رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الخامس
"إن معاناة الأم تجاه أولادها تشبه نارًا تشتعل في قلبها، فهي تحمل أوجاعهم وكأنها جراح في جسدها، ولا يهدأ لها بال حتى تراهم سعداء وآمنين."
لم تستطع زهرة أن تتجاوز ما حدث لرضوان.
منذ أن عاد ابنها من منزل عائلة رباب، وصورته لا تفارق مخيلتها؛ ملامحه التي حاول أن يخفي بها انكساره، صمته الذي كان أبلغ من أي شكوى، والطريقة التي دخل بها إلى غرفته وكأنه يريد أن يختبئ من الجميع، لا لأنه ضعيف، وإنما لأنه لم يكن يريد لأحد أن يرى موضع الوجع الذي أصابه.
كانت تعرف رضوان جيدًا.
تعرف أنه من النوع الذي يتحمل، ويصمت، ويبتلع حزنه حتى لا يحمّل من حوله فوق طاقتهم. لكنه هذه المرة كان مختلفًا، وهذا الاختلاف كان يؤلمها أكثر من كل شيء.
ولهذا، لم تستطع زهرة أن تجلس مكتوفة اليدين.
كان عليها أن تفعل شيئًا لأجله، حتى وإن كان ذلك الشيء سيكلفها كثيرًا.
اتجهت إلى عائلة رباب، تحمل في قلبها أمنية واحدة؛ أن تقنعهم بالموافقة على زواج ابنهما، وأن تعيد إلى وجه رضوان شيئًا من الفرح الذي غاب عنه منذ عودته.
كانت تعرف جيدًا أن ذهابها قد يضعها في موقف لا يليق بها، وربما تسمع ما يجرحها، لكنها لم تفكر في نفسها حينها.
كانت أمًّا قبل كل شيء.
وقلب الأم، حين يتعلق الأمر بسعادة أحد أبنائها، لا يقف طويلًا أمام كرامته، ولا يحسب عدد الكلمات القاسية التي قد يسمعها، ولا يفكر في مقدار الانكسار الذي قد يعود به.
كانت تريد فقط أن تراه سعيدًا.
وعندما التقت زهرة بعفاف، لم تحتج الأخيرة إلى كثير من الكلمات لتكشف عن مشاعرها؛ فقد كانت عيناها تطلقان شررًا من الكراهية، ونظراتها تحمل من العداء ما جعل زهرة تدرك منذ اللحظة الأولى أن هذا اللقاء لن يكون سهلًا.
رغم توتر اللقاء، تماسكت زهرة.
تحدثت بعقلانية وهدوء، وانتقت كلماتها بعناية، وكأنها تسير فوق أرض مليئة بالألغام؛ كلمة واحدة في غير موضعها قد تشعل الماضي كله.
لم تأتِ لتفتح دفاتر قديمة، ولا لترد على إساءة بإساءة، ولا لتثبت أنها أفضل من عفاف.
جاءت من أجل رضوان فقط.
من أجل أن تفتح بابًا، ولو كان ضيقًا، أمام سعادة ابنها.
ـ أنا عارفة إنك موجودة لوحدك ومفيش حد هنا في البيت، علشان كده جيتلك أقولك كلمتين.
تركت عفاف باب منزلها مفتوحًا، فالبناية كلها ملك لهم، ولا يوجد غريب بينهم. ثم وقفت أمام زهرة تنظر إليها من أعلى إلى أسفل، وكأنها تتعمد أن تجعلها تشعر بالفارق بينهما.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، خالية تمامًا من أي ترحيب، وقالت بتشفٍّ:
ـ كبرتي يا زهرة وشاخ عودك، بان عليكي الكبر من الهم والفقر.
لم تتأثر زهرة.
أو بالأحرى، لم تسمح لعفاف أن ترى أثر كلماتها عليها.
اكتفت بابتسامة هادئة، ابتسامة امرأة عرفت من الحياة ما يكفي لتدرك أن بعض الناس لا يريدون سوى رؤية ألم غيرهم، ولذلك كان أقسى رد عليهم ألا تمنحهم هذه المتعة.
ثم ردت بفطنة:
ـ طول عمرك لماحة يا عفاف، بس الجمال الحقيقي يا حبيبتي بيكون من جوه، في القلب والروح، في اللسان اللي بيطلع الكلمة الطيبة والحلوة، في جبران الخاطر، في إني أعيش مع ولادي بحب ومبسوطة بيهم ومعاهم، ودول مالهمش صالح بالفقر والغنى، دول ليهم صالح بالأصل، الأصل يا عفاف.
كانت كلمات زهرة هادئة، لكنها أصابت عفاف في موضع لم تستطع إخفاءه.
تبدلت ملامحها في لحظة، وكأن الهدوء الذي قابلت به زهرة استفزها أكثر من أي رد قاسٍ، فانفجرت غاضبة:
ـ أنتِ جاية يختي تديني درس في الأصول!
ـ لا، العفو، إنتِ أكبر من كده، وأنا جاية في حاجة تانية خالص.
رفعت عفاف حاجبيها بغرور، وأسندت نظراتها على زهرة بثقة، وكأنها صاحبة اليد العليا في هذا اللقاء.
كان واضحًا أنها تنتظر أن تعرف سبب هذه الزيارة المفاجئة، بينما كانت زهرة تشعر بثقل السؤال الذي جاءت من أجله.
أخذت نفسًا هادئًا، ثم قالت وهي تخفي توجسها:
ـ أنا جاية أسألك وأقولك ليه، ليه رفضتي رضوان!
ضحكت عفاف بصوت عالٍ.
لم تكن ضحكتها ضحكة عابرة، بل حملت شماتة واضحة، وكأن السؤال جاءها في الوقت الذي كانت تنتظره تمامًا.
ثم ردت مبتهجة:
ـ وهو بسلامته ما قالكيش إحنا رفضناه ليه!
نظرت إليها زهرة في صمت.
للحظة، شعرت أن الطريق الذي ظنت أنها جاءت تسلكه بالعقل والهدوء لن يكون سهلًا.
لكن عفاف لم تمنحها فرصة حتى تستوعب، وأكملت حديثها بخبث:
ـ شكله ما قالكيش، أصله هيقولك إيه يا حبة عيني؟ هيقولك مثلًا إنه مقدرش على طلب واحد بس من طلبات بنتي، ولا هيقولك إنه خرج من عندنا قفاه يقمر عيش!
لم تحتمل زهرة تلك الإهانة.
اختفى هدوؤها للحظة، وخرج صوتها أكثر حدة وهي تقول:
ـ اتكلمي كويس يا أم رباب، إنتِ ست كبيرة مش صغيرة، وعيب طريقتك دي في الرد، وأنا عارفة ومتأكدة إن رباب ما طلبتش حاجة، هي بس عايزة رضوان ومش عايزة حد غيره.
ثم لانت نبرتها قليلًا، وتخلت عن دفاعها عن ابنها لحساب رجائها في قلب أم أخرى:
ـ بلاش يا عفاف، بلاش تقفي في طريق سعادة بنتك، فكري إن فرحتها مع ابني مش حد تاني، رضوان شاريها وهي شاريَاه.
شهقت عفاف بسخرية، وكانت القسوة في عينيها أوضح من أي كلمة.
ـ بس أنا بايعة يا عنيا، ومن الآخر كده خطتك مش هتمشي عليا يا زهرة. إن كنتِ فاكرة اللي حصل زمان ممكن يتصلح دلوقتي، فأنتِ بتحلمي يا حبيبتي، ويكون في معلومك، لو رضوان ده آخر واحد في الدنيا وحياة بنتي متعلقة عليه، برضه مش هوافق.
اتسعت عينا زهرة.
لم يكن الرفض وحده هو ما أصابها بالصدمة، وإنما تلك الجملة تحديدًا.
