رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع والاربعون 

بسم الله الرحمن الرحيم

أحيانًا، تجبرنا الحياة على دفع أثمانٍ باهظة لأخطاءٍ لم نقترفها، وتزج بنا في صراعاتٍ مضنية قد لا تكفي طاقتنا لمجابهتها، فنجد أنفسنا فجأة في مواجهة أناس لم نؤذهم يوماً، لكنهم اختاروا أن يجعلوا منا وعاء لتفريغ ما أودعته الأيام في قلوبهم من خذلان وخيبات. 

ففي هذا العالم، الجميع يتألم، والجميع ناقم، وكلٌ يعبر عن مشاعره بطريقته الخاصة، حتى غدونا وسط هذا الركام من المشاعر المرهقة لا ندري من منا الظالم ومن المظلوم؟ أهم هؤلاء الذين نالت منهم الحياة فأشبعتهم خذلانًا؟ أم أولئك الذين أفسدهم كثرة العطاء فلم يدركوا قيمة المِنح؟ أم نحن. الذين عوقبنا على أذىً لم نتسبب في حدوثه؟ 

ومن ذا الذي سيُحاسب على كل هذا الوجع الذي سكن قلوبنا؟ و كأنه فيروس قاتل، حين يُصاب به المرء، يبحث غريزياً عن جسدٍ آخر ليسكنه، أو عن قلبٍ بديل يورثه هذا وجعه ليتخلص ولو قليلاً من أنينه الذي لا يبرح ولا يهدأ، و هكذا تتحول الحياة إلى سلسلة ممتدة من الضحايا، يطارد فيها الجميع بعضه، دون أن يتضح معالم الجاني أو المجني عليه. فأحيانًا نقف أمام من آذانا ونحن نظنه قاسيًا لا يعرف الرحمة، بينما الحقيقة أن خلف تلك القسوة قلبًا ذبحه ظلم الآخرين.

 وهنا نجد أنفسنا أمام عدة أستفهاماتٍ شائكة، من الذي ينبغي علينا محاسبته؟ وعلى من نلقي اللوم؟ وهل للغفران سبيلٌ بين كل هؤلاء الضحايا، خاصةً و إن الجلاد نفسه كان ضحية في وقتٍ سابق؟ أم أن كون الإنسان مجروحًا لا يمنحه الحق في إيلام الآخرين، أو اتخاذهم ضمادًا لجراحه؟

استفهاماتٌ مرهقة تدور في فلك عقلٍ ينهكه أن بعض المعارك التي تُجبره الحياة على خوضها، لا يدخلها بدافع الخير أو الشر، بل يدخلها حاملاً ما يكفي من الندوب التي تجعل ميزان الحق حائرًا بين الكفتين.

الأمر أشبه بالوقوف في غرفة مليئة بدخانٍ كثيف لا نرى مصدره، ولا نعرف من أشعل النار، ولا نتبين من الذي احترق.. كل ما نعلمه، أن الجميع يختنق، ولا أحد يعرف سبيلًا للنجاة.

نورهان العشري ✍🏻

🍁🍁🍁🍁🍁🍁

كانت تذرع المكان ذهابًا و إيابًا كمن على وشك الإصابة بهستريا الغضب، و خاصةً أن ذلك الرجل لا يُجيب، فأخذت تخاطبه مِرارًا و تِكرارًا حتى أجاب أخيرًا، لتهتف نبيلة بانفعال:
ـ أنت فين؟ رنيت عليك مليون مرة، مبتردش عليا ليه؟

رماح بسخط:
ـ جرى ايه يا مرا يا ملسوعة أنتِ، فاضيلك إني و لا أي؟ و لا تكونيش فكرانا عشاج، أول ما تكلميني هرد عليكِ.

اغتاظت نبيلة من كلماته الجارحة، لتهتف بحنق مكتوم:
ـ انت ازاي تكلمني بالطريقة دي؟ و بعدين هو احنا مش بيننا اتفاق، و أنا بنفذ اللي عليا، ليه منفذتش اللي عليك…؟

رماح بملل:
ـ كان يوم أسود يوم ما اتفجت وياكي على حاجة، اتنيلي جولي، كنتِ عايزة أيه؟

كان وقحًا، و لكنها تخافه و تحتاجه لذا حجمت الغضب في نبرتها حين قالت:
ـ أول حاجة بلغتني غلط ان عمر هيقرا فاتحة شروق النهاردة و طلعوا هيكتبوا الكتاب، و كنا متفقين انك هتفضح الزفتة اللي أسمها شروق دي، قولتلي صوريها صورتها، و بعتلك كل حاجة، فين اللي عملته؟

صمت رماح لثوان، وهو يفكر في حديثها، و يتذكر تلك المكالمة التي جاءته البارحة:

ـ إيوا يا سكينة، عندك جديد؟

هكذا تحدث رماح بجفاء، لتجيبه الأخيرة بنبرة خافتة مليئة بالشر:
ـ سمعت المخفي رحيم بيتحدت ويا خالد، و بيجوله أنه كان نفسه يحضر قراية فاتحة عمر، بس مش هيعرِف لكن ناوي يحضر الكتاب، و جاله أول ما تحددوه عرفوني..

رماح بتفكير:
ـ أممممم، يعني هيجروا الفاتحة النهاردة!  يوبجى احنا نخلي الضربة الكبيرة لليوم الكبير..

عاد رماح بذاكرته، وهو يكز على أسنانه بغضبٍ كبير، فمن المؤكد أن المعلومة التي وصلته كان غرضها التضليل، فعصفت به الظنون، مما جعله يقول بتفكير:
ـ الموضوع ده في إنه، يا إما خالد شاكك فيكِ، و حب يوصلك معاد كتب الكتاب غلط، يا إما بيأمنوا نفسهم، و خافوا لا أغدر بيهم…

ارتعدت أوصالها رعبًا تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أيه؟ شاكك فيا؟ أكيد لا..

صمتت لثوانٍ وهي تتذكر كلمات زينة اليوم، عن سفره إلى تلك المحافظة التي هي مسقط رأس تلك الخادمة اللعينة، لتجلس على المقعد وعينيها الزائغتين تدوران في أرجاء المكان، لا تعرف كيف تتصرف، و تخشى أن تخبر هذا الرجل بهذا الإمر الخطير، فهي لا تأمن مكره، و قد صح ظنها حين سمعته يقول:
ـ هو أكده و لا اكده هيشك فيكِ، خصوصي بعد ما أتجبض على كمال…

هبت نبيلة من مكانها مصدومة:
ـ أيه؟ كمال اتقبض عليه؟ ليه؟

رماح بملل:
ـ اتجبض عليه بتهمة جتل البت السكرتيرة..

ـ بس احنا متفقناش على كدا..

همذا هتفت نبيلة بانفعال قابله رماح بالتحذير حين قال:
ـ لو مكناش عِملنا اكده كان هيستدرج البت السكرتيرة، و كانت هتجوله أنها أدتك الايميل، و كلمة السر عشان تلبسي مرته في حيط..

نبيلة بتوتر:
ـ ما احنا قولنا هنخلص على البت بعيد عنه.

رماح بحدة: 
ـ جولنا اكده، لكن أخوكي فراك، حب يغفلنا، و راح عشان يعرِف من البت حوصول أيه، و بعدين انتِ عتتحدتي كتير ليه؟ أنتِ عارفة أننا في اللعبة دي يا جاتل، يا مجتول، و بدل مش هتبجي مجتولة، يوبجي جاتلة. 

نبيلة بذعر:
ـ تقصد أيه بهبقى قا.تلة دي؟ أنت عايزني اعمل أيه ؟

رماح بسخط:
ـ أنت بتقول أيه؟ انا استحالة هعمل حاجة اكتر من أني ابلغك بتحركاتهم. 

سخر رماح قائلًا:
ـ ديه كفاية جوي، مانا لوما جولتيلي أن كمال مش في جصر الجيار، مكنتش عرِفت الملعوب اللي بيتعمل علينا، اهدي كدا و اركزي، و اللي كتب كتابه سهل يطلج عادي. و متجعديش ترني عليا و تجرفيني كل شوية، إني ورايا حاجات كتير أهم منِكي….

أغلق رماح الهاتف، حالما رأى على الشاشة رحيم يدلف الى ذلك الصالون الكبير في بيت حيدر الزناتي، ليرحب الأخير برحيم كثيرًا، وهو يقول:
ـ أهلًا و سهلًا يا عمدة. دوار الزناتي نور بجيتك….

رحيم بنبرة ودودة: 
ـ أهلًا يا جناب النائب. الدوار منور بأهله…

حيدر بترحاب: 
ـ اتفضل اجعد بيتك و مطرحك.

جلس رحيم على أحد المقاعد، و جلس حيدر على المقعد المقابل له، ليشرعو في تبادل الأحاديث العابرة، ثم تطرق الأخير إلى الموضوع الأساسي قائلًا:
ـ بجولك ايه يا رحيم، عايزين نخلوص من موضوع الجواز ده جبل مدعكة الانتخابات، و إلا لو ملكش مزاج، بجى ده حاجة تانية..

لم يفكر كثيرًا، إذ أجابه بنبرة غليظة:
ـ لاه. انتخابات أيه عاد اللي هستناها؟ اني عايز اتجوز النهاردة جبل بكرة.

ابتسم حيدر بارتياح تجلى في نبرته حين قال:
ـ اني جولت والله، رحيم راجل دوغري معيحيبش التمطيط..

رحيم بجمود:
ـ و نمط ليه في الموضوع؟  اني رايد بتك و هي وافجت، و أني جاهز لكل حاجة، يوبجى خير البر عاجله. ايه جولك لو نخلي كتب الكتاب السبوع اللي بعد الجاي؟

التمعت عيني حيدر بسعادة، ليصيح بلهفة:
ـ واني موافج، اتكلنا على الله…

كز رماح على أسنانه بغضب من هذا الغبي، الذي وافق بلهفة، فهذا قد يعرقل مخططه، لينهض من مكانه حانقًا، وهو يخلع جلبابه و يُلقيه بإهمال، ليتوجه الى الحمام، غافلًا عن تلك الفلاشة التي سقطت أسفل الطاولة…

اللهم اجبر قلبي جبرًا يليق بكرمك.

اللهم ارزقني راحةً لا يعقبها قلق.

اللهم بدّل خوفي أمنًا، وحزني فرحًا❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

خيم الرعب على ملامحها، و عينيها، فكل ما يحدث حولها لا يُبشر بالخير، فكلما حاولت إخفاء أمر انزلقت قدميها في آخر، فهي. تعلم جيدًا أن خالد لن يترك كمال في هذا المأزق، بل سيسعى جاهدًا لإخراجه من هذه الورطة، و قد يكتشف أنها من وشت به، خاصةً أنها من أخبرت رماح عن عدم وجوده في الفيلا

عودة إلى وقتٍ سابق 

ـ آلو، ازيك يا رنا يا حبيبتي عاملة أيه؟ 
رنا بنبرة رقيقة:
ـ الحمد لله يا عمتو، حضرتك عاملة أيه؟

تصنعت نبيلة الحزن حين قالت:
ـ متضايقة شوية يا رنا، و أنا عارفة ان ابني بيخطب من غير ما يعرفني، يالا ربنا يسعده، طمنيني يا رنا، شوفتي عمر؟ هو كويس و فرحان..

شعرت رنا بالحزن لأجل نبيلة، لذا قالت بنبرة رقيقة:
ـ متزعليش يا عمتو، يمكن هيقولك بعدين، هو قدامي و شكله فرحان عمال يهزر مع اونكل ياسر، و أونكل يزيد

نبيلة بتخابث:
ـ أيه دا معقول خالد و كمال لسه موصلوش؟ دانا قولت دول مكاني أنا و باباه..

ابتلعت رنا الطعم لتهتف بلهفة:
ـ لا بابا موجود من بدري، لكن أونكل كمال لسه مجاش.

