رواية الوجه الاخر للرحمة الفصل الثالث والخمسون بقلم عبير إدريس
الحياة تختبر صبرنا، لكن إلى متى؟
كم مرة علينا أن نتحمّل قبل أن ينفد ذلك الجزء الصغير فينا الذي ما زال يؤمن بأن الغد سيكون أرحم؟
وكم مرة يجب أن نبتسم ونحن من الداخل ننهار بصمت، وكأن لا أحد يملك الحق في رؤية هشاشتنا؟
ربما لم تكن الحياة تختبر صبرنا فعلاً...
ربما كانت تختبر قدرتنا على التظاهر بأننا بخير.
كنت أظن أن الإنسان يعتاد الألم مع الوقت، حتى اكتشفت أن الألم لا يصبح أخف، نحن فقط نصبح أكثر براعة في إخفائه.
وفي كل ليلة، حين يهدأ كل شيء من حولي، كان سؤال واحد يعود ليطرق رأسي بإصرار:
إلى متى؟
إلى متى سأظل أتحمّل؟
إلى متى سأقنع نفسي بأن كل هذا سيمر؟
وإلى متى يمكن لقلبٍ متعب أن يستمر في النبض، بينما هو من الداخل يتوسل فقط... أن يرتاح؟
______________
فتحت عيوني على صوت المنبه ، مديت إيدي بملل طفيته قبل لا يعيد الرنة مرة ثانية ، بقيت ثواني متمددة بفراشي ، اباوع للسكف بنظرة نعسانة ، وبعدين سحبت الغطا عني وكمت ...
اليوم بدأ مثل أي يوم ، حمام سريع ، فتحت الكنتور اختاريت ملابسي ولبستها ، ربطت شعري بسرعة حتى ما اتأخر عن دوامي ، آخذت جنطتي وحطيت بيها موبايلي وسويج سيارتي ومفتاح البيت ، نزلت للمطبخ اتثاوب من النعاس ، ابتسمت من شفت أمي كاعدة تنتظرني على طاولة الريوك مثل كل يوم ، رديتلها الإبتسامة وبستها من خدها ، سحبت الكرسي وكعدت .
ريحانة : صباح الخير ماما
_صباح النور حبيبتي ، نمتي زين ؟
ريحانة : اي بس بعدني نعسانة
آخذت قوري الجاي وصبتلي ..
_ اتريكي حتى لا تتأخرين عن دوامج
ريحانة : اليوم عندي جدول مليان بالعمليات يمكن اتأخر عليج لا يظل بالج..
_ لعد أكلي زين حتى تقاومين التعب
أكلت لكمتين بسرعة وشربت الجاي باوعت لساعتي وكلتلها :
ريحانة : صار لازم أكوم
_كملي أكلج ياعيني
ريحانة : أخاف الطريق يكون أزدحام واتأخر على البصمة ..
_ ديري بالج من تسوقين ركزي بالطريق
ريحانة : إن شاءالله
_ بدون صفنات ريحانة
ريحانة : اي ماما
كمت بستها وطلعت من المطبخ بعدين مديت راسي من الباب حاجيتها...
ريحانة : ماما عينج على تيم ترى صاير باهش ويلعب بكل شي كدامه ، تخيلي البارحة لكيت سجين بإيده وآخذتها منه...
عكدت حاجبها وكالت
_ ادير بالي على منو ؟
ريحانة : تيم ماما شبيج !
_ياتيم ماما مو كلتلج صار كم مرة ماعندج طفل بهذا الأسم ...
ريحانة : شلون ماعندي تركته فوك نايم
_بنيتي
ريحانة : ها ماما ها
_ رجعنا ؟
ريحانة : ماما شبيج مو البارحة جان يلعب ويانا وحتى راد يوكع وركضتله كدامج ؟
_ حبيبتي تيم ماكو اتقبلي الوضع خلص مو تعبتيني..
ريحانة : بسرعة نسيتيه ؟ مو جنتي تنيميه على إيدج ومن يغفى آخذه منج وانيمه بفراشه ، شلون نسيتي كل شي عنه ؟
_روحي لدوامج هسه ومن ترجعين نحجي
تركت الجنطة من إيدي ورجعت كعدت كبالها
ريحانة : ماما تيم عمره ست سنوات وهاي السنة يسجل مدرسة وانتِ لحد الآن ما راضية تقتنعين صار عندي ولد...
_ انتِ لازم تقتنعين ماعندج ولد اسمه تيم ..
ريحانة : شلون يعني ماعندي ؟
_ اي ماعندج هذا خيال ، قصة بعقلج ناسجتها وحابة تعيشيها وتعيشيني بيها ...
ريحانة : اتوقع يحتاج تشوفين دكتور نفسي ، ترى مو عيب عادي اني هم جنت مثلج ما افرق بين الواقع والخيال وعادي رحت وتعالجت والحمد لله صرت زينة ، اذا تحبين من أرجع آخذج..
_ الله كريم إن شاءالله أروح واتعالج..
ريحانة : إن شاءالله حبيبتي ، المهم ديري بالج عليه ، واذا كعد ريكيه فدوة..
_ إن شاءالله..
تركتها وطلعت للمستشفى من وصلت صفيت السيارة بالكراج ودخلت لغرفتي غيرت ملابسي وتحضرت لأول عملية جانت الساعة بثمانية ونص ، رحت لغرفة العمليات ، وكفت يم راس المريض ، عيوني ثابتة على شاشة المراقبة وإيدي تتحرك بثقة واني أراجع الأدوية للمرة الأخيرة .. حجيت بهدوء
ريحانة : الضغط مستقر
الممرضة جاوبتني
_ اي دكتورة
ريحانة : خليه تحت المراقبة واذا نزل أكثر نبهيني فوراً ..
_تمام دكتورة
رجعت أباوع للشاشة ، وبهدوء التفتت لطبيب الجراحة ..
ريحانة : دكتور ، تكدرون تبدون هسه ..
اشتغل صوت الأجهزة بالغرفة وكل شي رجع لنفس الإيقاع اللي متعودة عليه بمهنتي الطبية ..
بالنسبة الي ، غرفة العمليات جانت المكان الوحيد اللي يذكرني بهويتي الضايعة ..
كل حركة بهاي الغرفة أعرفها وكل صوت مألوف بالنسبة الي ..
حتى التوتر اللي يسبق أي عملية صار جزء من يومي ، مو شي أخاف منه ..
بعد مرور وقت انتهت العملية بنجاح ، نزعت القفازات ، وطلعت من الصالة ، سحبت نفس طويل براحة...سمعت صوت بصفي التفتت..
الممرضة كالت :
_دكتورة اليوم العملية سهلة رغم جنا خايفين من عدم نجاحها ..
ابتسمت وكلتلها ..
ريحانة : الحمدلله عدت على خير ، والدكاترة اللي عندنا شاطرين..
_بالفعل ، اليوم مليان بالشغل ماعندنا ريست أبد ، لو أدري هيج جانت تريكت بالبيت..
ريحانة : تدرين الشغل بالنسبة الي أحلى أنشغال بحياتي ، جنت اتمنى أرجع لشغلي والحمدلله رجعت ..
_دكتورة والله ما شايفة وحدة مثلج تحب شغلها وما تحب أوقات الراحة أبد ، ربي ينطيج الصحة ويقويج..بس شلون تقاومين اني بسرعة اتعب ويصير عندي ملل..
ريحانة : من تفقدين شي تحبيه وبعدين ترجعيله راح تحسين بشعوري وتفتهميه ، وتكرهين شي اسمه راحة ونوم ..
صفنت علية ، ضحكت اتوقع ما فهمتني ، رجعت لغرفتي وراها تجهزت للعملية الثانية وهكذا الى إن خلص الدوام رجعت لغرفتي غيرت ملابسي حتى أطلع للبيت ، اجتي دكتورة رشا كالت المدير يريدج بغرفته استغربت ..
ريحانة : ما كلج شنو يريد ؟
رشا : لا ما كال ..
ريحانة : تمام أمر عليه قبل لا أطلع ..
رشا : اني رايحة محتاجة شي ؟
ريحانة : سلامتج اذا تريدين اوصلج بطريقي ؟
رشا : لا محمد منتظرني بالباب ..
ريحانة : تمام ..
دنكت اجهز بأغراضي وجمعت الأوراق بمكان واحد ، وراها رحت لغرفة المدير دكيت الباب ودخلت مبتسمة ...
ريحانة : مساء الخير دكتور
كمال : مساء النور دكتورة ، تفضلي ..
أشرلي اكعد ..
مشيت وكعدت على الكرسي كبال الميز مالته
ريحانة : دكتورة رشا كالت دكتور كمال يريدج
كمال : اي صحيح ، دزيت عليج بس انتظريني دقايق وارجعلج ما اتأخر..
ريحانة : تمام
طلع ورا شوية اندك الباب صحت
ريحانة : تفضل
انفتح الباب ودخل نفس الشخص المزعج ، آخذت نفس طويل وباوعتله ...