اللي حصل زمان.
إذن كان الماضي حاضرًا هنا، رغم كل السنوات التي مرت.
تلجم فمها للحظات، وشعرت أن شيئًا قديمًا دُفن منذ زمن طويل قد خرج من قبره فجأة.
كانت الكلمات الأخيرة أشد وقعًا عليها من الرفض نفسه.
فهي لم تأتِ لتطلب موافقة على زواج فحسب، وإنما وجدت نفسها واقفة أمام جرح قديم لم يندمل، وامرأة ما زالت تحمل في قلبها شيئًا لم تطفئه السنوات.
وبينما عادت زهرة تحمل ثقل تلك المواجهة، كان هناك قلب آخر في منزلها يعيش الوجع نفسه.
ما يحزن رضوان يحزن أخته.
كانت حبيبة أكثر الناس انزعاجًا مما حدث له، لا لأنها تعرف كل التفاصيل، وإنما لأنها تعرف رضوان نفسه.
كانت تجلس على كرسي في شرفة المنزل، والهواء البارد يمر حولها، لكنها لم تكن تشعر به.
كان عقلها مشغولًا بأخيها الذي اختلى بنفسه في غرفته، وأصبح حديثه قليلًا جدًا منذ ذلك اليوم.
استعادت في ذاكرتها كل ما مر به رضوان من قبل.
كل مرة أخفى فيها تعبه.
كل مرة حمل مسؤوليتها فوق كتفيه دون أن يشكو.
كل مرة جعلها تشعر بالأمان رغم أنه كان في حاجة لمن يمنحه هو الأمان.
ولهذا كان حزنها عليه مضاعفًا.
فهي تعرف أن رضوان اعتاد أن يكون سندًا للجميع، ولم تعتد رؤيته منكسرًا بهذا الشكل.
عادت زهرة إلى المنزل.
كانت خطواتها ثقيلة، وملامحها شاردة، وكأنها تركت جزءًا من قلبها في ذلك المنزل وعادت بالباقي فقط.
نادَت على حبيبة، لكنها لم تسمع ردًا.
بحثت عنها في أرجاء المنزل حتى وجدتها، فجلست أمامها وهي تسألها بتهالك:
ـ إيه يا حبيبة اللي مقعدك هنا في البرد ده؟ هتبردي كده يا بنتي.
أجابتها وهي شاردة، وكأن برودة الجو لم تعد تعني شيئًا أمام النار التي تشتعل في صدرها:
ـ البرد ده ولا يساوي حاجة من النار اللي في قلبي يا ماما.
تعجبت الأم من نبرتها، وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحها:
ـ نار! نار إيه يا بنتي؟ كفى الله الشر، وبعدين إنتِ قاعدة مسهّمة كده ليه؟ مالك شايلة الهم كده فوق دماغك إنتِ كمان!
نظرت إليها حبيبة في تعب.
كانت تحتاج فقط إلى شخص يسمعها.
شخص يسمح لها بأن تخرج كل ما حبسَته في صدرها منذ عرفت بما حدث لأخيها.
ـ ناري من ناحية رضوان، نفسي أبرد قلبي بس مش عارفة؛ هو مش حرام اللي بيحصل لأخويا ده يا ماما! هو عمل إيه علشان يتوجع كده! أنا هاين عليا أروح للولية اللي اسمها عفاف دي وبنتها أربيهم وأديهم درس عمرهم ما ينسوه.
فهمت زهرة ما يزعج ابنتها.
كانت تعرف حبيبة، وتعرف أن رضوان بالنسبة لها ليس مجرد أخ؛ لذلك فإن ما يوجعه يمر في قلبها هي الأخرى.
لكنها فكرت بعقلانية وقالت:
ـ وهي رباب ذنبها إيه بس يا حبيبة! البنية ملهاش ذنب في كل اللي حصل ده، وبعدين أخوكِ كبير وعاقل وهو مش زعلان، إنتِ بقى إيه اللي مضايقك،ولا زعلانه ليه بس؟
اعتدلت حبيبة، وهمّت بالوقوف، ثم أسندت ذراعيها إلى سور الشرفة، ونظرت من فوقه بوهن.
كان الحزن أثقل من قدرتها على الاحتمال، فخرجت كلماتها وكأنها كانت حبيسة صدرها منذ أيام:
ـ زعلانة ليه! أنا مش بس زعلانة يا ماما، ده أنا مقهورة ومكسورة.
ثم أدمعت عيناها.
لم تكن دموع غضب فقط، وإنما دموع امرأة تشعر بالعجز أمام ألم شخص تحبه أكثر من نفسها.
ـ من حق رضوان إنه يفرح، ومن حقه يبقى مبسوط زي الناس، ومن حقه ياخد البنت اللي حبها. هي الدنيا بصاله على إيه؟ ومستخسرة فيه الفرحة ليه! والله حرام إنه يتحرم من أقل حقوقه، رضوان تعب في حياته أوي، تعب واتحمل اللي ما حدش يتحمله، كفاية إنه ما كملش علامه بسببي وبسبب إنه شال مسؤوليتي وبيصرف عليا لحد دلوقتي.
ثم نظرت إلى أمها، وكأنها تعاتبها على مجرد محاولة تخفيف الأمر:
ـ وإنتِ إزاي بتقولي رباب ما لهاش ذنب! أي حد يكون سبب في زعل أخويا يبقى الذنب راكبه من فوقه لتحته، ورباب دي من دلوقتي مش عايزة أعرفها. أنا اللي يأذي أخويا يوجعني، وحزن رضوان عندي يبقى عزايا يا ماما. ده رضوان اللي رباني مش أي حد، ويستاهل يتشال فوق الراس. كفاية إن كلامه بيتحط على الجرح يبرد، بيسامح الكل، بيحط في قلبه ويسكت، يبقى ده جزاته! واللي قاهرني إني مش عارفة الست الحرباية دي قالتله إيه، ولا عملت معاه إيه هناك، منهم لله.
سمعتها زهرة بكل جوارحها.
ورغم حزنها الدفين على وليدها، ورغم غضبها مما فعلته عفاف، إلا أن شيئًا من السعادة تسلل إلى قلبها وهي تسمع كلمات حبيبة.
كانت هذه الكلمات ثمرة سنوات طويلة قضاها رضوان في رعاية أخته.
رأت أمامها الحقيقة كاملة؛ لم يكن رضوان بالنسبة لحبيبة أخًا فقط.
كان سندًا.
وكان أمانًا.
وكان في أوقات كثيرة أقرب إلى الأب الذي تحمل مسؤوليتها حين كان بإمكانه أن يختار نفسه.
اقتربت زهرة من ابنتها، ووضعت يدها على كتفها واحتضنتها، ثم قالت مواسية بصوت يشوبه الأمل:
ـ طيب بالله لو رضوان سمع منك الكلمتين الحلوين دول؟ لا ينسى كل حاجة وحشة حصلت له في حياته. وبعدين يا بت يا حبيبة، أخوكِ رضوان عاقل، ده اتحدى نفسه والناس، مش هيتحدى شوية زعل! ومش هنقول غير إن الجواز قسمة ونصيب، وبعدين هو عمل اللي عليه علشان ما تجيش رباب في يوم وتقول ده كان بيلعب بيا، لا كده خلاص مالهاش حجة، وأخوكِ يومين ويفوق لنفسه، ده ابني وأنا عارفاه.
نظرت حبيبة إليها، وقلبها يتشبث بكل كلمة قالتها أمها، وكأنها تريد أن تصدقها حتى يطمئن قلبها.
ثم سألتها، وفي عينيها خوف حقيقي:
ـ تفتكري يا ماما؛ تفتكري رضوان مش هيتغير معانا بعد اللي حصل ده!
