رواية درة الجبالي الفصل الرابع
"يا غفر! يا رضوان! إلحجوا العمدة...حد يلحجني يا خَلْج هوووي!"
صرخات "درة" المرعوبة شقت السما، ورنت بين غيطان القصب وكسرت سكون النهار. كانت قاعدة على الأرض الطين المبلولة، حاطة راس "عزيز" على رجلها، وإيديها بتترعش وهي بتكتم بشالها الأسود المتقطع جر*حه الغويط في كتفه، في محاولة يائسة عشان توقف شلال الد*م اللي نازل من غير رحمة.
اتجمع الغفر من كل ناحية بيجروا بسلا*حهم، وفي أولهم "رضوان" اللي وشه بهت زي الأموات أول ما شاف سيده، جبل الصعيد، مرمي على الأرض وغر*قان في د*مه.
"يا مُري الطين! العمدة انضرب بالنار! شيلوا معاي يا رجالة، جَوام على عربية البيه!" صرخ رضوان وهو بيرفع عزيز مع باقي الرجالة.
درة ماسابتش إيد عزيز لحظة. جريت معاهم ناحية عربية الدفع الرباعي اللي واقفة على أول الأرض. ركبت ورا، وحطت راسه على صدرها، ولا فرق معاها الدم اللي غرق عبايتها السودة.
"سوج بسرعة يا رضوان، أبوس يدك طير بينا!" كانت بتصرخ ودموعها نازلة زي السيل على وش عزيز الشاحب.
في اللحظات دي، عزيز كان بيروح من الدنيا ويرجع، بياخد أنفاسه بالعافية، بس كان حاسس بإيديها الناعمة وهي بتمسح العرق من على وشه، ودموعها السخنة اللي نازلة عليه. حاول يبتسم، حاول يقولها إنه بخير طول ما هو قريب منها، بس الكلام هرب منه، وغرق في الضلمة.
جوه سراية الجبالية
أول ما العربية وقفت والرجالة شالوا عزيز لجوه، صرخات "الحاجة زينب" زلزلت حيطان السرايا.
"يا ولدي! سبع الليل انضرب! يا حرجة جلبي عليك يا عزيز! يا خراب بيتي!"
هجمت الحاجة زينب على درة اللي واقفة في ركن بتترعش، وإيديها وهدومها كلها د*م. مسكتها من كتفها بقسوة وهزتها بعنف:
"إنتي السبب! من ميته ما عتبتي السرايا دي وإنتي جايبة معاكي الخراب والد*م! جولتهالو بلاش الأرملة، بلاش المجللة بالسواد، دي وش النحس! جتلتي ولدي يا درة، خليتيهم يغتالوا كبير الجبالية!"
درة مانطقتش بكلمة. كانت في صدمة، وعينيها متسمرة على باب الأوضة الخشب اللي قفلوه على عزيز، بعد ما دخل دكتور البلد ومعاه جراح كبير جابوه من البندر على ملى وشه. درة ماحستش بإهانة الحاجة زينب، كل اللي بيلف في دماغها هو مشهد عزيز وهو بيلف جسمه عشان ياخد الرصاصة مكانها. فداها بحياته! الطاغية المغرور، العمدة اللي كانت فاكرة إن مالوش قلب، خلى صدره درع يحميها بيه.
روايه درة الجبالي بقلمي نور محمد ض
بعد ساعتين عدوا كأنهم قرنين، طلع الدكتور وهو بيمسح العرق من على جبينه. جريت عليه درة والحاجة زينب في نفس اللحظة.
"طمني يا حكيم، ولدي زِين؟ عساه بخير؟" سألت الأم بقلب مخلوع.
اتنهد الدكتور وقال: "نحمدوا المولى يا حاجة.. الرصاصة كانت جريبة جَوي من شريان رئيسي في الكتف الشمال، بس ربنا ستر وعدت على خير. إحنا طلعنا الرصاصة ووجفنا النز*يف، وهو دلوك تحت تأثير البنج. هيعوز راحة تامة، وممنوع الحركة واصل لحديت ما الجر*ح يلم."
الحاجة زينب وقعت على الكرسي تحمد ربنا، ودرة رجعت لورا، سندت ضهرها على الحيطة وخدت نفس طويل لأول مرة من ساعات. حست كأن جبل وانزاح من على صدرها.
"أنا هدخل أطمن عليه." قالت درة بصوت واطي بس قاطع.
قامت الحاجة زينب وقفت في طريقها: "إنتي مش هتعتبتي باب أوضته واصل! وجودك جاره بيجيبله الأذية والمَرَض."
درة رفعت عينيها، ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، نظرتها ماكانتش شايلة التحدي الغاضب بتاع كل مرة، دي كانت شايلة إصرار من نوع تاني.. إصرار واحدة بتدافع عن حقها.
"عزيز جوزي يا حاجة.. وهو اللي خد الرصاصة مكاني، ومحدش في السرايا دي كلياتها هيمنعني أكون جاره. وسعي من طريجي."
