رواية سفاح المعادي الفصل الرابع بقلم عيد عزام
من ساعة ما ظهر اسم مروان السيــ ـوفي، وأنا حاسس إن القضية رجعت بيا 12 سنة لورا.
طلبت ملف قضيته القديم، وبعد ساعة كان قدامي ، فتحت الصور والمحاضر، وكل ما أقلب صفحة كنت بفتكر تفاصيل أكتر.
يوسف كان واقف قدام السبورة، قلب في بيانات مروان وبعدين بصلي وقال:
= إنت كنت متأكد وقتها إنه هو؟
رفعت عيني من الملف وعرفته:
= الأدلة كلها كانت ضده.
قرب مني وسأل:
= أنا مسألتش عن الأدلة يا باشا، سألت حضرتك كنت متأكد؟
مردتش ، لأن الحقيقة إني وقتها كنت ضابط صغير، وعندي متهم، وشاهدين، وتحريات بتقول إنه الفاعل.
بس كان فيه حاجة واحدة مكانتش راكبة ، شاهد قال إنه شاف شخص تاني خارج من المكان، وأنا اعتبرت شهادته ضعيفة.
قفلت الملف وقومت وقولت:
= هاتلي مروان.
بعد ساعات عرفنا مكانه ، أوضة مفروشة في حلوان ، دخلناها قبل المغرب.
مروان كان قاعد على السرير كأنه مستنينا، بصلي أول ما دخلت وابتسم وراح قال:
= أدهم منصور.
وقفت قدامه وقولت:
= فاكرني؟
ضحك وقال:
= أنسى الراجل اللي ضيع 12 سنة من عمري إزاي؟
يوسف بدأ يفتش المكان، وأنا فضلت واقف قدامه فقولت:
= تعرف سامح فوزي؟
هز راسى بالنفى
= لأ.
طيب قولى تعرف داليا مراد ، نفس الرد ميعرفوش
ونفس الرد أنه ميعرفش مروان شوقي!
حطيت قدامه صورة رامي خطاب ، أول ما شافها ملامحه اتغيرت ،بصيتله وقولت أكيد ده تعرفه
سكت شوية ورد:
= كان محامي في جمعية حقك.
وطبعا وإنت كنت متطوع فيها ،هز راسه انه كان من ضمنهم ، فقولت:
= مين كان عنده وصول لكل ملفات القضايا؟
مروان فضل باصصلي ثواني، وبعدها قال:
=إنت فاكر إني الســ ـفاح؟
بصتله بصة تدل أن كلامه مظبوط
ابتسم وقال:
= لسه زي ما إنت يا أدهم، بتلاقي أول متــ ـهم مناسب وتقرر إنه المذنـ ـب.
الكلام جـ ــرحنى قربت منه وقولت:
= جاوب على السؤال.
اتغيرت ملامحه وقال:
= سليم
كنت خلاص على أخرى وفقدت أعصابى وقولتله :
= سليم مين؟
أضطرب من كلامى وقال:
= سليم ناصر، كان مسؤول استقبال الحالات والأرشيف. تقريبًا مفيش ملف دخل الجمعية إلا وعدى من تحت إيده.
بصيت ليوسف ، طلع موبايله وبدأ يدور في البيانات، وبعد دقايق رفع عينه ،كان رده سريع
= موجود ضمن الـ11 يا باشا.
قولتله هات عنوانه بسرع ، يوسف قالى الموجود القديم بس.
مروان ضحك وقال:
= مش هتلاقوه.
بصيتله وقولت:
= ليه؟
مسح وشه بإيده وقال:
= لأن سليم اختفى يوم الجمعية ما اتقفلت.
قعدت قدامه وقولت:
= احكيلي عنه.
مروان أخد نفس طويل وقال:
= سليم كان أكتر واحد بيصدق إن الجمعية ممكن تعمل فرق. كان يقعد مع الناس بالساعات، يسمعهم، يحفظ أساميهم، ويتابع قضاياهم حتى لو مش شغله.