ريحانة : هم انت ؟
يوسف : هم اني
ريحانة : ما مليت ؟
يوسف : ما مليت
ريحانة : بيا طريقة احجي وياك وتفتهم كلامي..
تجاهل كلامي وسأل ..
يوسف : شلونج ؟
ريحانة : زينة
يوسف : خلصتي ؟
ريحانة : اذا تسألني عن العمليات ، اي خلصت والدكتور كمال طلع شوية ويرجع انتظره اذا تريد...
كمت أريد أطلع هو كعد وأشرلي أكعد
مشيت ، لحكني ولزم إيدي سحبتها منه وحچيت من بين أسناني ..
ريحانة : انت شنو تريد مني بالضبط ؟ ليش تلاحكني من مكان لمكان ؟ مو كافي ؟
يوسف : اكعدي خلينا نتفاهم
ريحانة : ماكو شي نتفاهم عليه ..
يوسف : اوك ما راح اضغط عليج بس أريدج تروحين لسمر ..
تغيرت ملامحي وجاوبته بعصبية...
ريحانة : سمر ؟
يوسف : اي سمر
ريحانة : ليش ؟
يوسف : تريد تشوفج ..
ريحانة : ليش شبية حتى تشوفني الدكتورة سمر ؟
يوسف : ما كلت بيج شي .
ريحانة : إذن ليش أروح ؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وكال :
يوسف : اعتبريها زيارة مو جلسة علاج .
بقيت ساكتة وبعدين آخذت نفس وهمست..
ريحانة : وينها ؟
يوسف : بمكتبي ..
رفعت حاجبي
ريحانة : بمكتبك ؟
يوسف : اي
ريحانة : وانت راح تكون موجود ؟
يوسف : لا عندي شغل أعوفكم وحدكم ...
ضحكت ..
ريحانة : يعني تريدني أروح لسمر وانت وياها تحجون براسي شغلات ما صايرة وتريدوني أصدكها صح ؟ هاي الغاية من جيتك لهنا وكعدتك كبالي...
يوسف : لا مو هيج..
ريحانة : هيج ..
يوسف : هي رادت تحجي وياج هالمرة مو انه اللي طلبت منها..
ريحانة : واذا ما رحت ؟
يوسف : تروحين ..
ريحانة : أمر ؟
يوسف : طلب ..
ريحانة : نفس المعنى ..
ابتسم وكال
يوسف : أعرف
ريحانة : ماراح أكدر اتأخر ابني محتاجني
تنهد وجر نفس طويل وكال
يوسف : كم مرة حجينا بهذا الموضوع ؟
ريحانة : مو مهم تصدكني وبعدين انت منو حتى تتدخل بحياتي ؟ ها ؟ انت منو ؟
يوسف : انه منو ؟
ريحانة : اي انت منو وشجابك علية ؟
يوسف : ما تشوفين سؤالج غريب ؟
ريحانة : انت من تحجي وياية بسنوات مرت واني هاي السنوات ماعشتها وتريد غصب عني اصدك كلامك وأقتنع بيه ، بينما انت ما قابل تفتهم وتصدكني من أكولك من يوم يومي عايشة وية أمي وأبني ماعندي غيرهم بحياتي .
يوسف : لا عندج .
ريحانة : شبيك انت ؟ ترى خبلتني .
يوسف : اسمي من يمر على مسمعج بشنو يذكرج ؟
ريحانة : يصير عندي صداع نصفي قاتل وتوتر واتنكد الصراحة ، لهذا اتركني اعيش حياتي ولا تجيني هنا مرة ثانية .
يوسف : مو بكيفج أجي لو ما أجي إحنا عشنا سوى سنوات طويلة ، قاتلنا بيها وخسرنا هواي ، شلون تنكرين كل الأشياء اللي عشناها ؟
ريحانة : ليش دائماً تحجي بصيغة إحنا وچنا وسوينا ، بابا اني ما متذكرتك ..
يوسف : من تشوفيني ما أذكرج بشي ؟ ما تعرفيني معقولة ؟
صفنت عليه أريد اتذكر شي يخصه ما تذكرت..
كمت حتى أطلع صاح..
يوسف : بعدني ما خلصت كلام ..
التفتت عليه وهمست
ريحانة : ماعندي كلام أحجيه وياك ..
يوسف : أريدج تجين وياي لمكان نحجي بيه وحدنا..
ريحانة : آسفة بس منو حضرتك ؟
يوسف : رجعنا ؟
ريحانة : تفضل أطلع برا ولا ترجع لهنا مرة ثانية...
ظل صافن علية ، بعدها آخذ جنطته وطلع من المكتب مثل كل مرة يجيني بيها وما يحصل شي ، بقيت وحدي اباوع للباب المسدود وبعدين للساعة ، ما جان عندي اي إحساس غير شعور فارغ من ناحيته ، نفضت الأفكار عن راسي من دخل دكتور كمال ابتسم وكعد بمكانه ، باوعلي وكال:
كمال : دكتور يوسف راح ؟
ريحانة : اي راح ..
كمال : شعجب ما انتظرني ؟
ريحانة : ما أدري ، بس عفية دكتور هذا منين تعرفه ؟
كمال : صديقي ..
ريحانة : وشنو صلته بية ليش كل مرة ييجيني للمستشفى ؟ ويحجي شغلات مدري شلونها ويلح علية حتى أصدكها..
كمال : يكول معرفة قديمة ..
ريحانة : دكتور صدكني هذا عقله بيه شي مو طبيعي ..
كمال : شلون يعني ؟
ريحانة : يمكن يكون مجنون ، ماعندي معرفة بية لا سابقاً ولا هسه ، ما شايفته غير كم مرة اللي اجى بيها للمستشفى ويكولي إحنا عشنا سوى سنين طويلة..
كمال : ها يعني ما تعرفيه ؟
ريحانة : نهائياً
كمال : تمام دكتورة تكدرين تاخذين راحتج ..
ابتسم سلمت عليه وطلعت ، صعدت سيارتي ورحت لمحل ألعاب اشتريت لتيومي كم لعبة ورجعت للبيت ، أول ما دخلت صحت عليه بصوت عالي ، حتى يسمعني..
ريحانة : تيم تيومي تعال شوف ماما شنو جابتلك ، تيم حبيبي ..
طلعت ماما من غرفتها باوعت علية وكالت :
_ الله يساعدج حبيبتي
ريحانة : ويساعدج ماما
رحت بستها ، باوعت على الألعاب بيدي وكالت :
_المن هاي الألعاب ؟
ريحانة : لتيومي تعالي ماما شوفي شنو جبتله ..
كعدت بالكاع وفتحت اﻷلعاب شوفتهم الها ورجعتهم بالأكياس..
ريحانة : أريد تيم هو يفتحهن بإيده ...
_زين ممكن تتركين اﻷلعاب من إيدج شوية وتروحين للأستقبال .
ريحانة : ليش ؟
_ عندنا ضيفة منتظرتج .
عكدت حاجبي مستغربة ..
ريحانة : منو ؟
_دكتورتج ..
ريحانة : سمر ؟
_اي
ريحانة : شجابها ؟
_ اجتي قبل شوية وتريد تشوفج ..
كمت من الكاع ورحت للأستقبال فتحت الباب لكيتها كاعدة وكدامها كوب قهوة ، ابتسمت من شافتني ، تركت الكتاب الجان بإيدها وكالت ..
سمر : تعالي ريحانة..
دخلت للغرفة ، كامت تقربت مني وباستني بخدي وحجت مبتسمة..
سمر : شلونج ؟
ريحانة : زينة .
سمر : اكعدي ليش واكفة ؟
ريحانة : اليوم اجى يوسف وكال تريديني ، خير ؟
سمر : صحيح ، اللي ما ييجيني اني اجيه واشوفه..
ريحانة : لعبة جديدة يلعبها ؟
سمر : لا
ريحانة : وهو وين هسه ؟
سمر : عنده شغل .
ريحانة : خوش حركة منه .
سمر : شنو ؟
ريحانة : هو يزورني بالمستشفى وانتِ يدزج للبيت حتى تجبروني على شي أنتم رايديه واني ما متقبلته ليش ماكاعد تفهموني ؟ ليش تضغطون علية ؟
سمر : اثنينا نحبج وما عندنا أي مصلحة وياج غير نشوفج بخير وترجعين مثل قبل..
ريحانة : اني بخير وما بية شي وما احتاج لا دكتور نفسي ولا استشارات طبية..
سمر : يعني ما ينفع نصير صديقات ؟
ريحانة : ما أحب اكون علاقات خارج العمل اعتذر..
بدأت سمر تتأمل وجهها ، بنظرة طويلة وهادئة ..
ريحانة : شبيج تباوعين هيج ؟
سمر : هيج ولا شي ..
ريحانة : اكو شي براسج ؟ أدري ..
