والاربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يختر أحدٌ بإرادته المُضيَّ في دروب الصبر الموحشة، إنما كان هو الخيار الوحيد في وسط كل هذا الألم الذي يقتات على الروح؛ ففي كل دقيقةٍ تمرُّ، يلتقم جزءًا كبيرًا منها حتى صار رفيقًا دائمًا لا يملُّ منا ولا نعرف الخلاص منه، ولا يترك لنا متسعًا حتى لالتقاط أنفاسنا.
فالصبر ليس أن يهدأ الألم، بل أن يتعلم الإنسان أن يحيا به، وأن يجبر نفسه على تكميم صوت أوجاعه الصارخة بداخله، وابتلاع شكوى قلبه؛ ليس لأن الألم يمكن احتماله، بل لأن هناك كبرياءً لا يرتضي لنفسه أن ينكسر، ولا يقبل أن ينحني لأي وجعٍ مهما بلغ ثقله.
وكذلك لأن بعض الجراح لا نستطيع الاعتراف بها؛ فكيف للمرء أن يشكو خذلان من كان سندًا لهم طوال العمر؟ فرياح الوجع حين تأتي من الجهة الأقرب إلى قلوبنا تكون بمثابة موتٍ على قيد الحياة، وحينها يقع المرء في حيرةٍ مضنية؛ جزءٌ منه رافضٌ لهذا الوضع، وآخرُ غاضبٌ منه، فيظلُّ الإنسان يفتش عن أعذارٍ قد تخفف من حدة الوجع والصدمة.
ولذلك، نلجأ إلى الصبر الذي يجعلنا نخوض معاركنا بصمت؛ نبتلع جمر العتاب، ونحاول التأقلم مع قسوة مصابنا، وإسكات آلاف الكلمات التي تصرخ في داخلنا، ثم نمضي وكأن شيئًا لم يكن، بينما في أعماقنا نزيفٌ لا يتوقف..
والشيء الوحيد الذي يُبقي أرواحنا على قيد الحياة وسط كل هذا، هو ذلك الوعد الرباني: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾.. فاصبري يا روحي واصطبري؛ فغدًا تنقشع غيمة الألم، وتُمطر على جراحنا فتُزهر!
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أيه الجمال دا يا شروق؟ شكلك حلو توي
هكذا تحدثت جميلة وهي تنظر بانبهار إلى شقيقتها التي كانت ترتجف من فرط التوتر، لتقترب منها أشجان قائلة بحب:
ـ ما شاء الله يا شوشو، طالعه زي القمر..
شروق بحبور:
ـ ميرسي يا أشجان.. أنا متوترة أوي، بجد يا بنات جسمي حاسة اني مش عارفة اتلم على أعصابي…
تدخلت آسيا بحدة مفتعلة:
ـ ما تجمدي شوية يا بنتي، أنا ربيتك على كدا؟ مفروض يكون هو اللي متوتر دلوقتي..
ـ شوفي أنتِ تسمعي كلام الناس كلها إلا القادرة دي…
كان هذا صوت سوزان التي دلفت إلى داخل الغرفة عقب حديث آسيا مباشرةً، لتتعالى الضحكات على حديثها، و تتعاتبها آسيا قائلة:
ـ كدا يا سوزي! دانا الوحيدة اللي معايا كتالوج العيلة دي، تديهم على دماغهم يتعدلوا على طول..
شروق بتفكير:
ـ لا في دي عندك حق، هما مبيجوش بالطيبة أبدًا..
تعالي القهقهات لتقترب سوزان من شروق و تقوم باحتضانها بحنو بالغ، و هي تقول بحب:
ـ ربنا يهنيكي يا بنتي، و يسعدك ويجعل أيامك الجاية كلها حلوة زيك…
عانقتها شروق بقوة و هي تشعر بلسعة العبرات في عينيها، تأثرًا بحديث سوزان التي عوضتها غياب والدتها، و جعلتها تتغلب على شعور اليُتم الذي كان مريرًا كالعلقم، لتهمس شروق بنبرة متحشرجة:
ـ شكرًا عشان وجودك جنبي، و عشان كل حاجة حلوة خلتيني أحس بيها، و انك عوضتيني عن وجود ماما الله يرحمها…
عانقتها سوزان بحُب، و هي تتحدث بتأثر:
ـ ربنا يعلم انا بحبك قد أيه، ربنا زرع حبك في قلبي من أول لحظة شوفتك فيها…
اقتربت آسيا تعانق سوزان من الجانب الآخر وهي تشاكسهم قائلة:
ـ لا معلش عشان بغير، حبيني أنا لوحدي…
مازحتهم أشجان هي الآخرى قائلة:
ـ على فكرة سوزي بتحبني أكتر واحدة بس هي مش هتقول عشان متزعلوش..
شروق بتقريع:
ـ بطلوا نفسنة مني بقى.. سوزي قالتلي بيني و بينها انها بتحبني أنا راح منكوا..
آسيا بتهكم:
ـ بقولك أيه روحي شوفي القطر اللي متجوزاه و ابعدي عننا..
سخرت جميلة قائلة:
ـ شوفوا مين اللي بتتكلم! مرات الدبابة..
سخرت آسيا قائلة:
ـ و بلا فخر. تخيلي دبابة شكلًا و موضوعًا، و وقع في غرامي. دانا المفروض يدوني جايزة.
أشجان بتهكم:
ـ قصدك يدوله جايزة عشان متحملك..
آسيا بتهكم:
ـ عندك حق. تصدقي بقالي كام ساعة منكدتش عليه! في حاجة نقصاني بجد… أكيد زمانه مفتقدني…
قطع حديثهم صوت طرق على باب الغرفة، فتوجهت آسيا لتفتح، فوجدت عمر أمامها، فتجعدت ملامحها وهي تقول بسخافة:
ـ نعم…
اغتاظ عمر من طريقتها، فهتف ساخطًا:
ـ أيه نعم دي؟ و أنا جاي أشحت منك! أنا ليا خطيبة جوا..
تشدقت ساخرة:
ـ خطيبة! أنت اتحدفت علينا من أنهي حقبة زمنية؟!