درة عدت من الحاجة زينب اللي وقفت مذهولة من طريقتها، ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بهدوء.
الأوضة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت أنفاس عزيز المنتظمة. كان نايم على السرير الواسع، عر*يان من فوق، وكتفه الشمال ملفوف بشاش أبيض. درة قربت بخطوات بطيئة.
سحبت كرسي وقعدت جنبه. فضلت تتأمل ملامحه الرجولية القاسية اللي لانت مع النوم. غمضت عينيها، والذاكرة رجعتها لجوزها المرحوم "صالح". كانت فاكرة إن قلبها مات معاه، وإنها عمرها ما هتحس بالخوف أو العاطفة ناحية أي راجل تاني. بس اللي حصل النهاردة زلزل كيانها. إزاي راجل ماتعرفوش غير من كام يوم، راجل غصبها على الجواز، يقدر يهد حصونها بالسرعة دي؟
رفعت إيديها اللي بتترعش، ومن غير ما تحس، مشيت صوابعها بنعومة على خصلات شعره الأسود التقيل اللي نازل على جبينه.
"ليه عملت إكده يا عزيز؟" همست بصوت مخنوق بالدموع، "ليه تفديني بروحك وإنت خابر زِين إني بكرهك؟ ليه تخلي جلبي يوجعني عليك إكده؟"
"عشان مبحبش أشوف حاجة تخصني بتنضر واصل..."
درة اتنفضت مخضوضة وسحبت إيديها بسرعة، لقت عيون عزيز الصقرية مفتوحة، بتبصلها بنظرة عميقة، غامضة، وشايلة آلاف الكلمات. ورغم التعب الواضح في صوته المبحوح، نبرة التملك ماسابتهوش.
"إنت.. إنت فُجت؟" اتلجلجت درة ووشها بيطلع نار من الكسوف لإنها اتقفشت وهي بتلمسه وبتعيط عليه.
عزيز حاول يتعدل في قعدته، بس اتوجع ومسك جرحه.
"خليك مرتاح، الحكيم جال ممنوع الحركة واصل!" قالتها بلهفة ووطت عليه عشان تسند ضهره بالمخدات بالراحة.
كانت قريبة منه جداً، وشها على بُعد سنتيمترات من وشه، وعطرها الطبيعي المختلط بريحة الخوف ملى حواسه. عزيز ماقاومش سحر اللحظة. رفع إيده السليمة، وقبض على معصمها بضعف بس بإصرار، وخلاها تبطل ترتيب في المخدات.
"بتبكي عليا يا درة؟" سألها بصوت واطي، وعيونه بتخترق عينيها اللي بتدمع. "خايفة عليا، ولا خايفة تترملي للمرة التانية؟"
درة لفت وشها بعيد عشان تهرب من نظراته المهلكة، وقالت بصوت بيقطع:
"أنا.. أنا بس صعب عليا إنك تتنضر بسببي. الرصاصة دي كانت جيالي أنا."
عزيز أجبرها تبصله لما حط صوابعه الخشنة تحت دقنها ورفع وشها ليه.
"الرصاصة دي لو كانت صابتك، كانت هتجتلني أنا جبلك يا درة. أنا عزيز الجبالي، مابهابش الموت، بس لما شوفت الموت بيجرب منك.. جلبي هو اللي ارتجف من الخوف."
عيون درة وسعت من الصدمة باعترافه الجريء. هو بيعترفلها بالحب؟ العمدة اللي ميعرفش غير النزوة العابرة؟
"إنت بتهته من تأثير البنج يا عمدة.. نام وارتاح."
حاولت تبعد، بس سحبها ناحيته أكتر بحركة مفاجئة، فاختل توازنها ووقعت بإيديها على صدره العريان السليم، وجسمها لامس جسمه.
شهقت درة وحاولت تقوم، بس دراعه السليم لف حوالين وسطها، وثبتها مكانها. قلبه كان بيدق بعنف تحت كفوفها، وأنفاسه السخنة بتضرب في وشها.
"أنا واعي لكل كلمة بجولها." همس عزيز بصوت خشن، رجولي، دوب كل ذرة مقاومة جواها. "أنا جولتلك، الأسود ده هيتجلع، وهتيجي لحضني برضاكي. واليوم، إنتي جطعتي شالك الأسود بيدك عشان تداوي جرحي.. يعني كلامي طلع صوح يا درة."
أنفاسهم اتخلطت، والمسافة بين شفايفهم بقت شبه معدومة. درة حست بضعف شديد بيسري في جسمها. عيونه سحراها، ورجولته الطاغية، وريحة د*مه اللي سال عشانها، كلها حاجات دمرت قلاعها. غمضت عينيها مستسلمة للحظة، مستسلمة للجاذبية اللي بتشدها ليه.
