رواية طيور تهوى الخداع الفصل الخامس
[اللقاء الأول]
بسم الله الرحمن الرحيم
النساء مخلوقات حدسيّة، ولو كان الحدس معيارًا وحيدًا للبقاء على الأرض فإنها كانت ستخلو من الرجال منذ زمن بعيد.
_روبن ويليامز
______________________________________
هناك لحظات نتمنى فيها لو أننا لم نكن...عاش "طارق" واحدة منها حين صرح له ابنه بكرهه؛ شعر وقتها أن موتًا مفاجئًا كان سيكون أهون عليه من سماع تلك الكلمات.
لم يفق من وقع الصدمة إلا حين رأى ابنه يهرول مبتعدًا عنه، بعدما حاول الاقتراب منه.
هرب "بلال" بأقصى سرعة تسمح بها قدماه، متجهًا إلى باب المنزل الذي فتحه والده قبل لحظات، بعدما عقد العزم على أخذه عنوة.
هرع "طارق" خلفه، ولحقت به "أميرة" بعدما سمعت نداء شقيقتها لابنها بلوعة، لكنهما لم يتمكنا من اللحاق به على الدرج، ولحسن حظهما استوقفته زوجة حارس العقار وهي تسأله بقلق:
بتجري كده ليه يا "بلال"؟
سعى لتحرير ذراعه من يدها، ولكن الوقت لم يساعده حيث وجد والده وخالته أمامه.
لم يرفع عينيه إلى أبيه، ولا حتى إلى "أميرة" التي أسرعت بالإمساك به وهي تقول بعتاب، محاولة التقاط أنفاسها:
كده يا "بلال"؟ هو أنت صغير للعمايل دي يا حبيبي؟
لم يجبها، وظهر على وجهه ضيقه من إمساك خالته به، وحين اقترب منه "طارق"، حاول تخليص ذراعه من قبضة "أميرة" ليبتعد عن أبيه، إلا أن "طارق" أوقفه حين قال له:
خلاص يا "بلال" أنا مش هاخدك أي مكان أنت مش عايزه.
_ أنا عايز أطلع لماما يا خالتو.
قالها "بلال" متجاهلًا حديث "طارق"، فحررت "أميرة" ذراعه أخيرًا.
وما إن فعلت حتى عاد إلى مدخل المنزل، عازمًا على الصعود إلى أمه.
دخلت "أميرة" خلفه، وتبعها "طارق"، وما إن تأكدت من ابتعاد "بلال" عنهما حتى استوقفت زوج شقيقتها، تواجهه بغضب:
ابنك مش طايق يبص في وشك، أنت عايز إيه تاني؟
رد عليها بالحدة نفسها:
أنتِ بالذات متتكلميش خالص، لو في سبب لكل اللي بيحصل دلوقتي يبقى أنتِ.
_ ليه؟ هو أنا اللي قولتلك شد الواد غصب عنه وأنزل بيه علشان تقهر أمه؟
سألته باستنكار، لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالجدال معها؛ فما زالت كلمات ابنه عالقة في رأسه.
مسح على وجهه بتعب، ثم تجاوزها وصعد إلى الأعلى.
دخل منزله، فوجد "بلال" في حضن أمه، والتي تمسكت به بقوة وكأنها تعوض اللحظات التي اختفى عن عينيها فيها، وجعلت خوفها يتملك منها ويرسم لها أسوء ما يمكن أن يحدث.
ربتت "نوارة" على ظهر ابنها، وهي تحذره برفق:
إياك تعمل كده تاني يا "بلال" مهما حصل.
رفع عينيه إليها، وجد فيها المساحة الآمنة التي يحتاجها، ثم برر فعلته:
هو كان عايز ياخدني غصب عنك.
اتجهت عيناها إلى "طارق"، الذي وقف يراقب المشهد في صمت.
ظهر غضبها منه واضحًا في نظرتها، لكنها لم ترد أن تزيد الأمور سوءًا أمام ابنهما، فاكتفت بتصحيح كلماته:
اسمه بابا يا "بلال" مش هو.
دخلت "أميرة" من الباب في اللحظة نفسها التي أنهت فيها شقيقتها جملتها، فسارعت بالتعليق:
بنت أصول والله يا "نوارة"، والعيبة مبتطلعش من بوقك.
رمقت "طارق" الواقف إلى جوارها بضيق، ثم أشارت إلى ابنها حتى يأخذ "إيمان" ويبتعدا عن المكان.
استجاب لها "مالك" دون اعتراض، وما إن ابتعد حتى سمعت "نوارة" تتابع حديثها لصغيرها:
ومتخافش أنت مش هتروح أي مكان بعيد عني.
ابتسم "بلال"، فتابعت والدته:
بس دلوقتي لازم تعتذر لبابا عن اللي أنت قولته.
_ لا أنا اللي هعتذر.
قالها "طارق"، ثم اتجه نحو "نوارة". انحنى وقبّل رأسها، ورغم نفورها لم تبتعد، بعدما انتبهت إلى عيني ابنها اللتين تتابعان ما يحدث باهتمام.
سمعته ينطق بأسف:
حقك عليا يا "نوارة".
فاكتفت بالتنهّد والصمت، أما هو فاتجه إلى ابنه، وقبل أن يتحدث قال "بلال":
أنا أسف يا بابا.
سأله بحزن بان في عينيه قبل نبرته:
في حد يقول لأبوه أنا بكرهك؟
وقبل أن يمنح ابنه فرصة لتبرير ما قاله، تابع:
أنا قبلت اعتذارك يا "بلال"، بس لازم تعرف إني لو عملت حاجه زعلتك حتى لو كانت كبيرة مينفعش يبقى ردك عليها إنك تقولي بكرهك.
خفض "بلال" عينيه إلى الأرض خجلًا، خاصة حين استكمل والده:
وأنا زعلان من نفسي على فكرة علشان ضايقتك أنت وماما، بس زعلان أكتر من الكلام اللي أنت قولته.
رفع "بلال" رأسه أخيرًا، والتقت عيناه بعيني أبيه.
رأى فيهما خذلانًا لم يعتده، فكرر أسفه بصوت خافت:
متزعلش مني يا بابا.
ثم أضاف بعينين دامعتين:
بس أنا عايز كل حاجه ترجع زي ما كانت.
أشار إلى أمه وهو يسترسل:
مش عايز ماما تبقى زعلانة، ومش عايزكم علطول تتخانقوا.