سمر : صايرة حلوة ومتغيرة هواي وشعرج طولان وهم رجعتي للأحمر ؟
ريحانة : ماكو واحد يبقى نفس شكله ، وشعري أحب احطله حنة ، عندج مشكلة بشعري هم ؟
سمر : لا ما عندي اي مشكلة بالعكس حلو ولايك لبشرتج..
ريحانة : شكراً
سمر : شنو رأيج تتغدين وراها نحجي ؟
ريحانة : عن شنو ؟
سمر : عن كل شي .
ريحانة : هاي أخطر كلمة ممكن تكولها دكتورة نفسية .
سمر ضحكت وبعد ثواني رجعت تباوعلها بنفس النظرة ...
ريحانة : اسمحيلي اشوف ابني وبعدها أجيج نكمل كلام ..
سمر : اي عادي انتظرج..
ريحانة : آخذي راحتج البيت بيتج ، وشوية راح اتأخر عليج ، أريد اغير ملابسي واغدي ابني وأرجعلج ..
سمر : صلي هم ..
صفنت عليها بعدين همست..
ريحانة : إن شاءالله
التفتت حتى أطلع ، رجعت صاحتني ..باوعتلها وهمست..
ريحانة : نعم
ابتسمت وبيدها كلاص عصير ، تقربت مني مدت إيدها وكالت..
سمر : جبته الج قبل لا أجي ..
ريحانة : بس أني ما طلبت
سمر : أعرف اشتريت الية وشفت طعمه طيب تنغصتلج واحد وجبته وياية..
تقربت آخذته منها .. كالت
سمر : اشربيه قبل لا يصير حار وانطيني رأيج بيه .
شربته مجاملة الها لا أكثر ، وراها ظلت تحجي وياية سالفة ورا سالفة واني بالي كله يم تيم ، بعدها استأذنت منها وكمت
طلعت من الأستقبال صعدت فوك بلهفة حتى اشوفه ، لكيته كاعد منتظرني ومبتسم ..
فتحتله إيدي واخذته بحضني شميته بلهفة..
ريحانة : جبتلك هواي ألعاب بس بالأول لازم تاكل تمام ؟
تيم : تمام ماما
ريحانة : فدوة أروح لحلكك الحلو ، انتظرني اغير ملابسي واسبح واجيك ، ما اتأخر ..
كمت آخذت البرنص ودخلت للحمام اسبح واحجي وياه حتى أسمع صوته ويبقى قريب مني ، كملت حمامي ،لبست البرنص وطلعت ، باوعتله باقي على نفس كعدته ...
ريحانة : عفية حبيبي تسمع كلام الماما
رحت للكنتور طلعت ملابس لبستهن ورحت وكفت كبال المرايا مشطت شعري وعيوني عليه أراقب صورته المعكوسة بالمرايا ...
فجأة بدات صورته تصير أقل وضوح ، التفتت لكيته كاعد مبتسم ، يمكن اني دايخة وعيوني بيها شي ، فركتها بإيدي ومشيت لعبت بشعره ونزلت صبيت غدا الية وإله وصعدت الصينية ، حطيتها كدامه وكعدت ..
آكل لكمة وأوكله لكمة ، شوية شوية بدأت صورته تختفي تدريجياً ماكمت اشوفه زين ، انجنيت كمت اصرخ بصوت عالي واحاول الزمه بس مثل الهوا صار ، كام يتبخر كدام عيوني ، صورته بدات تروح...
ريحانة : تيم تيم ماما حبيبي وين رحت تييييييم ، وينه ؟ وين راح ؟ ماكو بالغرفة ياالله ..
كمت طلعت من الغرفة أركض نزلت الدرج وأتعثر لكيت أمي وسمر واكفات جوا ، سألتهم بخوف ..
ريحانة : ما شفتوا تيم ؟ جان بالغرفة يتغدا ونزل..
سمر : ماكو طفل اسمه تيم ماكو ريحانة افهمي ..
ريحانة : انتِ شداتحجين ؟ شو وخري من وجهي ..
دفعتها وطلعت للحديقة ادور عليه مثل المجنونة ، واصيح بصوت عالي..
ريحانة : ابني ابني ياناس ابني وينه ؟
التفتت بخوف واشوف سمر وياها وحدة ثانية مو أمي يباوعون علية ....
ثواني وكعت بالكاع ماحسيت إلا واني نايمة على القنفة بالأستقبال وسمر كاعدة على كرسي قريب مني وتباوعلي بقلق...همست
ريحانة : أبني وين ؟
سمر : ماعندج أبن اسمه تيم ، صار كم مرة اكولج ياريحانة ..
ريحانة : شلون ماعندي ؟ اني كل يوم اسبحه وابدله واوكله بإيدي ..
جرت نفس وكالت ..
سمر : ابنج شكد عمره ؟
ريحانة : ست سنوات ..
سمر : تعالي نرجع لقبل ست سنوات واكولج تيم وين صار ، تيم اجهضتيه عند القابلة وانه جنت وياج تتذكرين ؟
ريحانة : لا ما متذكره ماكو هيج شي ، ماكو ، أبني عايش بعده وكل يوم يكبر كدام عيوني ...
سمر : لا اكو وراح أذكرج ، متذكرة القرية ؟ اللي عشتي بيها فترة طويلة وصارت أحداث هواية ...
هزت راسها بلا ..
سمر : شعجب ما متذكره ؟ شنو الدايصير وياج ؟ فهميني ...
ريحانة : من تحجيلي مواقف بالقرية ، عقلي يكول ما أعرف هذا المكان بس جسمي يعرفه ، يعني شلون اوصفلج الموضوع ما أدري شلون اوصلج الفكرة هم ما أدري..
سمر : ذاكرتج تنكر بس جسمج يتذكر ، هذا اللي تريدين توصليه الية ؟
ريحانة : هيج شي تقريباً
سمر : شوفي ريحانة قبل ست سنوات او أكثر بشوية جان اكو عرس ابن عمي يوسف ، دكتورج الجان يعالجج وانتِ جنتي مجهزة نفسج حتى نطلع للقابلة تسقط الطفل متذكرة هيج شي ؟
ريحانة : لا
سمر : انه اذكرج اسمعي بيوم ....وبديت اذكرها شوية شوية
فلاش باك ... قبل سبع سنوات....
ريحانة : سمر متأكدة من هاي القابلة زينة ؟
سمر : لا والله ما أعرفها ليش اجذب عليج..
ريحانة : ما تعرفيها بس مجبورين نروحلها صح ؟
سمر : ماعندج غير حل ، إلا اذا نحجي ليوسف هو يتصرف ، وبرأي هذا الحل الأنسب ..
ريحانة : كل شي ما أريد منه ، ما أريده يعرف شي عني خصوصاً هذا الموضوع..
سمر : بس ضروري يعرف اذا مو هسه بعدين ، هيج سالفة ما راح تنضم وإحنا ما ندري شنو ممكن يصير ويانا خلينا انبلغه ..
ريحانة : المهم هسه ما يعرف ، وبالنسبة لوضعي لا تخافين ماراح يصير شي موزين..
تنهدت ، جريت نفس وزفرته ..
سمر : ساعة بيش نطلع ؟
ريحانة : بس انام شوية وراها نروح ..
سمر : تمام عيني الله يسهل..
دخلت نامت وانه رجعت لبيتي ، آخذت فطومة للحمام سبحتها ولبستها ملابسها ، واتصلت على شهم ما رد علية استغربت ، شعجب ما اجى للبيت ، كمت حضرتله القاط وكويت قميصه ومسحت حذائه حطيته يم الباب وطلعتله جواريب حطيتهن على الجرباية يم ملابسه حتى أول ما يرجع يسبح ويبدل ، كمت لبست فستان بسيط ولفيت حجابي حتى من يرجع يلكانا جاهزين ..
صارت الساعة بالأربعة هو ماكو ، خابرته ما يرد ظل بالي ، آخذت فطومة وطلعنا قفلت الباب ونزلت رحت لبيت يوسف ، لكيت ريحانة بالمطبخ كاعدة ..
سمر : ها ريحانة اشو ما نمتي ؟
رفعت عيونها مدمعه ، كامت حضنتني وبجت..
سمر : شبيج ؟
ريحانة : فات سبح وهسه دايبدل بغرفته ..
سمر : يوسف اجى ؟
ريحانة : اي
سمر : حاجيتيه ؟
ريحانة : لا ما حاجيته ولا هو حجى وياية .
سمر : كومي غسلي وجهج واللي يصير يصير ، هذا قدركم ما منه مهرب..
كامت للحمام غسلت ورجعت للأستقبال كعدت ..
سمر : تعالي نكعد بغرفتج احسن
ريحانة : لا
سمر : ليش ؟
ريحانة : أريد اشوفه شلون يطلع بقاط العرس..
حجتها بغصة وقهر ..