نبيلة باستفهام:
ـ متأكدة أنه مجاش؟

رنا بتأكيد:
ـ لا والله مش موجود،  و كان عمر بيسأل عليه من شوية

عودة إلى الوقت الحالي 

قررت الذهاب إلى هايدي، للحديث معها لتتوجه الى غرفتها، لتجد الأخيرة تخرج من الحمام، بملامح باهتة و أعيُن زائغة و جسد انتفض حين رأتها أمامها لترتد إلى الخلف، وهي تخفض وراء ظهرها شيئًا ما، لتتحدث نبيلة باستفهام:
ـ مالك في أي، و أيه اللي ورا ضهرك دا؟

ناظرتها هايدي بارتباك، و كل خليه في جسدها ترتجف من فرط الرعب، لكنها حاولت البقاء هادئة حين قالت:
ـ و لا حاجة، كنتي عايزة أيه؟

صاحت نبيلة بغل:
ـ شوفتي البيه أخوكي عمل أيه؟ 

جلست على السرير بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عمل أيه؟ 

نبيلة بغضب:
ـ راح كتب كتابه على الجربوعة بنت نسمة، بعد ما قولت خلص منها، رجعت تاني اتمسكنتله و خلته رجعها، ماهي حية زي اللي خلفتها، بس على مين؟ مبقاش نبيلة الوتيدي لو ما كسرت نفسها، و خليته يطلقها و يرميها في الشارع…

هايدي بنفاذ صبر:
ـ كبري دماغك منه، بدل هو عايزها سبيه يلبسها….

استشاطت نبيلة غيظًا، فقد كان حقدها أقوى بكثير من غريزتها، فلم تلاحظ شحوب وجه ابنتها، ولا إرهاقها، ولا ذبول ملامحها، ولا ذلك الانكسار القابع في عينيها، فالحقد غصنًا شيطاني يابس لا ينبت في تربة نبت فيها غصن الأمومة الحاني، فكيف يجتمع في قلبٍ واحدٍ غصنٍ تسقيه الكراهية، وآخر لا يحيا إلا بالرحمة؟ 
ـ مفيش فايدة كل واحد فيكوا بيفكر في نفسه. أنا الوحيدة اللي بفكر في الكل..

استراحت هايدي على السرير بتعب، لتهتف نبيلة بجفاء:
ـ قوليلي مصطفى هييجي يخطبك امتى؟ دي هتبقى الضربة القاضية ليهم كلهم، و أولهم عمر أفندي اللي مفكر ان كل البنات زباله زي الهانم اللي بلانا بيها..

لم تكد تُنهي جملتها حتى أفزعتها صرخة عمر في الأسفل:
ـ هايديي...

منذ أن رأى ذلك المقطع المقزز بين شقيقته و صديقه، والدماء تشتعل في عروقه حتى خُيل إليه أن جسده كله صار كالجمر، وتقلصت ملامحه تحت وطأة قهرٍ لم يجد منه مهربًا، يعرِف جيدًا انه وغد، و بالرغم من ذلك فالأمر كان أبشع من ان يوصف، كان بمثابة طعنة مباغته أقسى من أن تُبكيه لقد كانت من ذلك النوع الذي يدفع الرجل إلى الصمت لحظات، عاجز على الفهم، على التنفس، على التصديق، ليتولد بداخله شعور قوي بالقهر الذي يبلغ حدًّا تعجز جميع الكلمات عن وصفه. و كأن شيءٌ في داخله ينهار، و آخر كان يشتعل، وبين الانهيار والاشتعال وقف كمن سُرِق منه تعقله دفعةً واحدة، فلم يعد يعرف كيف يتحرك، و كيف يزن أفعاله، فاندفع بين جميع الحاضرين لا يرى أمامه يستقل سيارته، و ينطلق بها دون الإلتفات إلى نداءات كُلًا من ياسر و يزيد. و لا صدمة عروسه و الجميع حولها، فالشرف بالنسبة للرجل ليس موضعًا يُجرح ثم يلتئم بل إنه كبرياءٌ إذا خُدِش لا يُعاد ترميمه، و ألمه يتحول إلى نارٍ لا تعرف للعقل سبيلًا.
ارتج جسد هايدي حين سمعت صوت عمر في الأسفل، و تساقط عبراتها، فثمرة الخطيئة تنبض بين أحشائها، فأخذ جسدها يهتز من فرط الذعر، الذي اجتاح نبيلة هي الآخرى، فهرعت للخارج، لتهتف بلهفة وهي تجده يقابلها على الدرج بملامح تندرج خلف فصائل الوحوش:
ـ حصل أيه يا عمر؟

لم يكن يرى أمامه، فقد دُنِس شرفه في الوحل، ليقوم بدفع نبيلة من أمامه وهو يزأر بوحشية:
ـ أوعي من وشي، أنتِ سبب البلاوي كلها…

كانت دفعته قوية للحد الذي جعلها تصطدم بالحائط خلفها، لتصرخ بألم، وهي تراه يندفع الى غرفة هايدي وهو يصرخ كالليث الجريح:
ـ هقتـ.لك يا خا.طية.. هقتـ.لك و أشرب من د.مك…

على الجانب الآخر، كان الجميع يتخبط لا يدرك ما حدث ليدفع عمر الى المغادرة بتلك الطريقة، ليرتجف جسد شروق التي كانت تقف وسط الجميع مبهوتة مما حدث، لتهمس بنبرة خافتة محملة برواسبٍ خذلانٍ سابق:
ـ هو مشي ليه؟

لم تكد تنهي جملتها حتى وصلت رسالة نصية على هاتف كُلًا من يزيد، و ياسر الذي وصله ذلك الفيديو الفاضح، ليهتف بذهول:
ـ لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم…

ارتعب يزيد على صديقه ليصرخ بخوفٍ:
ـ عمر أكيد هيرتكب جنا.ية لو ملحقناهوش..

تدخل عامر قائلًا بغضب:
ـ في أيه منك ليه؟ و كيف بيخرج أكده من غير ما يستأذن حد و لا حتى يجول لعروسته؟ 

ـ الحقي يا شروق؟

كان هذا صوت آسيا التي ما أن فتحت أحد مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وجدت ذلك الفيديو الفاضح الذي ما ان رأته شروق حتى صرخت بنبرة مُلتاعة: 
ـ عمر…..

فزع اصاب جميع الحاضرين، لتصرخ صافية وهي تضرب على صدرها:
ـ يا مُري، هيضيع نفسه، الحجوا واد عمكوا..

حين انطلق سهم كلماتها، كان الشقيقان ياسر ويزيد يستقلان السيارة بأقصى سرعة، و خلفهم آسيا التي أخذت باقي الفتيات معها، ثم راجح الذي أقل معه كُلًا عامر وصافية، و سوزان و ابنتها نور، لينطلق الجميع الى قصر الوتيدي، فكان الفزع عو المسيطر على قلوب الجميع، لتقوم أشجان بالاتصال بخالد الذي خرج فجأة، و لم تعرِف إلى أين، و الذي كان خارجًا لتوه من قسم الشرطة، يطلق انفاسًا محترقة من فرط الغضب و اللوعة التي تأججت بها نبرته حين صاح:
ـ أحنا لازم نشوف حل، كمال مينفعش يفضل هنا دقيقة واحدة، مش هسيب أخويا بين المجرمين و قتا.لين القتلة..

لم يكد ممدوح يجيبه حتى رن هاتفه، فكان المتصل أشجان، ليجيب خالد، و إذا به يستمع الى صوتها الباكي:
ـ خالد…

هو قلبه بين ذراعيه حين سمع صوت بكائها، ليهتف بفزع:
ـ مالك في أيه؟ حد عملك حاجة؟

أشجان من بين نهنهاتها:
ـ كارثة يا خالد؟

كلماتها أصابت أعماق قلبه لترتجف نبرته وهو يقول بلهفة:
ـ إنتِ كويسة؟

تمتمت بخفوت، وهي لا تدري كيف تصيغ حديثها:
ـ كويسة، بس...

صرخ بانفعال:
ـ الولاد كويسين…
ـ كويسين..

لم تعرف كيف تخبره، لتأخذ آسيا الهاتف منها، وهي تقول بتوتر:
ـ خالد أنا آسيا، حصل مشكلة كبيرة، فيديو نزل لهايدي فيديو مش كويس على السوشيال ميديا، و تقريبا عمر شافه، و طلع زي المجنون على القصر، و احنا كلنا رايحين وراه…

صرخت شروق القابعة في المقعد الخلفي بقهر:
ـ الحقوا يا خالد قبل ما يعمل مصيبة، عمر هيضيع مني….

كانت المصائب تهوى كالصخور فوق رأسه، و لكنه لا يملك رفاهية الانهيار كالجميع، فصاح بحدة وهو ينطلق بسيارته بأقصى سرعة:
ـ انا رايح على هناك…

اغلق الهاتف ثم قام بالاتصال بأحد الحرس، صارخًا به:
ـ  عمر وصل عندك ؟

ـ وصل يا خالد بيه و عمال يزعق، و مش عارفين نتصرف ازاي، و حاولت اكلم حضرتك تليفونك مشغول..
ارتج قلب خالد خوفًا عليه ليزأر بعنف:

ـ اسمعني كويس، و نفذ اللي هقوله بالحرف، تاخد الرجالة، و تطلعوا تجيبوه من فوق و تدخلوه المكتب، حتى لو هتستخدموا القوة. 
ـ حاضر يا فندم…

اغلق الهاتف، و قام بالاتصال على ياسر الذي سرعان ما أجاب بغضبٍ مكتوم:
ـ أنت فين يا خالد؟ في كارثة حصلت و مش عارف أوصلك..

صاح خالد بحدة:
ـ عرفت و رايح عالقصر. انتوا فين؟

ـ احنا خلاص وصلنا..

خالد بصرامة لا تخلو من الخوف:
ـ الحقوا يا ياسر، اوعى تسيبه يضيع نفسه. أنا أمرت الحرس يطلعوله، خلي بالك منه لحد ما آجي….
قال جملته الأخيرة بنبرة ترتجف رغمًا عنه، فقد خانه صموده، و هو يتخيل ما يحدث مع أحب الناس إلى قلبه، فأحدهم مُلقى بين أربعة جدران، و الآخر على وشك ارتكاب جريمة قتل، و أخرى دنست شرفهم في الوحل..

اللهم لا تذر في قلبي أمنيةً إلا حققتها لي بخير.

اللهم ارزقني سكينةً تُغني قلبي عن كل شيء.

اللهم اشفِ قلبي مما أتعبه، واملأه بما يرضيه.❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

كان جسدها يهتز بقوة، وهي تحتمي بالحائط خلفها، تنظر إلى ذلك الأسد الجريح، الذي يناظرها بأعيُن يلتمع بهم الغضب و الإجرا،م، فقد كانت هناك أنيابٍ تنهش في جسده، دون رحمة، و صوتها المقزز في الفيديو يتردد كالصدى في أذنيه، و ذلك المشهد المقرف يمر أمام عينيه، لتستعر النيران في صدره أكثر و أكثر حتى بدى و كأنه يطلق أعيرة نارية بدلًا من الكلمات:
ـ كنت شاكك فيكي من الأول، كنت عارف انك زبالة.  قلبي عمره ما ارتاحلك و لا اطمنلك. فضحتينا يا كلبة، يا حقي……

انهى جملته و انقض فوقها يبرحها ضربًا، و هي تصرخ من فرط الألم، و تتلوى. أسفل قدميه، ليواصل سبها و هو يضربها بقدمه، و عبراته تسبق كلماته:
ـ فضحتينا، فضحتينا…

كانت نبيلة في الخارج تصرخ و تضرب على الباب بعُنف، لتسمع أقدام الحرس يهرولون إلى الأعلى كما أمرهم خالد، ليدفع أحدهم الباب بكتفه يبغي كسره، فسانده الآخرين، لينكسر الباب بعد عدة ضربات، ليدلفوا جميعًا إلى الغرفة، و يحاولون إبعاد عمر ٦ن هايدي التي كانت تصرخ بألم اهتزت له جدران الغرفة، ولكنه لم يكن يرى أمامه من فرط الغضب الذي جعله يضرب الحرس مخلصا نفسه من بين أيديهم، ليندفع نحوها مرة اخرى و يقوم بتوجيه ضربة قوية أسفل معدتها، لتخرج منها صيحة وجع قوية، تلاها اندفاع الدماء من أسفلها لترتمي نبيلة أرضًا وهي تصيح بفزع:
ـ بنتي… ابعد عنها يا متوحش، يا حيوان..

جن جنون عمر أكثر ليصرخ بوحشية:
ـ اخرسي بقى، بنتك ال،،،، فضحتنا و الكل شاف وسا…. اتفضحت قدام الناس كلها، فضحتنااااا

صراخه القوي كان يصُم الآذان مما جعل كلا من ياسر و يزيد يسرعان أكثر، حتى اندفع الأخير تجاه عمر، وهو يحاول تهدئته قائلًا:
ـ اهدى يا عمر هتضيع نفسك..