أردفت زهرة بثقة، وكأنها تتحدث عن شخص تعرف خباياه أكثر من أي أحد:
ـ عمره، رضوان عمره ما يتغير أبدًا، ده بياخد الحزن ويحطه تحت رجليه سلّمة ويطلع بيه لفوق، إنتِ مهما عشتِ مع أخوكِ مش هتعرفيه قدي. اطمني وهدي بالك يا بنت قلبي، وادعي لأخوكِ، ادعيله وقولي: يا رب يسعده، ده هو اللي بيغير الكون في لحظة، ما لناش غيره، قولي يا رب يا حبيبة. وبعدين لو عايزة تفرحي أخوكي بجد، تركزي في شهادتك، دي أمنية حياته يشوفك حاجة كبيرة قد الدنيا.
تنفست حبيبة بهدوء.
رفعت عينيها إلى السماء، وكأنها سلمت أمر أخيها لمن هو أرحم به منهم جميعًا.
دعت الله أن يحفظ رضوان، وأن يبعد عنه كل سوء، وأن يعوضه عن كل ما خسره.
وفي داخلها اتخذت قرارًا آخر؛ أن تجتهد في دراستها.
فإذا كانت عاجزة عن إزالة حزن أخيها، فلتمنحه على الأقل سببًا جديدًا للفخر بها.
مسحت دموعها بطرف أصابعها، ثم حاولت أن تضبط حجابها.
وحينها لمحت كريم وعصام يقتربان من البناية.
ـ ماما، كريم وعصام هناك أهم، دول شكلهم جايين عندنا ولا إيه!
نظرت زهرة إليهما، ثم قالت:
ـ أيوه، شكلهم كده جايين لرضوان علشان ما نزلش الشغل، وده كله بسببك يا مقصوفة الرقبة، ما صحّيتيهوش النهارده لحد ما اتأخر، وده بمزاجك أنا عارفة، مش غصب عنك زي ما قلتي له.
لوّت حبيبة فمها بضجر:
ـ اللاه، صعب عليا يا ماما، سبته نايم أعمل إيه يعني؟ هو الشغل هيطير!
رآها كريم من الأسفل، وأشار إليها قائلًا:
ـ السلام عليكم، إزيك يا حبيبة؟ أخوكِ عندك!
ردت قائلة:
ـ وعليكم السلام، آه موجود يا كريم، تعالوا اتفضلوا.
ركضت حبيبة إلى غرفة أخيها.
وجدته مستلقيًا على فراشه، وكأن النوم كان مهربه الوحيد من أفكاره.
أخبرته بقدوم أصدقائه، فاعتدل رضوان وهو يفرك عينيه، وكان واضحًا من ملامحه أنه لم يكن قد استيقظ منذ وقت طويل.
ـ ماشي يا حبيبتي.
ثم سألها:
ـ هي ماما رجعت من عند الخياطة ولا لسه؟
ـ أيوه، جت من شوية.
ـ طيب تمام، روحي إنتِ اعمليلنا شاي، وأنا هاخدهم على السطح، ونادي عليا آخده منك.
صعد الثلاثة إلى سطح البناية.
جلسوا معًا، وأخذ رضوان الشاي من أخته ووضعه أمامهم.
جلس بين كريم وعصام، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، لكن ملامحه لم تستطع أن تخفي تمامًا ما بداخله.
كان الحزن لا يزال هناك.
مختبئًا خلف ابتسامته، ومستقرًا في عينيه.
تحدث كريم مستفسرًا:
ـ بس مش بالعاده يعني يا رضوان، ما تنزلش شغلك وعلى يومين كمان!
وأكمل عصام:
ـ طيب ده أنا ما صدقتش لما كريم قالي الكلام ده، وقلت يبقى في حاجة حصلت وإحنا ما نعرفش، خير يا رضوان؟ قول لنا مالك، ولا في حاجة إنت مخبيها علينا!
لم ينسَ رضوان كلمات عفاف.
لم ينسَ الطريقة التي جعلته يشعر للحظات وكأنه يقف متهمًا أمامهم بسبب ظروف لم يخترها.
ومع ذلك، جاهد نفسه أن يبتسم.
لم يكن يريد أن يجعل أصدقاءه يشعرون بمدى الألم الذي تركته تلك الكلمات في داخله.
ـ يا ستار عليك منك ليه، قوام كبرتوا الموضوع وخليتوني مخبي عليكم حاجة! اطمن إنت وهو، أنا كويس وما فيش أي حاجة، كل الحكاية إني تعبان شوية وريحت امبارح، بس النهارده كنت نازل الورشة عادي وراحت عليا نومة.
وضع كريم كوب الشاي، وحدق في وجه صديقه بدهاء.
ـ ما تبقاش رضوان العطار لو ما تعبتناش معاك وطلعت عينينا في الخروج منك بمعلومة. يا رضوان، إنت لو عندك كورونا هتنزل الشغل عادي؟ مش تقولي تعبان وما أعرفش إيه! اتكلم وقول مالك، علشان أصلًا باين على وشك إن في حاجة خنقاك، وبعدين هو إحنا لو ما فضفضناش لبعض وقلنا على اللي خانقنا وتاعبنا، هنرتاح إزاي بس!
ربت عصام على فخذ رضوان:
ـ اتكلم يا رضوان، قول مالك يا صاحبي، صدقني لما تفضفض هتستريح.
استسلم رضوان أخيرًا.
ربما لأنه تعب من حمل الأمر وحده.
أخذ نفسًا عميقًا، ونظر بعيدًا عن أعينهما، ثم بدأ في سرد ما حدث له مع عائلة رباب.
لكنه، حتى وهو يروي، لم يكن قادرًا على كشف كل شيء.
اختصر بعض التفاصيل، وترك بعض الكلمات مدفونة في صدره، وكأنه كان يحاول أن يحافظ على آخر ما تبقى له من كرامته حتى أمام أقرب أصدقائه.
أنهى كلامه، ثم سكت.
تعجب عصام، بينما شعر كريم بضيق شديد من أجل صديقه.
ـ رفضوك! وإيه يعني؟ يغوروا في داهية، ولا تزعل نفسك، دي ناس جعانة، دهب إيه! وشقة اللي عايزينها في الزمالك دي! هما كانوا سكنوا فيها علشان إنت تقعد فيها!
رد عصام:
ـ لا، ومش واخد بالك إنت يا كريم من طريقة عفاف دي مع رضوان، كأنها بتعايره بظروفه، ناس عجيبة جدًا يا أخي.
ابتسم رضوان بوهن:
ـ كأنها بتعايرني! لا يا عصام، هي فعلًا عايرتني وحطت عليا كمان.
لم يتحمل كريم سماع ذلك الضعف في صوت صديقه، فانفعل:
ـ ما حدش يقدر يعايرك وإنت فيك إيه علشان يعايروك؟ ناقصك إيه! طول عمرنا عارفين إن الراجل ما يعيبوش إلا جيبه، وأنا من زمان أقولك الولية الهبلة دي اللي هتبوظلك الجوازة دي، ست مفتريه ومعروفة في الحتة كلها.
ثم خبط عصام كفًا بكف، وقال متعجبًا:
ـ وجوزها اللي اسمه معلم صفوت وماشي وراها ده متعلم عليه مش معلم، رجالة آخر زمن، وبعدين هما ليهم أكل وبحلقة؟ الشكليات دي اللي تهمهم وبس! طيب ومعدن الشخص نفسه مالوش لازمة!! ده رضوان كله رجولة وشهامة وجدعنة، يعني هيحافظ على بنتهم ويراعيها، ياريت عندي أخت كنت أنا اللي جوزتها رضوان وبدون أي ضمانات، ناس عجيبة والله.
نظر رضوان أمامه.
كانت كلمات أصدقائه تواسيه، لكنه لم يكن يريد أن يسترسل في الحديث.