سمر : وشنو راح تستفادين اذا شفتيه ؟
ريحانة : ما استفاد شي ، بس هيج أريد اشوفه قبل لا اسوي العملية ، أريد آخر وجه ينطبع بذاكرتي وجهه ، وأريد اشوف بعيونه نظرات التخلي حتى أكدر اكرهه واطلع حبه من گلبي وامسح صورته من عيوني ...
سمر : ليش هيج تسوين بنفسج ؟ انتِ داتدمرين روحج وما تدرين..
ريحانة : عوفيني سمر بحالي عوفيني..
كعدت بصفها ورا شوية طلع من غرفته لابس قاط ومتأنق وعطره يفوح منه ، هنا صدكت زواجه من رفل بإرادته مو مجبور وإلا ليش يتأنق الها بهذا الشكل ..
وبديت اذكرها بمشاعرها ساعة اللي شافته طلع من غرفته وهي جانت كاعدة منتظرته ...
سمر : تتذكرين من حجيتيلي مشاعرج ساعتها
ريحانة : لا
سمر كلتيلي ...جنت كاعدة انتظره يطلع حتى اشوفه بعيني واصدك ، المعرفة شي وإنك تشوف بعينك اللي تحبه يروح منك شي ثاني تماماً ..
ورا شوية انفتح الباب وطلع يوسف ، وكف للحظة وكأن خطواته نست طريقها من شافني ..
جان لابس قاط أسود أنيق ، وقميص أبيض ، وشعره مرتب ، نفس الشكل الجنت أحلم بيه واكف بصفي واني لابسة بدلتي البيضاء ، بس للأسف راح يروح لوحدة ثانية تتهنى بيه ..
عيونهم التقت ، ما حجوا بس النظرة الأولى جانت كافية حتى تسألها : ليس ساكتة ؟
نظراتها إله جاوبته : شنو أكول ؟
نزلت عيونها بسرعة ، تحاول تخفي ارتجافة شفايفها ..
يوسف بقى يباوعلها ، جانت عيونه تحجي عنه أكثر من أي كلام ممكن يگوله الها ..
عتب
خذلان
وحب ما أكتمل ، بس بعده موجود رغم كل شي ..
تقدم خطوتين وبعدين وكف ، حسيته يريد ييجي يمها ، بس رجع اتذكر ما عاد من حقه يحاجيها ...
رفعت عيونها باوعتله ، تأملت اناقته ، تأملت وجهه ، وكأنما الوداع اﻷخير بينهم ..
وبهدوء موجع مررت عيونها عليه من راسه لرجله ، وبعدين رجعت ثبتتها بعيونه جرت حسرة وكأنها تكوله ..
(طالع حلو وتمنيتك الي ما جنت اتصور بيوم تصير لغيري )
يوسف فهمها من نظرتها وبين الوجع بملامحه ، رغم محاولته يخليه مخفي قدر الأمكان ، شد فكه وأخذ نفس عميق ..
جان يريد يكوللها ألف كلمة
انه ما نسى
وهو موسعيد
ولو يرجع بيه الزمن وبوقت مختلف غير هذا الوقت ، راح يختارها إلها ..
بس شنو فائدة الكلام وهو بعد ساعات قليلة راح يصير لغيرها ..
ريحانة نزلت دمعتها وبابتسامة مكسورة مصطنعة كالت بصوت هادئ بس مهزوز ..
ريحانة : شايف كل الخير ..
ظل ساكت وحسرة تجر حسرة ، تنهد وتقرب منها ، انه كمت وكفت على صفحة ما ردتهم ينحرجون مني ، همس ..
يوسف : ريحانة
قاطعت نظراته قبل كلامه ، همست ودموعها تنزل مثل الشلال ..
ريحانة : لا تحجي شي ، ما أريد أسمع ..
عكد حاجبه ، جر حسرة وكال
يوسف : ديري بالج على نفسج ..
دنك عليها باسها من راسها وطلع من البيت ، ظلت تبجي بحضني منهارة ، رغم حبهم الكبير بس ما كدرت تمنعه ، الظروف والعادات والتقاليد أكبر بهواي من حبهم ...
ظليت حاضنتها وابجي وياها ما بيدي شي اسويه الها ولا أكدر اغير الصار ولا أرجع الزمن ليورا.. مسحت دموعي وهمست..
سمر : كومي نامي ارتاحي وراج عملية وتعب..
حجت وهي صافنة على الباب اللي طلع منها وهمست بضياع ..
ريحانة : خلينا نروح هسه ما أريد انام ، اصلاً ما أكدر..
سمر : اجليها غير يوم ..
ريحانة : لا
سمر : بس انتِ تعبانة ..
ريحانة : آخذيني ما أتحمل ابقى بعد ..
التفتت علية باوعتلي بيأس وكملت كلامها ..
ريحانة : وادعيلي أموت وأخلص من عذابي
حجتها وكامت مثل الميتة تمشي وتجر برجليها دخلت للغرفة غيرت ملابسها وطلعت ..
ريحانة : اني جهزت..
سمر : متأكدة من قرارج ؟
ريحانة : اي متأكدة
سمر : انتظريني أروح لبيت عمي اودي فطومة يم البنات واشوف ابوها وين أخاف يسأل عني وهم أشوفهم نفسي شوية وارجعلج ما اتأخر ..
هزت راسها ساكتة وبس دموعها تجري ، كسرت گلبي ما بيدي شي اسويه الها والله ما بيدي...
طلعت لگيت يوسف واكف بالحديقة وحاط إيده على وجهه وبس اكتافه تهتز ، رحت يمه وكفت حاجيته..
سمر : تدري ما تطلع مني كلمة مبارك ، لأن أعرفك ما رايد هذا الزواج بس الله أعلم شلون تم ، وليش ، حرامات هيج تسوي بنفسك..
التفت علية ومسح وجهه، عيونه حمر من كثر الدموع، وبس يباوعلي ودموعه تنزل، يرجع يمسحهن. يوسف جداً إنساني وعاطفي، المواقف تأثر بيه، والكلام يبقى يفكر بيه ويتأثر بيه من ناحية عاطفية، عكس شهم تماماً.
بالشكل، هواي يتشابهون، ومرات حتى ما نميز بينهم، بس بالطباع كل واحد مختلف عن الثاني، فرق بينهم من السما للأرض.
سمر : اذا تجيب رفل لهنا كولي حتى آخذ ريحانة عندي بين ما تكمل تجهيز البيت وتنتقل عليه ...
تحمحم وكال..
يوسف : رفل راح ترجع لأهلها ومن تطلع ريحانة أجيبها هنا..
سمر : وشنو متوازين ؟
جاوبني بنتر ..
يوسف : هذا اللي صار بعد ..
ردت احجي وياه ، بس ما نطاني مجال ، تركني وطلع راح لبيت عمي ، آخذت بنتي ورحت وراه . وقبل لا أدخل اتصلت بشهم ، ظل يرن لحد ما خلصت الدكة . ومارد دزيتله مسج .
*شهم وينك ظل بالي عليك ، الزفة راح تطلع وانت ماكو !
دخلت لبيت عمي تكول مأتم مو عرس كلها ضايجة ومطنكرة وماعازمين أحد بس إحنا ، رحت كعدت يم جدتي وسألتها ...
سمر : جدة وين راح يزفوهم ؟
صدمة : بفندق بالولاية .
سمر : ها ، زين الكل راح يروح وياهم للزفة؟
صدمة : غير هيج شدراني
سمر : الله كريم
اجى عمي وكاللهم ...
عبد الملك : امشونا نفضها من وكت حتى نرجع خاف تمطر الدنيا ..
ورا شوية طلعنا ورحنا لبيت عمي راضي. هناك جان العرس الصدك، حتى كوشة مسوين للعرسان. كعد يوسف يم رفل، عبالك أعداء، مبين عليه ما طايقها ولا عنده خلك إلها.
دخل عمي راضي وكف يمهم، كام يوسف، وبعده وكفت رفل. تقرب منه وحچى وياه، وهو بس يهز براسه.
إخوانها كلهم جانوا موجودين، عدا باسل، ما شفته. استغربت ليش ما حضر زفّة أخته، المفروض يكون موجود، كونه أخوها الكبير. الله أعلم شنو صاير وياهم.
ما كدرت أكعد بدون ما اسأل، رحت سألت ريمة، أخته. گالت: راح يم طيبة. ما أدري صدگ لو جذب، تاهت علية ..
زفوهم وصعدوا بسياراتهم وراحوا ، صعدت فطومة وية عماتها باوعتلي بتول وكالت :
بتول : وانتِ ما تجين ؟
سمر : لا ، أجي بس منتظرة شهم ، عود أصعد وياه بالسيارة ، بس عينج على فطومة ، حبابة..
بتول : لا تخافين عليها ، ويانا .
مديت راسي من الجامة وحاجيت فارس :
سمر : لا تسوق سريع ، عليك الله ، فطومة صعدت وياك .
فارس : وانتِ ما تجين ؟
سمر : أجي وي شهم ..
فارس : وشهم وينه ؟ ماكو ؟ هواي اتصلت عليه ما رد ..