عمر بتهكم:
ـ من نفس الحقبة اللي جوزك جاي منها، ألا هو فين صحيح؟ مشوفتش خلقته يعني؟
آسيا بتوجس:
ـ أيه دا هو مش تحت؟
عمر بترقب:
ـ لا لسه مجاش، المهم، سوزي جوا صح؟
آسيا باستفهام:
ـ أه، ليه؟
بادلها الاستفهام بآخر:
ـ عايزة تخدميها؟
آسيا بلهفة:
ـ أكيد، قولي في أيه؟
شاكسها قائلًا:
ـ مش قايلك، دقيقتين و طلعيها بره…
اغتاظت منه آسيا، لكنها رأته يتراجع الى الخلف، لينضم إلى خالد القادم و بجانبه ياسر و خلفهم يزيد، لا تعلم لما شعرت بالقلق، لعدم وجوده، و كأن هناك شيئًا ناقص لا يكتمل بدونه، فحاولت الاتصال به، ولكن لم يأتيها رد، ليتعاظم القلق بداخلها أكثر، و لكنها حاولت التعامل بصورة طبيعية، فاقتربت من سوزان لتقول بتوتر:
ـ سوزي عايزاكي بره، ممكن؟
سوزان باستفهام:
ـ مالك يا حبيبتي في حاجة؟
ـ حاولت اغتصا.ب ابتسامه على ثغرها وهي تقول بنفي:
ـ لا مفيش حاجة..
خطت سوزان خلفها، لتفتح آسيا الباب، فوقعت عينيها على خالد الذي كان ينوي طرق الباب، فما ان رأته آسيا حتى أدارت وجهها إلى الجهة الآخرى، فلاحظ فعلتها ليبتسم بخفة، قبل أن يقترب من سوزان قائلًا بتهكم:
ـ قلبك أسود أنتِ يا سوزي..
ابتسمت سوزان على حديثه، ليتابع قائلًا بنبرة حانية:
ـ في حد نفسه يشوفك أوي…
سوزان بعفوية:
ـ مين يا حبيبي؟
تراجع خالد لتنظر سوزان الى تلك الفتاة الجميلة ذات الشعر الأشقر، و الجسد النحيل، بعينيها الزرقاء التي تشبه
سماء صافية علِقت في أفقها غيمات الحيرة التي تركت بصماتها على بشرتها الشاحبة، و جعلت الرجفة تجتاح جسدها الذي سكن فجأة حين رأت تلك السيدة ذات الوجة البشوش و الضحكة الصافية، و تلك العينين اللتين يجتاحهم طوفان من الحنان الجارف، القادر على بث الطمأنينة في النفوس بدون أدنى مجهود..
توقفت أنفاس الفتاة للحظة وهي تحدق في سوزان، وكأن عينيها تحاولان أن تتأكدا أن المرأة الماثلة أمامها ليست صورة قديمةً حفظتها في الذاكرة حتى بهتت ملامحها. بل حقيقة متجسدة أمامها، فقد تراكمت بصدرها سنواتٌ كاملة من الشوق والحرمان، جميعها تتزاحم الآن دفعةً واحدة حتى عجزت عن انتزاع كلمة واحدة من بين شفتيها. كانت تريد أن تبكي، أن تقترب، أن تلقي بنفسها في أحضان والدتها، لكنها ظلت واقفةً مكانها، مرتبكةً أمام حقيقة انتظرتها طويلًا، فوالدتها التي عاشت عمرًا كاملً تتخيل كيف يكون دفء ذراعيها أصبحت الآن على بُعد خطوةٍ واحدة منها.
توسعت حدقتي سوزان من فرط الصدمة، و اهتاجت دقات قلبها، و هي ترى طفلتها الحبيبة التي انتُزِعت من بين يديها، و هي طفلة صغيرة و تركت مكانها جمرٍ مُشتعِل لم تنطفيء جذوته بمرور السنوات…
ـ خا. خالد. أنا. أنا مبحلمش صح؟
هكذا همست سوزان بأنفاس مقطوعة، وهي لا تصدق أنها تراها حقيقة تتجسد أمام عينيها، لكن إجابة خالد كانت قاطعة حين قال بنبرة خشنة يغلب عليها التأثر:
ـ طبعًا صح، حبيبتك قدامك يا سوزي، مستنية أيه عشان تحضنيها؟
علت شهقاتها، و اندفعت العبرات من مقلتيها بغزارة، وهي تلقي بعصاها، و تفتح ذراعيها، و تصيح بنبرة ملتاعة:
ـ بنتي…
ارتجف جسد الفتاة بقوة، فقد عانت الأمرين في غياب أمها، ذلك الغياب الذي لم يكن يشبه الموت يُبكي الإنسان مرة ثم يرضى به كمصير حتمي انعدمت محاولة تغييره، بل كان وجعًا ممتدًا كجرحٍ لا يلتئم، فوالدتها كانت على قيد الحياة، بينما عاشت هي عمرها بأكمله محرومةً من دفء ذراعيها، كغصنٍ حُكم عليه أن ينبت بعيدًا عن جذره، حتى صار اللقاء بها الآن أشبه باسترداد جزءٍ من روحها ظل مفقودًا لسنوات، كانت تطوى الآن مع كل خطوة تخطوها للإرتماء بين أحضان والدتها، التي تلقفتها بذراعين تحملان شوق العالم أجمع، لتتعالى نهنهاتها، و هي تهتف:
ـ بنتي، بنتي حبيبتي، و نور عيني….
كان لقائهم مؤثرًا، للحد الذي أدمع اعيُن الموجودين، لتقترب أشجان من آسيا و تتعانق الشقيقتان، فكلاهما لم يتذوقا مثل تلك المشاعر من قبل، و لكنهما بالرغم من كل شيء كانوا يشعرون بالسعادة لأجل سوزان التي تراجعت الى الخلف تحتضن وجه أبنتها بين كفوفها الحانية، تمرر عينيها فوق ملامحها بشوقٍ جارف، تغلغل الى نبرتها وهي تقول:
ـ قلبي مش مصدق أني شيفاكي قدامي، نور، سمعيني صوتك، ناديني باسمي، قوليلي ماما، قوليلي انك حقيقة بين إيديا، و اني مش بحلم…
لم يُشبِعها ذلك العناق، و لم يروي ظمأها، لذا خرجت الكلمات متلهفة من بين شفتيها حين قالت:
ـ وحشتيني أوي يا ماما..
ارتج جسد سوزان إثر تلك الكلمات التي انحفرت في قلبها، لتجذبها الى أحضانها، و هي تقول بلهفة:
ـ يا نور عيني ماما….
