رواية درة الجبالي الفصل الخامس
انزل تحت رچلين عزيز الچبالي يا كلب، عشان توعى إن اللي يرفع عينه في سيده، تنعمي جبل ما ترمش!"
صوت "رضوان" الغفير رج حوش السراية الواسع، وهو بينزل بعصايته التخينة على رجلين "دياب" المتكتف بالحبال، بيحاول يخليه يركع غصب عنه قدام "عزيز". بس دياب الدم حامي فيه، قاوم بعند، ورفع راسه المليانة جر*وح وبص لعزيز بكره يحرق بلد بحالها.
عزيز كان واقف قدامه زي الجبل اللي ميهزوش ريح، جلابيته الرمادي غر*قانة في الد*م اللي رجع ينز*ف من جر*ح كتفه، ووشه أصفر من كتر النز*يف، بس هيبته ونظرة عينيه المرعبة كانت تكفي ترعب جيش. كان ماسك طبنجته في إيده السليمة، وموجهها طوالي على راس دياب.
"أنا ماركعش لظالم يا چبالي!" دياب قال الكلمات بتحدي: "إنت مفكر إنك لما تخطف بت عمي وتغصبها عاالجواز منك، إن إحنا هنحط واطي ونسكت؟ صالح أخوي مات، بس رچالة عيلته لساتهم على وش الدنيا. إنت دنست شرفنا، وموتي إهنه أشرفلي من إني أشوف درة خدامة في حريمك!"
عزيز داس على سنانه لحد ما عروق وشه نفرت، وصوت تعميرة الطبنجة شق السكوت المميت اللي كان مالي المكان.
ضحك عزيز ببرود قاتل وقال: "شرفكم؟ شرفكم اللي بتتحدت عنه ديه، أنا اللي صونته. بت عمك دي مرتي على سنة الله ورسوله، ولو كانت الرصاصة الجبانة بتاعتك دي طالتها، كنت حرقت البلد دي بحالها باللي فيها. إنت عتبت لحدت عندي ورفعت سلاحك، وحكم الجبالية في اللي يغدر... هو المو*ت."
وفي اللحظة اللي عزيز داس فيها على الزناد، صرخة ست شقت سكون الليل وخلعت قلوب كل اللي واقفين.
"عزيييييز... لاااااا!"
درة طلعت تجري زي المجنونة من باب السراية، بتتكعبل في ديل عبايتها السودة، وشقت صفوف الغفر لحد ما رمت نفسها فجأة بين فوهة الطبنجة وبين دياب، بتنهج وعينيها مليانة رعب.
عزيز عينيه وسعت من الصدمة، وبحركة سريعة لا إرادية رفع الطبنجة لفوق عشان الر*صاصة متجيش فيها لو طلعت. الغضب اللي كان راكبه اتحول لجنون وهو شايفها بتدافع عن الراجل اللي كان هيقتلها ويقتله.
"إنتي اتخبلتي في نافوخك يا حُرمة؟!" زعق عزيز بصوت رج السراية، ومسكها من دراعها جامد عشان يبعدها. "غوري من وشي دلوك، الحساب بيني وبين واد عمك حساب رچالة ود*م، وإياكي تتدخلي!"
درة مسكت في جلابيته، وبتبص في عينيه اللي بتطق شرار، ودموعها نازلة: "أبوس يدك يا عزيز، بلاش د*م! دياب طايش ومتهور، عمل إكده عشان فاكرني مغصوبة! لو كتلته، التار هيتفتح ومش هيتجفل واصل، وأنا مش هجدر أعيش وياك ود*م واد عمي في رجبتك!"
دياب صرخ من وراها: "ماتترجيهوش يا درة! خليه يكتلني، بس إياكي تركعي للظالم ديه! إحنا هنحررك منه!"
"اكتم يا دياب! اكتم خالص!" صرخت درة في وش ابن عمها، ورجعت تبص لعزيز بنظرة استعطاف سيحت قلبه الحجر. عزيز كان بيبصلها، وبعدين بيبص لكتفه اللي بينز*ف، وبعدين لدياب. كبريائه منعه يعفي عن اللي حاول يقتله، بس دموعها كانت زي السحر اللي كتف إيديه.