ـ تسلم يا عصام، وخلاص الموضوع اتقفل عليه، وكل شيء قسمة ونصيب.
ثم صمت.
كان يحمل داخله جرحًا أقدم من رباب وعفاف، جرحًا لم يكن سببه هذا الرفض وحده.
جرحًا تركه والده قاسم فيه حتى بعد رحيله.
فمهما حاول رضوان أن يدفن الماضي، كان الماضي يعرف طريقه إليه في كل مرة.
لم يكن ذنب أبيه ذنبه، ومع ذلك ظل الناس يعاقبونه على شيء لم يرتكبه.
وكأن قاسم، بعد كل تلك السنوات، لم يعد مجرد اسم في ذاكرته، وإنما ظل وصمة يحاول رضوان أن يعيش بعيدًا عنها، ثم يجدها تعود إليه في أكثر اللحظات التي يتمنى فيها أن يعيش مثل أي إنسان آخر.
بعض الكلمات لا تنتهي بمجرد أن تُقال.
تظل عالقة في القلب، وتنتظر فقط اللحظة التي يشبه فيها الحاضر الماضي حتى تستيقظ من جديد.
ورضوان كان يعرف هذا الشعور جيدًا.
كان معتادًا على ابتلاع وجعه، لكن هذه المرة شعر أن الماضي الذي ظن أنه دفنه معه قد عاد ليقف أمامه من جديد.
طال الصمت بينهم.
ولاحظ كريم ذلك.
لم يكن يريد أن يترك صديقه غارقًا في أفكاره، فضحك بصوت عالٍ، وجذب انتباهه، ثم بدأ في سرد ما حدث بين عزت وعصام في ورشة الحدادة.
راح يحكي بطريقة كوميدية، يبالغ في وصف تسرع عزت وعفويته المطلقة، فضحك الثلاثة.
وللمرة الأولى منذ فترة، ارتخت ملامح رضوان قليلًا.
ظل كريم وعصام يتعمدان إخراجه من حزنه، وكأنهما اتفقا دون كلام أن هذه الجلسة لن تنتهي إلا وقد نجحا في انتزاع ولو لحظات قليلة من الراحة من قلبه المثقل بالحزن.
ظلت زاد مقيمة في منزل عمها نجيب يومين.
كانت سما ترافقها في أغلب الوقت، ويتبادلان أطراف الحديث، لكن وجود سما لم يكن مريحًا لزاد.
كانت في عمرها تقريبًا، وتملك جمالًا لافتًا، إلا أن ذلك الجمال لم يكن ينعكس على شخصيتها؛ فقد اعتادت السخرية من الآخرين، وكانت ترى نفسها الأجمل والأفضل دائمًا، دون أن تهتم كثيرًا بمشاعر من حولها.
وكانت زاد تتضايق من أسلوبها، لكنها كانت تلتزم الصمت.
فهي ضيفة في منزل عمها، ولم تكن تريد أن تدخل في مشاحنات لا داعي لها.
في ذلك اليوم، كانت سما ترتدي ملابس باهظة الثمن، وتقف أمام حوض السباحة، وقد أعطت هاتفها لزاد لتلتقط لها بعض الصور.
وقفت زاد بجوارها مجاملة لها، تلتقط الصور واحدة تلو الأخرى، بينما كانت سما تتعامل مع الأمر وكأنه جزء طبيعي من يومها.
وفجأة صدح هاتف زاد.
ابتعدت عن سما، وتركتها أمام حوض السباحة، واتجهت إلى الحديقة لتجيب على باسل بعيدًا عن الآخرين.
وبعد أن اطمئن كل منهما على الآخر، عاد باسل إلى الأمر نفسه؛ إقناعها بالعودة إلى منزلها.
كان يرى أن من الخطأ أن تترك والدها في هذا الظرف الصعب، وأن عنادها لن يحل المشكلة.
لكن زاد لم تكن مستعدة للتراجع بهذه السهولة.
قاطعت حديثه بصوت غاضب:
ـ باسل لو سمحت كفاية تضغط عليا، أنا مش هرجع الفيلا تاني إلا لما بابا يقتنع بوجهة نظري. أنا مش فاهمة هو متعصب عليا ليه، وليه رافضك ورافض حتى يسمعك!
تحدث باسل بعقلانية، محاولًا أن يجعلها ترى الصورة من زاوية والدها:
ـ اسمعي زاد حبيبتي، عمو الحقيقة معه حق بكل تصرفاته. حبيبتي، البداية بينا كانت غلط، والغلط كبير مني، ومش بس كده، ده أنا زودت الطين بلة زي ما بتقولوا لما اجيت لعنده واتقدمتلك رسمي بعد أسبوعين من موت الخالة ثريا. أنا ما بعرف شو اللي صارلي من وقت ما شفتك، لا عم بعرف أسيطر عاحالي، وبدي أخطفك اليوم قبل بكرة، بس أجيتي للجد، أنا لو مكان عمو أشك فيني وأخاف كمان. أنا لا من هالبلد ولا يعرف عني إشي، وكل هالغلط مني أنا وحدي.
تأففت زاد.
بدأ صبرها ينفد، وسألته:
ـ إنت عايز توصل لإيه يا باسل!
أجابها بلطف:
ـ بدي ياكي تروقي حالك وتهدي وتعذري عمو، هو ماله بالآخر غيرك يا زاد. دخيل الله ترجعي البيت وتصلحي الأمور بينك وبين العم حسين، لحتى أقدر أصلح كل المصايب اللي أنا عملتها بدون قصد مني. موافقة حبيبتي!
تنهدت زاد.
ـ هفكر يا باسل، أوكي.
ثم سمعت أصواتًا حوله، فسألته:
ـ إنت فين دلوقتي؟ وإيه الصوت اللي حواليك ده؟ إنت في المطار؟
أجابها:
ـ إيه، أنا بالمطار حياتي، عندي شغل ببيروت، راح خلصوا وبرجع ع لبنان بعد يومين.
حركت رأسها وقالت:
ـ أوكي يا باسل، توصل بالسلامة.
أغلقت الهاتف.
ظلت للحظات واقفة في مكانها، والهاتف بين يديها، تستعيد كلماته كلمة كلمة.
كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن باسل محق.
هي تحب والدها.
وتعرف أنه لم يبقَ لها بعد وفاة أمها سوى هو.
لكن العند كان قد استولى عليها، وجعلها ترى كل شيء من زاويتها وحدها.
تذكرت معاملته لها في الفترة الأخيرة، فاشتد غضبها للحظة، ثم عادت إلى حديث أمها معها، وتذكرت وصيتها لها بأن ترعى والدها وألا تقسو عليه.
هنا انكسرت حدة غضبها قليلًا.
اغرورقت عيناها اشتياقًا لأمها.
بقيت للحظات غارقة في ذكراها، وكأنها تبحث في غيابها عن إجابة لم تجدها في أي شخص آخر.
وقبل أن تسترسل أكثر في الذكريات، جاءت الخادمة إليها وأخبرتها أن العائلة تنتظرها على طاولة الغداء.
ذهبت زاد إليهم.
كانت الطاولة كبيرة، يجلس على رأسها نجيب وزوجته، بينما جلست سما بجوار أبيها، وكارم ومازن بجوار بعضهما.
كان مازن الابن الأكبر للعائلة، ومن طباعه العبث بالنساء، ولذلك لم يكن يخفي نظراته إلى ابنة عمه، حتى وهو رجل متزوج.
أما كارم، فكان على النقيض منه تمامًا.
كان متدينًا وملتزمًا، مطلقًا لحيته، يغض بصره عنها كلما وقعت عيناه عليها، ويستغفر الله بصوت مسموع.
كان يشعر بالانزعاج من طريقة ارتداء زاد لملابسها القصيرة والضيقة، ومن شعرها المنسدل.