سمر : اي ، عند الحلاق يمكن .
فارس : يمكن لو متأكدة ؟
سمر : لعد وين يروح قابل ؟ عرس اخوه ما يحضره ؟
فارس : ليش تبقين اتانين بيه وأحتمال يتأخر لو ما ييجي أصلاً ، اصعدي ويانا ..
سمر : لا لا روحوا انتم الله وياكم ..
حركت السيارات وطلعوا من الباب الرئيسي ، والمكان شبه فرغ ، الخوف أكل گلبي ، ورجعت أركض لبيت يوسف فتحت الباب ورحت لريحانة احس گلبي صار بين رجلي ..
سمر : ريحانة حبابة خلينا نأجل الموضوع غير يوم ، اشو ما مرتاحة ..
التفتت علية مثل الميتة ، عيونها باهتة وشفايفها ترجف ، كالت :
ريحانة : ليش ؟
سمر : اشو گلبي ما مرتاح ، والبيوت الداير مدايرنا فرغت وبس انه وياج ظلينا ، خلينا نقفل ونكعد ، لا هذا قسور يوصللنا وماكو أحد موجود..
ريحانة : شنو رأيج اريحج من الموضوع كله ؟
سمر : شلون ؟
ريحانة : أطلع وبعد ما أرجع
سمر : تبليني بيج غير .
ريحانة : ليش انتِ شعليج .
سمر : يوسف قفل الأبواب وطلع وانه من اجيت فتحتهن ، اذا طلعتي ما يكول منو طلعها ؟ ماكو غيري..
ريحانة : ما راح يشك بيج ..
سمر : شلون ما يشك بية ؟ محد عنده مفتاح البيت بس انه..
ريحانة : قسور عنده .
سمر : بس يوسف غيرهن ، ونطاني نسخة جديدة غير المفاتيح القديمة ..
ريحانة : معناها نروح للجدة ..
انه اقنع بيها وهي مصرة على رأيها تالي كمت لبست عباتي وطلعنا ، قفلت البيت وحطيت المفتاح بجنطتي ..
سمر : انتظريني اجيب فلوس وأجي نسيتهن فوك ..
هزت راسها ما جاوبتني ، صعدت للبيت ركض جبتهن ونزلت ، آخذتها وطلعنا نمشي ، بس بالحقيقة ما جنت امسي وياها جنت ساندتها حتى لا توكع ، بالكوة تمشي وتتعثر .
خطواتها بطيئة ، متعثرة ، وجهها شاحب ، لدرجة اللي يباوعلها يخاف منها ..التفتت عليها سألتها..
سمر : ريحانة متأكدة من قرارج ؟
ريحانة : اي
سمر : اذا خايفة نرجع ..
ريحانة : لا ، أريد أخلص منه ما أريده يبقى ابطني ما أريد اي شي يربطني بيه ..
لزمت إيدها باردة بشكل ، امشي وياها وأرجف احس تورطت بس بعديش بعد ما وصلنا ، كل شوية احجي وياها أريد اقنعها نرجع وهي ترفض ، آخر مرة كلتلها نرجع التفتت علية وكالت :
ريحانة : انطيني فلوس كروة أروح بيها لبغداد وانتِ ارجعي اذا خايفة على نفسج .
سمر : ما خايفة على نفسي ، خايفة عليج صدكيني ..
ريحانة : اذا متت گوليلهم جلبة وراحت ما عليها حسافة ، ولا لتخافين محد يدور وراية ويسأل عني..
جنا نحچي كبال الباب مال القابلة ، بعدين دارت وجهها وراحت دكت الجرس ، طلعتلنا المرية دخلتنا جوا ..
ريحة المكان تخنك ، الوضع كله يخوف السرير قديم ، الأدوات مدري شلونها حسيت برعب حقيقي ..
كعدت القابلة تباوعلنا بنظرات مدري شلونها وكالت :
_ياهو منچن حبلى ؟
سمر : أختي هاي
كامت وكفت واشرتلها تروح وراها ، كامت ريحانة تبعتها مثل الوحدة اللي مسلمة نفسها للموت وما هامها شي ..
نيمتها على السرير ، وسحبت البردة ، صار فاصل بيني وبينهم . وكفت ورجلي ترجف من خوف . خايفة لا نطلع من هذا البيت مو مثل ما دخلنا ، خايفة أطلع وحدي بدونها ، هزيت راسي واستغفرت ، أحاول أبعد هالأفكار الشيطانية عني ..
كمت اقرأ أدعية وآيات حتى يتسهل أمرها ، ما اسمع غير صوت الأدوات ، وصوت ريحانة وهي تصيح ، تخبلت ، شنو ؟ ماخدرتها ؟ زادت صرخاتها ، وصار صوتها أعلى وأقوى..
سمر : شنو ؟ ما بنجتيها ؟
_وين انه عندي بنج ؟
ريحانة تصرخ ، وهاي ولا يمها الموضوع ، كامت تصيح عليها :
_ اتحملي شوية ، تريدين تخلصين لو لا ؟
ريحانة : اي اي ، بس دا أتوجع ! راح أموت ! ولج سمر الحگيني!
وراها اختفى صوتها ، طلعت الجدة ، وراحت وكفت يم المغسلة ، غسلت إيديها ، وكالت :
_فلوسي وين ؟
سمر : خلصتي ؟
_كلتلج فلوسي وين ؟
طلعتهن من الجنطة ، آخذتهن مني ، وبللت إصبعها وكعدت تحسب بيهن . فتحت البردة ، لكيت ريحانة غركانة بدمها وفاقدة الوعي . بلعت ريگي ، ومديت إيدي على جبينها ، بارد ... إيديها باردة مثل الثلج ، طلعت حاجيتها :
سمر : هاي شسويتي بيها ؟ البنية ماتت ؟ شنو هذا الدم ؟ ماتحچين ؟
مستمرة تحسب بالفلوس ، رفعت عينها باوعتلي وكالت :
_النزيف آخذها . خابري أهلج ييجون ياخذوها للمستشفى .
هجمت عليها وانه اصيح :
سمر : انتِ شلون جازفتي بيها اذا مو گد الموضوع ؟ ليش ما حچيتي وكلتي تحتاج مستشفى ؟ ليش ورطتينا ؟ هسه شسوي؟ فهميني ؟
_ اذا تأخرتي شوية ، البنية تموت . آخذيها واطعلي ، لا بتليني وياج ..
سمر : والله العظيم إلا ابلغ عليج ! عبالج اعوفج تتهنين بالفلوس ؟ حرامية ، مجرمة !
_روحي خابري اهلج اختج راح تموت .
تحجي ببرود خبلتني ، رجعت لريحانة ، لا حس ولا نفس. كمت الطم على راسي ، شعندي غير اللطم اسويه ؟ وجهها صار أبيض وكامت تعرك ...
تركتها وركضت على جنطتي . طلعت النقال وإيدي ترجف ، حلگي نشف ، والدم جمد بعروقي ، وأحس حرارة بعيني مو طبيعية ، دخلت على جهات الاتصال حايرة بمنو أتصل.
وأكيد هسه بعدوا مسافة عن القرية ، وحتى اذا اتصلت بيهم ، يحتاج وقت لحد ما يوصلون وريحانة داتنزف ..
رن النقال وقطع تفكيري عاينت شهم ، إيدي رجفت بالزايد .أريد افتح الاتصال ، ما أعرف شلون ، ارتبكت ، خلصت الرنة ، ورجع اسمه ظهر على الشاشة . جاوبته بصوت يرجف :
سمر : شــــشــهم
شهم : وين انتِ ؟
حجاها بعصبية ، مبين من صوته صاير شي وياه .خفت احچيله . شنو أكول ؟ شلون أشرحله ؟ شراح يسوي بية اذا عرف ؟ شنو أكوله ريحانة داتزف وتعال الحكنا ..
شهم : ألو! وينج ؟ مو داحچي وياج ؟
سمر : أسمعك .
شهم : إنتِ وين ؟
سمر : ما أدري .
شهم : شنو ما أدري ؟ ليش ما رايحة وياهم للزفة ؟
سمر : انتظرتك .
شهم : تعالي ، انه فوك ، عندي شغلة وياج.
رفعت راسي لفوك ، وغمضت عيوني ، وأطلقت العنان لدموعي .
سمعني أبچي ، انجن وصاح بصوت عالي :
شهم : انتِ ويييييييييييين ؟ ما تحچين عليش ساكتة ؟
سمر : شهم ، انه ....
شهم : إنتِ شنو ؟ احچي مو راح تموتيني!
سمر : انه بمصيبة .
شهم : هسه غير تحچين ! وينها ؟ يا الإسلام ، وينج ؟
سمر : تعال بسرعة .
شهم : وين أجي ؟ وين ؟
سمر : احسب سبع فروع عن بيتنا ، انه راح اوكفلك تلكاني اباب بيت قابلة ام عقيل ، اسمها ...