ثم ذكره بوعده له:
مش أنت وعدتني إن أي حاجه بينك وبين ماما هتتحل، وإنكم مهما حصل هتتصالحوا وتفضلوا تحبوني؟
لم تحتمل "نوارة" نبرة ابنها المتألمة وهو يسأل:
ولا أنتوا بطلتوا تحبوني؟
أسرعت "أميرة" نحوه، ومسحت على خصلاته بحنان، مجيبة عنهما:
لا طبعا يا "بلال"، ماما وبابا بيحبوك أكتر من أي حاجه في الدنيا، أنت ابنهم الوحيد وغلاوتك عندهم كبيره أوي.
ثم حاولت أن تخفف عنه وقع ما حدث، مستعينة بموقف يعرفه جيدًا:
طيب أنت مش بتشوفني ساعات بزعق لـ "مالك"؟
مش هو لسه قايلك إنه زعلان مني علشان مسيبتوش ينزل الشارع؟...معنى كده بقى إني مبحبهوش؟
أدارت "نوارة" وجه "بلال" نحوها، وقالت له الحقيقة التي لم تكن بحاجة إلى تفكير:
أنا عمري ما أبطل أحبك يا "بلال"، أنت حبيبي، وابننا اللي منقدرش أبدًا نستغنى عنه.
رقت نظراته، ثم عاد ينظر إلى "طارق" بحزن، فمد والده يده ومسح وجنتيه برفق يزيح دموعه، وقال برجاء:
متعيطش يا "بلال"، وأوعى أبدًا تفكر تاني التفكير ده.
هز رأسه موافقًا، فابتسم له "طارق" وقال:
ممكن تدخل بقى لـ "مالك" و"إيمان"، وتسيبنا لوحدنا شوية؟
لم يرفض "بلال"، تحرك نحو الغرفة مستجيبًا لطلبه، وما إن اختفى عن أنظارهم حتى التفتت "نوارة" إلى زوجها، وقد تبدلت ملامحها تمامًا:
أنا لو عديت أي حاجه في الدنيا ليك، عمري ما هعدي الموقف اللي حطيت ابنك فيه من شوية ده.
وحين حاول الحديث رفعت كفها محذرة ولم تعبأ بالضيق الظاهر على وجهه:
مفيش كلام بيني وبينك، وحتى لو عندك أي حاجه تقولها أنا مش هسمعها منك.
ثم حذرته بغضب:
ولو فكرت تاني مره تهددني بابني يا "طارق" أو تاخده أنا مش هسكت، والصورة المحترمة اللي بحاول أحافظلك عليها قدامه ساعتها مش هتبقى موجودة.
_ قوليلها حاجه، عايزه تطلق.
قالها "طارق" لـ"أميرة"، وهو يراقب ثورة "نوارة" ضده. لم تعرف "أميرة" كيف تتصرف في تلك اللحظة؛ فرغم كل ما حدث، كانت تخشى ردة فعل زوج شقيقتها إذا أصرت "نوارة" على الانفصال، وتمنت لو أنه كتب لأختها هذا المنزل قبل أن تتعقد الأمور بينهما إلى هذا الحد.
قطع تفكيرها صوت "طارق" وهو يخاطب "نوارة":
أنا مستعد أتكلم وأتناقش معاكي في أي حاجه إلا الـ...
لم تمهله "نوارة" ليكمل، وقاطعته بإصرار:
وأنا مش مستعدة لا أتكلم ولا أتناقش معاك، وطالما هتفضل على العند ده فأنا هتصرف.
أنهت حديثها، ثم أدارت مقعدها متجهة إلى غرفتها، بينما سمعت أختها تقول:
أنزل دلوقتي وسيبنا.
كانت الأفكار تتصارع في رأس "طارق"، والغضب يزداد داخله مع كل ثانية.
لم يتحرك من مكانه إلا حين قالت "أميرة" بضيق، وهي تنظر إلى ما آلت إليه الأمور:
أنا هتكلم معاها.
اتجه إلى الباب الذي وقفت "أميرة" بجواره، وخرج منه بانفعال، قبل أن يقول بما حسم أمره عليه:
عرفيها إني مش هطلق.
لم تنتظر "أميرة" لحظة أخرى، أغلقت الباب في وجهه بضجر وهي تقول:
يا شيخ أمشي بقى، منك لله رفعتلي ضغطي.
مسحت "أميرة" على رأسها بتعب، وقد بدأ الصداع يفتك بها. اتجهت أولًا إلى المطبخ، تناولت مسكنًا للألم، ثم أعدّت لها ولشقيقتها كوبين من الشاي.
حملتهما إلى غرفة "نوارة"، ووضعت الحامل المعدني على الطاولة المجاورة للفراش، قائلة بابتسامة حاولت أن تخفف بها عنها:
عملتلك بقى شوية شاي يظبطوا الدماغ.
لم تحصل منها على رد، كانت "نوارة" تعرف جيدًا ما جاءت شقيقتها للحديث بشأنه، فآثرت الصمت، إلا أن "أميرة" لم تمنحها فرصة للهروب من الحديث، وقالت مباشرة:
ما هو مينفعش يا "نوارة".
_ هو إيه اللي مينفعش يا "أميرة"؟
سألتها بحدة، ثم أردفت:
ما أنتِ شوفتي بعينك اللي حصل.
وهنا ردت "أميرة" موضحة:
ما هو علشان أنا شوفت اللي حصل بقولك مينفعش.
تنهدت "نوارة" بإرهاق، بينما مدت "أميرة" يدها وربتت على ساق شقيقتها، تذكرها بما سبق واتفقن عليه:
هو مش احنا يا بنت الحلال اتفقنا على اللي هيحصل؟ مش قولنا هنخليه يكتب الشقة ونشوف بعد كده هنعمل إيه؟
ثم أعادتها إلى بقية حديثهما، وكأنها تحاول أن تذكرها بالخطة التي بدت لها الآن أقرب حل يمكنهما التمسك به:
حتى أنتِ قولتيلي إنه مع الطلاق هيعند، فنخلي الوضع زي ما هو لحد ما ربنا يحلها من عنده، وتفضلي على ذمته اه بس مفيش بينك وبينه غير الواد.
_ وأنا مش قادرة يا "أميرة".
خرجت الكلمات من "نوارة" مثقلة بالقهر، بعدما نفد ما تبقى لديها من صبر. انكسر شيء في ملامح شقيقتها لأجلها، وتمتمت:
أستغفر الله العظيم.
ثم حاولت أن تستعيد هدوءها، وقالت بابتسامة حانية وهي تحاول إقناعها:
يا حبيبتي أنا خايفة عليكي، محدش أدرى بـ "طارق" منك، ده أول ما قولتي طلاق كان ساحب الواد ومش شايف قدامه.
وسكتت لحظة، قبل أن تضيف وهي تضع أمامها ما تعرف "نوارة" أنه واقع لا يمكن تجاهله:
وأنا وأنتِ مش هنعرف نجري وراه في المحاكم، وأقل حقوقك بعد عيشتك دي كلها معاه، زي البيت ده وإنه يصرف عليكي وعلى ابنه هيطلع عينينا عليها.