ولم يستطع إلا أن يتذكر موقفًا قديمًا، حين حاول والده أن يجبره على الزواج منها.
كان يكبرها بعامين، لكنه رفض.
وحمد الله بعدها أنه لم ينصت إلى رغبة والده، وإلا كان يشعر أنه سيخسر نفسه.
رحب بها العم نجيب، وأشار إلى زوجته لتقدم لها أجود الطعام الموجود أمامهم.
جلست زاد.
حاولت أن تبدو طبيعية، لكنها شعرت بأنها تحت أنظار الجميع، وكل واحد منهم ينظر إليها بطريقته.
لم يمض وقت طويل حتى لم يتحمل كارم رائحة عطرها الذي يفوح منها، فتنحنح وقال:
ـ لا إله إلا الله، عندي كلمتين عايز أقولهم.
وضع أبوه الملعقة، مُصدرًا صوتًا؛ لأنه فهم فورًا ما يدور في رأس ابنه.
ـ مش وقته يا كارم يا حبيبي، نتغدى وبعدين قول اللي إنت عايزه.
حرك كارم نظارته على عينيه، وقال:
ـ معلش يا بابا، دول كلمتين صغيرين هقولهم للآنسة زاد وهي حرة، مش هاخد وقت.
صك نجيب على أسنانه غيظًا.
لاحظت زاد ذلك، فتحدثت إليه مبتسمة:
ـ كلمتين ليا أنا! خير يا كارم!
تنحنح كارم بخجل، ونظر بعيدًا، ثم قال:
ـ خير طبعًا إن شاء الله، عايز أقولك إن بيت عمك مفتوحلك دايمًا، وهو بيتك طبعًا يا آنسة زاد، وتقعدي وتنوري إن شاء الله سنة بحالها، ما حدش هيقدر يقولك حاجة، ولكن أنا عندي تحفظ صغير عايز أقوله، ويا ريت ما تفهمنيش غلط.
وكزه مازن، وهمس إليه من بين أسنانه:
ـ يا ابني ما تسكت، هو إنت ربنا خلقك شر على الأرض؟ ما تسيب البنت براحتها، خلينا نغذي عينينا يا أخي.
وكزه كارم أيضًا، وقال له بضيق:
ـ إنت تخرس خالص يا أنثوي يا متصابي يا شيخ، اتقِ الله، دي بنت عمك لحمك ودمك، عيب عليك. لم عينيك دي، جهنم هتحتار تاكل فيك إيه ولا إيه.
أشاح مازن بيده، ولم يرد.
أما كارم فأكمل حديثه، محاولًا أن يجد الكلمات المناسبة دون أن يجرحها:
ـ أنا يعني كنت عايز أقولك إنك ما شاء الله إنسانة رقيقة وجميلة وعلى خلق، وربنا اداكي مميزات كثيرة ممكن ما تكونش عند كثير من البنات، وأنا حابب أقولك يعني قصدي...!!
صمت.
كان يريد أن ينصحها، لكنه شعر فجأة أن الحديث أمام الجميع قد يحول النصيحة إلى إحراج.
ولم يستطع أن يكمل.
تعجبت زاد، وقالت:
ـ ميرسي خالص يا كارم على المجاملة اللطيفة دي، بس إنت سكت ليه؟ أنا ما فهمتش حاجة من كلامك.
ضحكت سما.
وكانت ضحكتها تحمل شيئًا من السخرية، وكأنها وجدت الفرصة المناسبة لتقول ما يريد كارم قوله بطريقة أكثر مباشرة:
ـ كارم يقصد على طريقة لبسك وشعرك ومكياجك في البيت هنا، فيا ريت لو تتحجبي في وجوده، علشان إنتِ تعتبرِي بالنسبة له فتنة، مش كده يا كارم!!
رمقها كارم وأبوه بنظرات لم تخفِ استياءهما من طريقتها.
أما زاد، فحافظت على تماسكها رغم الإحراج الذي تسلل إلى وجهها، ثم قالت بشموخ:
ـ والله يا سما أنا ده طبعي واتربيت على كده، فأنا لو هغير من نفسي هغير علشان ربنا أولًا وعشاني، مش علشان حد تاني. وبعدين ما إنتِ مش محجبة يا سما، ليه يا كارم ما نصحتش أختك قبل ما تنصحني! مش غريبة دي؟
قبض كارم يده على الملعقة، وتنهد بحزن.
لم يكن يريد أن يصل الحديث إلى هذا الموضع.
ـ والله يا آنسة زاد، أنا ياما نصحتها وكلمتها، وأجبرتها كمان على الحجاب؛ لأنه فرض، لكن ربنا يخلي الوالد والوالدة واقفين في طريقي وبيقولوا إني راجل وما ليش كلمة عليها طول ما هما عايشين. وأنا هقولك على حاجة مهمة، أنا مش بجبرك على حاجة، أنا عليا النصح والإرشاد، ومن الله الهداية. وإن كنت بنصحك، فبنصحك لوجه الله تعالى؛ لأني عارف إنتِ متربية إزاي وأخلاقك إزاي، فمش ناقصك بس غير حاجات صغيرة، ولكنها مهمة جدًا، وهو الحجاب ولبسك يكون محتشم؛ لأن كده بصراحة ما ينفعش البيت فيه شباب.
شعرت زاد أن وجهها اشتعل من الإحراج.
لم تكن المشكلة في النصيحة وحدها، وإنما في أنها قيلت أمام الجميع، وفي توقيت جعلها تشعر وكأنها موضع تقييم من كل شخص على الطاولة.
ضاق صدرها.
ومنذ وفاة أمها، أصبح هذا الشعور يلازمها أكثر؛ شعور أنها فقدت الشخص الوحيد الذي كان يستطيع أن يفهمها دون أن تحتاج إلى شرح نفسها.
كانت الكلمات تتساقط عليها واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة تزيد إحساسها بالوحدة.
لم تستطع أن تكمل وجبتها.
وضعت الملعقة برفق، ونهضت ببطء، محاولة أن تحافظ على ما تبقى لها من تماسك:
ـ الحمد لله شبعت، وميرسي يا كارم على كلامك الجميل والنصيحة الحلوة دي، وأوعدك إني هفكر فيها. بعد إذنكم، هطلع أستريح شوية.
أوقفها نجيب:
ـ استني يا زاد يا بنتي، إنتِ ما أكلتيش حاجة وطبقك زي ما هو.
ـ معلش يا عمو، أنا حقيقي شبعت، بعد إذنكم.
تركتهم وصعدت.
ظل نجيب يتابعها بعينيه حتى اختفت عن الأنظار.
ثم نظر إلى أفراد أسرته.
رأى سما تكتم سعادتها بإحراج ابنة عمها، بينما كان مازن لا يزال يتابعها بعينيه حتى وصلت إلى الطابق الثاني.
عندها التفت إلى كارم.
كانت عيناه تحملان غضبًا واضحًا:
ـ إيه اللي إنت هببته مع بنت عمك ده؟ إنت معندكش دم.
حرك كارم نظارته مرة أخرى، وقال بأسف:
ـ أنا بعتذر يا بابا، أنا مش قصدي إني أحرجها، أنا كنت عايز أنصحها. زاد بنت جميلة ومتربية، وأنا مش عايزها تخسر دنياها وآخرتها كمان، فين الغلط اللي أنا عملته؟
رد مازن:
ـ يا ابني إنت كلك على بعضك غلط، إنت أصلًا تركيبتك فيها حاجة غلط، إنت أحرجتها قدامنا.
تفهم كارم كلامه، وقال:
ـ هي دي الغلطة الوحيدة اللي أنا عملتها، المفروض كنت أنصحها بيني وبينها، مش قدامكم، ولأني عارف ردود أفعالكم.
ترك الطعام، وهمّ واقفًا.