لقيته ساكت لحظة، وبعدها كمل:
= لحد ما بدأ يكتشف إن ناس من جوه الجمعية نفسها بتبيع القضايا.
قولت:
= رامي؟
هز راسه رامي وغيره ،سألته:
= والعشرة؟
رفع عينه ليا وقال:
= أنهي عشرة؟
معرفتش إذا كان بيكـ ــدب ولا فعلًا ميعرفش ،خرجنا من عنده، وبدأنا ندور على سليم ، صورته اتوزعت، واسمه اتراجع في الفنادق والمستشفيات والإيجارات.
ولا حاجة ، كأنه اختفى من سنتين ، بس جرايــ ــمه مكانتش بتختفي.
بعد عشرة أيام، لقينا الضحـ ــية الخامسة ، صاحب شركة كان فصل موظف بعد ما أصيب في شغله، وزور أوراق تثبت إن الإصابة حصلت بره الشركة.
نفس الطعــ ـنة ، نفس العلامة ، وبعدها بعشرة أيام، السادسة.
ست كانت شاهدة في قضية اعتـ ــداء، أخدت فلوس وغيرت شهادتها.
وبعد عشرة أيام، السابعة ؛ طبيب كتب تقريرًا مـ ـزورًا ساعد متهم يفلت من قضية.
كل اسم فيهم كان موجود في ملف قديم داخل جمعية "حقك".
وكل مرة كنا نوصل متأخرين ، بس مع السابعة لقينا حاجة مختلفة ، ظرف صغير في جيب الضحـ ــية ، جواه ورقة مكتوب عليها: "كان عندك عشرة أيام."
قعدت قدام الورقة وقت طويل ، يوسف وقف جنبي وقال:
= عشرة أيام بين كل جريــ ــمة.
هزيت راسي وقولت:
= مش بس بين الجرايــ ــم.
بصلي ، رفعت الورقة قدامه وقولت:
= هو بيدي الضحـ ــية عشرة أيام قبل ما يقتــ ــلها.
بدأنا نراجع آخر أيام الضحـ ــايا، وهنا اكتشفنا إن كل واحد فيهم وصله قبل مـ ــوته ظرف ،جواه دليل على ذنـ ـبه ، وطلب واحد:
اعترف ، نهى اعترفت ،وعشان كده عاشت.
قولت ليوسف:
= هو مش شايف نفسه قاتــ ــل.
يوسف رد:
= شايف نفسه قاضي.
هزيت راسي وقولت:
= لأ، القاضي بيحكم بعد ما يسمعك. سليم بيكتب الحكم الأول، وبعدين يديك فرصة تستعطفه.
في الجريــ ــمة الثامنة كنا أسرع.
عرفنا إن الهدف رجل أعمال اسمه فؤاد البدري بعد ما بلغ عن ظرف وصله ،حطيناه تحت المراقبة ، وقبل ميعاد الجريــ ــمة بساعات، فؤاد خرج من البيت فجأة.
تحركنا وراه ، وصل لمبنى تحت الإنشاء في المعادي.
دخلنا وراه ، طلعت السلالم وأنا سامع حركة فوقي.
وصلت الدور الرابع ، فؤاد كان واقع على الأرض، مصــ ـاب بس لسه عايش ،وعلى بعد خطوات منه كان فيه راجل واقف ، رفع وشه وبصلي.
لأول مرة شوفت سليم ناصر ، هادي بشكل غريب ، مفيش ارتباك ،مفيش خوف ، ناديت عليه:
= سليم!
ابتسم وجري ، جريت وراه ، نزل سلم جانبي ونط من سور منخفض ناحية شارع خلفي.
وصلت وراه بثواني، بس عربية كانت مستنياه ،ركب واختفى ، رجعت لفؤاد ، كان لسه عايش ،لأول مرة منعنا جريــ ــمة.
بس الفرحة مكملتش ، لأن الدكتور وهو بيعالج الجـ ــرح اللي على خد فؤاد لاحظ حاجة.