سألتها "نوارة" وقد بان ضيقها جليًا:
يعني أحط الجزمة في بوقي، وأفضل على ذمته مش كده؟
حركت "أميرة" رأسها بعدم رضا، وقالت وهي تحاول تهدئة انفعالها:
جرالك إيه يا "نوارة"؟ ما تعقلي الكلام كده يا أختي.
لم ترد أن تزيد عليها، فاكتفت بزفرة مثقلة بالضيق قبل أن تسترسل:
على ذمته، على ذمته، المهم قاعدة معززة مكرمة في بيتك، وحقوقك تاخديها كاملة، وهو متطوليهوش منك حاجه...يا ستي أرمي طوبته خالص
ثم ربتت على كتفها وأضافت:
اعتبريه كلب وبنلهيه بعضمة، والعضمة دي هي إنك متطلقيش منه.
وأسرعت تطمئنها، وتعدها:
وأنا مش هسكت إلا لما يكتبلك البيت ده، ومش هسيبك، ده أنتِ لو عايزاني كل يوم أروح للبت دي أعملها فضيحة زي بتاعة النهارده لغاية ما أطهقها فيه وفي العيشة معنديش مانع.
انفلتت منها ضحكة وهي تتذكر المشهد، ثم استطردت، وقد عادت إلى ذاكرتها وجوه سكان العقار الذين تجمعوا لمتابعة ما تقوله عن جارتهم:
ده الستات كانوا واقفين إيه، كل واحده رميالك ودنها، وعمالة تهمس للي جنبها، ومفيش واحده منهم نطقت معايا بكلمة بعد ما عرفوا اللي فيها.
ثم قالت بشماتة واضحة:
دي مش هتعرف ترفع عينها في وش واحده منهم تاني، ومش بعيد تخليه يشوفلها شقة تانية... بس إن شاء الله هعرف العنوان وأروحلهم تاني برضو.
ضحكت "نوارة" على جملة شقيقتها الأخيرة، فابتسمت "أميرة" بدورها وهتفت:
أيوه أضحكي كده، محدش واخد منها حاجه، جالنا إيه من الرجالة غير وجع القلب؟
_ طب اسمعي يا "أميرة".
قالتها "نوارة" وهي تشير على أحد الأدراج متابعة:
هتلاقي في الدرج اللي هناك ده أجندة هاتيها.
سألتها "أميرة" باستغراب:
أجندة إيه دي؟
جاوبتها "نوارة" بهدوء:
أجندة أنا كاتبة فيها أرقام معارفنا، هطلعلك منها رقم "شهاب" أخوه، واتصليلي بيه، علشان أي حاجه هتحصل ونتفق عليها هتبقى في حضوره.
ثم ابتسمت ابتسامة لم تخفِ ما خلفها من حسرة، وقالت:
زي ما جه طلبني قبل كده لـ "طارق"، ييجي برضو علشان يسمع اللي هنتفق عليه واللي لو أخوه خلف فيه يبقى هو المسؤول قدامي.
_ ما بلاش يا "نوارة".
قالتها "أميرة" بتوجس، ثم سارعت بتوضيح سبب اعتراضها:
أصل أنا يوم ما روحت مع "طارق" علشان نجيب "بلال" من عنده تقريبًا اتخانقوا، ومفتكرش طارق هيوافق على الموضوع ده.
وأضافت تذكر شقيقتها:
وخصوصا لما يعرف إني وصلت لعنوان بيته وكشفت كذبه بسبب "نجوى" أخته، ونجوى كانت جاية أصلا مع "شهاب".
لم تتردد "نوارة" في الرد، وكأنها كانت قد حسمت الأمر في ذهنها بالفعل:
لا هيوافق.
ثم قالت بحسم:
عرفيه إني مش هتكلم معاه ولا هسمع منه كلمة غير في وجود أخوه.
ونبهت على شقيقتها:
ومتجيبيش سيرة عن اللي نجوى عرفتهولك، ولا إنها إدتك العنوان، هي هتعرف تتصرف مع "طارق" زي ما قالتلك.
طالعتها "أميرة" بقلق، لكن إصرار أختهت لم يترك لها مجالًا كبيرًا للاعتراض.
وبعد لحظات من التردد، رضخت أخيرًا، وقررت الاتصال بـ"شهاب" وإبلاغ "طارق" بما طلبته "نوارة".
_________________________________________
تأتي الفرص أحيانًا على طبقٍ من ذهب.
كان هذا تحديدًا ما يدور في رأس "شهاب" وهو يجلس في صالة منزل شقيقه "طارق"، بعدما هاتفته "أميرة" وطلبت منه الحضور.
لم يحتج طويلًا ليكتشف أن وجوده هنا لم يكن محل ترحيب، حيث كانت ملامح "طارق" تنطق بعدم الرضا، بينما جلست "نوارة" في الجهة المقابلة بوجه جامد، وكأنها لم تلجأ إلى هذه الجلسة إلا مضطرة.
قطعت "أميرة" الصمت بعدما وضعت العصير أمام الضيف، ثم جلست إلى جوار شقيقتها وهمست:
أنا نزلت العيال تحت عند "أمل".
هزت "نوارة" رأسها موافقة، قبل أن يقرر "شهاب" أن يضع حدًا للصمت ويفتح الحديث بنفسه:
خير يا "نوارة" في إيه؟
_ أنا عايزه أتطلق.
خرجت الكلمات منها ثابتة، بلا تردد، فقابلها "طارق" بالرفض في اللحظة نفسها:
وأنا قولت مش هطلق يا "نوارة".
ظهر الضيق على وجه "شهاب"، فرفع يده مطالبًا إياهما بالهدوء:
لا مينفعش كده، استهدوا بالله بس الأول.
ثم التفت إلى "أميرة" قائلا:
ما تقولي حاجه يا مدام "أميرة".
_ وهو في إيه يتقال بعد اللي جوز أختي عمله؟
قالتها بسخرية، وهي ترمي "طارق" بنظرة ضيقة، قبل أن يأتيها صوته محذرًا:
أميرة.
توقفت عند هذا الحد. لم تكن تريد أن تفتح بابًا جديدًا للشجار، خصوصًا أن الجلسة لم تبدأ بعد.
وعاد "شهاب" بنظره إلى "نوارة":
بصي يا "نوارة" أنا عارف إن اللي حصل مش سهل، وفي وضع تاني مكانش هيبقى الكلام اللي هقوله دلوقتي ده نفس كلامي، خصوصًا لو مكانش في بينكم "بلال".