فسأله أبوه ساخرًا:
ـ على فين؟ إنت كمان نفسك انسدت بعد اللي إنت عملته!
رد كارم بعفوية:
ـ لا والله يا بابا، أنا جعان جدًا، ولكن المغرب أذّن، هروح أصلي وارجع أكمل أكل بإذن الله تعالى.
مرت الأيام.
وظلت زهرة تحمل في قلبها حزنًا ثقيلًا من أجل رضوان.
لم تكن تتوقع أن تكون عفاف بهذه القسوة، ولا أن يكون الماضي ما زال حيًا في داخلها إلى هذا الحد.
الآن فقط بدأت تصدق ما كانت تسمعه عنها.
كانت امرأة لا تنسى، ولا تترك جرحًا قديمًا يمر دون أن تعود إليه كلما وجدت الفرصة.
وكان أكثر ما يقلق زهرة أن يعلم رضوان بما فعلته.
لم تكن تعرف كيف ستكون ردة فعله إذا عرف أنها ذهبت بنفسها إلى عائلة رباب، وأنها وقفت أمام عفاف ترجُوها من أجل سعادته.
لذلك احتفظت بالأمر لنفسها.
كلما تذكرت وقوفها أمام عفاف، عادت إليها نظرات تلك المرأة وكلماتها.
وشعرت أن ما حدث لم يكن مجرد رفض لزواج رباب من رضوان.
كان هناك شيء أقدم.
شيء أعمق.
شيء لم تعرف زهرة بعد كيف سيعود إلى حياة ابنها.
وفي الوقت نفسه، كان حسين يعيش صراعًا آخر.
كانت زاد جالسة على أرجوحة الفيلا، تنظر إلى هاتفها، وقلبها يشتاق إلى صوت أبيها.
أما هو، فكان يجلس في حديقة منزله وحيدًا شريدًا.
لم يسأل عنه أحد بعد رحيل ابنته.
كان يشعر بوحدة مضاعفة بعد فراق زوجته، وابتعاد زاد عنه زاد الفراغ اتساعًا.
ظل يفكر فيها.
في عنادها.
وفي خوفه من أن يخسرها.
وللمرة الأولى، بدأ يتساءل إن كان عناده يستحق أن يخسر ابنته من أجله.
كان البيت من حوله هادئًا، لكن قلبه لم يكن كذلك.
فقدان زوجته ترك فراغًا لم يستطع ملؤه، وابتعاد ابنته جعل هذا الفراغ أكثر قسوة.
فكر أن يستسلم.
أن يتنازل هذه المرة.
أن يوافق على باسل، فقط حتى لا يخسر زاد إلى الأبد.
خرجت حبيبة من غرفتها وهي تحمل حقيبتها، وقالت بصوت مرتفع حتى تسمعها أمها التي كانت في شرفة المنزل تروي أصيص الورد:
ـ ماما، أنا رايحة الدرس، ومعايا لبنى ومكة، وهرجع الساعة تلاته، عندي مراجعه عايزة حاجة!
سمعتها زهرة وردت بحب:
ـ سلامتك يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك، بس قبل ما تروحي الدرس عدي على أخوكي رضوان في الورشة.
اقتربت منها حبيبة مستفسرة عن السبب، فأجابتها أمها بابتسامة:
ـ أخوكي اتصل عليا الصبح وقالي: خلي حبيبة تعدي عليا في الورشة، علشان نسيت أسيبلها مصروفها وفلوس الدرس.
ابتسمت حبيبة، وقالت بحب:
ـ ربنا ما يحرمنيش منك يا رضوان يا ابن زهرة وقاسم، دايمًا مش ناسيني ولا مخليني محتاجة لحاجة.
ضحكت الأم:
ـ آمين يا حاجة حبيبة، يلا اتمشي بقى علشان ما تتأخريش على دروسك، وخلي بالك من نفسك وركزي، خلاص امتحاناتك قربت وهترتاحي من الدروس وقرفها.
ودعتها حبيبة وخرجت.
وبعد لحظات، صدح جرس الباب متتاليًا.
تعجبت زهرة.
ظنت أن حبيبة نسيت شيئًا وعادت كعادتها لتأخذه، فاتجهت إلى الباب وهي توبخها قبل حتى أن تراه.
لكنها هذه المرة أخطأت.
فالواقف أمامها كان عزت، يحمل كيسًا في يده.
شعرت زهرة بالخجل فور أن رأته، وقالت معتذرة:
ـ عزت! لامؤخذة يابني والله كنت فاكراك البت حبيبة، دي لسه نازلة قدام منك مفيش دقيقة، وقولت هي اللي بتخبط، ما تاخدنيش يا ابني.
ضحك عزت:
ـ عادي يا خالتي أم رضوان، دي حتى الشتيمة منك زي العسل، ده بعد كده هنطلك كل شوية تظرفيني شتمتين ولا حاجة، اصطباحة يمكن حالي يتعدل.
ابتسمت له:
ـ شاء الله يجبر بخاطرك، إنما قولي سبت شغلك ليه! وإيه الكيس اللي في إيدك ده؟ شامّة ريحة زفارة.
ضحك عزت:
ـ يااه، وأنا ريحتي واصلالك يا خالتي.
ضحكت زهرة ثم استرسل هو:
ـ أنا بهزر، امسكي الكيس ده، فيه سمك رضوان اشتراه من السوق وبعته معايا، وبيقولك اعملي شوية السمك دول على ذوقك، وشوية رز صيادية جنبه، واعزمي الواد عزت الغلبان.
أخذت زهرة السمك منه، وابتسمت:
ـ من غير ما تقول، حسابك معمول وزيادة يا عزت يا ابني.
ابتسم لها عزت، وودعها.
أغلقت الباب، ثم نظرت إلى الكيس بين يديها.
لم تكن ترى فيه مجرد سمك.
كانت ترى رضوان نفسه.
حنانه.
اهتمامه.
وتفاصيله الصغيرة التي لا ينساها عنهم.
قالت بحب واضح:
ـ إن شاله منحرم منك ولا من مجايبك يا رضوان يا ابن بطني، تلاقيك سمعت حبيبة امبارح وهي بتقول نفسها في أكلة سمك برز صيادية. يديمك ويديم حنيتك علينا يا رب.
رفعت عينيها إلى السماء، ودعت له من قلبها.
ثم ذهبت لتعد الطعام.
مر الوقت، وعادت حبيبة، ثم عاد رضوان وعزت، وأعدت لهم زهرة طاولة الطعام.
ومضى الوقت بهم وسط دفء البيت، في محاولة عفوية لنسيان ما أثقل الأيام الماضية.
خرج كريم من محل الحلاقة، واتجه إلى منزله.
بحث عن زوجته، حتى وجدها تجلي الصحون بعد أن انتهت من إعداد الغداء.
ابتسم لها، وشعر بالجوع أكثر بمجرد أن وصلت إليه رائحة الطعام.
ـ إيه يا إيمي، أنا شامم ريحة أكل حلو قوي، يا ترى إنتِ طابخة إيه النهارده!
ابتسمت له بمراوغة:
ـ خمن كده وقولي أنا طابخة إيه؟
لم يفكر كثيرًا:
ـ مكرونة بالبشاميل وكفتة، صح!
ضحكت وهزت رأسها:
ـ غلط، فكر تاني وقولي.
نظر إلى سقف المنزل وكأنه يستعرض قائمة طويلة من الأطعمة، ثم قال بنهم:
ـ طاجن محشي ورق عنب بالكوارع، مش كده!
ضحكت:
ـ ده إنت طموحاتك عالية قوي، إزاي يا أستاذ هلحق أعمل كل ده وأنا لسه راجعة من الشغل!
رد عليها:
ـ مش يمكن مجهزاه من بالليل وأنا إيه اللي عرفني! طيب بما إنه مش محشي ولا بشاميل، أنا غلب حماري، قوليلي بقى مجهزة لنا إيه؟ الريحة تحفة وجوعتني أكتر.