اللهم لا تجعل للحزن في قلبي مقامًا، ولا للهم في صدري سلطانًا، واملأني برضاك حتى أطمئن، وبقربك حتى أستغني، وبرحمتك حتى يهدأ قلبي❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ اسمعني يا حيدر، رحيم الوتيدي مش سهل، و لا حد يجدر يعرِف هو بيفكِر في أيه، و لو دخل عليك موضوع أنه عايز يتجوز بتك ده، مدخلش عليا اني، فخليك حويط عشان المعلوم المرة دي كبير جوي، والمقبرة دي غير أي مقبرة فتحناها جبل اكده، و مينفعش الحكومة تشم خبر عنيها…
كان هذا صوت رماح المليء بالشر، و الذي ينطق بالكثير من التحذيرات، ليجيبه حيدر علي الطرف الآخر:
ـ أني عارف ان رحيم مش سهل، لكن ابجى غبي، لو جه يطلب يد بتي و ارفضه، اللي بيني و بينك حاجة، و اللي ظاهر للناس حاجة تانية، و نسب الوتايدة جدام الناس كلاتها يشرِف، و عشان أكون صريح أكتر جوازه من هنية بتي هينفعني في الأنتخابات، و لو ركزت هتلاجيه هينفعك أنت كمان، بس أنت اللي معرِفش مالك اليامين دول، دا غير أنه هو اللي جدر يقنع عامر الجيار، أنه يأجرلي الأرض..
رماح بريبة:
ـ اني عارف كلات ده، لكن بردك مش مرتاح، و لازمن أتوكد أن مفيش حاجة بتحصول من ورا ضهري… هو جاي حداكوا النهاردة، عايزك تحدد معاه معاد الفرح، و تخليه في أجرب وجت. و لو هو شاري صوح، و دي مش لعبة يوبجى هيوافج…
حيدر بتفكير:
ـ ماني بردك معايزش اكون برخص بتي، و بعدين أنت جلجان اكده ليه؟ محدش يعرِف الشغل اللي بيناتنا.. يعني احنا في السليم…
رماح بغموض:
ـ بردك لازمن أتوكد… اعمل اللي جولتلك عليه، و حدد معاه على الأقل معاد كتب الكتاب، لما نشوف هيعمل أيه…
أنتهت المكالمة، التي كان يستمع إليها كلًا من رحيم الذي نظر أمامه بحنق، و الضابط محمد الذي بدأ بالحديث قائلًا:
ـ أنا عارف ان اللي هقوله دا هيضايقك يا عمده. بس لو حيدر فعلًا طلب منك تعجله بكتب الكتاب، انت مينفعش تقوله لا، كدا تبقى هتبوظ كل شغلنا..
تجعدت ملامح رحيم بغضبٍ عارم طغى على نبرته حين قال:
ـ كلا أيه اللي عتجوله دا يا حضرة الظابط؟ متفجناش على جواز.
محمد بتعقل:
ـ الحرب اللي احنا فيها مفهاش قوانين يا رحيم، و انت سمعت بنفسك، رماح شاكك فيك، و أكيد مش هيكتفي بموضوع كتب الكتاب دا عشان يتأكد انك متعرفش حاجة عن اللي بينه و بين حيدر.
رحيم بقلق:
ـ ده اللي قالقني، خايف الكلب ده يحاول يستغل نجاة عشان يتوكد أن كل حاجة ماشية طبيعي..
محمد بتفكير:
ـ هو على الأغلب هيعمل كدا، رماح مبيثقش في حد، و بنته مش استثناء، بالإضافة لأنه عايز يستخدمها ضدك، اعتقد انه هيستغل موضوع كتب الكتاب دا عشان يكرهها فيك، و يدفعها أنها تطاوعه في الانتقام منك…
ضرب رحيم على الطاولة بعُنف، وهو يقول بحدة:
ـ عارف، و متوكد انه هيعمل اكده، بس لو همشي في الطريج المنيل ده، لازم أرسي نجاة على الوضع.
محمد بتحذير:
ـ مش مضمون تعرف توصلها قبل ما تتفق مع حيدر.. النفس هناك بحساب أنت عارف كدا..
هتف رماح ساخطًا:
ـ ازاي ده؟ أومال صفا دي هناك بتعمل أيه؟
محمد بصرامة:
ـ صفا هناك في مهمة رسمية يا رحيم، و مش هجازف بسلامتها، و لا بنجاح المهمة عشان اي حاجة، صفا بتتجهز للموضوع دا بقالها أكتر من تلت سنين، عشان تقدر تدخل بيت رماح، مينفعش اضيع كل اللي عملناه، و خلي بالك طول ما صفا هناك، أنت ضامن ان نجاة في أمان، احمد ربنا أنها قدرت تدخل البيت في التوقيت اللي راحت فيه نجاة هناك..
كان يعلم بأنه مُحق، و لكنه لم يكن يريد أن يُعرضها لهذا الأذى النفسي، و لو للحظة واحدة، و أيضًا لا يضمن بالضرورة ان تتقبل حدوث هذا الأمر مما جعله يقول بيأس:
ـ اني عارف كل اللي عتجوله ده، بس بردك معيزش احطها في الموجف ده…
محمد بطمأنة:
ـ هنحاول نوصلها الموضوع دا إذا هي مفهمتش من نفسها، كونك بقى شايل هم أنها متتقبلش دا، فدي حاجة مش في ايدينا، احنا مجبرين على كدا يا رحيم، مش هينفع نضيع كل اللي وصلناله، في بنات كل يوم بتروح ضحية للكلب دا و المافيا اللي وراه، احنا لحد دلوقتي موصلناش لمكان الوكر، هنستنى أكتر من كدا أيه؟
أطلق رحيم أنفاسًا ساخنة من عمق الحرائق الشاعلة بصدره، و هو يستمع الى تلك الحقائق التي يعرفها جيدًا، كما يدرك خطورة ماهم مقبلين عليه، و لكن قلبه لا يرتضي لها الألم، بالرغم من كل شيء…
اللهم ارزقني رزقًا واسعًا طيبًا مباركًا فيه، يأتي إليّ من حيث لا أحتسب، وبارك لي فيما ترزقني، واكفني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمّن سواك. اللهم افتح لي أبواب رزقك وتوفيقك، ويسّر لي أمري، واقضِ حاجتي، وحقق لي ما أتمنى إن كان فيه خيرٌ لي، واصرف عني ما فيه شر، واجعل رزقي سببًا لسعادتي وراحتي وقربِي منك. يا رزّاق، ارزقني فوق ما أرجو، وأكرمني فوق ما أستحق، ولا تجعل في رزقي مشقةً تُتعب قلبي، ولا حرمانًا يكسر خاطري. ❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ بقولك أيه؟ أنت تقعد معايا تفاتح عمها في الموضوع بدل ما أبوظلك الجوازة..