قرب عزيز أكتر، ولمس شفايفها برقة متعودتهاش منه، قبلة عميقة، شايلة مزيج من الوجع، العشق، والتملك. تسلب الروح وتعلن عن ولادة عهد جديد مفيش فيه مكان لذكرى "صالح"، بل لـ "عزيز" وبس. درة بادلته بكسوف وتوتر، وبعدين بلهفة فاجأتها هي شخصياً، كأنها كانت عطشانة بقالها سنين ولقيت أخيراً نبع الحياة.
عزيز بعد عنها ببطء، بياخد نفسه بصعوبة، وابتسامة انتصار عاشقة مرسومة على شفايفه، في حين إن درة كانت بتنهج، ووشها أحمر جداً، بتبصله بذهول من نفسها ومنه.
"جولتلك.. إنتي لِيَّ." همس بيها وهو بيدفن وشه في رقبتها.
اللحظة الساحرة دي قطعها خبط قوي وسريع على باب الأوضة.
"يا عمدة! يا بيه إنت فايج؟" صوت رضوان الغفير كان فيه ذعر مكتوم.
درة اتعدلت بسرعة بتظبط هدومها وشعرها، وعزيز عقد حواجبه بغضب من المقاطعة دي.
"أُدخل يا رضوان، خَبَر إيه؟" زعق عزيز بصوت عالي.
دخل رضوان وهو بيفرك إيديه بتوتر، وبص لدرة وبعدين لعزيز، وقال متردد:
"يا بيه.. إحنا مسكنا الواد اللي ضرب عليك النار. كان بيحاول يهرب في الجطر، بس الرجالة جابوه متكتف لحديت السرايا برا."
عيون عزيز لمعت بشراسة، واتحول في لحظة من العاشق المتيم للعمدة القاسي. حاول يقوم بس درة مسكته.
"إنت رايح فين؟ جرحك هيفتح تاني!"
"إوعي من طريجي يا درة.. اللي يتجرأ ويرفع سلاحه على عزيز الجبالي، لازم أدوس على رجبته جُدام البلد كلياتها."
عزيز بص لرضوان وقال: "مين الكلب ده يا رضوان؟ ومين اللي مصلطه علي؟"
رضوان بلع ريقه بصعوبة، وبص لدرة بنظرة مليانة شفقة وخوف، وبعدين قال بصوت واطي:
"الكلب ده يطلع.. يطلع 'دياب' يا عمدة."
عزيز كرمش حواجبه باستغراب: "دياب مين؟"
في حين إن عيون درة وسعت بصدمة مرعبة، وحست كأن جردل ماية تلج اتدلق على راسها.
رضوان كمل كلامه: "دياب.. أخو المرحوم صالح.. وابن عم الست درة!"
صمت مميت سيطر على الأوضة. درة بصت لعزيز بخوف، وعزيز لفلها ببطء، وعيونه اللي كانت بتفيض بالعشق من شوية، اتحولت لبركان من الغضب.
"ابن عمك؟" قالها عزيز بنبرة ترعب القلوب.
رضوان كمل وهو موطي راسه: "دياب بيجول إنه ضرب النار عشان يغسل عار عيلته، بيجول إن العمدة غصب بنت عمه على الجواز، وإنه كان رايد يجتلك عشان يحررها منك وترجع لدارهم."
درة رجعت لورا، حطت إيديها على بوقها عشان تكتم شهقتها. دياب! دياب أخو صالح المتهور، حاول يقتل عزيز عشانها؟ ده ولع النار في السرايا، وحطها في موقف لا تحسد عليه.
عزيز قام من السرير متجاهل وجعه وجرحه اللي بدأ ينز*ف خفيف من تاني. مسك عبايته بإيده السليمة ورماها على كتفه المصاب، وقرب من درة بخطوات تقيلة ومخيفة.
وقف قدامها، وبص في عينيها المرعوبة، وقال بصوت فحيح، شايل قسوة الجبالية كلها:
"عيلة جوزك الجديم بيحاولوا يجتلوني يا درة.. وبيجولوا إنك مغصوبة ورايدين يحرروكي مني. تفتكري د*مي اللي سال ده، تمنه إيه عندك دلوك؟ وتفتكري.. حكمي على ابن عمك هيكون إيه في شرع الجبالية؟"
درة ماقدرتش ترد، الدموع اتحجرت في عينيها. هي دلوقتي بقت متعلقة في النص؛ بين عيلة جوزها المرحوم اللي حاولوا يحموها بطريقتهم الغبية، وبين جوزها الحالي اللي أنقذ حياتها وبدأ قلبها يدقله، واللي في إيده دلوقتي حق سحق عيلتها بالكامل.
عزيز لف وخرج من الأوضة زي الإعصار، رايح ناحية ساحة السرايا اللي مرمي فيها الجاني، وساب درة بتنهار على الأرض، بتبكي حظها المايل، ومستنية حكم ممكن يحرق قلبها، أو يحرق البلد بحالها!