أجابته وهي مبتسمة بعض الشيء:
ـ لا، دي مفاجأة، ادخل خد شاور بعد الحلاقة دي، هكون أنا جهزت السفرة، بس بسرعة ما تتأخرش.
أجابها وهو يركض إلى الغرفة:
ـ هو مش هتأخر، بس وحياة أبوكِ اغرفي بسرعة علشان ميت من الجوع.
ذهب كريم إلى المرحاض، وأخذ حمامًا سريعًا، ثم ارتدى ملابسه وخرج.
اتجه إلى طاولة الطعام بحماس، وكأنه ينتظر مفاجأة كبيرة.
وحين رأى الطعام، توقف مكانه.
حدق في المائدة، ثم نظر إلى زوجته.
كانت تبتسم منتظرة رأيه.
ـ ها، إيه رأيك يا حبيبي!
تحدث دون وعي:
ـ مكرونة وبانيه!
أجابته فرحة:
ـ أيوه، مكرونة وبانيه، يلا بقى بسرعة علشان أنا مستنياك وجعانة.
جلس على كرسيه.
لكن ملامحه لم تكن تشبه رجلًا رأى مفاجأة سعيدة.
كانت أقرب إلى رجل تلقى صدمة.
لاحظت إيمان ذلك، وسألته:
ـ مالك يا كريم؟ وشك اتغير كده ليه؟
نظر إليها وسألها:
ـ مكرونة وبانيه!
لم تفهم ما به:
ـ أيوه يا حبيبي، مكرونة وبانيه، ماله الأكل؟ ما هو حلو أهو.
تنهد كريم بيأس:
ـ لا مش حلو يا إيمان، علشان المكرونة والبانيه بقيت باكلها تلات أيام في الأسبوع كأنه علاج ولازم أمشي عليه طول الشهر. من يوم ما اشتغلتي وإنتِ شغالة في المكرونة والبانيه كأنها كفارة ولازم أقضيها، في إيه يا إيمان؟
تنهدت هي الأخرى، ووضعت أمامه قطعة من البانيه:
ـ كل يا كيمو، ما حدش يقول لنعمة ربنا لأ، وبعدين هو أنا بقيت بفضى من يوم ما اشتغلت؟ وأنا ما بقعدش، بروق البيت قبل ما أمشي، وبرجع من الشغل أعمل الأكل، وبالليل بذاكر للعيال وبغير لهم وبحميهم وبشوف ورايا إيه. ده أنا حتى بقيت بنام مهدودة، بس أوعدك يا حبيبي يوم الجمعة إن شاء الله هعملك محشي ورق العنب بالكوارع اللي إنت بتحبه.
نظر إليها بسخرية:
ـ آه من يوم ما اشتغلتي! والله يا ست إيمان إنتِ قلتي إنك عايزة تشتغلي بمزاجك، وقلتلك هتهملي البيت، قلتي لا مش ههمله، وأهو بدأنا الإهمال من أول شهرين.
كشرت ما بين عينيها، وقالت بصدمة:
ـ أنا قصرت معاك يا كريم في إيه! الأكل وكل يوم بعمل أكل، البيت زي الفل، عيالك كمان زي الفل، وماما بتساعدني في تربيتهم، وإنت واجباتك بعملها على أكمل وجه، هدومك مكوية في الدولاب، شراباتك يا أستاذ مطبقة في الدرج، ما فيش فردة مش جمب أختها، وده نادرًا لما ست تعرف تعملها. ناقصك إيه يا كريم علشان تقول كده!
همّ واقفًا.
وكان صوته هذه المرة أعلى:
ـ ناقصني كل حاجة يا ست إيمان! أنا كنت الأول باجي من الشغل ألاقيكي قاعدة ومستنياني، إنما دلوقتي بقيت باجي أنا اللي بستناكي وبشوف هتأكليني إمتى. اليوم اللي عايز أسهر فيه وبدور عليكِ ما بلاقيكيش فيه، بتبقي طبعًا جاية مهدودة من الشغل وتربية العيال فبتنامي، ما بتحسيش باللي حواليكِ، وبقى إجباري وفرض عليا أطفح مكرونة وبانيه. ده لو أنا في الجيش مش هاكل الأكل ده يا شيخة، ده بقت عيشة تقرف، وسعي كده.
أنهى كلامه، وأشاح بيده بضجر، ثم ذهب إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بعنف.
بقيت إيمان في مكانها.
لم تستوعب ما حدث.
كانت قبل دقائق تبتسم لأنها أرادت أن تفاجئ زوجها بطعام يحبه، والآن أصبحت المائدة نفسها شاهدًا على خلاف لم تكن تتوقعه.
نظرت إلى الطعام.
ثم إلى الباب المغلق.
وكان أكثر ما يؤلمها أنها لم تعرف أين أخطأت.
جلس كريم على فراشه، وأشعل التبغ.
كان الغضب لا يزال يسيطر عليه.
أمسك هاتفه، وفتحه محاولًا أن يشغل نفسه بأي شيء.
دخل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتصفح الرسائل القديمة، حتى وقعت عينه على رسالة تحتوي على بعض الإيموجي، من بينها قلب وما شابه.
توقف عندها.
تصفح الملف الشخصي لصاحبة الرسالة.
كانت فتاة تدعى "سارة".
كان ملفها الشخصي مليئًا بصورها المتنوعة.
فتاة عادية، لكن هيئتها كانت تلفت الانتباه.
وللحظة، لم يفكر كريم كثيرًا.
أرسل إليها رسالة يسألها من تكون.
ثم انتظر.
لم تفتح الرسالة.
أغلق هاتفه ووضعه جانبًا.
بعد لحظات، بدأ يراجع ما فعله.
بدا الأمر له صبيانيًا.
مد يده إلى الهاتف مرة أخرى، وفتحه محاولًا حذف الرسالة.
أمام ورشة الحدادة، كان رضوان والعاملون معه يحملون تصاميم من عملهم، ويضعونها في عربة محملة لإنهاء عملهم.
تحركت السيارة، ثم عاد رضوان إلى داخل الورشة ليكمل عمله.
كان صوت المطارق يملأ المكان، يتردد بين الجدران بإيقاع متواصل، والشرر يتطاير من الحديد، بينما انشغل كل واحد منهم بعمله.
وسط ذلك، دخل رجل وألقى التحية عليهم.
رد رضوان وعزت التحية.
كانت هيئة الرجل مختلفة عن زبائن الورشة المعتادين؛ ملابسه وهيئته يوحيان بقدر واضح من الثراء.
نظر إليه عزت مرحبًا:
ـ يا مرحب يا بيه، أؤمرني.
تحدث الرجل:
ـ عايز أقابل صاحب الورشة.
لم يعجب عزت حديثه، فرد بتعجرف:
ـ وإحنا يعني مش ماليين عينك؟ إنت مش جيت وشفتنا شغالين هنا، يبقى إحنا أصحاب الورشة.
لكزه رضوان، وأزاحه من أمام الرجل، ثم قال معتذرًا:
ـ معلش يا باشا، ما تزعلش منه، ده عيل غشيم. عمومًا لو عايز المعلم بيومي، هو بييجي يستلم مننا قبل المغرب، وممكن تستنى شوية لحد ما ييجي، ولو عايزه ضروري بقى رقم تلفونه على اليافطة أهي، ممكن تاخده وتتصل عليه.
أردف الرجل بلطف:
ـ تسلم لذوقك يا ريس، أنا بس كنت عايز أي حد أتفاهم معاه، لأني محتاج شغل ضروري ومستعجل، وبالمبلغ اللي إنتوا تحبوه وتحددوه كمان.
سمع عزت هذا الحديث.
وفورًا تغيرت طريقته.