لكنه صاح المجنون:
ـ سيبوني اقتلـ.لها…..

اندفع ياسر يجذبه الى الخارج، وهو يصرخ في يزيد:
ـ روح شوفها بسرعة..

اندفع يزيد ينظر الى هايدي التي فقدت وعيها بين يدي نبيلة لتجحظ عينيه بذهول، وهو يرى بركة الدماء أسفلها، ليقوم بفحصها قبل ان يتمتم بصدمة:
ـ دي حالة إجهاض…

توقفت الدماء بأوردة عمر، و انقطعت جميع الإنفاس، ليعم صمتٍ خانق حيث شخصت الأبصار بذهول، فبدا المشهد من بعيد هايدي ملقاه بين يدي نبيلة فاقدة للوعي غارقة في دمائها، بجوارها نبيلة المبهوتة فمن يراها يجزم بأنها تنظر عبر نافذة تطل على جهنم، أمامها يزيد الذي ينظر الى عمر بجمود، قابله الآخر بذهول تتخلله عبرات تجري فوق خديه دون أن يشعر، بجانبه ياسر المصدوم يحيط بهم الحرس، و أمام الغرفة من الخارج كانت تقف ميرهان التي شهقت بصدمة ثم هتفت دون وعي:
ـ حامل..

ـ حامل، حامل، حامل…
كانت تلك الكلمة تتردد على ألسنة الجميع في الأسفل، لتتعالى الشهقات، المتفرقة بين اشجان، و آسيا، و جميلة، و سوزان، و غنى، و صافية، و أخيرًا شروق التي صرخت بذعر:
ـ عمر…

كانت صرختها إذنًا لتمزيق ذلك السكون القاتل، لينتفض عمر جاذبًا سلاح أحد الحرس، و هو يصرخ كالملدوغ:
ـ هخلـ.ص عليكِ يا كلبة…

 تفرقت صرخات الاستنكار بين الجميع، فلم تعد أعصابه تتحمل كل ما يحدث، ليرفع سلاحه و يقوم بإطلاق رصاصة الى السقف اخرست الجميع،  وهو يصيح بصور جهوري أهتزت له جدران المكان:
ـ أخرسوااا…

صمت الجميع، فيما احتدمت الأنفاس، و ارتعدت الأجساد، لتندفع شروق نحو الأعلى وهي تهتف بلوعة:
ـ عمر…

كان يرى الحياة جحيمًا لا يُطاق، لا يرى و لا يسمع بها سوى السوء، و الذي كان محوره هاتين المرأتين، ليكز على أسنانه بغضبٍ كالإعصار، لترتعب نبيلة وهي ترى سلاحه لا يزال مصوبًا على رأس أبنتها، لتقوم بالإرتماء أسفل قدميه، وهي تتوسل قائلة:
ـ أبوس إيدك متعملش كدا يا عمر، متقتلش أختك بإيدك. مش هقدر اتحمل لا…

دفعها بقدمه، وهو يصيح بكره:
ـ يبقى هخلص عليكي أنتِ وهي و و ارتاح من شركوا…

ـ ميستاهلوش…
كان هذا صوت خالد المختنق، و الذي كان ينظر لعمر بألمٍ حارق يقتسمه الإثنان في صدريهما، ليلتفت عمر ناظرًا إليه بأعيُن تحترقان من فرط الوجع الذي شاب نبرته حين قال:
ـ خالد…

اقترب خالد منه خطوة، وهو يقول بنبرة تتلوى أحرفها وجعًا:
ـ لا دي و لا دي يستحقوا تضيع نفسك عشانهم…

تراجع الجميع الى خارج الغرفة، لألا يصعب الأمر عليه أكثر، فلم يتبقى سوى شروق و نبيلة و هايدي التي لازالت تنزف، فاشتدت قبضته على السلاح وهو يحاول قمع ألمه الضاري، ليأتيه صوت شروق الباكي حين قالت:
ـ اسمع كلام خالد يا عمر، بلاش كدا، محدش يستحق تضيع نفسك عشانه…

تحولت نظراته إليها، و قد هالها ذلك الانكسار في عينيه، و الوجع الساكن في ملامحه، ليرتجف جسده وهو يهز برأسه يمينًا، و يسارًا، فارتعبت نبيلة من ان ينفذ تهديده،  فهبت لتندفع نحو خالد قائلة بتوسل:
ـ امنعه يا خالد هيموت أخته…

دفعها خالد جانبًا، ليتخطاها نحو عمر الذي لازال سلا.حه موجهًا نحو هايدي، ينظر إليها بألمٍ، وهو يتذكر تلك الطفلة ذات الأربعة أعوام التي كان يحملها، و يدور بها في الحديقة، و ضحكاتها البريئة تملأ المكان حولهم سعادة، و فرح، كانت جميلة قبل ان يحولها الاستهتار، وقلة الإهتمام، إلى تلك الفتاة المنحلة المستهترة، التي لم يعلمها أحد كم أن الشرف غالي…
سقط السلاح من يده، ليندفع خالد تجاهه يعانقه بقوة جعلت عمر يصرخ باكيًا:
ـ كسرتني يا خالد. كسرتني…

شدد خالد من عناقه، وهو يحاول التغلب على ذلك الجمر الذي يحرق أحشاؤه من الداخل:
ـ عمرك ما تتكسر أبدًا طول مانا في ضهرك…

جذب نفسه الى الخلف، وهو يصيح بصوتٍ عالٍ:
ـ ياسر..

دلف ياسر الى الغرفة، ليقول خالد بنبرة متحشرجة:
ـ نزله تحت…

اقترب يزيد ينظر الى صديقه بأسى، لكنه لم يحاول النظر الى عينيه، حتى لا يتألم أكثر، و لكن  أتت كلمات خالد لتنقذه حين قال:
ـ هننقلها المستشفى، و اعملها اللازم…

اومأ يزيد برأسه، ليقترب خالد منها بعد رحيل عمر و يقوم بحملها مُكرهًا، ليندفع بها الى الأسفل، و خلفه نبيلة التي لاول مرة بحياتها، لم تقدر على رفع رأسها و النظر في عيني أحد، لتستقل السيارة بجانب هايدي التي وضعها خالد في المقعد الخلفي فاقدة للوعي، ليرفع الأخير رأسه، و ينظر إليها، نظرة محملة بكرهٍ كبير جعل جسدها يرتجف، و استقلت ميرهان المقعد المجاور ليزيد لكنه لم يضيف حرفًا لينطلق يزيد بالسيارة نحو المشفى…

استدار خالد ليجد أمامه كلا من عامر، و راجي،  ليقول الأول بحرجٍ:
ـ طيب يا خالد ربنا يعينكم على ما بلاكم، و احنا موجودين لو احتاجت حاجة…

خالد باقتضاب:
ـ شكرا يا حاج عامر.

ٓ هنمشي احنا يا خالد، و لو احتاجت حاجة كلمني..
كان هذا صوت راجي، الذي أجابه خالد بإيماءة من رأسه، فما حدث لم يكن يحتمل أي حديث، وفي الداخل كانت شروق تنظر إلى باب المكتب المغلق، بقلبٍ مفطور، فهو حتى يتجنب النظر إليها، شعرت بألمٍ حاد يكاد يقتلها، وهي عاجزة عن تخفيف حدة الأمر عليه، لتلقي بنفسها بين أحضان سوزان التي تحدثت بحنو:
ـ اهدي يا حبيبة قلبي متعمليش في نفسك كدا…

شروق بنبرة تحترق ألمًا:
ـ عمر حتى مبيبصش في وشي. عايزة أهون عليه مش مديني فرصة، أنا، أنا هتجنن عشانه…

اقتربت آسيا لتجلس أمامها على الأرض، وهي تمسك بيدها بين كفوفها لتقول بحنو:
ـ شروق حبيبتي،  عمر دلوقتي في حالة صعبة، أكيد مكسوف من الموقف كله، اللي حصل مش سهل… أكيد انتِ فاهمة..

شروق بلوعة:
ـ فاهمة. بس انا عايزة اكون جنبه..

اقتربت غنى لتقول بنبرة مشجعة:
ـ هتقفي جنبه بس الصبر، لحد ما يستوعب اللي حصل…

ذرفت الكثير من العبرات، وهي تحتضن سوزان باكية، اما عن أشجان، فقد كانت في الأعلى تحتضن رنا التي كانت ترتجف بين ذراعيها، وهي تقول:

ـ أنا خايفة أوي يا ماما.. هي هايدي…

قاطعتها أشجان قائلة:

ـ هايدي كويسة، دي مشكلة بسيطة و هتتحل…
رنا بخفوت:

ـ يعني هي فعلًا حا..حامل.

للمرة الثانية قاطعتها أشجان قائلة:
ـ رنا حبيبة قلبي، متردديش الكلام دا عشان دا كلام كبير اوي، احنا لسه مش عارفين حصل ايه، عيزاكي تهدي و تغسلي وشك، و يالا عشان تنامي و ترتاحي….

اومأت رنا برأسها، لتدلف الى المرحاض، فإذا بهاتفها يرن، لتلتقطه اشجان، فوجدت رقم سهيلة لتجيب باقتضاب:

ـ آلوو..
ـ رنا، حبيبتي، طمنيني عليكِ انتِ كويسة؟

كان هذا صوت سهيلة المندفع، فقابلت أشجان اندفاعه بالهدوء حين قالت:
ـ رنا كويسة يا سهيلة…

اغتاظت سهيلة من رد أشجان، لكنها تجاهلته قائلة بخوفٍ مصطنع:
ـ طنط أشجان طمنيني، رنا كلمتها من شوية لقيت صوتها منهار، هي شافت الفيديوهات اللي على الفيس بوك؟ 

أشجان بلهفة:
ـ هي الفيديوهات منتشرة على فيس بوك كمان؟

ـ أيوا يا طنط دي مغرقة الييدجات، ياريت متخليش رنا تشوفها، دي محرجة أوي…

أشجان بحرج:
ـ طيب يا سهيلة… اقفلي دلوقتي…

سهيلة بلهفة:
ـ طنط معلش طب أنا بره، بصراحة لما سمعت صوت رنا متضايق خليت مامي تجيبني عشان اطمن عليها، ممكن ادخل ولا مش هينفع؟

احتارت أشجان للحظات، و لكنها في النهاية قالت بجمود:
ـ طيب ماشي، هخلي الحرس يدخلكوا…

سهيلة بلهفة:
ـ لا مامي هتروح، و انا ممكن أبات مع رنا؟ يعني عشان اكون جنبها، أحسن تشوف حاجة أو كدا؟

زفرت بقوة، و لكن اضطرت ان توافق حتى تضمن بأن يكون هناك شخصًا بجانب رنا، و لم تكن تدرك أنها فتحت الباب على مصرعيه أمام حية مسمومة
ـ طيب، تمام، و اعتذري من ماما، مش عارفة أضايفها، يعني الظروف متسمحش…

سهيلة بلهفة:
ـ لا لا خالص، مفيش اي اعتذار..

اللهم قرّب إليّ ما فيه خير، واصرف عني ما فيه شر.

اللهم ارزقني رزقًا واسعًا طيبًا مباركًا فيه.

اللهم احفظ لي أحبتي، ولا تريني فيهم بأسًا يؤلمني.

اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

في الأسفل دلف خالد إلى الداخل، لتهرول آسيا تجاهه، فقد أنهكها القلق، ولم تعد تحتمل وخزاته، لتقف أمام خالد قائلة بنبرة تتضور خوفًا:
ـ كمال فين يا خالد؟

احتار بماذا يُجيبها، فلم يعد يعرف على من يهرول، و لا من يساعد، يشعر بإنهاك عاطفي، و بدني كبيران، فباتت الكلمات ثقيلة على شفتيه، مما جعله يجيبها باختصار:
ـ في مشوار..

كاد أن يتخطاها، لكنها اعترضت طريقه مرة اخرى وهي تهتف بعناد:
ـ مشوار فين؟

 خالد بجفاء:
ـ اوعي يا آسيا..

عاندته بلهفة، فقد تأكدت شكوكها بأن هناك شيئًا خاطئًا يحدث معه لذا هتفت بنبرة مُلتاعة:
ـ مش هسييبك تمشي غير لما تقولي جوزي فين؟

ناظرها بتعب، ليهوى قلبها بين ذراعيها وهي تهتف بجزع:
ـ كمال كويس يا خالد؟

خالد بنبرة خشنة محملة بالأسى:
ـ محدش كويس يا آسيا…

ارتجفت الحروف فوق شفتيها وهي تقول باستفهام:
ـ يعني أيه؟ 

لم يعد هناك مجال للإخفاء أكثر، ليجيبها بنبرة جافة:
ٓ كمال راح لمنة عشان يعرف منها اللي حصل، و اتخانقوا مع بعض ووقعت من البلكونة و اتهموه بمحاولة قتـ.لها. 