هكذا تحدث يزيد الى عمر الذي كان ينتظر قدوم شروق من الأعلى، بفارغ الصبر، لينظر الى يزيد بحنق تجلى في نبرته حين قال:
ـ طيب يا بومة، هخلص ليلتي، و اتنيل أكلمهولك..
يزيد بجفاء:
ـ و اضمن منين انك متغدرش؟ دا أنت وتيدي مأصل يعني مضمنكش خمس ثواني على بعض
عمر بسخط:
ـ يا مصبر الوحش عالجحش…
صاح يزيد بلهفة:
ـ وحش! ازاي مجاش في بالي؟ دا هو دا اللي هيخلصلي الليلة في قاعدة. و لا الحوجة لأمثالك…
لم يكن عمر يستمع إليه، إنما كان يقف مبهوتًا بجمال هذه الفاتنة التي خطفت قلبه، و أستأثرت بجميع حواسه، و هي تهبط الدرج متأبطه ذراع عمها، تجر ثوبها الأبيض الرقيق، و هي تتوجه إليه بملامحها الجميلة التي يزينها الخجل، و يتوجها خصلاتها الحريرية السوداء التي تتهادى خلفها بنعومه تثير الجنون بدقات قلبه، فكل ما بها رائع، و الأروع من كل هذا أنها بالرغم من بساطتها إلا أنها استطاعت نسف تلك النسخة المشوهه بداخله، و أجبرته على الإنحناء لطوفان العشق، و مقاومة كبريائه المتغطرس، تاركًا العِنان لمشاعره بالتحرر من جميع القيود، فمن ينظر الى عينيه الآن يدرك كم أن هذا الرجل واقع بالعشق حتى أذنيه
ـ مبروك يا ضكتور. ربنا يتمم على خير ..
كان هذا الصوت الوقور الخشن لعامر الجيار لينتزع عمر عينيه بصعوبة من على شروق، ليجيبه بأنفاس متهدجة:
ـ الله يبارك فيك يا حاج عامر. و متقلقش على شروق دي في عنيا و قلبي..
عامر بلهجة تجمع ما بين التحذير، و المرح:
ـ لا مش جلجان، انت اللي لازمن تجلج مني لو فكرت تزعلها في يوم…
سخر يزيد قائلًا:
ـ كبسة بالألوان..
اغتاظ عمر منه، و لكنه نظر الى عامر و قال بتملق:
ـ كل حاجة مقبولة منك والله، ممكن بقى عروستي، و لا انا بكفر عن ذنوبي، و لا ايه مش فاهم؟
عامر بتحذير:
ـ لاه يا حلو، لما نكتب الكتاب اللول، يالا المأذون مستنيك….
كز عمر على أسنانه بحنق، و هو يراها تتوجه برفقة عمها الى طاولة عقد القِران، ليتمتم من بين أسنانه:
ـ لا أنا كدا بتعلم الإدب رسمي….
كانت آسيا تشعر بالقلق، و لكنها حاولت التظاهر بعكس ذلك، لتقترب منها أشجان قائلة باستفهام:
ـ مالك؟ وشك مقفول ليه؟ اتخانقتي مع كمال و لا أيه؟
آسيا بجمود:
ـ لا مفيش حاجة.
لازالت تشعر بالقلق عليها، مما جعلها تستفهم قائلة:
ـ طيب حصل حاجة بينك و بين ميرهان؟ استغربت النهاردة لما لقيتها بتنادي عليكي، و احنا خارجين…
صمتت آسيا تسترجع ما حدث صباح اليوم
عودة إلى وقتٍ سابق
كانت في طريقها مع الفتيات ليفاجئن شروق لتستمع الى اخر صوت توقعت ان يناديها، و الذي كان يعود لميرهان، مما جعل آسيا ترفع احد حاجبيها إندهاشًا، لتقترب ميرهان منها، وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ هو احنى ممكن نقعد نتكلم شوية؟
آسيا بجفاء:
ـ الحقيقة أنا مش فاضية، رايحة مشوار مع البنات، في حاجة؟
ميرهان بحرج:
ـ انا مش هعطلك، هما كلمتين، و هسيبك تمشي على طول..
كان الفضول يقرضها من الداخل، لمعرفة ماذا تريد، لكنها تعاملت و كأن الأمر لا يعنيها، لتقول باختصار:
ـ أوك. سمعاكي…
ميرهان بنبرة هادئة قوية:
ـ أنا اسفة على كل اللي عملته فيكِ،،
أن يصل الإنسان إلى تلك النقطة التي يقف فيها أمام ذنبه عاريًا من كل الأعذار التي كان يتخذها ذريعةً لأفعاله الطائشة، و أن يصبح قادرًا على أن إبصار مدى فداحة أخطائه، و الشعور بالخجل منها فهذا يعني أنه انتصر على نفسه التي تأمره بالسوء إنتصارًا ساحقًا بل و أن تلك المرحلة التي وصل إليها هي ذروة النضج والتصالح مع النفس، وخاصةً حين يدرك أن الاعتراف بالذنب شجاعة لا يملكها إلا من استطاع التوقف عن تبرئة نفسه على حساب الحقيقة، و ذروة النضج هي حينما يعرِف الإنسان أن الاعتذار ليس مهانة، بل هو قمة القوة، قوة المرء في الإنتصار على غرورٍ أهوج كاد ان يهلكه لولا انه استطاع ردعه، وكانت هي قد بلغت تلك المنزلة، فلم يكن اعتذارها انحناءً أمام عدوتها اللدودة، بل كان انتصارًا على نفسها القديمة، و دليل صادق على أنها لم تعد بحاجة إلى القسوة كي تثبت أنها قوية.
تأججت أحجار الزبرجد في عينيها، وهي تنظر إلى ميرهان، و كأنها تحولت الى كائن فضائي، فلم تكن تصدق ما سمعته أذنيها، مما جعلها تقول بذهول:
ـ نعم…
سحبت ميرهان نفسًا قويًا قبل أن تقول بجمود:
ـ أنا عارفة انك مش مصدقة أني واقفة بعتذرلك، بس أنا قررت أبدأ حياتي صح، و وقفت قدام كل أخطائي، و عرفتها، و عاهدت نفسي اني معملهاش تاني، و من ضمن الأخطاء دي اللي عملته فيكِ، مش هقولك انك كنتي بتستفزيني، لأن حتى لو استفزتيني، دا ميبررش كل اللي عملته فيكِ، أنا أسفة للمرة التانية، أتمنى ييجي يوم و تسامحيني.