شهم : شتسوين هناك ؟ وشعندج طالعة وحدج ؟ وليش رايحتلها ؟
سمر : من تجي أفهمك. ماكو وقت ، تعال بسرعة وجيب السيارة وياك .
شهم : ابقي وياي على الخط ، لا تسديه .
سمعته يقفل بالباب وينزل الدرج بسرعة . صعد سيارته وهو يلهث ، وأنفاسه تسارعت ....
شهم اساساً تعبان ، وما ناقصه يسمع مصيبة جديدة . من اختفى هو وباسل بساعات العرس ، جان داز على باسل حتى يحچي وياه ، وطلعوا وكعدوا بمكان عام ..
كعد شهم كباله ، ويسأله مثل المحقق .
شهم : احچيلي ، شنو وضعكم إنت وطيبة ؟
باسل تنهد وكال :
باسل : هذا السؤال انطرح علية صار أكثر من مرة ، وجاوبتكم باللي صار بحذافيره .
شهم : انه ما سألتك ، ولا سامع منك . ودزيت عليك حتى آخذ اجوبتي منك .
باسل : شتريد تسمع ؟ ترى مليت من هالسالفة .
شهم : انت مليت ، بس انه ما لحكت أمل منها ، لأن ما أعرف شنو صاير وية أختي ، وشنو الشي اللي وصلها لهنا ؟
باسل : إنت تشوف الوقت مناسب نحچي بيه ؟ اليوم زواج أختي .
شهم : وكسرة أختي شنو ؟ مالها حوبة عندك ؟
باسل : ماگلت هيج .
شهم : احچيلي ، العرس أكو غيرك يسد مكانك ..
وحچاله نفس الكلام اللي حچاه لكميل ويوسف . شهم ظل يستمعله ، مضيق عيونه ، ويدخن جكاير ورا الثانية .
شهم : بس هيج ؟
باسل : اي
شهم : ما قنعتني .
باسل : وانه مدا أجذب عليك .
حط إيده على الميز ، وباوعله بنظرات كلها تهديد ..
شهم : أختي جانت مثل الوردة ، وشوية شوية بدات تذبل . قبل شوية رحت لبيت كميل دخلت لكيتها تتقيأ ، رغم هي كاطعة الأكل صارلها كم يوم ..
باسل : علمي علمك .
شهم : يعني إنت ما مسوي شي ؟
باسل : شهم ، عيب عليك تلمح . احچيها طگ بطگ.
شهم : يعني إنت ما متقربلها ؟
ضحك باسل ، ورجع ظهره للكرسي ، باوعله وكال ..
باسل : انت يمكن ما تعرفني زين بعدك . انه لو هذا دربي ، أروح اسوي ويا هواي بنات متاحات غير أختك . وبعدين لو متوازي على هاي الشغلة ، ليش أأجل العرس لحد ما يكمل البيت ؟ أتزوجها بغرفة ببيت أهلي ، ومن يكمل البناء نطلع . محد إله شي يمي . صح كلامي ؟
شهم : هو صح ، من إنت تحچي برهاوة صدر ، ضروري أصدكك. بس من أرجع لحالة أختي ، كلامك يصير هباء ، ما ياكل عندي .
باسل : شوف المناسب ، وبلغني . اذا جنت مذنب بشي ، ركبتي سدادة أبو فاطمة .
تركه باسل وكام طلع من المكان .
شهم ظل كاعد بمكانه ، يدخن بشراهة ، وعقله يلف ويدور بكل كلمة سمعها . وبعدها رجع لبيتهم ، وراح لغرفة الإسعافات الأولية الموجودة بالبستان ..
فتح الباب ، وآخذ قفازات طبية ، ورباط ضاغط ، ومسحة كحولية للتعقيم ، وإبرة سحب دم وأنبوب الفحص . بعدها فتح المجر الثاني آخذ منه شاش وقطعة لاصقة يستعملها بعد سحب الدم .
طلع وراح لبيت كميل..
دك الباب ، وطلعتله نبأ ، سلمت عليه وكالت :
نبأ : ها أبو فاطمة ، شنو ؟ ما رحت وياهم ؟
شهم : لا ، ما رحت . ماكو داعي .
نبأ : ها ، براحتك .
شهم : أبو زين وين ؟
نبأ : راح للجامع .
شهم : سويلي مجال أشوف طيبة وجيبلها أكل بلكت تاكل من إيدي..
نبأ : توها نامت ، تفضل ، البيت بيتك .
دخل للغرفة وسد الباب وراه . راح وكعد يمها ، وظل يباوعلها بحسرة .
لبس القفازات ، وطلع الأدوات ، مسح مكان الإبرة ، وربط إيدها من فوك ، وسحب عينة من دمها .
حست عليه ، فتحت عيونها ، وظلت تباوعله وتذب حسرات .
شهم : انه وياج وحدنا ..ما ناوية تحجيلي شنو صار ؟ ليش هيج ذبلتي ؟
حچاها وهويحط اللزكة على مكان الإبرة .
هي باوعت لإيدها ، ابتسم الها وكال :
شهم : ادري بيج تسمعيني ، آخذت عينة من دمج حتى اوديها للمختر واشوف نسبة الحديد عندج ، وخايف يكون بيج فقر دم ، لهذا راح اطلب منهم يسوولج تحاليل شاملة
نزلت عيونها منه ، تنهدت بخوف وشفايفها كامت ترجف ، لزم إيدها وربت عليها وكال
شهم : انه حاسس بيج واعرف شنو صايرلج ، بس والله ياطيبة اذا تأكدت من ظنوني ، احرك الدنيا عليهم
نزلت دموعها بخفة ، بالأيام الأولى جانت تبجي وتهنار اعصابها ومرات تضربهم ، هسه عبالك استسلمت للأمر الواقع ، او يمكن تعبت وشافت ماكو حل غير تهدأ وتتقبل وضعها ...بس داخلها محد يكدر يفسره ، الله وحده يعلم شنو بيها ..
كام شهم من الكرسي ، دنك وباس راسها ، وأخذ عينة الدم والجنطة اللي بيها اغراضه وطلع .
نبأ مدت راسها من المطبخ وصاحت :
نبأ : ابو فاطمة الجاي صار !
شهم : اعتبريني شربته ، خوية .
نبأ : براحتك..
طلع وسد الباب وراه.
راح لسيارته ، صعدها وانطلق بأقصى سرعته باتجاه المختبر .
أول ما دخل ، سلم على صديقه وكال :
شهم : أريد تحليل حمل ، وجبتلك عينة من الدم ، لأن قريبتي تعبانة وصعب تطلع من البيت.
_ اي دكتور ، هسه أسويه ، تدلل .
أخذ العينة منه وراح يحللها .
شهل ظل واكف ينتظر النتيجة .
يحاول يقنع نفسه إن التحليل راح يطلع سلبي ، ويرتاح من كل هالشكوك.
يمكن خوفه كله بلا معنى.
يمكن مجرد شك مرضي .
يمكن طيبة بس تعبانة فعلاً . وكل اللي دا يفكر بيه مجرد أوهام.
مسح وجهه بيده ، ومسد شاربه بحركة سريعة .
فجأة ، رجعت صورة طيبة لباله ..
شحوب وجهها.
ذبولها.
تعبها .
رجفة شفايفها.
وعيونها اللي نزلت من عينه بخوف وخجل.
بهاللحظة ، انقطع عنه آخر احتمال ممكن يخليه يصدك إن نتيجة التحليل راح تطلع سلبية..
ظل واكف بمكانه وگلبه يدك سريع .
ما يريد يصدك شكه ، بس كل شي شافه بطيبة ، جان يدفعه لنفس النتيجة..
كور كف إيده وضغط على أسنانه بعصبية .
ﻷول مرة بحياته ، شهم يخاف من ورقة .
ورقة صغيرة ، بعد شوية راح تستقر بين إيده ، بس وزنها أثقل من عمر كامل.
ورقة تحمل نتيجة أخطاء ما تنغفر ، وراح تفتح باب لحقيقة اذا دخل منه ، ما راح يكدر يرجع مثل ما جان ..
نتيجة راح تغير حياة إنسانة بالكامل ..
من وحدة فرحانة بزواجها وتحلم ببيت وأمان ومستقبل وأطفال ، الى وحدة مكسورة ، مهزوزة ، مغدورة ، شايلة بداخلها وجع أكبر من قدرتها على التحمل..
طلع الموظف من الغرفة ، وبيده الورقة ، وشهم حس روحه شايلها كدام عينه ..
مر شريط طفولة طيبة كدامه ،ضحكتها ، سوالفها ، خوفه عليها..
بلع ريگه بصعوبة وبقى ينتظر.
اقترب منه الموظف .
_ دكتور .. دكتور شهم
رفع عينه عليه ، وكأنه رجع فجأة للواقع..
شهم : نعم ؟ آسف ، شردت شوية .