شهقت بعُنف، وهي تتراجع خطوتين الى الخلف، واضعه يدها فوق فمها، لتندفع أشجان الاي كانت تهبط الدرج نحوها بلهفة، فهتف خالد بحدة:
ـ متجريش كدا تاني..

ناظرته أشجان باعتذارٍ صامت، وهي ترى عينيه اللتان كانت تحملان ألمًا ضاريًا، كان يحتل قلب آسيا التي تمتمت بنبرة تتضور وجعًا: 
ـ أن. أنت بتقول ايه؟ يع. يعني كمال دلوقتي محبوس ؟

خالد بنبرة خشنة:
ٓ للأسف أة… بكرة هيتعرض على النيابة، و هنشوف هيحصل أيه؟

كادت أن تسقط في تلك اللحظة، لتحتضنها أشجان التي كانت في ذهولٍ هي الآخرى، وعينيها تتفرقان ما بين زوجها الذي كان في أمس الحاجة إلى هذا العناق حتى يهدأ انينه، و لو قليلًا، و ببن شقيقتها، التي تمسكت بها بقوة، حتى لا تخونها قدميها، و تسقطان من فرط الألم، و جملته الأخيرة تتردد في ذهنها كالصدى:
ـ لآخر مرة همنع نفسي عنك يا آسيا، بس دا لحد ما أجبلك حقك، من اللي حاول يلبسك التهمة دي…

أخذ جسدها يرتجف وهي تهمس بنبرة خافتة:
ـ لا يا كمال متفقناش على كدا…

اقترب خالد جاذبًا أحد المقاعد، ليجعلها تجلس عليه، و هو يأمر أحد الخدم بجلب كوب من المياة، لتمسكه أشجان و تقربه منها حتى ترتشف منه بضع قطرات، ليقترب هو من أشجان و يربت على ظهرها بحنوٍ:
ـ خلي بالك منها. لحد ما اطمن على عمر…

ـ أختك و بنتها فين يا خالد؟ راحوا فين بعد ما فضحونا؟
كان هذا صوت سعاد التي كانت تجلس على مقعدها و الخادمة خلفها تدفعها من الوراء، ليلتفت خالد ناظرًا إليها شذرًا قبل ان يقول بحدة:
ـ قبل ما تسألي عنهم، أسألي عن ابنك، هو فين صحيح؟ مش اللي في مصيبة دي بنته؟

لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين ❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

ـ بارك الله لكما، و بارك عليكما، و جمع بينكما في خير…
كان هذا صوت الشيخ الذي قام بعقد قِران كُلًا من عز و زينة التي ابتسمت بخجلٍ مُصطنع، ليقبل عليها عز وهو يقبل أعلى رأسها قائلًا بنبرة عاشقة: 
ـ معقول احنا اتجوزنا خلاص يا زينة؟

زين الخُبث نظراتها، وهي تبتسم له، لتتذكر ما حدث قبل ساعة من الآن

عودة إلى وقتٍ سابق 

ـ بتقولي أيه يا سهيلة؟  فيديو فا.ضح لهايدي على النت؟

هكذا صاحت زينة بصدمة حالما سمعت حديث سهيلة التي تابعت بلهفة:

ـ اه والله، استني هبعتهولك، دا مغرق الدنيا الظاهر في حد صارف و مكلف عشان ينزل تريند. يخربيتها دي طلعت جامدة..

زينة بحدة:

ـ ابعتي اخلصي..

 اغلقت الهاتف لتنتظر ذلك الفيديو الذي ما ان شاهدته حتى صاحت بذهول، من مدى قذارته، لتغلق الهاتف، وعقلها يعمل في جميع الأتجاهات، كيف تستغل هذا الأمر لصالحها، لتهب في مكانها بلهفة، وعينيها تلتمعان بالخُبث، ثم قامت بارتداء ملابسها سريعًا وهي تجري إتصالًا هاتفيًا، على عز الذي ما أن رأى رقمها يتصل عليه حتى اندفع واقفًا وهو يجيب بلهفة:

ـ زينة؟ 

زينة بجفاء:

ـ  أنت فين ؟ عايزه أشوفك…

عز بلهفة:

ـ انا في المكتب.. تعاليلي..

زينة بخوفٍ متقن:

ـ لا… بص انا هستناك تحت و انت انزلي…

شعر بالألم لخوفها منه، و لكنها اجابها  بنبرة عاشقة: 

ـ ماشي يا حبيبتي اللي تشوفيه…

ماهي إلا دقائق حتى وصلت لتجده يقف أسفل البناية، فاندفعت تجاهه، لتضربه في صدره، وهي تهتف بانفعالٍ زائف:

ـ أنت ازاي تعمل فيا كدا؟ ازاي تكسرني كدا و أنا اللي كنت مأمنالك؟

تأثر عز بعرضها المسرحي و صرخ مدافعًا عن نفسه:

ـ حقك عليا والله ما اعرف انا عملت كدا ازاي؟ انا بحبك يا زينة، و لا يمكن أأذيكي أنا بحبك أكتر من نفسي…

زينة بعتب زيفت به الألم:

ـ واللي بيحب حد يكسره كدا؟ يرخصه  قدام الناس كدا… يخليه مش قادر يرفع عينه في عين حد؟

عز باندفاع:

ـ متقوليش كدا؟ أنتِ أغلى واحدة في الدنيا، و اللي يقول غير كدا، هقطعله لسانه…

تهدلت أكتافها وهي تخفض رأسها إلى الأسفل قائلة بانكسار:

ـ انت متعرفش أنا اتهانت ازاي؟ نبيلة جت زارتني النهاردة و بهدلتني، حسستني اني فتاة ليل…

نجحت في جعله يثور و يغضب، ليصيح بانفعال:

ـ قطع لسانها، نبيلة و زفت، طيب ايه رأيك بقى اني مستعد اتجوزك النهاردة قبل بكرة…

رفعت رأسها بلهفة مصطنعة:

ـ بجد يا عز هتعمل كدا ؟ هتردلي كرامتي قدامهم؟

اقترب عز يحتضن كتفيها، وهو يقول بلهفة عاشق:

ـ طبعًا يا زينة، هتجوزك حالًا، هاخدك من إيدك و هطلع بيكي على المأذون نكتب كتابنا، و بعدين نطلع على القصر تحطي صابعك في عين التخين…

عودة إلى الوقت الحالي 

تمنعت وهي تبتعد عنه قائلة:

ـ احنا اتجوزنا إه، بس دا مش معناه ان أنا سامحتك،انا لسه واخدة على خاطري منك…

عز بلهفة:

ـ وأنا هعمل كل اللي يرضيكي، المهم انك بقيتي مراتي…

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

ـ دا ابتلاء يا عمر، و محدش فينا كبير على الابتلاء، اصبر، و فوض أمرك لربنا…

كان هذا صوت ياسر الذي حاول تهدئة عمر قدر الإمكان، لكن الأخير كان في وادٍ آخر لا يستمع إلى شيء، تتساقط عبراته بصمتٍ، ليدلف خالد الى الداخل، وهو يتحدث في الهاتف بغضب:

ـ عايز أعرف مين اللي عمل كدا يا سالم؟ و محتاج مهندس شاطر يقدر يقفل كل الصفحات دي، تعرف حد يساعدنا؟

سالم بنبرة خشنة:

ـ ايوا، مروان ابن عمي، له في الهاكرز و الحاجات دي، هو مسافر بره، بس أنا ممكن اتواصل معاه و اشوف هيقدر يعمل أيه؟ متقلقش يا خالد الموضوع عندي…

خالد بنبرة متحشرجة:

ـ لو كان كمال موجود، كان خلص الموضوع،  لكن واضح أن كل حاجة مترتبلها صح…

سالم بمواساة:

ـ أنت قدها يا وتيدي و كمال هيخرج منها، داوود في الطريق، و ان شاء الله هيحضر معاه العرض على النيابة. خلينا مننا فينا أحسن..

خالد بجفاء:

ـ انا قولت بردو كدا، عمومًا شوف هتعمل أيه و كلمني…

اغلق خالد الهاتف، و التفت ناظرًا إلى عمر الذي كان في وادٍ آخر، فأشار إلى ياسر بنبرة ذات مغزى، فأطاعه الأخير، ليتوجه الى خارج الغرفة، فقابلته صافية التي ما أن رأته حتى ربتت على ظهره بحنو،وهي تقول بقلق:

ـ عامل أيه عمر؟ 

ياسر بحزنٍ:

ـ هيعمل ايه يا عمتي؟ الله يكون في عونه…

صافية بألم: 

ـ ربنا يهون عليه يا ولدي… بجولك أيه؟ غنى شكلها تعبان أوي، معرِفش فيها أيه؟ خدها واطلعوا ريحوا فوج… 

نبش القلق قلبه حين التفت ليجدها تجلس على المقعد بجانب شروق، ولكن ملامحها يبدو عليها الإرهاق، ليستدير ياسر تجاهها،وهو يقول:

ـ بقولك ايه يا عمتي؟ انا مش هينفع اخلع و اسيب خالد و عمر، أنا عايزك، تاخدي غنى تريح فوق. لأني مينفعش اطلع دلوقتي….

شعرت صافية بأن هناك شيئًا ما يخططون له، لتهتف بخوفٍ:

ـ بتخططوا لأيه يا ولدي؟ 

ياسر باقتضاب:

ـ بعدين. تعالي ورايا..

توجه نحو غنى، ليمد يده إليها، فوضعت كفها بين يده، ليجذبها إلى ركنٍ بعيد، وهو يمد يده، ليحتضن وجهها بين كفوفه، وهو يقول بنبرة حانية:

ـ تعبتي أنتِ أوي النهاردة؟ 

غنى بخفوت:

ـ يعني مش أوي… صعبان عليا شروق و عمر بس..

ضمها إلى صدره برفقٍ، ثم قام بوضع قبلة دافئة فوق جبهتها، قبل أن يقول:

ـ ربنا يعديهم من الأزمة دي على خير. المهم، عايزك تطلعي مع صافية فوق تريحي شوية

كادت ان تعترض، ليقاطعها يلسر قائلًا:

ـ الكل هيطلع على أوضته، عمر مش متحمل حاجة، و لا هيقدر يشوف حد…

أومأت غنى برأسها، لينادي ياسر على صافية التي اقتربت منها قائلة بحنو:

ـ يالا يا بتي، ربنا يعدي الأيام دي على خير…

صعدت غنى بجانب صافية الى الأعلى، ليشير الى أشجان التي توجهت إليه، فاستفهم قائلًا:

ـ آسيا فين؟

أشجان بخفوت:

ـ بعد ما عرفت اللي حصل لكمال طلعت على أوضتها و قفلت عليها الباب…

أومأ ياسر برأسه قبل ان يقول بنبرة ذات مغزى:

ـ عايزك تطلعي البنات و سوزان فوق، و شروق كمان، و انا شوية و هطلع عمر أوضته….

شعرت هي الآخرى بأن هناك شيئًا ما يخططون له، لكنها لم تتحدث، بل أومأت برأسها، و توجهت الى شروق و همست بخفوت:

ـ يالا يا قلبي اطلعي عشان ترتاحي فوق…

تبادلت النظرات مع سوزان قبل ان تقول أشجان بحنو:

ـ يالا انتِ كمان يا سوزي انتِ تعبتي النهاردة، و نور كمان محتاجة ترتاح…

كانت الفتاة كالعصفور الصغير ترتجف خوفًا من كل ما يُحيط بها، ليصعدن الدرج الواحدة تلو الآخرى، كُلًا إلى غرفته، فاقتربت أشجان من غرفة آسيا، لتطرق الباب بخفة:

ـ آسيا. أنتِ كويسة؟

لم تكن أبدًا بحالٍ جيد، و ذلك الجزء الساكن باقصى اليسار يحترق ألمًا، و لوعة،و لكن كعادتها، لا تعرف الهرب من الألم، بل تواجهه بضراوة، مما جعلها تجيب بنبرة جافة:

ـ انا كويسة، سبيني لوحدي…

تراجعت أشجان للخلف، لتبدأ آسيا بالعمل على جهازها اللوحي، وهي تقسم أنها لن تتوانى عن إثبات براءته، و معاقبة الفاعلين…

اللهم اجعل قلبي مطمئنًا بك، راضيًا عنك، حسن الظن بك.