لامست الصدق في حديثها، خاصةً وهي تراها بصورة لم تعهدها منها من قبل، فلم يكن هناك أي سخرية في عينيها، و لا حتى تعالي في نبرتها، بل هدوء، و اسف حقيقي، لكننا لا نملك مفاتيح القلوب، و لا نستطع محو جراحها، و إزالة تلك الندوب التي شوهتها بمجرد كلمات، نحتاج لأن نهدأ، و نتنفس بعمق حتى نفسح المجال للسكينة ان تغمرنا من جديد، اكتفت آسيا بعملة واحدة كانت كل ما استطاعت قوله:
ـ معرفش اذا كنت هقدر أسامحك ولا لا، بس الأكيد اني مبقتش بكرهك..
نصف ابتسامة ارتسمت على ثغر ميرهان وهي تقول:
ـ دا كفاية أوي، انا مش بطلب منك نبقى أصحاب، بس على الأقل منبقاش أعداء، و لازم تكوني عارفة اني لو رجع ييا الزمن استحالة هفكر أأذيكي، و لا أعمل اللي عملته دا…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ دا حوار كدا هبقى أحكيهولك بعدين، كبري دماغك….
أشجان بحنو:
ـ أهم حاجة متبقيش متضايقة…
ابتسمت آسيا بحُب:
ـ مفيش حاجة هتقدر تضايقني طول ما انتِ جنبي..
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.»❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
كانت تجلس أمام التلفاز ولكن عقلها في مكانٍ آخر بعيد كل البعد عن هذا الواقع الذي بتنافى مع أحلامها الجامحة، و التي جميعها تتمحور حول رجل واحد يُدعى "خالد الوتيدي" ذلك الرجل الذي كانت تمقته في السابق نظرًا لتسلطه، و قسوته، و جفاءه، كل تلك الصفات كانت تجعلها تنفر منه، و المثير للدهشة أنها هي نفسها الصفات التي جعلتها تقع في عشقه، و هي ترى فيه ذلك الرجل الذي استطاع انتزاع قلبها من مكانه، خاصةً حين رأت ذلك الجانب الآخر من هذا الرجل الفظ، المتغطرس، حين يتحول الى عاشق مع تلك المرأة التي لا تليق برجلٍ مثله، رأت كيف ينظر إليها و كأنها أثمن شيء يملكه في هذه الحياة، كيف يهتم إليها، و يعاملها كملكة متوجة، بينما هي أقل بكثير من أن تحظى برجلٍ مثله..
زفرت بقوة، وهي تتذكر ما حدث عصر البارحة عند المقابر
عودة إلى وقتٍ سابق
توقفت سيارة الأجرة التي تستقلها أمام مقابر عائلة الوتيدي، لتترجل منها زينة، فقد كانت تريد استغلال هذه المناسبة، للتقرب منه و خاصةً في وجود رنا، و لكن المفاجأة الكبرى حين توقف أمامها الحرس، يمنعها من دخول المقابر، لتهتف بحدة:
ـ أوعى من وشي، انت مجنون؟ دا قبر أختي، و اللي جوا دول بنتها و جوزها…
اقترب عابد من زينة، و هو يقول باحترام:
ـ زينة هانم، من فضلك بلاش تغلي صوتك، دي أوامر خالد بيه أن محدش يدخل غير لما يطلعوا، و انا اديتله انك حضرتك بره، و هو طالع حالًا…
ـ في أيه؟
تراجع عابد الى الخلف ليتقدم خالد الذي كانت ملامحه متجهمة، وهو ينظر إلى زينة التي كادت ان تنفجر من شدة الغضب الذي تغلغل الى نبرتها وهي تقول:
ـ أنت فعلا أمرت الحرس ميدخلونيش المقابر؟
أشار خالد إلى عابد الذي استدار مغادرًا، ليستفهم خالد بجفاء:
ـ مين قال كدا؟
زينة بحدة:
ـ الحارس، منعني أدخل.
خالد باقتضاب:
ـ الحارس ممنعكيش تدخلي، هو قالك تستني لحد ما نطلع احنا.
زينة باستنكار:
ـ أيوا يعني أيه؟ ليه مدخلش معاكوا؟ هو انا غريبة! سهام دي أختي انا مش فهماك…
باغتتها إجابته التي كانت كالبارود الذي تفجر بصدرها حين سمعته يقول بجفاء:
ـ باختصار عشان أشجان جوا، و وجودك أكيد هيضايقها..
بهتت ملامحها من حديثه، و شعرت بألمٍ عارم يجتاح قلبها حتى شاب نبرتها وهي تقول:
ـ نعم! وهي ايه اللي جابها؟
قاطعها بقسوة أفزعتها:
ـ ميخصكيش..
ـ خالد هو انا ممكن أعرف أنت بتعاملني كدا ليه؟ أنا حاسة انك بتعاقبني، ومش فاهمة بتعاقبني على أيه؟
خالد بنبرة جافة مقتضبة:
ـ فين العقاب دا؟ انتِ متخيلة انك لو غلطتي، هيبقى دا عقابي ليكِ؟ طيبة أنتِ أوي…
كانت ملامحه غاضبةً، متجهمة، يعتليها جمود مهيب يجعل النظر في عينيه أشبه بمحاولة قراءة السماء قبيل العاصفة، فلا هي تدرك أتمطر غضبًا أم لأن غيمات الحزن أثقلتها. كانت الظنون تتقاذفها دون رحمة، والاستفهامات تعصف برأسها ترى هل هو غاضب؟ أم أن وراء ذلك السكون وجعًا لا يريد لاحدٍ أن يراه؟ أو كليهما؟ و هل كانت هي من أوقدت في صدره هذا الغضب؟ و الذي يضاعف من أرتباكها ليس غضبه فحسب، بل عجزها عن النفاذ إليه، و رؤيه ما بداخله، فهذا الرجل الذي طالما عرفت تقلباته، بدا أمامها الآن كقلعةٍ منيعة أُغلقت أبوابها جميعًا، فلا نافذةً في ملامحه تُطل منها على ما يعتمل خلفها. حتى عينيه، اللتين كانتا اليوم جامدتين كأنهما أقسمتا ألا تمنحاها جوابًا، و تلك الهيبة التي تحيط به تزيد حيرتها ضلالًا، فلا تدري هل هي السبب في جعل الخوف يتغلغل الى قلبها؟ أم هي افعالها التي ترتعب من ان يعرفها هي من تجعلها ترتجف أمامه بهذه الطريقة؟
قمعت جميع شعورها خلف هذا الضعف الذي غلفت به نبرتها وهي تقول:
ـ أنت بتقولي كدا ليه؟ انا مش حاسة أني واقفة قدام خالد اللي أعرفه طول عمري، أنت بتبصلي كأني عدوتك…
و كأنه جدار من الفولاذ لا يتزحزح عن موقفه، و لا تهتز ملامحه، فقط نبرته التي زاد جفائها الذي كان تنبض بالقسوة، و التحذير حين قال:
ـ اني ببص في وشك، دا معناه أنك لسه مبقتيش عدوة، فخلي بالك عشان انا مبشوفش أعدائي، أنا بقتص منهم بس..