تحرك "طارق" في مقعده وكان على وشك مقاطعته. كان يريد إنهاء هذه الجلسة بأسرع ما يمكن، هو لم يرضخ لفكرة انعقادها من الأساس إلا بعدما أخبرته "أميرة" أن شقيقتها لن تقبل الحديث معه إلا بها.
لكن "شهاب" واصل ما بدأه دون أن يمنحه فرصة للاعتراض:
جوازة "طارق" الجديدة مغيرتش حاجه في إنه عايزك ومتمسك بيكي وبالولد، وأفتكر إن أكتر واحد هيتأثر بأقل خلاف ما بينكم هيكون "بلال"، فعلشان كده احنا عايزين نحل الأمور بشكل ودي.
ثم ابتسم لها ابتسامة هادئة وأضاف:
قوليلي طلباتك لكن ياريت ميكونش الطلاق، ومش علشان خاطر "طارق" مشيها علشان خاطر "بلال".
_ وكده احنا عملنا إيه؟
سألت "نوارة" ثم أشارت على زوجها متابعة:
ما اللي بيحصل ده هو اللي طارق عايزه، وهو إنه ميطلقش ويفضل محتفظ بيا، وبالعروسة الجديدة.
خرجت السخرية واضحة من نبرتها، لكن "شهاب" لم يلتفت إليها:
وأنا قولتلك علشان خاطر "بلال" مش "طارق"، جوزك مش عايز يطلق يا "نوارة"...شوفي إيه يرضيكي غير الطلاق ونتفق عليه.
بادرت "أميرة" وهي تصوب نظراتها نحو زوج شقيقتها:
خلاص طالما متمسك أوي كده بأختي يبقى يسيب المحروسة التانية.
_ خلينا محضر خير يا مدام "أميرة".
قالها "شهاب" سريعًا، قبل أن يجد شقيقه فرصة للرد ويتحول الصلح إلى شجار جديد.
لكن "نوارة" لم تعد تعبأ بما يدور حولها، كانت تحدق في "طارق" للمرة الأولى منذ بداية الجلسة، ثم قالت:
أنا عارفة إنك مش هتخلينا نخرج بالمعروف حتى لو أخوك طلبها منك، بس أنا جيبته هنا علشان يبقى شاهد على اللي هيتقال دلوقتي.
ثم انتقلت بعينيها إلى "شهاب"، وبدأت تسرد شروطها:
أول حاجه البيت ده يبقى بإسمي زي ما قال لـ "أميرة" بالظبط.
_ وأنا موافق.
قالها "طارق" دون تردد فارتسمت على شفتي "نوارة" ابتسامة ساخرة سرعان ما اختفت وهي تتابع:
بالنسبة بقى لإنك مش عايز تطلق فأنا موافقة أفضل على ذمتك يا "طارق".
ثم أشارت إلى "شهاب" وشقيقتها، وكأنها تحرص على تثبيت كل كلمة تُقال أمامهما:
لكن الوضع ده هيكون مجرد صورة مش أكتر علشان "بلال"، والكلام ده شاهد عليه أخوك وأختي دلوقتي.
أبدى "طارق" اعتراضه حين سأل:
لا، مش فاهم...يعني إيه مجرد صورة؟
رفعت "نوارة" عينيها إليه. لم يكن في نظرتها هذه المرة غضب، بل جمود حاسم:
يعني اللي سمعته...وجودك في البيت ده هيبقى علشان "بلال" وبس، ومفيش أي حاجه تربطك بيا غيره.
ظل يحدق بها غير مستوعب، بينما واصلت، متعمدة ألا تمنحه فرصة للاعتراض:
متستناش مني أي حاجه، ولا حتى تفكر تقرب أو تفرض عليا حاجه علشان ساعتها هتعقد الأمور أكتر
توقفت لحظة، ثم قالت ما كان ثقيلا عليها القبول به:
أنت مش عايز تطلق، وأنا مش عايزاك يا "طارق"، فطالما هفضل على ذمتك من غير رضايا، يبقى لازم تعرف إن العلاقة دي هتكون شكلية، ومحدش فينا عنده أي التزامات اتجاه التاني غير ابننا.
ساد الصمت لثوان قبل أن يكسره "طارق":
ولو قولت مش موافق يا "نوارة"؟
كادت الجملة تستنزف ما تبقى لدى "أميرة" من صبر. ظهر ذلك بوضوح في النظرة الساخطة التي رمقت بها زوج شقيقتها، أما "نوارة" فلم تجبه.
استقام "شهاب" واقفًا، ثم أشار إلى شقيقه:
قوم معايا يا "طارق" نتكلم في البلكونة شوية.
ظل "طارق" في مكانه للحظات، وكأنه يفكر إن كان هناك ما يستحق أن يُقال أصلًا، قبل أن ينهض أخيرًا.
استأذن "شهاب" الشقيقتين:
دقايق وهنرجع.
وبمجرد أن اختفيا خلف باب الشرفة، التفتت "أميرة" إلى شقيقتها وقالت بصوت خافت:
أنا مش مرتاحة يا "نوارة" لـ "شهاب" ده.
_ عمل إيه "شهاب"؟
سألتها "نوارة" باستغراب، فأجابت "أميرة" بحيرة:
معملش حاجه، بس معرفش...في حاجه مش مطمناني.
أخفضت "نوارة" عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء ما تعرفه عن شقيق زوجها:
"شهاب" كويس يا أميرة، وبيحب "بلال"، وكان علطول معانا هنا...هو مقطعش غير لما شد هو و"طارق" من فترة.
استفسرت "أميرة" منها:
إيه اللي حصل بينهم يعني؟
_ كانت خناقة بين "نجوى" وجوزها تقريبا، و"طارق" حكالي إنهم اختلفوا سوا.
قالتها "نوارة" بلا اهتمام، فلم يكن ما حدث بين الرجلين يعني لها شيئًا في تلك اللحظة.
كانت مثقلة بما يكفي، حتى أن الحديث عن "طارق" أصبح يرهقها، وكأنها لم تعد تملك طاقة للدخول في أي تفاصيل جديدة تخصه.
وفي الشرفة، وقف "طارق" أمام السور ينفث دخان سيجارته بانفعال، بينما كان "شهاب" يقف إلى جواره محاولًا تهدئة الموقف:
لازم توافق، الحل ده أحسن كتير من حل إنها تصر على الطلاق...هي عملتلك اللي أنت عايزه وهتفضل على ذمتك.
علق "طارق" بضجر على حديث شقيقه:
هو أنت كنت بتسمع كلام تاني ولا إيه بالظبط؟
ما هي قالت إن وجودها على ذمتي هيبقى مجرد صورة.
حاول "شهاب" إخماد ثورته:
مش مهم، خليك ذكي واتعامل مع الوضع اللي قدامك.