يا رب، إنّي أستودعك قلبي، فأرحه بما شئت❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

خرج خالد من غرفة المكتب متوجهًا إلى الشرفة، ليجيب على هاتفه، فلحقت به أشجان على الفور، فسمعته يفول بنبرة متوعدة:

ـ في المخزن اللي في "..."

ـ في أيه يا خالد؟ 

استدار خالد ناظرًا إليها، وهو ينهي محادثته قائلًا:

ـ خلص و كلمني…

انهى جملته و اغلق المكالمة تزامنًا مع اقترابها منه، لتنظر الى داخل عينيه، بحزنٍ على تلك الخطوط الحمراء التي تغزوها بقوة، و تلك التجعيدة التي تحتل جيينه، و كأنها تعلن حدادًا على كل هذه الإحداث الأليمة التي حدثت معهم، لتقترب دون حديث و تعانقه بقوة، ليبادلها العناق بقوةٍ أكبر، ولكن بصمتٍ، و كأن الفجيعة التي ألمت بهم، جعلت الكلمات مجرد أحرفٍ واهية لا تفلح في وصف الألم، لتقوم بوضع يدها فوق صدره وهي تقول بخفوتٍ محمل بالعبرات:

ـ بسم الله على قلبك حتى يهدأ، بسم الله على روحك حتى تسكن، بسم الله على جراحك حتى تبرأ…

لأول مرة بحياته يشعر بهذا الضعف يغزو أوصاله، حتى إن ما يملك من قوة لم تستطِع ردع عبراته التي تساقطت رغمًا عنه، لتشعر بها تبلل كتفها، فأخذت تربت بحنو فوق ظهره، وهي تقول بهمسٍ:

ـ أنت قدها، مهما كان الابتلاء كبير، أنت بإذن الله قده.. انا واثقة فيك. كلنا واثقين فيك…

أسقط عن كاهله الكثير بين ذراعيها، فقد كانت محطته الآمنة وسط كل تلك التخبطات، التي أشبعته صفعًا، ليدفن بين حنايا قربها بعضًا من اوجاعه، قبل ان يتراجع الى الخلف، وهو يتحمحم بخشونة، قبل ان يقول:

ـ آسيا عاملة أيه دلوقتي؟ 

أشجان بخفوت:

ـ قفلت على نفسها، و أكيد منهارة..

خالد بنبرة مقتضبة:

ـ عرفيها أني هاخدها معايا بكرة عند كمال، و حذريها تعمل اي حاجة غلط. او اي تصرف متهور…

أومأت برأسها قبل أن تقول بنبرة متحشرجة: 

ـ ناوي على أيه يا خالد؟

احتدت ملامحه، قبل ان يقول بوعيد:

ـ خير، متقلقيش…

ـ بس انا كدا خوفت…

خالد بجمود:

ـ اطمني، اطلعي على فوق مش عايز حد ينزل تحت خالص….

لم تكد تجيبه حتى سمعت صوت ياسر يناديه، فتراجع عنها، ليتهامس الرجلان، ثم خرج ياسر الى الخارج، و توجه خالد الى داخل غرفة المكتب، ليستمع الى صوت عمر وهو يوجه حديثه الى صافية:

ـ خالد لازم يعرف ان سهام ماتت مقتولة…

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

بسم الله الرحمن الرحيم

أتسائل كيف يأتي الصباح مُشرقًا هكذا دون اعتبار لما فعله الليل بقلوب البشر؟ كيف له أن يتجاوز هذه الآلام والجراح التي نبشها الليل لتستنزف كل طاقتنا في المواجهة، و مع ذلك مُجبرين على مواصلة حياتنا و لكن بقلوب أهلكها الوجع. أصبحت أنظر الى العالم من حولي وأنا أتساءل بأسى لا يفارقني" متى ستُشرِق الشمس على عالمي ليُضيء أم أن عتمتي ستدوم إلى الأبد و جراحي التي لا تهدأ ولا تتوقف عن الأنين هل ستُشفى ذات يوم ام ستظل حية إلى أن أفنى أنا؟ 

نورهان العشري ✍️ 

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

تفجر بارود كلمات عمر في صدر خالد الذي أعيته الصدمة للحد الذي شعر بالأرض تميد به للحظات، حين تكرر حديث عمر، و لكن بصيغة آخرى:

ـ لازم يعرف أنها مجرمة، ضيعتنا كلنا… لازم ياخد حقنا كلنا منها…

للمرة الأولى من نوعها يتخلى عنه ثباته، حتى تمكنت الرجفة من احتلال جسده، و إفشاء الوهن في ساقيه، ليستند بيده على باب الغرفة يدفعه برفق، و عينيه تُفصحان عن وجعٍ مرير أطفأ بريقهم، بينما ملامحه كانت ضحية لألمٍ قاتل شوه وسامتها، لتتعرج خطوط جبينه، و يتقابل حاجبيه في تعبير احتجاجي مستنكر لتلك القنبلة التي هبطت على مسامعه الآن، و قد كانت هيئته مزيجًا من الغضب الأسود، و الألم المريع، فبدا مرعبًا بنظر عمر، أو أن ثُقل ما تفوه به، هو ما جعل دقات قلبه تهتاج بقوة، آلمت صدره، للحد الذي جعله يهب واقفًا على قدميه، ناظرًا الى خالد الذي لا يعرف كيف خطى إلى داخل المكتب، ليقف في مواجهة عمر، تلك المواجهة التي لم تكن عادية، بل كانت بين خصمين يعانيان الألم نفسه، و يقتسمان الخزي مناصفةً، أحدهم يملك الحقيقة، و الآخر متعطش لها.

ـ عايز تفسير للي سمعته…

كان هذا صوت خالد الذي يتسم بالقسوة لترتعب صافية من مظهره، فاندفعت لتغلق باب الغرفة، ثم عادت لتقف بجانب خالد لتربت على كتفه، وهي تقول بتلعثم:

ـ اجعد يا خالد يا حبيبي. اجعد عشان تعرِفوا تتحدتوا…

 لم يكن يسمعها، فجميع حواسه محتجزة خلف جدار الترقب، وهو ينظر الى عمر ينتظر إجابته ليقرر الأخير الحديث قائلًا بنبرة مُشجبة:

ـ قبل ما أتجوز شروق، جدتي، سعاد،  قالتلي أن سهام ماتت مقتولة، و إن اللي قتلها…. اللي قتلها مامـ… نبيلة..

كانت الحروف تنكسر على شفتيه، وهو يروي ذنبها، مع نزع ذلك اللقب الذي لا تستحقه، و لكن تلك الإجابة المنزوعة التفاصيل لم تروي غضب ذلك الوحش الذي زأر بوحشية:

ـ قول كل اللي أنت عارفه…

عمر بنبرة متحشرجة:

ـ معرفش غير كدا، دا اللي هي قالته، وأما سألتها عرفتي منين قالتلي إن بنت من الخدامين شافتها، وهي اللي اعترفتلها، و بعد كدا البنت دي إختفت، و معرفتش توصلها…

صُبت جميع مشاعره في بوتقة الغضب الذي تخلل نبرته حين قال:

ـ دا كل اللي عندك؟

عمر بإختصار: 

ـ أيوا…

تهدجت نبرته حين قال باستفهام:

ـ و ليه مجتش قولتلي في وقتها؟

رفع عمر رأسه، فهاله ما رأى في عيني خالد؛ لم يرى فيهما غضبًا بقدر ما رأى وجعًا عميقًا حاول صاحبه جاهدًا أن يخفيه خلف جموده، وعتبًا أثقل من أن يُقال. كان خالد واقفًا بهيبته المعتادة، لكن عينيه فضحتا ما عجز كبرياؤه عن ستره؛ وجع رجلٍ لم يكن يؤلمه ما حدث بقدر ما آلمه أنه يقف الآن إمام آخر من توقع منه أن يخذله، مما جعل عمر يصيح بلهفة:

ـ مكنش عندي دليل، خصوصًا اني دورت على البنت الخدامة دي ملقتهاش خالص، و بعدين هي لما قالتلي الكلام دا، كان على سبيل التهديد، أو مش تهديد..

احتار كيف يصيغ كلماته، بدون أن يعرض مدى حقارة تستره على هذا الأمر، ليُكمِل خالد بدلًا عنه، بنبرة تحمل من السخرية، ما يضاهيها من المرارة:

ـ ساومتك، يا تتجوز شروق، يا تقولي صح؟

أحنى عمر رأسه، فقد كان ذنبًا لا يغتفر، لأجل من لا يستحق، ليشعر بالكره داخله يتضاعف تجاهها، لكن جاءت كلمات خالد الجافة لتجذب كامل انتباهه: 

ـ أخس عليك يا عمر. امشي… مش عايز أشوفك…

يعلم مقدار الألم الذي يشعر به الآن، و يدرك كم هو مخطئ حين أخفى هذا الأمر عنه، لذا لم يضيف حرفًا واحدًا بل توجه إلى باب الغرفة، بأكتافٍ متهدلة، و رأسٌ منكث، لتوقفه كلمات خالد الجافة حين قال:

ـ متطلعش من أوضتك مهما حصل، أو مهما سمعت..

اندهش عمر من حديثه، فاستدار يسأله، و لكن خالد تابع، بنبرة أشد حدة، و أكثر صرامة:

ـ متسألش…

بترت كلمته جميع استفهامات عمر، ليغادر الأخير دون حديث، فاندفعت صافية تقف أمام خالد تنظر إليه بقلق، ليرفع الأخير رأسه وهو ينظر الى البعيد بأعيُن يلتمع بها الغضب مع الألم، ذلك المزيج الخطير القادر على إنهاك أعتى القلوب، لتقوم صافية بالربت بحنو على كتفه وهي تقول بخفوت:

ـ خالد. أنت كويس يا ولدي؟

كان خالد في وادٍ آخر يتذكر تلك الفاجعة التي ألمت به منذ أكثر من عام و نصف، تحديدًا في الليلة التي تلت خطف رنا…

عودة إلى وقتٍ سابق

كان على وشك الدلوف من باب القصر، لتوقفه بدور خادمة سعاد، و تخبره بأن الأخيرة تريد الحديث معه في الملحق، و بالفعل توجه خالد الى هناك، لينظر الى سعاد بترقب، قابلته بالغضب حين قالت:

ـ عرفت أن ابن أختك طلق شروق؟

استراح خالد على أحد المقاعد، ليجيبها باختصار: 

ـ عرفت..

سعاد بجفاء:

ـ و أيه رأيك في اللي عمله؟ 

خالد بجمود:

ـ الموضوع ميخصنيش، هو كبير بما فيه الكفاية أنه يتحكم في حياته..

سعاد باستنكار:

ـ طيب، و بالنسبة لشروق؟ عادي اللي عمله فيها، و كسرته لقلبها و لخاطرها؟ 

خالد بنبرة خشنة:

ـ لا طبعًا مش عادي..

سعاد بغضبٍ مكتوم:

ـ مفروض بما انك خاله و كبير العيلة تحاسبه..

خالد بنبرة مقتضبة، لا تخلو من التقريع:

ـ مفروض، بس لو هحاسب عمر مش هحاسبه لوحده، هحاسب اللي فرض عليه شروق، و ضغط عليه انه يتجوزها، لو عمر غلط مع شروق، فأنتِ كمان غلطتي يوم ما أجبرتيه على جوازه مكنش عايزها من الأول، و قللتي من بنت زي شروق، هي كمان اتجبرت أنها تتجوز واحد شايفة في عنيه إنه رافضها. الغلط باديء من عندك يا سعاد هانم.

اعتدل في جلسته قبل أن يقول بنبرة حادة كنصل السكين:

ـ عمر و شروق ضحايا الحرب اللي بينك و بين نبيلة، الحرب اللي من أول ما قامت و هي كل شوية يروح ضحيتها حد، و لا أنتِ و لا هي شايفين قدامكوا غير أن كل واحدة عايزة تنتصر على التانية، مين متضرر ؟ ميفرقش، مين هيتأذي بردو ميفرقش.