ابتسم بمرارة، ومسك دقن درة بصوابعه القوية، ورفع وشها ليه قدام كل الغفر وكبارات البلد اللي اتلموا على الصوت.
"رايداني أسيبه يا درة؟ رايدة رقبة واد عمك؟" قالها بصوت واطي بس الكل سمعه.
هزت راسها بقوة وهي بتبكي.
"زين..." قالها عزيز بصوت عالي وهو بيرجع خطوة لورا، "بس عشان الجبالي يعفي، لازم الكل يعرف الحجيجة. جُدام البلد دي كلها، وجُدام واد عمك اللي چاي يحررك... انطجي يا درة! جولي للكل إنتي مغصوبة ولا مرتي برضاكي؟ جولي إنتي بتكرهيني ورايدة تعاودي لدار أبوكي، ولا رايدة عزيز الجبالي؟ لو جولتي مغصوبة، هسيبك تمشي معاه دلوك، وهعفي عنه. ولو جولتي مرتي... دياب هيترمي بره البلد وميعتبهاش تاني، وإنتي هتبجي ملكي، جُدام ربنا والخلق."
سكوت مرعب نزل على المكان. الكل مستني. "الحاجة زينب" واقفة في البلكونة بتتابع المشهد وقلبها مقبوض، والغفر كاتمين نفسهم. دياب بيبص لدرة مستنيها ترفض وترجع معاه.
درة بصت لدياب وهو متكتف، وبعدين بصت لعزيز. شافت الد*م اللي نز*فه عشانها، شافت الرجولة والشهامة اللي مستخبية ورا قناع القسوة، شافت الراجل اللي كلماته وقربه من شوية لمست أوتار قلبها الميت فصحته. في اللحظة دي اتأكدت إنها مش عايزة تهرب.. هي عايزة عزيز الجبالي ده يكون بتاعها لوحدها.
رفعت راسها بشموخها اللي متعودة عليه، ومسحت دموعها بكف إيديها. لفت لدياب، وقالت بصوت قوي، بيرن في المكان، ومفهوش ذرة تردد:
"اسمع يا دياب، ووصل لأهلي كلياتهم. عزيز الجبالي چوزي على سنة الله ورسوله، وأنا إهنه برضايا مش غصب عني. عزيز فداني بروحه من رصاصتك الغادرة، وأنا ست سراية الجبالي ومطرحي إهنه چاره."
وبعدين لفت عشان تبص في عيون عزيز المصدومة واللي لمعت بانتصار وفرحة كتمها بالعافية، وكملت بصوت أرق، موجه ليه هو وبس: "أنا درة عزيز الجبالي.. ومش هسيب چوزي."
دياب صرخ بقهرة: "يا خسارة يا درة! بعتي لحمك ود*مك عشان فلوس الجبالي؟ بعتي صالح؟"
درة كانت هترد، بس عزيز رفع إيده وسكت الكل. بص لدياب بنظرة انتصار ساحق، وقال ببرود:
"سمعت مرتي جالت إيه؟ لو كان حد غيرها اللي طلب العفو، كنت خليتك عبرة. بس عشان خاطر الست اللي شالت اسمي، روحك في يدك. بس قسماً بعظمة الله، لو لمحت خيالك في البلد دي تاني، أو جربت من درة، هخلي الغربان تنهش لحمك. فكوه، وارموه بره حدود المركز."
الغفر نفذوا الأوامر في ثانيتها وسحبوا دياب اللي كان عمال يسب ويلعن. وبمجرد ما المشهد خلص والناس اتفرقت، عزيز داخ فجأة، والطبنجة وقعت من إيده، وكان هيقع على الأرض لولا إن درة لحقته وحضنته بكل قوتها.
"عزيز!" صرخت بخوف، وهي حاسة بتقل جسمه الضخم بيميل عليها.
"أنا زين..." همس بتعب، ودراعه السليمة لافة حوالين وسطها. "بس محتاج أتسند عليكي."