هز الموظف راسه ، وبصوت هادئ كال :
_ ألف مبروك ..النتيجة إيجابية ..
مافهم .
أو يمكن فهم ، بس عقله رفض يستوعب.
اختل توازنه فجأة ، مد إيده بسرعة ولزم الميز حتى لا يوكع ..
إيده ترجف . أقترب منه الموظف وسحب الكرسي بسرعة .
_تفضل ، أكعد.
ذب جسمه على الكرسي مثل الجبل من انهار فجأة بعد ما ظل سنين واكف .
جان بداخله شي يشبه بركان انفتح دفعة وحدة ، نار ، غضب ، خوف ، وصدمة ما عرف بأي شعور منهم يبدي..
اقترب الموظف منه بقلق وكال :
_أجيبلك مي ؟ غسل وجهك ..زين بس اشرب شوية ، وجهك اصفر ، دكتور تسمعني؟
شهم : اسمعك ، مشكور ..
كام من مكانه وصار غواش قوي بعيونه.
الأصوات ابتعدت عنه ، كأنها تجيه من مكان بعيد.
حاول يفتح عينه ، بس الدنيا دارت بيه.
وبلحظة ، وكع من طوله.
التموا عليه العاملين بالمختبر ..
واحد غسل وجهه، والثاني فتح أزرار قميصه حتى يتنفس ، والثالث نزع عنه القمصلة ، وهم يحاولون يرجعونه لوعيه..
جان حاس بيهم.
يعرف شيسوون .
يسمع أصواتهم .
بس جسمه ما جان يطاوعه ، ولا لسانه كدر يطلع كلمة وحدة..
ظل بهالحالة تقريباً ربع ساعة، الى أن فتح عيونه ببطء.
أول شي شافه وجوههم ..
جانوا واگفين يمه، وكل واحد منهم ينطيه نظرة مختلفة.
دنگ راسه، مو من التعب هالمرة... من الإحراج.
مستحي من نتيجة التحليل، رغم محد يعرف منهم لمنو النتيجة ، بس هو يعرف ..
لكن نظراتهم جانت كافية تخليه يحس إن الكل عرف... الكل يعرف إن هاي النتيجة تخص أخته.
غيرته على أخواته جانت غير شكل.
جان يحبهم بطريقة تخليه يخاف عليهم من الدنيا كلها ويغار حتى من أبسط الأشياء اللي ممكن تمسهم ..
يمكن غيرته مرات تطلع قاسية .
يمكن مرات تتجاوز حدودها .
بس ورا كل هالقسوة ، جان أكو خوف كبير عليهم ..
خوف رجل شايل بعقله مسؤولية أخواته وأهله ، واذا صار بيهم شي ، راح يعتبر نفسه أول شخص خانهم .
مسح وجهه بإيده ، وحاول يلتقط نفسه .
شهم : آسف خوفتكم.. بس ما أدري شنو صارلي ، افترت الدنيا بية وما توازنت .
_تحتاج تروح مستشفى ؟ آخذك بسيارتي .
شهم : لا..لا... ما يحتاج. ممنون منك .
كام ، أخذ ورقة التحليل بإيده وطلع.
ومن الصدمة نسى حتى يدفع لهم.
صعد سيارته وسد الباب..
بقى ثواني واكف ، إيده على الستيرن ، ونفسه ثگيل..
بعدها شغل السيارة ، الدم جان يغلي بعروقه.
ساق وهو ما يشوف كدامه غير سؤال واحد:
شلون كدر باسل يحط عينه بعينه ، ويجذب عليه بكل سهولة؟
كل ما يحاول يهدأ ، جانت الورقة اللي بإيده تذكره ، بإن اللي يعرفه هسه مو مجرد سر عادي ، هاي خيانة كاملة انكتبت بسطرين .
وصل للقرية.
نزل من السيارة وفتح الباب ودخل.
أول مكان راحت عينه عليه جان بيت كميل.
ظل واكف محتار.
يروح يواجه طيبة بالتحليل اللي بإيده؟
لو يروح لباسل أول ويعرف منه الحقيقة؟
طلع موبايله واتصل بباسل.
رن ...
مرة .
مرتين .
ما رد عليه..
شد على الموبايل بيده ، لدرجة ابيضت مفاصل أصابعه..
آخذ نفس ومشى لبيت سمر ..
فتح الباب ودخل .
كعد على القنفة.
ظل ساكت، ضايع، منهار، كأن كلشي بداخله انكسر دفعة وحدة.
وهو وحده يحاول يجمع نفسه من بين الركام.
بعد لحظات، فتح موبايله.
لكه اتصالات هواي من سمر.
ظل يباوع للأسماء على الشاشة ببال شارد ثواني واتصل بيها.
أول ما سمع صوتها، انتبه للرجفة الواضحة بحچيها.
حجت وياه وبلغته بمكانها.
من سمع بيها عند القابلة ، تغيرته بملامحه.
دخل الشك براسه..
سمر تعرف ؟
تعرف بسالفة طيبة ؟ وضامّة علية ؟
وجايبة أخته للقابلة لأن صار إلها شي مو زين.
كام من مكانه بسرعة وطلع .
صعد سيارته وتوجه إلها، وهو يحاول يقنع نفسه إن كل مخاوفه مجرد شكوك.
مجرد احتمال.
مجرد وسواس صنعته الصدمة وخلته يشك بأقرب ناسه...
بس بقى عنده أمل واحد.
يلگاهم اثنينهم هناك ويرجعهم بسلامة..
بقى وياها على الخط ساكت .
يغلي من العصبية .
ينتقل بين الفروع حسب وصفها ، من وصل للفرع السابع ..
ومن بعيد شافها واكفة بالباب ، ترجف...
وكف السيارة ودكلها هورن ، وأشرلها تصعد .
فتحت الباب وصعدت بخوف ..
حاولت تحجي بس صوتها ما طلع .وحلگها يابس..
هو يريد يفتهم منها شنو اللي جابها لهنا . التفت عليها ، وعيونه تجدح نار .
شهم : شعندج هنا ؟
بقت تتأتأ بالكلام .
عاط بيها بصوت عالي ، فززها :
شهم : مو وياج ؟ ما تحجين ؟ شعندج هنا جاية ؟
سمر : جبت ريحانة .
عكد حاجبه باستغراب .
شهم : ريحانة ؟ وشنو تسوي هنا ؟ عليش جايبتها ؟
سمر : بس الله عليك.. لا تأذيني .
مد إيده ولزمها من متنها بقوة ، وصوته نزل عليها مثل الزلزال ..
شهم : تحجين لو شلون ؟
ارتجف صوتها وهي تحاول تجمع كلماتها :
سمر : ريحانة حامل...وتوسلت بية أساعدها ، وجبتها لهنا حتى تسقط الطفل .
باوعلها باهت .
فاتح عيونه اثنينهن ، ما مستوعب اللي سمعه .
شهم : حامل شنو ؟
سمر : حامل بالشهر الثالث.
شهم : منين ؟
سكتت.
شهم : لا تكوليلي من يوسف ؟
هزت راسها بسرعة وكالت:
سمر : لا ...مو من يوسف .من
عاط بصوت عالي من الخوف.
سمر تدررت على نفسها ، بلعت ريگها واختنكت ، كامت تكح قبل لا تكمل.
شهم : لعد منين ؟ من ابوي ؟
سمر : من قسور
عكد حاجبه ، وفكه رجف .
شهم : ولج ياقسور ؟
سمر : قسور.. زوجها السابق .
شهم : قسور ما غيره ؟
سمر : اي.. هو .
شهم : وين لكاها ؟
سمر : قبل شهرين ونص تقريباً.. ما أعرف ، يمكن أكثر بشوية . إجاها للبيت واعتدى عليها ، ومن حچت النا ، ما صدگناها عبالنا تتخايل مثل كل مرة..
التفت عليها بسرعة وكال
شهم : وين إجاها يعني ؟
سمر : لبيت يوسف.
ثبت عينه عليها..
شهم : تحجين صدك ؟
سمر : اي .
جانت تحجي وهي مدنكة راسها ومغمضة عيونها ، مستعدة لأي ضربة ممكن تنزل عليها .
سألها بصوت أثقل :
شهم : ويوسف ما سوى شي من سمع ؟
سمر : شد كاميرات ابداخل بيته ، حتى يراقب الوضع..اذا فعلاً إجاها للبيت لو هي تتخايل ؟
ساد الصمت بينهم ثواني طويلة . بعدها كال :
شهم : بس هيج سوى ؟
سمر : اي
ابتسم ابتسامة باردة من الصدمة باوع ليكدام وحجى من بين أسنانه :
شهم : يعني كل همه شلون يأمن الخانم مالته .. والباقين طز بيهم .
سكت فترة، وبعدين التفت إلها..
شهم : جنتِ تدرين بكل هذا وساكتة ؟
ما جاوبته .
و تمنيت اموت ألف مرة ولا أعيش الثواني اللي دا أعيشها هسه ..