صاحت سعاد بانفعال:

ـ تبقى كارثة لو بتساويني بنبيلة، نبيلة اللي معجونة بالحقد و الشر، أنت ناسي عملت أيه في نسمة الله يرحمها؟

خالد بقسوة:

ـ و انتِ عملتي أيه لنسمة الله يرحمها؟ موقفتيش في ضهر بنتك ليه و حمتيها و حافظتي عليها؟

كان مٌحقًا و لذلك كان قاسيًا مما جعلها تقول بغضبٍ مرير:

ـ عشان خرجت عن طوعي، و حبت واد كحيان مالوش لازمة.

ضاق ذرعًا من هذا الحديث العقيم، مما جعله يقول بنفاذ صبر:

ـ بلاش نتطرق للماضي عشان مفيش فرصة نغيره، و نسمة و صابر ماتوا الله يرحمهم. أنتِ عايزة أيه دلوقتي؟ 

سعاد بتحسر:

ـ كنت عايزاك تجيب حق شروق من نبيلة. عشان هي السبب في اللي حصل بينها و بين عمر، بس أنت حطتنا كلنا في نفس الكفة، و كأن اللي نبيلة بتعمله بيخيل على الكل..

زفر خالد بضيق تجلى في نبرته حين قال:

ـ لو قلقانه على شروق اتطمني، لكن لو عايزاني اشترك معاكي في الحرب اللي ما بينك و بينها، و حجتك شروق، فدا مش هيحصل، و هرجع واقولك انتِ و نبيلة بالنسبالي غلطانين، و اللي بينكوا محدش مننا طرف فيه.

انهى جملته، و نصب عوده قاصدًا المغادرة لتكز سعاد على أسنانها بغيظ قبل أن تقول بتخابث:

ـ أنا ممكن فعلا غلطانه في حاجات كتير، لكن انا مش زي نبيلة على الأقل مش قتاله قتله..

لم يتوقف فحسب بل تيبست أطرافه لثوان قبل أن يستدير ناظرًا إلى سعاد بعينين حادتين، و بنبرة جافة حادثها:

ـ يعني أيه الكلام دا؟

حانت لحظة انفجار اللغم، بغض النظر عن عواقب ذلك، لذا قالت بكل هدوء:

ٓ عمرك سألت نفسك سهام ماتت ازاي؟  عمرك شكيت أن اللي حصل دا بكون بفعل فاعل مش حادثة زي ما انت متخيل.. 

انهالت الكلمات فوق رأسه كصخورٍ مدببة لا يمر سقوطها مرور الكِرام بل يغرز في قلبه و عقله على حدٍ سواء، لتتجعد ملامحه باستنكارٍ لم يبلغ حدود شفتيه، و وكأن الصدمة ألجمت جميع حواسه، حتى هربت الحروف من على لسانه، فمرت ثوان وهو يحاول استيعاب ما سمع، الى أن استفاق على جرس إنذار من عقله، جعله يغمغم بأنفاسٍ مقطوعة:

ـ  أنتِ بتقولي أيه؟

ارتبكت سعاد من مظهره و تلك القسوة المرعبة التي إطلت من عينيه، لكنها حاولت الثبات على هدوئها حين قالت:

ـ سهام متكعبلتش وقعت من فوق السلم، سهام حد زقها، و الحد دا نبيلة.. نبيلة هي اللي موتت مراتك و ابنك يا خالد، و في بنت من الخدامين شافتها، و هي اللي قالتلي، و البنت دي اختفت خالص، و مش عارفة أوصلها. لو لقيت البنت دي هتعرف كل حاجة بالتفصيل….

عودة الى الوقت الحالي 

ـ نفس الكلام يا صافية، و بردو مصدره سعاد.. نفس الكلام بيتكرر تاني..

هكذا تحدث خالد بنبرة مشحونة بالغضب و اللوعة، لتجيبه صافية بلهفة:

ـ و بردك مفيش دليل يا خالد، كله حديت مافيش دليل يخلينا نتوكدوا ان حديت المرا دي صوح…

خرجت شياطينه من جحيمها، ليضرب الطاولة بيده، وهو يزأر كالأسد الجريح:

ـ أااااااه، سنة و نص أنا في النار دي، قلبت الدنيا كلها عشان أوصل للزفت الدليل دا، لكن بيهرب مني، بيهرب مني يا صافية. بعد ما قولت خلاص لقيته…..

صمت لثوانٍ يسترجع سفرته الى الشرقية، بعدما أخبره التحري الذي استأجره عن مكان تواجد تلك المرأة، برفقة خالتها العجوز

عودة إلى وقتٍ سابق…

ـ متجلجش يا خالد ان شاء الله هتكون هي، و هتوصل للحجيجة يا صاحبي..

كان هذا صوت داوود الذي كان ينظر الى خالد بملامحه الواجمة و عينيه الحادتين، و أنفاسه اللاهثة، فبدا و كأنه يرتجي الحقيقة، و يخشاها في آنٍ واحد، فاكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، وهو يخطو الى ذلك البيت المتهالك، ثم قام بدق الباب عدة مرات، فلم يأتيه رد، ليبدأ الغضب بضرب جوانب صدره، فقام بالطرق بطريقة اقوى، لينفتح باب الشقة المقابلة، و خرجت سيدة في العقد الرابع من عمرها وجهت حديثها إليه قائلة:

ـ أيوا يا بيه اتفضل، عايز مين؟

استدار خالد إليها وهو يقول بفظاظة:

ـ عايز هنادي، مش هي بردو ساكنة هنا؟

ـ دول سابوا البيت بقالهم حبة.. في حاجة ولا أيه؟

و كأنها هوت على رأسه بمطرقة، فهل قضى كل هذه المسافة من الساعات و الكيلومترات لأجل لا شيء؟

ـ يعني أيه سابوا البيت؟ و امتى سابوه؟ 

كان هذا صوت خالد الحانق، لتجيبه المرأة قائلة:

ـ أديلهم كام شهر ماشيين، معرفش راحوا فين، انا أتفاجئت لما لقيت الحاجة رباب سيبالي فلوس الإيجار المتأخر مع واحدة جارتنا و مشيت، لا قالوا ليه ولا رايحين فين…

كان يهبط الدرج، و هو يشعر بألسنة النيران تلتهم صدره، فقد ظن أنه ربما يرسو على شاطئ الحقيقة اليوم، ولكن خابت آماله، فسيظل يتأرجح بين حبال الحيرة، يريد ان يشفي غليل الثأر بداخل قلبه، و لا يملك دليلًا واحدَا يقطع شكه، و يحوله يقينًا. توقف بمنتصف الدرج يحاول السيطرة على غضبه، وألمه، فإذا به يستمع الى تلك الثرثرات بين نساء البناية 

ـ هو في أيه يا أم وحيد، و البيه دا جاي يسأل عن أيه؟

ـ بيسأل عن هنادي، و رباب..

أجابتها السيدة الأخرى:

ـ هما عملوا أيه ياختي كل شوية حد جاي يسأل عليهم، بردك من فترة كدا قبل ما يمشوا جتلهم واحدة ست لابسة حلو كدا، و سألت عنهم و الواد بتاع محل البقالة شاورلها على البيت. 

تدخلت سيدة آخرى:

ـ يكونش دي الست اللي جت خدتهم بالليل في عربيتها و مشيوا؟

عودة إلى الوقت الحالي 

جعد خالد ما ببن حاجبيه، و القهر يعبأ نظراته حين قال بانفعال:

ـ مين الست دي؟ و ليه في التوقيت دا بالذات راحت لهنادي؟ انا تعبت، في نار جوايا مبتطفيش، معقول مراتي و ابني يتقتلوا في بيتي، و اللي تقتلهم أختي…

كان القهر الذي يخيم على ملامحه و يحتل نظراته يجعل القلب يذوب ألمًا على حاله، لذا تهدجت نبرتها حين قالت:

ـ متعملش في نفسك أكده يا جلبي، و بعدين احنا عارفين ان المرا اللي اسمها سعاد دي جادرة، و بتكره نبيلة عمى، و عايزة تخلي الكل يجلب عليها، اديك شوفت، استغلت الموضوع ده عشان تخلي عمر يتجوز شروج..

خالد بمرارة و كأن صبارًا نبت في جوفه:

ـ عمر… عمر اللي بعتبره ابني، طلع عارف و مقاليش.. كان بيبص في عيني، و هو مخبي عليا سر زي دا..

صافية بلهفة:

ـ اعذره يا خالد، ممعهوش دليل يا ولدي، و ده اللي بجوله، عمر خايف عليك و على امه، عشان اكده متكلمش، انما الحية اللي أسمها سعاد أنت متهمهاش، و عايزة تخلوص من نبيلة، عشان اكده جالتلك الحديت العفش ده… و أنت أديلك من وجت ما عرفت و أنت مرشج الجصر كله كامرات، مشوفتش عليها أي حاجة، حتى لما جولنا أن أشجان حبلة مشفناش منيها اي حاجة…

خالد بنبرة متهدجة:

ـ ما يمكن عشان قولتي أنها حامل في بنت…

 كانت تدرك أنه محق، و لكنها تخشى طوفان غضبه الذي سيغرق الجميع، لذا آثرت التصرف بحكمة، فقالت بتعقل:

ـ يا خالد مترميش ودنك للشيطان، جولتهالك جبل سابج، وهجولهالك دلوجتي، اياك والظلم، و نبيلة دي مش أي حد، دي أختك، حتة منِك، مهنا كانت غلطاتها، و أتهام زي دا لو وجهتهولها وكان بالباطل، هتوبجى فركشت العيلة، اللي هتعمل المستحيل عشان تجمعها.. 

انكمشت ملامح خالد بغضب حارق، و احتل الألم عينيه ونبرته حين قال:

ـ أنا كل اللي كان مسكتني هو…

كان يشير الى عمر، ليتابع بنبرة احترقت جميع حروفها قهرًا:

ـ كنت خايف على مشاعره هو، كام مرة كنت هواجهها، و اللي سكتني هو، كنت كتير بسأل نفسي لو الكلام دا طلع حقيقي، هقولهاله ازاي؟ إنتِ فاهمة؟ 

صمت لثوان يحاول التغلب على هذا الضعف الذي يعتريه، لكنه تسرب إلى نبرته حين تابع:

ـ لما الشخص اللي أنتِ خايفة عليه من الوجع هو اللي يوجعك! لسه فاكر دلوقتي يقولي؟

لم تجد إجابة واحدة من شأنها ان تشفي غليل وجعه، لذا آثرت الصمت، ليشرد خالد الى البعيد، وهو يزم شفتيه باستنكار ثم قال بنبرة قاسية:

ـ بس حتى لو نبيلة طلعت بريئة من قتل مراتي و ابني، في حاجات كتير هي مش بريئة منها، و هتتحاسب عليها كلها…

حاولت صافية تهدئته قائلة:

ـ صلي على النبي يا خالد، و استهدى بالله كدا، حتى لو يعني هي فعلا عِملت أكده أنت…

قاطعها خالد بشراسة أفزعتها:

ـ إنا هشرب من دمها، وشرف أمي لو طلع ليها يد في قتل مراتي و ابني، هخليها تشوف جهنم على الأرض، هي و اللي هيقف يدافع عنها…

صوت زامور سيارة اخترق حديثهم، و من ثم انفتح باب الغرفة، و أطل ياسر منه ليقول بجفاء:

ـ يالا يا خالد…

اندفع خالد تجاه مكتبه، و قام بإلتقاط سلاحه،  ثم توجه خلف ياسر، لتوقفه صافية قائلة برجاء:

ـ أحب على يدك يا خالد معيزينش دم..

خالد باختصار:

ـ هو و نصيبه…

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

كانت تقف في الشرفة، تحدّق في الأفق حيث أخذ الفجر يتسلل بخجلٍ بين بقايا العتمة، حتى بدأ الليل يتراجع ببطءٍ عن السماء، لتقف شروق تراقبه في صمت، وفي قلبها سؤالٌ موجع: كيف يستطيع الصباح أن يأتي بهذه الطمأنينة، وكأن شيئًا لم يحدث؟ كيف ستشرق الشمس الآن بكل هذا الصفاء، بعد ليلةٍ مرت على بعض القلوب كأنها دهرٌ كامل من الوجع؟ فهاهي خيوط الضوء تنساب على الأشياء برفق، تُعيد إلى العالم ألوانه، بينما هي تعرف أن ثمة قلوبًا لم تستعد ألوانها بعد، وأن أناسًا سيستيقظون هذا الصباح وهم يحملون في صدورهم ما تركه الليل من ندوب، وللمرة الأولى، بدا لها الشروق مؤلمًا أكثر من العتمة لأن العتمة، على الأقل، كانت تشبه أحزانهم… أما الصباح فهو زائرٌ عابث لا يهتم لأحد فيمضي في طريقه كأنه لا يرى أشلاء القلوب التي مزقها الليل..