فالرجل لم يكن مجرد زبون عابر.
هناك عمل مستعجل، وهناك مبلغ جيد.
اقترب منه معتذرًا:
ـ اللي ما يعرفك يجهلك يا سعادة البيه، وما تزعلش من كلامي، أنا بس يعني بحب ندخل في الكلام على طول. إنت شايفنا شغالين وعاملين ندق على الحديد وطالع عين أبونا، فأكيد يعني إحنا اللي ماسكين الورشة، أصل صاحبها ما بيسألش عن حاجة. محسوبك عزت، إنت بقى اسمك إيه؟ نتشرف بيك.
نظر إليه رضوان في تعجب، بينما ابتسم الرجل وقال:
ـ ولا يهمك يا ريس عزت، أنا اسمي نبيل.
قال عزت وهو يحك رأسه:
ـ عاشت الأسامي يا نبيل باشا، أؤمرنا، شغل إيه المطلوب مننا واعتبره نافذ.
ابتسم رضوان من مراوغة صديقه، وتركه مع الرجل وعاد إلى عمله.
قال نبيل لعزت:
ـ الحقيقة بوابة الفيلا بتاعة الراجل اللي بشتغل عنده واحد ابن حلال دخل فيها بالعربية، والبوابة اتخبطت جامد، ومحتاجين نغيرها.وسألنا عن حداد، في ولاد حلال دلوني عن ورشة المعلم بيومي، وأنا عايز البوابة دي يوم يومين بالكتير تكون خلصانة، تقدر!
حك عزت ذقنه:
ـ طبعًا طبعًا نقدر، ده أنا مش هنام الليل إلا لما أخلصهالك، بس الحاجة المستعجلة دي زي الكشف المستعجل، هتكلفك شوية.
أجابه الرجل:
ـ ما تحملش هم فلوس، المهم الباشا بتاعنا يكون مبسوط؛ لأنه ما بيعجبوش العجب، وأنا عايز بوابة جديدة ما حصلتش، كنوع ورسمه وستايل، عايز كل حاجة تكون بيرفكت.
لم يفهم عزت تمامًا ما قاله، لكنه لم يشأ أن يظهر ذلك.
ـ آه إن شاء الله طبعًا هتكون بركة زي ما إنت قولت كده، أنا والمعلم رضوان هنخليهالك فبريكا، بس لا مؤاخذة، كده لازم ناخد المقاسات.
أجابه الرجل بهدوء، ثم أشار إلى السيارة الواقفة أمام
الورشة، وكأنه يريد أن ينهي الأمر في أسرع وقت، فالمطلوب بالنسبة إليه كان عاجلًا، ولا يريد أن يضيّع وقتًا في الانتظار.
ــ تمام، مفيش مشكلة. العربية معايا بره، تقدر تيجي معايا وتاخد المقاسات دلوقتي لو عايز، وأرجعك لحد الورشة تاني.بس بسرعه الله يكرمك.
التفت عزت بطرف عينه نحو السيارة، وألقى عليها نظرة سريعة امتزج فيها الفضول بالإعجاب، فقد كانت فاخرة بصورة واضحة، وتوحي بأن صاحبها ليس من الزبائن الذين اعتادوا التردد على الورشة. ثم عاد بنظره إلى الرجل، وكأنه تذكر فجأة أن الأمر يحتاج إلى شخص أكثر خبرة منه في أخذ المقاسات، فقال بثقة وهو يبعد نفسه عن المهمة بطريقة ذكية:
ــ لا، المقاسات دي مش تخصصي، دي تخصص الأسطى رضوان، أصل إيديه بتاخد المقاسات بالظبط، تقولشي مهندس معماري، فهو هيروح معاك ونعملك أحلى شغل.
ابتسم الرجل بتفهم، ولم يجد في الأمر ما يدعو للاعتراض، فهو في النهاية يريد إنجاز عمله على أكمل وجه، ولذلك أبدى استعداده للانتظار.
تفهم الرجل وقال انه سينتظره بالخارج وذهب وجلس في السياره منتظرا رضوان؛ شرح عزت لرضوان ما حدث ولكنه رفض الذهاب، فقد كانت أمامه عدة أمور يريد إنهاءها في ذلك اليوم، ولم يكن مستعدًا لأن يتركها من أجل عمل جديد، حتى وإن كان المقابل المادي مغريًا.
ـ النهارده مش فاضي يا عزت، يدوبك أروح أدفع إيجار البيت لعم صبحي، وبعدين أطلع للحاج منعم في الفراشة. روح إنت وخد المقاسات، ونبقى نشتغل فيها لما أفضى، ومتنساش تعرف المعلم بيومي.
اتسعت عينا عزت، وبدا عليه الضيق فور سماعه رد رضوان. كان قد رأى في هذه السيارة فرصة لا تتكرر كثيرًا، ولا سيما بعد أن أخبره الرجل بأن العمل مستعجل وأن المال ليس مشكلة. لذلك لم يكن مستعدًا لأن يترك الأمر يمر بهذه السهولة.
كاد عزت أن يبكي ضجرا من صديقه، فهو يرى أمام عينيه سبوبة ثمينة، بينما رضوان يتعامل معها وكأنها مجرد طلب عادي يمكن تأجيله. اقترب منه محاولًا إقناعه، وبدأ يترجاه علّه يغيّر رأيه:
ـ وليه المعلم بيومي يعرف بس يا رضوان؟ دي سبوبة حلوة، إحنا هنعملها من غير ما المعلم يعرف، والواد مِمَس واخد إجازة من الورشة علشان الامتحانات، يعني محدش هياخد باله، والناس شكلها متريشة، ده بيقولك فيلا فيلا يا رضوان.
تأفف رضوان.
كان يعرف أن عزت قد يراه مالًا سهلًا، لكنه بالنسبة له كان أمرًا مختلفًا تمامًا.
الورشة ليست ملكهم.
والأمانة عنده ليست كلمة تُقال.
قال له بصرامة:
ـ اسمع يا عزت، أنا لو مش عارف إنك مدب وطرُبش كنت حاسبتك على الكلام ده. الورشة دي أمانة، أمانة يا عزت في رقبتنا، ومش بتاعتنا، وليها صاحب اسمه المعلم بيومي. هييجي أقوله على اللي اطلب مننا، وهو اللي يحط السعر. نقول للناس عجبهم عجبهم، مش عجبهم خلاص. ويا سيدي لو على السُبوبة! إنت اللي هتروح تاخد المقاسات، وإنت اللي هتروح تركب البوابة وتاخد منهم حَسنتك. مرضي كده يابا!
انزعج عزت.
كان يعرف رضوان جيدًا.
حين يتحدث بهذه النبرة، لا مجال للنقاش.
لذلك قال محبطًا:
ـ هقول إيه غير إني مرضي، مع إني أقسم بالله ما مرضي ولا يحزنون، بس يلا هنقول إيه؟ ربنا على الظالم، دانت راجل وش فقر.
ضحك رضوان، وأشار إليه أن يذهب ولا يجعل الرجل ينتظر أكثر.
خرج عزت.
وحين اقترب من السيارة، اتسعت عيناه.
كانت فاخرة بصورة جعلته يدرك أن الرجل لم يكن يبالغ حين تحدث عن الفيلا.
نظر إلى السيارة مرة أخرى، ثم إلى نبيل، وحاول أن يخفي دهشته.
أصبح الفضول أكبر من قدرته على الصمت.
وفي الطريق، سأله عن اسم الرجل الثري الذي يعمل لديه.
قال نبيل: ـ اسمه نجيب المالكي.
هزّ عزت رأسه، وانشغل معه في تفاصيل العمل، بينما مضت السيارة في طريقها بعيدًا عن الورشة.
فهل كانت مجرد صدفة عابرة... أم أن للقدر رأيًا آخر؟