درة طنشت نظرات "الحاجة زينب" المليانة غيظ، وسندت عزيز بمساعدة رضوان لحد ما وصلته لأوضتهم. أول ما الباب اتقفل، شاور لرضوان يمشي، وبقوا لوحدهم.
قعدت درة جنبه على السرير، ووشه كان بيجيب عرق. جابت علبة الإسعافات، وبإيديها اللي بتترعش بدأت تفك الشاش اللي شر*ب من د*مه.
"بتتوجع؟" سألته بصوت حنين، وعينيها مليانة رقة.
ابتسم بضعف وهو باصص لملامحها القلقانة: "الوجع كله راح لما سمعتك بتنطجي اسمي جُدام الكل. كنتي بتكدبي عشان تنقذي واد عمك يا درة؟ ولا حديتك ديه كان من جلبك؟"
إيديها وقفت عن تنضيف الجرح، وبصت لعينيه العميقة. اتنهدت بالراحة، وقالت بصوت واطي:
"أنا مابكدبش يا عزيز... إنت كسرت كل الحواچز اللي بنيتها حوالين جلبي. لما شُفت د*مك سا*يح عشاني، حسيت إن روحي بتنسحب مني. أنا خُفت عليك أكتر ما خُفت على روحي."
عزيز رفع إيده السليمة، ومشى صوابعه بخشونة محببة على خدها الناعم. "يعني چمرة النار بردت؟ والأرملة اللي حلفت ما تتچوز، رضيت تبچى حلالي؟"
درة غمضت عينيها وهي مستمتعة بلمسته، وهمست: "چمرة النار دي إنت اللي عرفت تروضها يا عمدة الجبالية."
ابتسامة عزيز وسعت، ورغم وجعه، شدها ناحيته بخفة. جسمها لزق في صدره، وحست بحرارة أنفاسه بتختلط بأنفاسها.
"طالما رضيتي بيا يا درة..." همس عزيز بصوت مبحوح ومثير، وعينيه مركزة على شفايفها، "يبجى الأسود ديه ملهوش عازة. أنا رايد أشوف درة اللي بتضوي، مش درة اللي لابسة لبس الحداد."
دقات قلبها زادت بجنون. بصت لعينيه المليانة رغبة وعشق جارف. وببطء شديد، وبصوابع بتترعش من كتر المشاعر، رفعت درة إيديها لزراير عبايتها السودة. عزيز كان بيراقبها بأنفاس متقطعة، وعينيه مش بتفارق عينيها.
مع كل زرار بتفتحه، كأنها بتخلع عباية الحزن والماضي. العباية السودة زحقلت من على كتافها، ووقعت على الأرض، وبان تحتها قميص قطن أبيض ناصع، مبرز جمال جسمها الفاتن اللي خبيته فتره طويلة.
عزيز مقدرش يستحمل أكتر من كده. نسي وجع جرحه، ونسي كبريائه. لف دراعه السليمة حوالين وسطها بتملك، وشدها بقوة لحد ما وقعت فوقه على السرير، وهي بتضحك بصوت واطي على جرأته. اعتلاها عزيز بالراحة، وثبتها تحته، ونظراته بتاكل ملامحها الفاتنة كأنه لقى كنزه الضايع.
"إنتي ليا... من ساسك لراسك، ليا أنا وبس." همس بيها بعشق كبير.
"وأنا راضية أكون ليك يا عزيز." همست بيها قبل ما شفايفهم تتقابل في شغف ولهيب الصعيد كله.
ومسح اللي باقي من ذكريات الماضي، وأعلنت بداية جديده، ليلة العمدة داق فيها طعم العشق الحقيقي لأول مرة، والقلعة الحصينة سلمت فيها مفاتيحها لفارسها الوحيد.
تاني يوم الصبح.
خيوط الشمس الدافية اتسحبت عشان تصحي درة. فتحت عينيها لقت نفسها في حضن عزيز، راسها غاطسة في صدره العريض، ودراعه القوية محاوطاها بتملك حتى وهو نايم. ابتسمت بسعادة مداقتهاش من سنين. رفعت راسها واتأملت وشه الهادي، طبعت بو*سة رقيقة على جبهته، وقامت براحة عشان متصحيهوش، خصوصاً إنه محتاج يرتاح عشان جر*حه.