ثم مال نحوه قليلا، موضحًا:
وافق على طلباتها واحترمها، وهتبص تلاقيها واحده واحده مع الوقت بتلين معاك...بالذات لما تشوفك بتحاول بكل الطرق تصلح، وفي نفس الوقت محترم رغبتها.
_ نوارة مش هتلين طول ما "سهر" في حياتي.
خرجت الجملة من "طارق" محملة بيقين لا يقبل النقاش، لكن "شهاب" لم يبد مقتنعًا:
لا هتلين، لما تحس إنك موجود علطول، واهتمامك بيها مقلش رغم كل اللي حصل هتلين.
ثم ضحك وهو يضربه بخفة على كتفه:
وأكيد مش أنا اللي هقولك تحسس مراتك بقيمتها إزاي، ده أنت ما شاء الله يعني بقيت متجوز اتنين.
لم يكن "طارق" في حالة تسمح له بمجاراة المزاح. ظل صامتًا، غارقًا في حساباته، فاستغل "شهاب" صمته ليضيف:
لو طلقتها وخدت منها "بلال" هتطلع خسران، لإن ابنك كبير مش صغير، ومهما عملت مش هتعرف تقطعه عن أمه.
رفع "طارق" عينيه إليه، بينما تابع شقيقه:
لكن طالما بتحبها وعايزها يبقى طاطي دلوقتي، وسيب المركب تمشي لحد ما النفوس تصفى والدنيا تهدى.
صمت "شهاب" لحظة، ثم أردف:
وفكر فيها هتلاقي الوضع في صالحك، البيت مفتوح ومراتك فيه مع ابنك، ومسموحلك في أي وقت تكون موجود حتى لو هي ربطت ده بـ "بلال" لكن في فرصة تتجمعوا وهي تحن.
بدأ "طارق" يقتنع بحديث "شهاب"، خاصة بعدما أدرك أنه لا يملك في الوقت الراهن حلًا آخر يضمن له الاحتفاظ بـ"نوارة" وابنه سوى هذا.
زفر بضيق، ثم التفت إلى "شهاب" قائلا:
هو أنا مكنتش عايزك تيجي بس اضطريت قدام إصرار "نوارة"...لكن ده ميمنعش إني اعتذر عن اللي حصل بينا يوم ما جيت أخد "بلال" من عندك.
وأضاف، حتى لا يترك الأمر يمر من دون أن يضع حدًا له:
وميمنعش برضو إن أنت كمان غلطت.
ابتسم "شهاب" بهدوء قبل أن يقول:
ياه أنت لسه فاكر
ثم نظر إلى شقيقه، مهونًا الأمر:
أنا أصلا نسيت إيه اللي حصل يومها.
انتهى الحديث بين الشقيقين، وعادا إلى الصالة حيث كانت "نوارة" و"أميرة" في انتظارهما.
كان "طارق" أكثر هدوءًا مما خرج، وإن ظلت ملامحه تحمل شيئًا من الضيق.
تعلقت عينا "نوارة" به تنتظر ما سيقوله، بينما التزمت "أميرة" الصمت وهي تراقبهما.
جلس في مكانه، ثم رفع عينيه إلى "نوارة" وقال بهدوء:
أنا موافق يا "نوارة".
ثم تابع، دون تردد:
والشقة من الصبح هتكون باسمك.
لم تستطع "أميرة" كبح فضولها أكثر، فسألته بسخرية:
وهتيجي مره بقى كل شهر تشوف ابنك ولا مرتين؟
_ لا أنا هبقى موجود علطول، وكل حاجه هتفضل ماشية زي ما هي، ما عدا اللي نوارة قالت عليه.
قالها "طارق" بضيق، قبل أن يبادلها سخريتها وهو يلتفت إليها:
يعني ممكن تروحي بيتك خلاص، علشان أنا هبقى هنا كل يوم.
اعترض "شهاب" على حديثه قائلا:
ميصحش كده يا "طارق".
لكن "أميرة" لم تنتظر منه الدفاع عنها، وردت بنفسها:
طيب الحمد لله إنك هتفضى وتبقى موجود، يارب ملاقيش كمان كام يوم جوزي بيبلغني إنك استأذنته أبات مع نوارة وبلال.
وأشارت إلى سماعة الهاتف، ثم تابعت بتهكم:
وتتصل بيا تقولي معلش أصل صاحبي عمل حادثة، وأنت بتتغندر في حتة تانية.
قطع حديثها دقاتٌ على باب المنزل، فتوجه "طارق" لفتحه، وهو يرمق "أميرة" بنظرات غاضبة قابلتها هي باستهتار.
انتبهت "نوارة"، وكذلك "شهاب"، حين ظهر "بلال" على الباب. جذب "طارق" كف ابنه إلى الداخل بابتسامة، بينما سألته "أميرة" بقلق:
طلعت ليه يا حبيبي دلوقتي، مش أنا قولتلكم تفضلوا عند طنط "أمل" لحد ما أنزلكم.
لم يجد "بلال" جوابًا، فأشفقت "أميرة" على حاله، بينما ابتسمت "نوارة" في هدوء وأشارت إليه أن يأتي إليها، نظر الصغير إلى والده لحظة، ثم ترك كفه وتحرك ليقف جوار أمه.
جاءه صوت "شهاب" مازحًا:
مفيش أزيك ولا إيه يا "بلال"؟
_ أزيك يا عمو.
قالها بابتسامة ثم أضاف بصدق:
أنا مبسوط إنك رجعت تيجي عندنا.
اتسعت ابتسامة "شهاب" وهو يجيبه:
لا طالما مبسوط فأنا مستعد أجيلك كل يوم.
وما إن أنهى جملته حتى جلس "طارق" على المقعد المجاور لـ"نوارة"، وجذب ابنه إليه قائلًا:
أنا وماما حلينا كل اللي بينا يا حبيبي.
أكدت "نوارة" على حديث "طارق"، ومسحت على رأس ابنها وهي تقول:
مش عايزه أي حاجه تكون مزعلاك، واتأكد دايما إن مهما حصل ماما وبابا هيفضلوا يحبوك.
هز "بلال" رأسه موافقًا، لكن الشك ظل عالقًا بداخله. كان يخشى أن يكون ما يحدث أمامه مجرد كذبة أخرى، إلا أن كلمات خالته المازحة انتزعت منه بعضًا من قلقه:
وأنا قولتلهم لو زعلتوا الواد "بلال" ده تاني، هاخده يقعد معايا، وهعاقبهم بـ "إيمان" و"مالك".
ضحك "بلال" فتابعت "أميرة":
هي تعيط وتصدعهم، و"مالك" يفضل يخبط بالكورة ويرد عليها لحد ما أبوك وأمك يقولوا حقي برقبتي.