العلامة مش مجرد خطين ، صورناها وكبرناها، وقارناها بشعار قديم لقيناه في أوراق جمعية "حقك".
كان فيه نفس الخطين، وتحتهم عبارة صغيرة:
"أُغلقت القضية."
وقتها فهمت ، سليم كان بيحط ختمه على وش كل ضحـ ــية.
بالنسبة له، القضية اتقفلت ، بس إنقاذ فؤاد غير حاجة في سليم ،لأول مرة كســ ـر نظامه.
بعد يومين بس، مش عشرة، لقينا الضحـ ــية التاسعة.
راجل كان مسؤول مالي سابق في الجمعية، وثبت إنه
اختــ ـلس جزء من التبرعات المخصصة لأصحاب القضايا.
وقفت قدام جثــ ــته وأنا حاسس إن سليم بيجري ، مش بينفذ خطة بهدوء زي الأول.
هو عارف إننا قربنا ،رجعت القسم وكتبت الأرقام على السبورة.
1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9.
يوسف وقف جنبي وقال:
= فاضل واحد.
قولت:
= بس إحنا منعرفش مين.
راجعنا كل الملفات ،مفيش اسم عاشر واضح ،وفي الساعة 3 الفجر، موبايلي رن.
رقم مجهول ،رديت وأنا واقف قدام السبورة:
= ألو؟
ثواني، وسمعت صوته لأول مرة من غير تسجيل بيتكلم بنبرة هادية:
= مساء الخير يا أدهم.
شديت الموبايل في إيدي وقولت:
= سليم.
ضحك ضحكة خفيفة وقال:
= أخيرًا بقينا نعرف بعض.
مشيت ناحية يوسف وأشرتله يتتبع المكالمة ، قولت:
= اللعبة خلصت يا سليم.
رد بهدوء:
= بالعكس، فاضل أهم واحد.
بصيت للأرقام قدامي وقولت:
= مين العاشر؟
سليم قال :
= تسعة اتحاسبوا، تفتكر مين العاشر؟
أتعصبت عليه وقولت بكل غضب الدنيا :
= إنت مريـ ــض ومش بتحاسب حد انت قــ ـاتل
نبرة صوته اتغيرت لأول مرة ، وقال:
= كل واحد فيهم خد فرصة يعمل الصح، وكل واحد اختار نفسه.
ضغطت عليه وقولت:
= ونهى؟
قال:
= اعترفت، فعاشت.
قولت:
= وفؤاد عاش برضه، وأنا اللي وقفتك.
مردش ، عرفت إني جـ ــرحت كبريائه ، وبعد ثواني قال:
= عشان كده مش هستنى عشرة أيام المرة دي.
بصيت ليوسف وقولت:
= تقصد إيه؟
سمعت نفسه قبل ما يرد فقال:
= هخلص العاشر، وأختفي للأبد.
صـ ــرخت:
= مين العاشر يا سليم؟
ضحك ، وقبل ما يقفل قال:
= الغريب يا أدهم إنك من أول جثــ ــة بتسأل مين اللي جاي عليه الدور، ومرة واحدة مسألتش نفسك أنا عارف اسمك منين ،الخط اتقفل ،فضلت ماسك الموبايل.
يوسف قرب مني وقال:
= عرفنا مكانه؟
هزيت راسي وقولت:
= لأ.
بصيت للأسماء التسعة على السبورة ،ولأول مرة من بداية القضية، حسيت إن الاسم الأخير مش موجود في ملفات جمعية "حقك".
كان موجود في مكان أقدم ،في قضية بدأت قبل الجمعية بسنين ،قضية أنا كنت جزء منها ، رجعت بعيني لصورة مروان السيوفي.
وافتكرت جملته:
"هتيجي في يوم وتعرف إنك ظلـ ــمتني."
وقتها بدأت أفهم ليه سليم اختارني أنا بالذات عشان أحكي معاه اللعبة من أولها ،يمكن مكنتش الظابط اللي بيطارد
السفـ ـاح ، يمكن كنت آخر واحد في قائمته.