دخلت الحمام، وخدت دش، وبعدين وقفت قدام الدولاب الكبير. لأول مرة، طنشت الجنب الأسود، وسحبت جلابية صعيدي حريمي في منتهى الشياكة لونها فيروزي مطرزة. لبستها، وسابت شعرها الأسود الطويل مفرود براحته على ضهرها، وحطت كحل خفيف أبرز سحر عينيها الواسعة. كانت عاملة زي أميرة.
لما خرجت من الأوضة، السرايا كان هادية. نزلت السلالم الرخام بخطوات واثقة، عايزة تشرف بنفسها على فطار جوزها.
بس أول ما وصلت لبهو السراية الواسع، وقفت مكانها. الباب الرئيسي كان مفتوح على آخره، وصوت خناقة حامية جاي من بره.
"بقولك وسع من طريقي إنت وهو! أنا هدخل السرايا دي غصب عن عين أي حد! أنا مش حتة خدامة هتمنعوها من الدخول!"
ده كان صوت واحدة ست، حاد، ومليان غرور.
درة خرجت لحوش السراية، لقت "رضوان" والغفر بيحاولوا يمنعوا واحدة ست إنها تدخل. كانت ست في منتهى الجمال، لابسة لبس بنادري على الموضة ومفتوح حبتين مقارنة بعادات الصعيد، وحاطة نضارة شمس غالية، وماسكة في إيدها شنطة جلد ماركة.
"في إيه إهنه يا رضوان؟" سألت درة بصوت عالي وحازم، فيه سلطة "ست الدار" الجديدة.
الكل سكت عن الزعيق. الست البندرية لفت ناحية درة، وبصتلها من فوق لتحت بنظرة احتقار وغرور، وبعدين قلعت نضارتها الشمس وقالت بابتسامة تريقة: "إنتي بقى العروسة الجديدة؟ ضحية الأسبوع دي ولا كسر القاعدة معاكي؟"
درة عقدت حواجبها، وحست بقلبها بيتقبض جامد، بس حافظت على ثباتها. "إنتي مين؟ وكيف تتجرئي تدخلي سراية الجبالية وتتحدتي إكده؟"
الست ضحكت بصوت عالي، وقدمت خطوة ناحية درة، وقالت بنبرة زي القنبلة : "أنا مين؟ أنا اللي ليها الحق في السرايا دي أكتر منك ومن اللي جابوكي! أنا 'شيريهان'.. مرات عزيز الجبالي الأولى، والوحيدة اللي ماطلقهاش لحد النهاردة!"
عينين درة وسعت من صدمة زلزلت كيانها، بس الضربة القاضية كانت لسه منزلتش.
شيريهان لفت للعربية الفخمة اللي جات بيها، وشاورت بإيدها. باب العربية اتفتح، ونزلت منها دادة أجنبية، شايلة على إيديها عيل صغير ميكملش تلات سنين، ملامحه نسخة من عزيز الجبالي وميغلطش فيها أي عين؛ نفس الشعر الأسود التقيل، ونفس العيون الصقرية الحادة!
شيريهان قربت من درة المصدومة، وقالت بانتصار : "وده.. 'زين'.. ابن عزيز الجبالي، ووريث السرايا دي كلها. روحي ناديلي جوزي يا حلوة، وقوليله أم ابنك رجعت!"
الأرض لفت بدرة، وحست كأن خنجر مسموم انضرب في قلبها اللي لسه يادوب بادي يدق. هو كل حاجة كانت كدبة؟ هو العمدة متابش؟
"درة...!"
صوت عزيز جه من وراها، مبحوح وضعيف. درة لفت بسرعة عشان تلاقيه واقف على باب السراية الداخلي، ساند جسمه التعبان على الحيطة، وعينيه مبرقة بذهول وصدمه حقيقية وهو بيبص لشيريهان والعيل!