 

انفتح باب الغرفة، لتعتريها رجفة قوية وهي تتخيل حالته، و ما يخابره من ألم، و كيف ستتعامل معه، و لكنها لم تكُن تدرك الحجم الحقيقي لهذا الألم، الذي كان ينخر في داخله كسوسٍ خفيٍّ لا هو شيءٌ ملموس يستطيع اقتلاع أنيابه من جسده، ولا جرحٌ ظاهر يضع عليه ضمادًا فيبرأ، وإنما وجعٌ مستتر يتوغل فيه دون رحمة، يأكل من صلابته شيئًا فشيئًا، ويستنزف قوته على مهل، و الأشد قسوة، أن هذا الألم لا يقتله دفعةً واحدة، و لكنه يُبقيه حيًّا بما يكفي ليشهد على موت كل خلية به دون القدرة على المقاومة..

استدارت بهدوء تنظر إليه، و لكنه لم يستطع أن يفعل مثلها، فقد هُتك عرض كبرياؤه، بحيث لم يستطع النظر في عينيها، فقرر الهرب من اماها، و لكن همسها أجبره على التوقف:

ـ عمر…

لا إراديًا التفتت عينيه إليها تشكيان مر ما يشعر به، لتقترب منه بخطواتٍ هادئة، لتقف أمام عينيه وهي تهمس بنبرة خافتة:

ـ رايح فين؟

كان يتمنى لو أنه ارتمى بين ذراعيها، وهو يبكي ألمه، و لوعته، و حزنه، ولكن بقايا كبرياؤه الجريح أجبرته على المقاومة، لذا تحدث بنبرة متحشرجة:

ـ هغير هدومي و هنزل، نامي أنتِ…

لم تتألم لجفائه إنما تألمت كونه وضع جدارًا فاصلًا بينها و بين وجعه، فلا يمكنها من مداواته، و لا الاقتراب منه، لتحاول التحدث بتعقل:

ـ رايح فين؟

عمر بجمود:

ـ ميخصكيش، روحي أنتٍ نامي…

دفعها برفق، و توجه الى غرفة الملابس لتلحق به و الهدوء يخيم عليها، كما هي العادة، و لكنه لم يخلو من الترقب، لتراقبه وهو يبدل ملابسه، ثم توجه الى تلك الخزنة الصغيرة ليخرج منها شيئًا ما، لم تراه بوضوح، و لكنها شعرت بانقباض قوي في صدرها، حاولت تجاهله، وهي تقترب منه، لتتغلب على حيائها، و تقوم بمعانقته من الخلف، فإذا بجسده يتصلب لوهله، وهو يشعر بدفء قربها يحاوطه، و للحظه أراد الالتفات و احتضانها بقوة، وهو يشكو لها قسوة ما يشعر به، ولكن… لن يقدر على فعلها، لن يقدر حتى على النظر في وجهها، و لا في وجه اي شخص قبل أن يتخلص من هذا العار الذي يشعر به، ولكن عينيه فاض بها الوجع، فأفصحت عن بعضٍ منه، لتشعر شروق بشيء ساخن يسقط فوق كفوفها التي تعانق خصره، فبكت هي الآخرى، و لكنه لم يعد يحتمل، لذا فك حصار يدها من حوله، و تراجع دون أن ينظر في عينيها، و قد جن جنونها من فعلته، لما يحجب عينيه عنها بهذه الطريقة؟ و لإول مرة تخرج عن طور هدوئها لتصرخ بانفعال:

ـ عمر، استنى هنا رايح فين؟

لم يجيبها، فقد كان يريد الهرب منها و من ضعفه أمامه، بأمرٍ من شيطانٍ مريد صور له أنه لن يستطيع رفع رأسه في وجهها إلا بعد أن يُسقط عن كاهلة هذا العار…

قام بفتح باب الغرفة دون النظر الى نداءاتها، ليندفع إلى الأسفل، فجذب سمعه هذه الأصوات في الخارج..

اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، وضيق الصدر وثقل القلب.❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

كان يقف أمام جهاز تسخين الطعام، ينتظر نضوج أحد الوجبات السريعة وهو يهتف بتمني:

ـ يارب افتح ألاقي في حلة محشي جوا…

و ماهي ثواني حتى علت صافرة الانتهاء، ليفتح باب الجهاز، فوجد أن قطع الدجاج قد نضجت، فهتف بتذمر:

ـ أيه دا ناجتس؟ فين المحشي؟ الإير فراير دي مضروبة و لا أيه؟

حمل الطبق و وجلس حول الطاولة المستديرة في المطبخ ليشرع في تناول طعامه، فرن هاتفه، ليجيب على الفور ما إن رأى اسم المتصل:

ـ باشاااا، عليا النعمة التليفون زغرط من الفرحة لما شاف اسمك..

سالم بجمود:

ـ بطل نصب و أفلام هندي، منزلتش ليه زي ما قولت؟

مروان بملل:

ـ كسلت احضر هدومي الصراحة. قولت أبقى أكلمهم فيديو كول..

سالم بتهكم:

ـ تصدق سليم كان عنده حق لما قال أن إنت عيل تافه، و ملكش كلمة اصلًا..

مروان بسخرية:

ـ و سلومة ألو بوز دا كمان له نفس يتكلم! هي البلد باظت من شوية.. حظه أني متضايق و مش فاضيله..

سالم باهتمام:

ـ مالك في أيه؟

مروان بتذمر:

ـ الدنيا اتقل بركتها يا كبير، كنت راسم اني هتغدى محشي النهاردة، بس للأسف رسيت على ناجتس.. الأير فراير طلعتلي ناجتس مكان المحشي…

سالم بنفاذ صبر:

ـ يعني حاطط ناجتس في الإير فراير، و مستنيها منها تطلعلك محشي؟ انت متخلف يا مروان؟

مروان بعفوية:

ـ لا طيب و أهبل، هما مش بيقولوا بتيجي مع الهُبل دوبل، مجتش معايا ليه انا عايز أفهم. انا أكيد محسود…

صاح سالم بسخط:

ـ مروان متاكلش دماغي، في موضوع مهم عايزك فيه..

مروان بلهفة:

ـ رقبتي يا كبير..

سالم بجفاء:

ـ مروان، في صفحات مدفوعة منزله فيديو مش كويس لبنت أخت واحد صاحبي، و عايزك تقفلها في أسرع وقت..

مروان باستفهام:

ـ يعني أيه فيديو مش كويس! بتشتم بالأب والأم يعني!

سالم بحنق:

ـ أب و ام أيه يا بني آدم أنت؟ فيديو غير أخلاقي..

صاح مروان مُهللًا:

ـ أوبا.. أديني في الغير أخلاقي. أديني لينكات الصفحات بسرعة أروح اتفرج..

صاح سالم غاضبًا:

ـ أنت يا زفت لم نفسك…

مروان بتحسر:

ـ مانا ملموم، و دي المشكلة، بالك انت أنا لو متبعتر، و رجل في الهيء و إيد في الميء؟ مكنش زمان دا حالي..

سالم بنفاذ صبر:

ـ بطل رغي و أنجز، هتقضي و لا لا؟

مروان بجدية:

ـ عيب يا باشا، مقضية، دانا سمير سبوت حبيبك..

ابتسم سالم رغمًا عنه ليقول باستفهام: 

ـ مش ناوي تنزل مصر قريب؟

مروان بمرح:

ـ لما تعترف أني وحشتك هاجي. 

سالم بخشونة:

ـ احنا فعلًا وحشتنا طولة لسانك..

مروان بسخرية:

ـ اقتل عمتك، و انا أضحكك سنة قدام ببلاش

 

سالم بحدة رغمًا عن ابتسامته:

ـ غور من وشي..

اللهم بدّل كل ثقل في صدري خفة، وكل حزن فرحًا، وكل قلق طمأنينة، وكل خوف أمانًا.

اللهم قرّب إلى قلبي أسباب السعادة، وابعد عنه أسباب الحزن، واجعل القادم من عمري أجمل مما مضى.❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

توجه الرجلان الى الحديقة الخلفية، حيث يتواجد الكثير من الحرس يلتفون حول مصطفى المُلقى أرضًا و الدماء تتساقط من أنفه، و تزين وجهه آثار لكمات، فما أن رآه ياسر حتى سخر قائلًا:

ـ دا الرجالة روقوا عليك..

اقترب عابد من خالد قائلًا:

ـ لحقناه كان طالع على المطار…

زمجر خالد بوعيد:

ـ كمان! بقى عايزه تهرب؟ دا أنت لو بتستعجل موتك مش هتعمل كدا…

كان مصطفى يرتعب من هذان الوحشان اللذان يقفان أمامه، بتاك القامة المديدة، و الملامح المرعبة، و الأعين المتوعدة،  ليرتجف جسده، وهو يقول بذعر:

ـ أنا، أنا والله، ما نشرت حاجة، و، و كمان، الموضوع دا انتهى، انتهى من زمان، و هي، هي عارفة..

لم يكد ينهي جملته حتى نال ركلة قوية من خالد الذي صاح بوحشية:

ـ اخرس يا ابن ال….، أنتهى! هو أيه اللي انتهى يا روح أمك؟ دا عمرك اللي انتهى..

انهى خالد حديثه، و هو ينهال عليه ضربًا، و كذلك ياسر الذي أخذ يوجه إليه اللكمات، و الضربات، ليشفي غليل غضبهم جميعًا، و فجأة اندفع عمر من الخلف، لينقض على مصطفى، ليضربه بوحشية وهو يصيح بشراسة: 

ـ يا كلب يا زبالة.. انا تعمل معايا كدا، يا حقير والله لهقتلك، و اشرب من دمك…

كاد مصطفى أن يهلك بين يدي عمر، ليتدخل كُلًا من خالد و ياسر الذي صاح مُحذرًا:

ـ خلاص يا عمر هيموت في ايدك مش ناقصين بلاوي تانية…

جذب عمر نفسه من يديهم، و هو يصيح بصوتٍ جهوري:

ـ سيبوني لازم اخلص عليه الكلب اللي غدر بيا دا.

ضاق خالد ذرعًا بما يحدث، فدفعه للخلف بحدة و هو يقول بانفعال قاسي:

ـ ما قولنالك خلاص، أنت حالف لا تضيع مستقبلك. عايز تصلح غلط بغلط أكبر…

صرخ عمر بيأس:

ـ مش هيتصلح، مفيش حاجة بتتصلح، لازم اخلص عليهم عشان نقدر نرفع راسنا وسط الناس. 

تدخل ياسر بحدة:

ـ بطل عبط يا عمر. على أساس ان الحكومة هتسيبك تمشي وسط الناس؟ أنت كدا بتلف حبل المشنقة حوالين رقبتك، هتبقى الناس تنفعك في أيه وقتها؟

عمر بيأس:

ـ مش فارقلي، اي حاجة هتكون أهون من اني مش قادر حتى أحط عيني في عين مراتي…

كان وجعه قاسيًا، لكن وجب تدخل العقل حتى لا يتحول الأمر إلى كارثة كبيرة لذا تحدث خالد باقتضاب:

ـ خرج نفسك من الموضوع دا خالص، احنا هنتعامل. مش عايزين فضايح أكتر من كدا….

اللهم ارزقني راحة البال، وهدوء النفس، وطيب العيش، وجميل الأيام، ونعمة الرضا.

اللهم اجعل سعادتي من عندك، فلا يملكها بشر، ولا يسرقها حزن، ولا يبددها خوف❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

كانت كالملاك الذي استضاف شيطانًا، ليمكث في موطنه في غفلةً منه، فبعد وصلة من البكاء شعرت رنا بالتعب لتتحدث بخفوت:

ـ انا هدخل التويليت اغير هدومي عشان ننام، لأني تعبت بجد…

سهيلة بخبث:

ـ طبعًا يا روحي، اتفضلي…

دلفت رنا إلى المرحاض، لتبدل ملابسها، لتهب سهيلة من مكانها، وهي تفكر بخُبث، كيف ستتمكن من تنفيذ مخططها اللا أخلاقي، فما أن شعرت بأن رنا على وشك الخروج حتى استدارت وهي تنظر إلى ذلك الفيديو المتداول لهايدي، وهي تشهق باستنكار، جذب فضول رنا التي اقتربت منها، وهي تقول باستفهام:

ـ في أيه يا سهيلة؟

تعمدت سهيلة إيقاع الهاتف من يدها و ذلك المقطع لا يزال مستمرًا، لتقع عيني رنا على مشهدًا مقززًا، استنكرته برائتها بشدة لتشهق بعُنف، وهي تستدير الى الجهة الأخرى تخبيء وجهها، وهي تهتف بصدمة:

ـ اقفلي التليفون دا اقفليه..