عودة إلى الوقت الحالي
كاد رأسها أن يُجن، وهي تبحث عن الأسباب خلف حديثه الشائع هذا، فلا يمكن ان يكون قد علِم أي شيء مما فعلته، فلماذا يتعامل معها بهذه الطريقة؟ من المؤكد أن تلك المرأة هي السبب..
أخرجها من شرودها رنين الباب، فنهضت لمعرفة من الطارق، لتتفاجيء بنبيلة تقف أمامها و عينيها تحملان أطنانًا من الكره، الذي شاب نبرتها حين قالت:
ـ تخيلت لما أجيلك هلاقي خالد معين تحت بيتك حرس عشان يحموكي، بس أتفاجئت ان مفيش حد، تقريبًا عرف انك أقل بكتير من أنه يعملك قيمة…
اشتعلت شرارة الغضب في داخل زينة التي حاولت إخفاء مشاعرها وهي تقول ساخرة:
ـ خالد لا يمكن حد يتوقعه، و الدليل ان جوزك جه أربع مرات عشان يشوفني و معرفش يطلع، تفتكري ليه؟
غلت الدماء في عروق نبيلة التي صاحت بغضب:
ـ و كمان بتقولي كدا في وشي، دانا اللي جبتك و دفعتلك ديونك بعد ما اهل جوزك رموني زي الكلبة، يا حقيرة، يا خطافة الرجالة…
زينة بنبرة ذات مغزى:
ـ أكون خطافة رجالة، أحسن ما أكون قتالة قتلة…
صاعقة مُباغتة ضربت جسد نبيلة حين سمعت حديث زينة، التي أخذت تدور حولها، وهي تشن على أعصابها هجومًا منظمًا:
ـ تخيلي يا بلبلة، مش انا عرفت ان خالد كان في الشرقية من يومين و تحديدًا في كفر (...) بيدور على بنت خدامة كدا، كانت بتخدم عندكوا في القصر لما سهام الله يرحمها كانت عايشة، و فجأة، و بعد ما ماتت سهام البنت مشيت، و محدش يعرف راحت فين؟ تفتكري خالد بيدور عليها ليه؟
انسحب اللون من وجهها وهي تستمع الى حديث زينة الذي إن كان صحيحًا، فهذا يعني بأن هلاكها يلوح بالآفاق، ازدردت ريقها بصعوبة، و تزاحمت الأنفاس بصدرها، لتستغل زينة حديثها، لتقف خلفها مُباشرةً، و تهسهس بفحيح بجانب أذنها:
ـ يمكن سرقت منه حاجة؟ أو مثلًا كانت شاهدة على حاجة؟ جريمة قتل مثلًا…
فزعت نبيلة من حديثها الذي لم تعد تحتمله، لتصرخ بفزع:
ـ أخرسي…
توقفت زينة أمامها تنظر الى فزعها بسعادة، لتقول بتخابث:
ـ ليه بس؟ الحق عليا أني بنبهك! بسدد ديني، مش انتِ بردو اللي جبتيني و دفعتيلي ديوني بعد ما أهل جوزي رموني….
كزت نبيلة على أسنانها، وهتفت بحدة:
ـ انتِ عرفتي منين أن خالد بيدور على البت الخدامة دي؟
زينة بنبرة مغلولة:
ـ عرفت من مكان ما عرفت، اعرفي بقى اني مش هسيب تار أختي، و هخده من عنيكي، بس متقلقيش، انا هخلي خالد يطلق أشجان زي ما اتفقنا، أنا عارفة انك مش هتكوني موجوده عشان تشوفيه بعينك وهو بيطلعها من القصر على الحارة اللي جت منها، و عشان كدا حبيت أفرحك…
كادت نبيلة أن تجن من حديث تلك المرأة لتصرخ بعُنف:
ـ أيه يا تعبانه، و أنا اللي كنت مستهونة بيكي، و مفكره اني ممشياكي اتاريكي عماله تخططي من ورايا، و ياترى عز كان أيه دوره في التمثيلية دي؟
زينة بسخرية:
ـ عز دا كان أول مسمار دقيته في نعشك، بصراحة كنت في قمة سعادتي، و أنا شيفاه بيمرمطك و يهينك قدام الكل… شكلك كان زي القمر وأنتِ بتتهاني…
احترقت كل ذرة تعقل بداخلها، لتنقض على زينة بكل ما يعتمل بداخلها من غضب وهي تصرخ:
ـ أنا يا زبالة تعملي فيا كدا. والله لهخلص عليكِ زي ما عملت في أختك..
ولكن زينة كانت اسرع، فلم تدعها تقترب منها إنما أمسك بذراعها لتلويها بعُنف وهي تقول بوعيد:
ـ النمرة غلط يا نبيلة هانم، الشويتين بتوعك دول يتعملوا مع أشجان الهبلة، إنما أنا لاااا.