_ لا الطيب أحسن يا "أميرة".
قالها "طارق" بابتسامة، محاولًا أن يحافظ على هدوء الأجواء أمام ابنه، فسايرته شقيقة زوجته، بينما ابتعد "بلال" بنظراته عنها واتجه بها إلى عمه.
عندها عادت "أميرة" إلى طارق بنظرة ازدراء، فردها لها بالمثل.
راقبت "نوارة" ابنها وهو يخبر عمه:
بابا وعدني إنه هيجيبلي بيانو، وأنا طلبت منه إنك تعلمني عليه.
_ خلاص يبقى أنت تيجي معايا النهارده تاخد أول درس.
اقترح "شهاب"، فبدا الحماس على وجه "بلال"، لكن "طارق" اعترض وهو يمسك بكف ابنه:
بلاش النهارده، الوقت اتأخر.
نظر "شهاب" في ساعته قبل أن يرد عليه:
الساعه لسه مجتش ٩.
ثم وجه حديثه إلى "نوارة" بمزاح:
سيبك من جوزك، أنا هطلب منك أنتِ...ينفع "بلال" يبات عندي النهارده؟
نظرت "نوارة" إلى ابنها، ومسحت على رأسه برفق قائلة:
الصراحة أنا مقدرش أستغنى عنه، ولا يجيلي نوم وهو مش في البيت.
رفع "شهاب" كتفيه بقلة حيلة، وهو يلتفت لـ "بلال":
للأسف بقى هما اللي عايزين يأخروك، أنت النهارده كنت ممكن تتعلم حاجات كتير أوي.
ازداد حماس "بلال"، وانتقل ببصره بين أمه وأبيه في رجاء:
علشان خاطري يا بابا، وافق أنت وماما أبدأ النهارده.
_ أنا بكرا هوديك.
وعده "طارق"، لكن الصغير لم يتراجع، وأمام إصراره، عجز هو وأمه عن مواجهته، فقال بضيق:
خلاص يا "بلال" روح.
أشرقت السعادة على وجه الصغير، فاستقام "شهاب" واقفًا ومد يده إليه قائلًا:
طيب كده يبقى يادوب نمشي بقى.
تعلقت عينا "طارق" بيد ابنه وهي تفلت من قبضته لتستقر في يد "شهاب".
بان الضيق في عينيه، وكاد يتراجع عن السماح لـ"بلال" بالذهاب، لكن صوت "نوارة" سبقه:
معلش يا "شهاب" بلاش موضوع يبات ده، يعني ساعتين و"طارق" هيجي ياخده.
_ هو أنا هاكله يا "نوارة"؟ مالك قلقانة كده ليه؟
سألها "شهاب" ضاحكًا، ثم تابع:
يا ستي اعتبريه نايم في أوضته.
ردت "أميرة" بدلا عن أختها:
هي مش متعوده "بلال" يبات برا، فـ معلش ريحها.
تنهد "شهاب" بضيق، ثم نظر لزوجة شقيقه وسأل معاتبًا:
هو إن "بلال" يفضل عندي النهارده محتاجة كل ده يا نوارة؟
ثم حسم الأمر:
عمومًا خلاص اللي يريحك.
هدأ "طارق" قليلًا، لكن ارتياحه لم يدم، فما إن قابل "بلال" أمه بنظرات لائمة حتى تراجعت "نوارة" عن موقفها وقالت:
خلاص يا "شهاب" خليه، بس بكرا الصبح بدري يكون هنا.
سعد "شهاب" بموافقتها، ووعدها أن يعيده في الموعد، ولم تخف عنه نظرات الضيق التي ألقاها عليه شقيقه، لكنه تعمد تجاهلها، ومضى برفقة "بلال" إلى الخارج.
تحركت "أميرة" خلفهما لتنادي ابنها والصغيرة من أسفل، وحين لمح "بلال" ابن خالته يخرج من شقة جارتهم، توقف والتفت إلى عمه:
عمو ينفع نجيب "مالك" معانا؟
لكن "مالك" سبق "شهاب" في الحديث، وسأل "بلال":
هو ده عمك اللي عنده بيانو؟
ودون أن ينتظر رأي أمه قرر:
أنا جاي معاكم.
جاءه صوت "أميرة" من أعلى الدرج:
أطلعلي هنا، وهات "إيمان".
_ أنا هروح مع "بلال".
قالها "مالك" باعتراض لكن والدته رفضت:
لا أنت مش هتروح في حته...وبعدين هو من امتى يا أخويا وكان ليك في المزيكا؟
صحح لها ابنها على الفور:
أنا ليا في الكورة، واللي عنده بيانو يبقى عنده كورة أحسن من اللي قطعتيهالي النهارده.
لم يستطع "شهاب" منع ضحكته وهو يتابع الجدال الدائر بينهما، خاصة حين هددته "أميرة":
أنت هتطلع دلوقتي ولا أنزل أقطعك على السلم؟
_ خلاص ممكن تسيبيه يجي.
اقترح "شهاب"، رافعًا رأسه إليها، لكنها رفضت:
لا معلش، مالك مبيريحش.
ثم وجهت حديثها إلى ابنها:
أطلع يلا.
_ طالع.
قالها بتذمر، ثم التفت إلى ابن خالته ونطق بغيظ:
يا بختك، هتروح تلعب، وتسيبني أنا مع إيمان تقعد تصوت في وشي طول الليل.
خرجت "إيمان" من شقة "أمل"، كانت تحمل دميتها بين ذراعيها، فابتسم "شهاب" ومسح على رأسها بحنان.. رفعت عينيها الواسعتين إليه، وبادلته ابتسامته قبل أن تنطق باسم "بلال".
التفت "شهاب" إلى "مالك" وقال:
ده أنا مستعد أقعد العمر كله في وش القمر دي، وموافق إنها تصوت بس.
_ ما هو أنت مسمعتش صوتها.
قالها "مالك" بضيق، ثم جذب يد "إيمان" التي كانت تتحرك ناحيته بخطوات متعثرة، وصعد بها إلى أمه التي عادت تناديه.
وحين ابتعدا، أبدى "شهاب" إعجابه بشقاوة الصغير، وقال لابن أخيه:
دمه خفيف "مالك".
رد عليه "بلال" مستفيضًا في الحديث عن ابن خالته وصديقه:
أيوه، هو صاحبي كمان، ولما بروح عند خالتو "أميرة" بلعب أنا وهو و"علي" في الشارع.
استفسر منه "شهاب":
مين علي ؟
_ صاحبي برضو.
قالها "بلال" بابتسامة ثم أضاف موضحًا:
بس هو ساكن في نفس المكان اللي خالتو "أميرة" ساكنة فيه.