سهيلة بأسف زائف:

ـ حقك عليا يا رنا والله أنا حاولت اخليكي متشوفيش حاجة، بس البنات بعتوا الفيديوز على الجروب، و ملحقتش اقولهم احذفوه…

اقشعر جسد الفتاة البريئة، وهي تستمع الى تلك الأصوات المقززة التي تأتي من الهاتف، لتصرخ بانفعال:

ـ سهيلة قولتلك اقفليه…

سارعت سهيلة بإيقاف الفيديو ثم اندفعت تجاه رنا تعانقها بقوة، وهي تقول باعتذار زائف:

ـ سوري يا رنا والله مقصدتش انك تشوفي الزفت دا…

التفت ذراعيها كالحياة حول جسد الفتاة، وأخذت تمرر أناملها فوق ظهرها صعودًا و هبوطًا بدناءة، لم يصل إليها عقل رنا، التي إخذت تبكي و ترتجف من هول تلك المشاهد التي وقعت عليها عينيها منذ قليل، لينتفض جسدها حين شعرت بسهيلة تضع قبلة ليست بالبريئة على جدار عنقها، فتراحعت رنا إلى الخلف مذعورة، لتتقن الآخرى ارتداء قناع البراءة حين قالت:

ـ يخربيتك خضتيني، ايه يا رنا أنتِ عليكِ عفريت و لا أيه؟

كانت بريئة لا تعرف فن التلاعب مما جعلها تقول بتلعثم:

ـ سهيلة أيه القرف دا؟ أيه اللي إنتِ عملتيه دا؟

حاولت سهيلة التعتيم على فعلتها قائلة بانفعال ساخر:

ـ تصدقي انا جزمة عشان بواسيكي؟ أيه يا بت في أيه دا احنا بنات زي بعض يخربيتك، أوريكي البطاقة؟

كانت جملة لطالما رددتها، بأنهن فتيات، و لهذا فكل شيئًا مُباح بينهن، تلك الجملة التي يقع في فخها الكثير من الفتيات، فتكن هي مفتاح باب الخطأ، و لكن رنا اصبحت تستنكرها كثيرًا، لتناظرها بغضبٍ عارم، و لكنها لن تستطِع إضافة شيء كون سهيلة في منزلها، لتتغاضى الأخيرة عن الموقف برمته، و تقول بمزاح:

ـ ايوا يا قفل مصدي أزغريلي ازغريلي، يالا هاتيلي حاجة البسها عشان ننام…

استدارت رنا و توجهت الى الخزانة،  لتجذب ملابس بيتية للنوم مكونة من بنطال و فوقه تيشيرت بنصف أكمام، و ما ان التفتت حتى تفاجئت بسهيلة التي خلعت بنطالها، و شرعت بخلع التيشيرت، لتشهق رنا بذهول:

ـ سهيلة أنتِ بتعملي أيه؟ كدا عيب ادخلي غيري في الحمام….

جذبت سهيلة الملابس من يد رنا، وهي تهتف بامتعاض:

ـ بطلي يا بت يا هبلة انتِ كلامك العبيط دا..

ثم تقدمت وسط ذهول من رنا لتتهادى في مشيتها الى أن توقفت أمام المرآة تستعرض جسدها عن قصد، ينافي نبرتها التي ألبستها عفوية مزيفة حين قالت:

ـ  قوليلي صحيح أيه رأيك في التان؟ 

كانت رنا تشعر بعدم الارتياح، و تمنت لو أنها رفضت مجيئها، لكنها لم تستطيع الإفصاح عن ذلك، فاستدارت تعبث بالأشياء فوق مكتبها وهي تتممتم باختصار:

ـ حلو…

واصلت خطتها الممنهجة في جذب انتباهها، لتهتف بحماس:

ـ قوليلي صحيح اعمل التاتو فين ؟ هنا ولا هنا؟

كانت تشير إلى أجزاء من جسدها، لتستدير رنا قائلة باستنكار:

ـ على فكرة التاتو حرام…

سهيلة بضيق:

ـ صدق لما قولت عليكي قفل مصدي، يا بنتي فكيها شوية، كل حاجة حرام و حلال؟ هنتبسط ونعيش حياتنا امتى ؟

رنا باستهجان:

ـ ما نعيش حياتنا من غير ما نعمل حاجة حرام، هو لازم نعمل حاجات تغضب ربنا عشان نتبسط؟

ألجمتها الكلمات، و لم تجد ما تقوله، لمشاهدة رنا التي توجهت الى السرير، وهي تقول باقتضاب:

ـ البسي و اطفي النور عشان ننام…

اغتاظت سهيلة منها، فقد نجحت في إخراسها تمامًا، لكنها قررت أن لا تيأس، لتبتسم بخُبث، وهي تتوجه الى مخدع رنا، لتستلقي بجوارها، و لكن الأخيرة كانت تعطيها ظهرها، فقررت الإنتظار حتى تخلد إلى النوم….

اللهم ارزقني سعادةً تملأ قلبي، وطمأنينةً تسكن روحي، ورضًا يجعلني أرى نعمك في كل تفاصيل حياتي.

اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي صدري سعةً، وفي نفسي سكينةً، وفي أيامي فرحًا لا ينقطع❤️

♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡

بدأن الشمس بنشر أشعتها في كل مكان، ليدلف خالد إلى غرفته، تزامنًا مع خروج أشجان من الحمام، لتقع عينيها على ملامحه التي بالرغم من انهاكه الواضح لازالت تحتفظ بوسامة خشنة يرتج لها قلبها كلما رأته، و خاصةً حين يبتسم تلك البسمة الحانية التي كان يخصها بها وحدها.

اقتربت منه بهدوء وثغرها بعتليه ابتسامة ناعمة، ليستفهم بنبرة خشنة:

ـ لسه صاحية؟

توقفت أمامه مباشرةً وهي تجيبه بنبرة رقيقة:

ـ و أنا من امتى بنام قبل ما تيجي؟

نجحت في تخدير أوجاعه ولو لبرهة، فأخذ يناظرها بحب، ليغرق في حنانها و طيبتها، و برائتها، فكل هذه الصفات الجميلة كانت أكثر ما يجذبه إليها، و ايضًا تجعله يخشى عليها من النسمة، فحبيبته انقى و اجمل و أرق من قابل في حياته، فلا يزال يتذكر فزعه حينما علِم بتلك الفاجعة، و خوفه الشديد عليها

عودة إلى وقتٍ سابق

ـ اهدى يا خالد شوية، انت واخد كل احتياطاتك، و منعت أختك انها تدخل القصر بالإضافة لأن مفيش مكان فيه مفيهوش كاميرات، يعني انت شايف دبة النملة اللي بتحصل و انت غايب، حتى الخدم اللي انت معينهم، مؤهلين يتعاملوا لو حصل أي حاجة، فاضل أيه تاني تعمله؟

هكذا تحدث سالم في محاولة منه لطمأنة خالد الذي كان كالليث الغاضب، لا يهدأ، و لا ينام، طالما أنه لم يصل إلى حقيقه تهدأ من غليان الدماء في عروقه، مما جعله يهتف بحدة:

ـ مش ههدى يا سالم غير لما أوصل للحقيقة، مش هقدر اطمن غير لما اعرف هي عملت كدا و لا لا، إنت متخيل أني مش مآمن على مراتي و بيتي في بيتي؟

سالم بتعقل:

ـ خلينا نتكلم بالعقل يا خالد عشان مفيش حد هيتحمل أنه يعيش في الشك و الغضب طول حياته، هتتجنن في الآخر، دلوقتي احنا قدام اتهام صعب مفيش عليه دليل واحد ملموس، بالإضافة لإن في حرب دايرة من زمان بين اختك و حماتها، و اللي عي مصدر الاتهام دا، و كا اللي بيخليني أقولك انه مينفعش تاخد أي رد فعل ضد أختك على شيء إنت مفيش عندك أي دليل أنه حصل… 

دعست كلماته على موضع الجرح تحديدًا، ليزمجر بألم:

ـ و موضوع حبوب منع الحمل اللي أمرت الخدامة أنها تحطها لأشجان؟ دا مش دليل؟

سالم بجمود:

ـ دا بيوسع دايرة الشك لكن مش دليل أنها عملت كدا، دا قتل يا خالد. مش اي حد مهما كان سيء يقدر يعمل حاجة زي دي…

وضع خالد يده فوق جبهته يفركها بتعب تجلى في نبرته حين قال:

ـ تخيل لو مكنتش الخدامة قالتلي باللي طلبته منها؟ تخيل لو نفذته؟ هي كل دا متخيلة ان الخدامة بتحط حبوب منع الحمل لأشجان، انا كل يوم بستنى تقولها وقفي متعمليش كدا، لكن لا محصلش، دي قاصدة تحرمني من أكتر حاجة بتمناها في حياتي…

سالم بنبرة خشنة:

ـ الموضوع صعب يا سالم انا عارف، بس لو تطرقت ليه و كشفته قدام الناس كلها، من غير أي اثبات هتبقى بإيدك بتهد العيلة اللي تعبت و انت بتحافظ عليها..

زحف الألم إلى نبرته حين قال:

ـ انا أول مرة في حياتي أحس بالخوف كدا، تخيل لو أشجان حملت؟ ممكن تفكر تأذيها؟ وقتها مش هتردد لحظة اني اخد روحها… 

سالم بتعقل:

ـ ان شاء الله مش هيحصل، و بعدين احنا مش ساكتين، و قريب هتوصل للبنت الخدامة دي، و هتعرف الحقيقة…

عودة إلى الوقت الحالي 

ـ معقول سرحان وانا معاك؟

هكذا عاتبته أشجان حين نادته، و لم يجيبها، لتشتبك عينيه مع عينيها في نظرة طويلة مشبعة بالعواطف التي تخللت نبرة خالد حين قال:

ـ أنا معاكِ، معاكِ دايمًا، أصلًا أنا اكتشفت أن مفيش حاجة راحة في الدنيا غير قدام عنيكي…

مدت يدها تحاوط عنقه، وهي تقول بحُب صاحب نبرتها الناعمة:

ـ وأنا هفضل معاك و جنبك لحد ما نوصل كلنا بر الإمان…

كم كان يتوق في هذه اللحظة ان يخبرها عن مدى ألمه، و لوعته و عذابه، و ان يفرغ ما بصدره من أوجاع، و لكنها كانت بريئة و رقيقة للحد الذي جعله يخشى عليها من هول تلك الحقائق، ليمد يده يحاوط خصرها بقوة، وهو يهمس بجانب أذنها:

ـ أوعدك أني هعمل المستحيل عشانكوا، و مش هسمح لأي حاجة في الدنيا أنها تأذي حد فيكوا…..

أدركت بأنها يحتاجها، و بأنه يحمل الكثير داخل قلبه، لكنها لن ترهقه بكثرة الاستفهامات، بل ستتجاوز عن الاسباب، و ستحاول تخفيف وطأة الإمر عليه، لذا أخذت تربت بحنو فوق ظهره، وهي تهمس بحب:

ـ واثقة فيك، و عارفة اني اخترت سند ليا و لولادي العمر كله. 

و بلحظة مجنونة تراجعت عنه لتنظر في أعماق عينيه، وهي تقول بشغف قاتل:

ـ أنا بحبك أوي يا خالد…

انهت جملتها،و لأول مرة تبادر بالاقتراب منه،  لتعبر حدود خجلها نحو شفتيه، و تقبله بعمق فاجأة في البداية، لكنها كانت المفاجأة الأحب إلى قلبه، ليتراجع بها بقوة، حتى صارت محتجزة بينه و بين الحائط، ليظل يعمق من التحامهم، و كأن قريها نهرًا متدفق من السعادة، التي انتشلته عنوة من بين براثن الألم، ليغرق بها و تغرق به، ولكن دائمًا هناك لحظات خلقت لتفسد سعادة لحظاتٍ آخرى، فقد تعالى رنين هاتفه بإلحاح، ليتراجع عنها على مضض ليجيب على عابد الذي قال بلهفة:

ـ خالد باشا في حاجة مهمة حصلت…

خالد بترقب:

ـ حصل أيه؟

ـ آسيا هانم…


تعليقات