كانت تتلوى من الألم، وهي تحاول تخليص نفسها من يين يدي زينة وهي تصرخ بوجع:
ـ سبيني يا حيوانة…
زينة بقسوة:
ـ مش قبل ما تعرفي اللي نويالك عليه، لو موصلتكيش تقتلي نفسك بإيدك، هخلي حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك، دا غير طبعًا اللي خالد هيعمله فيكِ…
أنهت جملتها و قامت بدفع نبيلة التي كانت كل خلية بها ترتجف ألمًا، و ذعرًا، فلم تعد تستطيع التحكم في قدميها لتستند على الحائط، فإذا بزينة تسخر منها قائلة:
ـ لا اجمدي كدا، معقول هتروحي تحضري فرح ابنك، و أنتِ في الحالة دي؟
تخشب جسد نبيلة لثوان، تحاول استيعاب الحديث، لتتقدم زينة و تقف أمامها وهي تقول بتشفي:
ـ اه صحيح، ما أنتِ مش معزومة للأسف، تقريبًا الدكتور عمر يا مستعر منك، يا قرفان! عمومًا يعني، هو دلوقتي بيتجوز شروق، بنت عمته. عقبال ما تفرحي بهايدي، و لا تلاقيها هي كمان شافت حالها من وراكي…
اللهم إني أسألك راحةً لقلبي، وسكينةً لنفسي، وفرجًا لهمّي، اللهم أخرجني من ضيق التفكير إلى سعة رحمتك، ومن ثقل الحزن إلى خفة الطمأنينة، وأبدل خوفي أمنًا، وحزني فرحًا، وتَعَبي راحةً، وقلقي يقينًا. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، واملأ قلبي بك حتى لا يبقى فيه متسعٌ لما يؤذيني.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ بارك الله لكما، و بارك عليكما، و جمع بينكما في خير…
هكذا تحدث المأذون، يعلن عودة الروح التي فارقته ذات يوم؛ والآن، رُدت إليه. هل تعلمون ما شعور من تُردّ إليه روحه بعد طول غياب ؟ إنه شعور غريق لامست أقدامه اليابسة بعدما أيقن الغرق، لكنه أمام عينيها نجا.
نهض من مجلسه بروية، وعيناه تستقران على روحه التي عادت، عودةً تشبه رجوع غريبٍ إلى وطنٍ لم يتوقف قلبه يومًا عن الحنين إليه. لم تكن عودتها مجرد رجوعٍ إلى رجلٍ أحبته، بل عودةً إلى ديار ظلت قائمة في أعماقها، مهما طال الفراق. و مهما حاولت إنكارها، لكن قلبها العنيد ظل متمسكًا بها، و به، ذلك الذي تجاهل وجود الجميع و عبر وسط جميع الحاضرين، و توجه إليها، و كأن المكان أصبح خاليًا إلا منهم، ليتوقف أمامها مباشرةً، ينظر إلى داخل عينيها، و قلبه العاشق لا يملك السيطرة على دقاته الهادرة بعنفٍ داخله، لتتهدج نبرته حين قالت:
ـ أخيرًا رجعتي لحضني تاني؟
لأول مرة تسرق الفرحة أنفاسها، و تجعلها تشعر بأنها نبت لها جناحان يحلقان بها في سماء السعادة التي اختصرها قلبها في هذا الرجل التي كانت عينيه تلتهمان حسنها بنهم جعل الورود تنبت فوق خديها خجلًا ليخرج صوتها هامسًا حين إجابته:
ـ أخيرًا يا عمر…
ـ يا روح قلب عمر…
هكذا أجابها بلهفة عاشقة، ولكنها لم تتوقع ان يبلغ جنونه الى هذه الدرجة، حين اندفع يعانقها، بقوة ثم يحملها و يدور بها في أرجاء المكان، و هو يصرخ بسعادة:
ـ بحبكككك….
تعالت الصافرات و الهتافات من جميع الموجودين، على هذا الثنائي العاشق، ولكن تلك السعادة لم يكن العشق السبب الرئيسي بها، و إنما ذلك العناء الذي ذاقه ليصل إليها، و تلك الرحلة الشاقة التي خاضها حتى ينال غفرانها، لذا عزيزتي حواء اعلمي بأن الرجل لا يفعل المستحيل لأجل إمرأة عشقها، و لكنه قد يفعله لأجل إمرأة جعلته يعاني، و يبذل الغالي و النفيس حتى يصل إليها.
ـ شوف البجح، اللي شايل البت ولا هامه، و لا اكن عمها واقف..
كان هذا صوت يزيد الساخر، ليضحك ياسر على كلماته، وهو يقول بتقريع:
ـ لم نفسك هتديله عين تجيبه الأرض، وهو مش ناقص…
انتهى خالد الذي كان شاهدًا على العقد من مصافحة الجميع، لتدور عينيه في المكان بأكمله، باحثًا عن كمال الذي لم يصل بعد، لتتوقف نظراته على أشجان التي كانت تهرب بنظراتها منه، على عكس نظراته التي لم يستطع إجلائها عنها، ليشعر أنه مشتاقٌ إليها، خاصةً وهو يراها تحتضن رنا بيد، و بالآخرى مريم. لكن الوقت لم يُمهله للتفكير، فقد اقترب منه عابد الذي أعطاه هاتفه للإجابة على مكالمة طارئة، ليتراجع الى الخلف، حتى يتسنى له الإجابة على المكالمة:
ـ أيوا يا سالم…
سالم بحنق:
ـ أنت فين يا خالد؟ رنيت عليك كتير..
خالد باختصار:
ـ في كتب كتاب عمر. في أيه؟
سالم بنبرة خشنة:
ـ للأسف عندي خبر مش كويس، كمال اتقبض عليه بتهمة شروع في قتل…
لا يعرف كيف مرت الدقائق، ليصل إلى مركز الشرطة، ليقابله السيد ممدوح الراوي محامي العائلة، ليهتف خالد بانفعال؟
ـ أيه يا متر، عرفت حصل أيه؟
ممدوح:
ـ كمال بيه متهم بالشروع في قتل البنت اللي أسمها منه دي، و من حسن الحظ أنها لسه عايشة، لكن حالتها خطر، دا اللي عرفته، و هما عملوا محضر بالواقعه، و سألوه شوية أسئلة مبدأية، وانا طلعت عشان اقابلك
خالد بأنفاس مقطوعة:
ـ طيب أنت متعرفش ازاي دا حصل؟
ـ كمال أكد أنه ملمسهاش، و انه كان بيتكلم معاها، وهي وقعت لوحدها. بس طبعًا في شهود عيان للواقعة، و دول أكدوا ان هما شافوه وهو بيزقها…
خالد باستنكار:
ـ ازاي بيأكدوا أن هو زقها وهو بيأكد انه ملمسهاش أفهم من كدا أيه؟ مزقوقين عليه يعني؟
ممدوح بتعقل:
ـ اهدى يا خالد بيه، لسه في نيابة، و دي اللي هتبين كل حاجة.