وصلا إلى سيارة "شهاب"، واستقلاها، وطوال الطريق لم يكف "شهاب" عن جذب أطراف الحديث مع الجالس إلى جواره، وكأنه يحاول أن يحارب الصمت بكل ما أوتي من حيلة، حتى وصلا إلى منزله.
كانت وجهة "بلال" الأولى هي البيانو؛ فما إن دخل حتى هرول نحوه، وجلس أمامه دون أن يزحزح نفسه من مكانه، رغم سماعه صوت عمه ضاحكًا:
طب نرتاح شوية الأول.
لكن إصرار "بلال" لم يترك له مجالًا، فاستسلم لرغبته وقرر أن يبدأ معه من اللحظة الأولى، وقال بابتسامة:
قبل ما تتعلم على البيانو لازم تتعرف عليه الأول.
كان الانبهار في عيني "بلال" كافيًا لأن ينسى "شهاب" أي شيء آخر.
أمسك بيده، ووضع أصابعه فوق مفاتيح البيانو، وبدأ يعرّفه بها واحدًا تلو الآخر.
وفي تلك اللحظة، لم يكن "شهاب" بحاجة إلى أكثر من هذا؛ فقد كانت مشاركته هذا الشغف الصغير مع ابن أخيه واحدة من أسعد التجارب التي عاشها في حياته، ولم يتمن سوى أن تطول.
_______________________________________
مرت خمسة أعوام... خمسة أعوام كانت كافية لأن يتحول الطفل الذي لم يستطع الانتظار حتى الغد ليبدأ درسه الأول إلى فتى يقف الآن على أعتاب السادسة عشرة، صار البيانو جزءًا من يومه، وظل "شهاب" أول من فتح له بابه.
كان "بلال" يجلس بملل في أحد النوادي، وتحديدًا هذا النادي الذي يبغض المجيء إليه منذ علم أن زوجة والده من رواده.
لا يأتي إليه إلا استجابةً لرغبة أبيه الذي يصر على اصطحابه، ولحسن حظه، لم يكن يلتقي بها هنا في العادة، وكان ذلك وحده كافيًا ليجعله يوافق على القدوم.
لم يجد "بلال" ضالته في النادي سوى في لعب التنس، لكنه اليوم لم يذهب إلى الملعب؛ فقد كان من المفترض أن يقضي بعض الوقت مع والده في جلسة ودية، قبل أن يفاجأ بزوجة أبيه تحضر برفقة فتاة تصغره بنحو عام.
انضمت الاثنتان إلى طاولته هو ووالده، وسألت "سهر" "طارق" بابتسامة:
اتأخرت عليك؟
_ لا يا حبيبتي.
أجابها بهدوء، ثم التفتت "سهر" إلى "بلال" مرحبة:
إزيك يا "بلال"، عامل إيه يا حبيبي؟
رد باختصار، بعدما أبعد كوب العصير قليلًا:
كويس الحمد لله.
رحب "طارق" بالفتاة التي رافقت "سهر" أيضًا، ثم أشار إليها وهو يعرف ابنه بها:
دي "سما"، بنت أخت طنط "غادة".
رفع "بلال" عينيه إليها، كانت فتاة رقيقة الملامح، بشعر متوسط الطول صففته بطريقة تناسب عمرها، وانسدل حول وجهها في نعومة، أما عيناها فكانتا واسعتين صافيتين، تتسلل إليهما لمعة شقاوة خفيفة كلما ابتسمت، فتمنحان ملامحها شيئًا من الحيوية.
رحب بها "بلال" وقابلت هي ترحيبه بابتسامة قبل أن تجلس، سألتها "سهر" عما إذا كانت ستشرب شيء ولكنها قالت:
أنا هقوم أتمشى شوية.
ثم عرضت على "بلال":
تيجي معايا؟
كان أي شيء أفضل من المكوث برفقة زوجة والده، لذلك لم يتردد في قبول عرضها. وما إن ابتعدا خطوتين عن الطاولة حتى سألته:
أنت مبتجيش النادي كتير صح؟
هز رأسه مؤكدًا، ثم استفسر:
ليه؟
_ أصل أنا علطول هنا بس مش بشوفك، أغلب الوقت ببقى مع ماما وساعات باجي مع خالتو.
قالتها ببساطة، ولم يتحدث هو فسألته وهي تلوح إلى إحدى صديقاتها:
لو متضايق ممكن ترجع تقعد معاهم.
ابتسم بسخرية قبل أن يجيب:
لا خالص، أنا هتضايق فعلا لو قعدت معاهم.
فهمت أنه يقصد خالتها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة مشاكسة وقالت:
ممكن أقولهم على فكرة.
ضحك، لكن ضحكته سرعان ما تلاشت حين وقعت عيناه على أحد رواد المكان، مراهق في عمره تقريبًا.
لم يفت "سما" تغير ملامحه، فتبعت نظرته، وما إن رأته حتى ظهر الضيق على وجهها هي الأخرى:
"مروان" ده شخصية مستفزة.
_ أنتِ عارفاه؟
سألها وقد استدار إليها فأومأت برأسها:
اه، ابن صاحب بابا...شكلك أنت كمان تعرفه.
جاوبها بعدما ابتعدا عن مكانه:
بلعب معاه تنس ساعات لما باجي، بس عندك حق أنا كمان مش بحبه.
انتقلت في الحديث إلى الرياضة، وقالت برأي بدا حاسمًا:
أنا مش بحب التنس، ولا أي نوع من أنواع الرياضة...ممكن الجري بس.
سألها "بلال":
بتحبي الموسيقى؟
ولم يتوقع أن يكون ردها:
جدًا ده أنا صوتي كمان حلو أوي.
_ وأنا بعزف بيانو.
قالها ببساطة لكنها قابلتها بنظرة انبهار:
بجد؟
هز رأسه مؤكدًا بابتسامة، فهتفت بحماس:
أنا بحب البيانو جدًا، لازم أتفرج عليك وأنت بتعزف مره.
_ وأنا برضو أحب أسمعك وأنتِ بتغني.
نطق بها وهو ينظر إليها، فعرضت عليه:
خلاص أنا عيد ميلادي قريب، إيه رأيك أعزمك وتسمعني فيه؟
ابتسم وقال:
هشوف.
ضحكت وهي تعلق على طريقته المغترة:
يبقى مش هعزمك.
قطع حديثهما صديقتها التي اقتربت منها، واستوقفت "سما":
"سما" ممكن أتكلم معاكي؟
_ لا.
قالتها بحسم وطلبت من "بلال" أن يكملا سيرهما ولم تتوقف إلا حين لحقت بها صديقتها وقالت:
سما أنا بجد مكنتش أعرف إن باباكي هيضربك، أنا و"مروان" كنا بنهزر.
