رواية قرية دهموس الفصل الرابع بقلم مصطفى محسن
عاطف فتح باب العيادة، شاف على ابنه واقع على الأرض، ومش بيتحرك. عاطف جرى عليه وشاله ودخله جوه. مريم أول ما شافته صرخت، وعاطف بدأ يحاول يفوق على، وبعد محاولات كتير، على أخيرًا فتح عينيه. عاطف بص لمريم وقالها: "إحنا مينفعش نقعد هنا دقيقة واحدة. إحنا لازم نمشى فورًا. روحى جهزى الشنط، ولبسى علياء، وأنا هنزل أشوف أى عربية تودينا المحطة." مريم قالت: حاضر. عاطف خرج، وبدأ يلف فى شوارع القرية يدور على أى عربية، لكن الغريب إن كل ما يقرب من حد عشان يكلمه، الشخص أول ما يشوفه يسيبه ويمشى، وبعضهم كان بيجرى كأنه شاف شبح. عاطف وقف فى نص الشارع وهو مش فاهم، وقال لنفسه: "هو الناس دى مالها؟" وفجأة لمح الراجل الكبير اللى كان بيكلمه من شوية. عاطف جرى ناحيته وقاله: "يا حج... محدش راضى يكلمنى، فهمنى فى إيه؟ أنا تعبت والله." الراجل قاله: "يا ابنى، إنت اللى اخترت، وده نصيبك." عاطف قاله: "نصيبى إيه؟ واخترت إيه؟ أنا مش فاهم أى حاجة." الراجل قاله: "عشان تفهم... لازم يعدى عليك تلات أيام فى القرية، وإنت لسه مكملتش غير يوم واحد." عاطف قاله: "لو قعدت فى القرية دى أكتر من كده أنا هتجنن، وأطفالى هيروحوا منى." أول ما الراجل سمع كلمة "أطفالى"، اتغيرت ملامح وشه فجأة، وقاله: "إنت عندك أطفال؟" عاطف قاله: "أيوه، اتنين." الراجل قاله: "اجرى عليهم، ومتسيبهمش لوحدهم أبدًا لحد ما التلات أيام يعدوا." عاطف قاله: "ليه؟" الراجل قاله كلمة واحدة... خلت عاطف هيموت من الرعب.
-
الراجل الكبير بص لعاطف وقاله: "أولادك هيموتوا لو سبتهم لوحدهم." عاطف اتعصب وقاله: "إنت بتقول إيه يا راجل؟ إنت مجنون؟" الراجل قاله: "أنا مش مجنون يا ابنى. إنت متعرفش إنت واقف على أرض تحتها إيه." وبعدها سابه ومشى. عاطف فضل واقف مكانه، دماغه كانت هتنفجر من كتر التفكير. يسمع كلام الراجل ويرجع يقعد جنب أولاده؟ ولا يكمل ويدور على أى حد يوصله للمحطة ويهرب من القرية؟ وبعد لحظات من الحيرة، قرر يرجع يطمن على أولاده. أول ما دخل الاستراحة، لقى مريم بتصرخ بشكل هستيرى. جرى عليها وقالها: "فى إيه؟" مريم كانت بتعيط وقالت: "الحقنى. على وعلياء مش موجودين." عاطف قلب الاستراحة كلها، وبعدها دخل العيادة وفتشها ركن ركن، لكن ملقاش ليهم أى أثر، كأنهم اختفوا من على وش الأرض. خرج يجرى فى شوارع القرية وهو بينادى عليهم بأعلى صوته، وكل ما يقف قدام حد من أهل القرية ويسأله، كانوا يبصوا له بخوف ويمشوا من غير ما يردوا، ولا حد فيهم كان بيساعده. رجع للاستراحة وهو مش عارف يعمل إيه. مريم قالت وهى بتمسح دموعها: "نكلم الشرطة." عاطف قالها: "الشرطة هتقول لازم يعدى ٢٤ ساعة عشان نعمل بلاغ." وفى اللحظة دى، سمعوا صوت خبط جامد جاى من العيادة. عاطف ومريم بصوا لبعض، وبعدها جرى عاطف ناحية العيادة وفتح الباب بسرعة، وهنا كانت الصدمة.