خالد بغضب:
ـ انا عايز أشوف كمال..
ـ هحاول أخليك تشوفه…
بعد مرور بعض الوقت في المباحثات تمكن خالد أخيرًا من الدلوف إلى مكتب الضابط لرؤية كمال الذي كان الغضب و اليأس يخيمان على ملامحه بشكلٍ كبير، و لكن تبدد كل ذلك ليتحول الى لهفة حين شاهد خالد يدلف ال. الداخل، ليهب من مكانه، و هو يصيح بلهفة:
ـ خالد…
تحرك الضابط، وهو يوجه حديثه الى خالد:
ـ انا هخرج عشان تعرفوا تتكلموا، ياريت مش أزيد من ربع ساعة ياريت يا خالد بيه.
خالد بامتنان:
ـ شكرًا يا حضرة الظابط، متقلقش..
ما ان خرج الضابط، حتى استفهم خالد بلهفة وهو يجلس فوق الأريكة، و بجانبه كمال، و في المقعد المقابل المحامي:
ـ حصل أيه كمال؟ احكيلي..
كمال بانفعال:
ـ انا مزقتهاش، البنت كانت مخضوضة و خايفة، حاولت اطمنها، و فعلًا هديت، و كانت لسه هتتكلم، فجأة معرفش حصل أيه، لقيتها اتوترت، و بدأت تصرخ، قربت منها أحاول أهديها، و أفهمها اني مش هأذيها، رجعت لورا وقعت.
خالد بحدة:
ـ أومال ازاي في ناس بتقول أنهم شافوك وأنت بتزقها؟
صاح كمال مُهتاجًا:
ـ ماهو دا اللي هيجنني. أنا ملحقتش استوعب انها وقعت سمعت ست مجنونة عماله تصرخ قتلها…
ضرب خالد على الطاولة بعُنف، وهو يقول يزمجر غاضبًا:
ـ دا اللي كنت خايف منه. كدا يبقى انت اتعملك كمين، البنت دي مجرد طُعم عشان يصطادوك بيه..
صاح كمال بانفعال:
ـ انا عارف أنها طُعم، و متوقع أن انا أروح لها، الفكرة إن أنا روحت عندها في توقيت كتب كتاب عمر عشان يكون تمويه، مانا مش معقول هسيب كتب الكتاب، و أروح لزفتة دي، مع العلم أن انا جيت قدام الفيلا بتاعت راجي، و سيبت عربيتي و روحت بتاكسي.
ضيق خالد عينيه، وهو يفكر قبل أن يقول بحيرة:
ـ معنى كدا ان في حد من اللي جوا عارف أنت فين!
كمال بحنق:
ـ معرفش، بس أكيد في حاجة غلط.
كاد خالد أن يُجن، فهو يثق جميع الحاضرين، كيف لشخصٍ منهم أن يكون هو الخائن؟ لفت إنتباهه حديث ممدوح الذي قال:
ـ كمال بيه، احنا دلوقتي قدام جريمة شروع في قتل، البنت حالتها خطر، عايزك تركز و تفتكر كل حاجة حصلت من وقت ما فتحتلك باب الشقة، و تحكيهالي.
أخذ كمال يقص ما حدث مرة آخرى، ليتوقف، ثوان وهو يقول بحيرة:
ـ البنت اول ما قولتلها آسيا تستاهل منك كدا! بصت في الأرض و شكلها كان باين عليه الإحساس بالذنب، بس أول ما رفعت راسها حصلت حاجة غريبة، لقيتها زي ما يكون اتخضت، و جالها هستيريا، حاولت أهديها معرفتش.
صمت كمال و هو يتبادل النظرات مع خالد و المحامي، ليهتف الثلاثة في نبرة واحدة:
ـ يبقى أكيد كان في حد في الشقة…
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
كان عمر يقف برفقة كُلًا من ياسر، و يزيد، يتبادلون أطراف الحديث، ليستفهم الأخير قائلًا:
ـ أومال الوحش راح فين يا جدعان؟ محدش هيخلصلي ليلتي دي غيره…
عمر بمزاح:
ـ ستي الله يرحمها كانت دعياله، خلع قبل ما يلبس في الحوار المنيل بتاعك دا، و لا ايه يا ياسر؟
كان ياسر ينظر أمامه بشرود، و ملامح متجهمة، فلم يلحظ نداءات عمر المتكررة، ليصيح الأخير بصوتٍ عالٍ:
ـ ياااسر…
انتبه ياسر لحديثه، ليجيبه باقتضاب:
ـ في حاجة يا عمر؟
سخر عمر قائلًا:
ـ في حاجة؟ بقالي ساعة بكلمك، و في الآخر تقولي في حاجة! شكلك بتحب جديد و لا أيه؟
كان القلق يخيم على سماء ياسر وهو يتذكر حديث خالد له قبل ان يغادر مباشرةً:
ـ اسمعني كويس يا ياسر، كمال اتقبض عليه في جريمة شروع في قتل، معرفش اللي حصل بالظبط، بس لازم اروحله، مش عايز حد يحس بغيابي…
ياسر بذهول:
ـ جريمة قتل؟ بتقول ايه يا خالد؟
خالد بنفاذ صبر:
ـ مفيش وقت افسرلك يا ياسر، انا لازم امشي، و مش عايز عمر يحس بأي حاجة…
ياسر باستنكار:
ـ انت كمان هتروح لوحدك؟ أنا لازم اجي معاك..
خالد بجفاء:
ـ مينفعش، مش عايز عمر يحس بحاجة، بلاش نعكنن عليه و نضيع فرحته، انت مكاني هنا…
شعر ياسر بأن خالد مُحقًا، و بأنه لا يجوز إفساد فرحته، لذا ابتسم وهو يقول:
ـ لا و انت الصادق صدعت من نقارك انت وهو.
يزيد بملل:
ـ والله ما حد جاب جاز من العيلة دي كلها غيري.
مازحه عمر قائلًا:
ـ أحمد ربنا أننا متحملينك.
قطع حديثهم وصول رسالة الى عمر على تطبيق الواتساب، ليقوم بفتحها وهو يمزح قائلًا:
ـ أنا لو من جميلة أهرب…..
بتر جملته و تجمد الهواء من حوله حين شاهد ذلك الفيديو، لشقيقته وهي بين ذراعي صديقه، في وضعٍ غير أخلاقي…