استدارت "سما" تسألها بغضب:
وأنتِ مين اللي قالك إن بابا ضربني؟
أجابتها الواقفة أمامها بحزن:
مامتك.
تنهدت "سما" بضيق، ثم قالت:
طيب أنا بقولك محدش جه جنبي، وملكيش دعوه بيا تاني أنتِ ومروان.
وما إن أنهت جملتها حتى انضم إليهما "مروان"، وسألها بابتسامة تحمل شيئًا من الشماتة:
إيه يا "سما" مالك؟
أتت لترد عليه، ولكن تولى "بلال" الأمر بدلا منها، وقال:
مالك أنت بيها يا "مروان"؟
_ "سما" صاحبتنا، يعني لو حد المفروض ميتدخلش يبقى أنت.
قالها "مروان" ببساطة، فردت "سما" على الفور:
لا أنا مبقتش صاحبتكم.
ابتسم "بلال" بشماتة وهو يلمح الضيق الذي ظهر على وجه "مروان"، ثم قال لها:
يلا يا "سما" نمشي.
أمسكت بيده وتحركت معه، تاركة خلفها نظرات أصدقائها القدامى.
شعر "بلال" بارتجافة يدها، بينما بدت هي وكأنها لم تعد ترى ما حولها؛ عادت إلى ذلك اليوم، إلى صوت والدها وهو يعنفها، حتى خُيّل إليها أنها تسمع من جديد صوت الحزام الذي انهال عليها به.
لاحظ "بلال" اضطراب أنفاسها، فأسرع يسألها باهتمام:
أنتِ كويسه؟
_ تعالى نقعد.
خرجت الكلمات بصعوبة، فوافق على الفور، وتحرك بها نحو أقرب مقعد حتى جلست.
وفي الوقت نفسه، كان "طارق" على وشك الانفجار، وبدا ذلك واضحًا في نبرته:
هو احنا مش هنخلص بقى يا "سهر" من الموضوع ده؟
حدثته بنبرة امتلأت بالقهر:
ما لازم طبعًا ميبقاش فارقلك، ما أنت عندك ابنك.
حاول استدعاء الهدوء، وهو يقول:
وأنا ما منعتكيش تخلفي لكن ربنا عايز كده.
عاد إلى أذنها صوت "أميرة" قبل سنوات، في يوم لم تنسه أبدًا:
بإذن الله بطنك عمرها ما هتشيل أبدًا يا خرابة.
كانت الدموع على وشك أن تغلبها، لكنها أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول:
في دكتورة كويسة غادة قالتلي عليها، تعالى نروح.
_ كلامها هيبقى زي اللي قبلها.
أخبرها بالمتوقع، وردت هي بانفعال:
حتى لو، برضو نحاول...أنا عايزه أبقى أم وهفضل أجرب، ولو الموضوع ده مش فارقلك يا "طارق" فهو فارقلي أنا.
مسح على وجهه بإرهاق وهو يقول:
أنا بقيت بتعب من الكلام معاكي يا "سهر" بجد.
ردت عليه بسخرية مريرة:
بتتعب من الكلام معايا، بس مبتتعبش من نوارة اللي بتحاول معاها بقالك ٥ سنين، "نوارة" اللي شمتانة فيا علشان مخلفتش لحد النهارده وبتمنع ابنها عني...ده غير أختها اللي بايتة عند الدجالين والـ...
لم تكمل جملتها؛ أوقفها "طارق" بانفعال:
لحد هنا وكفاية يا "سهر"، إياك تهرتلي عن "نوارة" تاني بكلام زي ده، والدجالين دول هما اللي أنتِ روحتلهم واستغلوا خوفك وحاجتك وأقنعوكي إن "أميرة" أذتك.
ثم ثبت عينيه على عينيها الباكيتين وقال:
عايزه تروحي للدكتورة الجديدة هروح معاكي، لكن لو قولتي كلام من ده تاني هتبقي بتخسريني.
_ بتعمل كده مع اللي بتحبك، وعارف إنك مش هتهون عليها يا "طارق".
قالتها بألم، ثم جذبت حقيبتها واستقامت واقفة، عازمة على الرحيل.
لم تستجب لندائه، واكتفت بإخباره أن "غادة" ستأتي لأخذ ابنتها بعد ساعة.
كانت تعرف إلى أين ستذهب.. قادت سيارتها نحو منزل "نوارة"، وما إن وصلت حتى عادت إليها ذكرى اليوم الذي وطئت فيه هذا المنزل قبل سنوات، دقت الباب بانفعال، ولم يفتح لها سوى "نوارة".
كانت تقف مستندة إلى عكازين يساعدانها قليلًا على السير، أربكها وجود "سهر"، لكنها تماسكت وسألتها بجمود:
أنتِ جاية هنا ليه؟
تخطتها "سهر" ودخلت إلى المنزل، وهي تقول بانهيار:
جاية أقولك تبعدي أختك عني يا "نوارة".
انكمش حاجبا "نوارة" باستغراب، بينما تابعت "سهر" وهي تقف أمامها:
الحقيـ.رة اللي بتروح للدجالين، والسحرة علشان تبوظ حياتي.
خرجت "أميرة" من المطبخ في اللحظة نفسها، وقد سمعت كل كلمة تفوهت بها "سهر". لم تتوقع "سهر" وجودها هنا، فاندفعت نحوها وهي تلقي اتهاماتها:
أنا عرفت كل اللي أنتِ بتعمليه، هستنى إيه من واحده جاهله زيك غير الحركات الرخيصة دي.
_ أمشي اطلعي برا، الحركات الرخيصة دي بتاعتك أنتِ.
قالتها "نوارة" بانفعال مماثل، بينما تنهدت "أميرة" بهدوء قبل أن تنطق:
تصدقي يا "سهر" أنا ساعة ما جيتلك بيتك اللي مشيتي منه بعد ما فضحتك هناك كان نفسي أعمل حاجه، بس الفرصة مسمحتش.
ابتسمت، ثم أضافت:
شكرا أوي إنك جيتي لحد هنا وخلتيها تسمح.
ظلت "سهر" تطالعها بعدم فهم، قبل أن تنقض "أميرة" عليها وتجذبها من شعرها بغتة:
تعاليلي يا بت.
صرخت "سهر" بذعر، وحاولت إبعادها عنها والاستعانة بـ"نوارة"، لكن الأخيرة لم تتدخل وهي ترى شقيقتها تهجم عليها بغرض الاشتباك معها، واكتفت بالجلوس على أقرب مقعد لتريح قدميها.
وفي تلك اللحظة، ومع تخلي "نوارة" عن التدخل، أدركت "سهر" أنها جاءت إلى المكان الخطأ تمامًا.