-
عاطف أول ما دخل العيادة وقف مكانه من الصدمة. لقى على وعلياء قاعدين على الأرض بيلعبوا مع بعض، ولا كأن أى حاجة حصلت. عاطف جرى عليهم، وحضنهم، وهو مش مصدق إنهم قدامه. وبعدها نادى بأعلى صوته: "مريم... تعالى بسرعة." مريم جريت على العيادة، وأول ما شافت الولاد، دموعها نزلت من الفرحة، وجرِت حضنتهم هى كمان، وقعدت تبوس فيهم وهى بتحمد ربنا. عاطف بص لعلى وقاله: "إنتوا كنتوا فين؟ إحنا قلبنا الاستراحة والعيادة والقرية كلها، ودورنا عليكم فى كل مكان." على بص لأبوه بمنتهى البراءة، وقاله جملة خلت جسم عاطف يقشعر من الرعب: "كنت مع الراجل أبو ست صوابع. ودانى بيته، ولعبت أنا وعلياء مع محمود." علياء قالت: "وقالنا إنه مش هيسيبنا خالص." عاطف بص لمريم وقالها: "مش قولتلك؟ اللى أنا بشوفه ده مش مجرد هلاوس. فى حاجة مش طبيعية فى القرية دى." مريم قالت: "لازم تكلم محمد صاحبك، وتحكيله على كل اللى حصل من أول ما جينا هنا." عاطف قال: "فعلاً لازم أكلمه حالًا." طلع موبايله، واتصل، وهنا سمع حاجة مكنش متوقعها.
-
الرد اللى جه لعاطف خلاه مذهول: "الرقم الذى اتصلت به غير موجود بالخدمة." عاطف نزل الموبايل من على ودنه، وبص للشاشة، واتأكد من الرقم، وكان الرقم صحيح. رفع عينه لمريم وقالها: "الرقم غير موجود فى الخدمة." مريم قالت: "إزاى؟ إنت مش لسه مكلمه من يومين؟" عاطف قالها: "أنا حاسس إن فى حاجة مش طبيعية بتحصل. الموضوع أكبر من اللى إحنا فاهمينه." وفجأة افتكر صاحبه حسين، اللى كان مهتم بالحاجات الخاصة بما وراء الطبيعة. طلع الموبايل واتصل بيه. حسين قاله: "خير يا دكتور عاطف؟ فى إيه؟" عاطف بدأ يحكيله كل اللى حصل بالتفصيل. حسين قاله: "يا نهار أسود! اللى إنت بتحكيه ده مش حاجة سهلة يا عاطف." عاطف قاله: "طيب أعمل إيه؟ وأتصرف إزاى؟" حسين قاله: "ابعتلى اللوكيشن حالًا، وأنا بكرة بالكتير هكون عندك، لكن لازم تلتزم بكل كلمة هقولهالك. أوعى تحتك بأى حد من أهل القرية نهائى، وبلاش تخرج برا البيت، ومتسبش مراتك ولا أولادك لوحدهم لحظة واحدة، وأنا أول ما أوصل هفهمك كل حاجة." عاطف قاله: "إنت قلقتنى يا حسين." حسين قاله: "متقلقش، طول ما إنت ملتزم بالكلام ده، إن شاء الله مش هيحصل حاجة." عاطف قاله: "حاضر." وقفل معاه، وفتح واتساب وبعتله اللوكيشن، وحسين أكد عليه مرة تانية إنه هيكون عنده بكرة بإذن الله. مريم قالت: "قالك إيه؟" عاطف قالها: "حسين طمنى، وقالى إنه هييجى بكرة." مريم قالت: "خير إن شاء الله." ولما الساعة قربت من ٢ بعد نص الليل، عاطف صحى من النوم عشان يدخل الحمام. وهو خارج من أوضة النوم، سمع صوت حركة بسيطة فى الصالة، دخل، وهنا شاف حاجة خلت عاطف كان هيموت من الخوف.