رجع سألني ، هالمرة بصوت أشد :
شهم : سألتج سؤال ، جاوبيني ، جنتِ تدرين وما حجيتيلي ؟
طلعت الكلمة مني بصعوبة :
سمر : اي.. أدري
التفتت علية ومد إيده رفع وجهي..
نزعني البوشية بقوة ، وصارت عيونه بعيوني.
ومن الرعب اللي شفته بيها ، حسيت الدنيا تدور بية..
شهم : وجبتيها لهنا حتى تسقط الطفل ؟
سمر : اي
شهم : يوسف يدري ؟
دنكت راسي .
رفع وجهي بقوة وكال
شهم : يوسف دزج ؟
هزيت راسي بلا .
ظل يباوعلي ثواني .
وبعدين كال ببرود قاتل :
شهم : جبتيها اجتهاد شخصي منج ؟
هزيت راسي بإي .
وما أعرف بعدها وين صارت الضربات تنزل .
على وجهي.
على راسي .
كل اللي اتذكره رجعني للبيت والطريق كله عبارة عن ضرب وصراخ ،جان بحالة ما شفته بيها من قبل ..
نزل من السيارة وصفگ الباب بقوة وأشرلي أنزل .
نزلت وراه ، وانه أترنح من التعب والخوف .
دخلنا للبيت.
هو اتجه للقنفة وكعد عليها.
وانه كعدت كباله .
ما رفعت عيني عليه.
بس حسيته يباوعلي.
ثواني طويلة مرت . وكال
شهم : تعرفين شبيها طيبة مو ؟
سمر : لا والله ما أعرف..
شهم : شوكت جنتي ناوية تاخذيها تسقط الطفل ..
شهكت وحطيت إيدي على حلكي ..
سمر : طيبة حامل ؟
شهم : لا تسوين روحج متفاجئة
سمر : والله ما أدري ، زين منين حامل ؟
ظل يضغط على أسنانه وفكه يرجف...
بعدها كام فجأة وطلع من البيت.
ما فهمت وين راح .
بقيت بمكاني وگلبي يدك بسرعة . ورا شوية سمعت الباب ينفتح .
رجع.
وقفل الباب وراه..
التفتت عليه .
طلع سلاحه.
سحب الأقسام ، وحطه براسي.
غمضت عيوني وتشهدت من الخوف ..
شهم : خذلتيني ..
سكت لحظة ونفسه جان متقطع ..
شهم : مو بس انتِ الكل خذلني ، ولج شلووون تكدرين تحطين عينج بعيني وتكذبين علية ؟ ها؟ جاوبيني ! شنو ضامة علية بعد ؟ احچيهن كلهن هسه ! أحچي ..لا أفرغ المسدس براسج ..
بلعت ريكي بصعوبة ، والكلام بالكوة طلع مني .
سمر : والله ما أعرف بسالفة طيبة وهسه سمعت منك..
شهم : جذابة تعرفين
سمر : بالقرآن ما أعرف واصلاً ما شفتها مو حتى طلبت منك توديني وكلت بعدين ، كميل ما يقبل أحد يروح يمها ..
شهم : اي بس تدرين بسالفتها وساكتة .
سمر : لا والله ما أدري بشنو احلف وتصدكني.
شهم : ما اصدكج واليوم آخر يوم الج بالدنيا ..
سمر : شهم الله يخليك. البنية راح تموت ، مو وكتها ، اللي تريد تعرفه مني أحجيه الك كله ...بس مو هسه.
شهم : تخافين عليها لا تموت ؟ وهي موتتنا كلنا ؟
جان يحچي بصياح ، وصوته يهزني من الخوف ..
سمر : الله عليك ، اسمعني بس دقيقة وحدة .
شهم : اتشاهدي .
أرتجف جسمي كله.
سمر : شهم .....
شهم : تشاهدي ! بصوت عالي.. خليني أسمع .
انهارت دموعي ، تشهدت وانه أرجف ..
سمر : بس اسمعني للمرة الأخيرة ..
شهم : ما أريد أسمع منج شي ..
سمر : البنية داتنزف ...راح تموت ، الله يخليك ساعدها .
ظل ساكت ..
المسدس بعده براسي ، ونفسه يتسارع ، وملامحه تغلي من العصبية ..
سمر : ريحانة داتنزف ، والله راح تموت اذا ما آخذناها للمستشفى ..
ظل يباوعلي بوجه جامد ، خالي من اي تعبير غير القساوة.
شهم : خليها تموت يطبها مرض ..
سمر : شهم هاي روح !
شهم : كلمن يتلكى أعماله وهي جابتها لنفسها .
سمر : هي ما اختارت شي من العاشته ، هي هم انظلمت!
عاط بية ..
شهم : لا تدافعين عنها كدامي!
سمر : ما دا أدافع عنها ، دا أحجي عن إنسانة داتموت وإحنا نتفرج عليها !
مدت إيدي و لزمت إيده ، سحبها مني بقوة ..
شهم : عساهم يموتون كلهم ...من يوسف لقسور حتى إنتِ ...
نزلت على رجليه ، ولزمتها ، وبستها ، دفرني وسحب رجله مني ...
سمر : اعتبره هذا آخر طلب مني ، وبعدها من نرجع ، سوي بية اللي يعجبك ويريح گلبك ما راح ألومك لأن هالمرة أستاهل ..
ضحك بمرارة ، وعيونه ظلت ثابتة علية ..
شهم : ماكو شي يريح گلبي بعد .
سمر : شهم.. هاي بنية ومكسورة ، وإحنا عندنا بنية اذا ظلمنا ريحانة ، بنتنا هم ممكن يوم من الأيام تنكسر ، ويمكن تحتاج أحد يمد إيده إلها وما تلكى أحد . راح تنظلم وتعيش نفس المصير صدكني ..
تغير وجهه وعاط بية بنبرة حادة كال:
شهم : لا تجيبين سيرة بنتي على لسانج النكس ! ولا تقارنيها بهاي الحثالة !
سمر : هاي لأن ما عندها أهل يدافعون عنها ، هيج تحجي عليها ، لأن مكسورة جناح..اعتبرها طيبة وساعدها ، هسه انت مو محروك حرك عليها وبعدك ما تدري شنو صار بيها ...
باوعلي وعيونه تجدح نار..
شهم : يعني تعرفين بسالفة طيبة ؟
سمر : ياالله ، والله ما أعرف مو دا احلفلك ..
شهم : لعد شنو تكوليلي بعدك ما تدري شنو صار بيها ؟
سمر : ما أعرف انت شنو سامع ومنين عرفت بسالفتها بس مبين عليك اليوم يلة دريت بيها وهيج صار بحالك ، مو قصدي شي ثاني ، يعني هسه ريحانة لو عندها أخ مثلك جان هذا حالها ؟ جان تجرأ قسور يسوي بيها السواه ؟ ..
دنك راسه بكسرة وكال...
شهم : تجرأوا على طيبة رغم عندها بدل الأخ خمسة ..
سمر : شفت وريحانة ماعندها أحد غير تلجئ له ..
سكت بس داخله يغلي ، بعدين انفجر .
شهم : ولج هاي اللي دا تحجين عنها ، سلبت حياة أعز وحدة على گلبي !
ضرب بإيده على صدره ..
شهم : كسرتنا بيها ! ولج هاي اللي تريدين مني اساعدها دمرت كل شي ..
سمر : منو يكول هي السبب ، بعدنا ما نعرف شنو صار وية طيبة ، إلا اذا حجت ..
تقرب مني ، وصوته بدأ يرجف ..
شهم : هاي اللي تريدين أساعدها بسببها ..
سكت..
الكلمة اختنكت بحلكه .
نزلت إيده ببطء ، وكأن كل الغضب اللي جان شايله بوجهه ، للحظة ، انهزم كدام وجع أكبر منه.
لأن الحقيقة اللي يريد يحچيها او شاكك بيها ، جانت أبشع من كل الكلمات اللي ممكن تنكال..
هو ما غضبان من ريحانة وحدها لا...
غضبان من باسل ، ويوسف ، وسمر وناقم على نفسه وعلى كل شخص أخفى عنه الحقيقة..
والجرح الأكبر الورقة الصغيرة ، اللي قبل ساعات جانت مجرد نتيجة تحليل وعباله راح تطلع سلبية..
وصارت هسه مفتاح خراب لعائلة كاملة جانت مستقرة..
نزلت دمعة من عينه ، وباللحظة اللي نزل بيها السلاح عن راسي ، رفعه وضرب على راسه بقوة كام ينزل دم من جبينه ..
صرخت بفزع :
سمر : شهم ! ..لا فدوة لا !
ثبت السلاح براسه ، وصوته طلع مكسور رغم كل الغضب اللي بيه :
شهم : أنسب حل .. أريحكم مني ، وراية العبوا على بكيفكم ..
سمر : فدوة لعينك لا تسويها ! أروحلك فدوة ، الله يخليك ...حباب حباب ، نزله من إيدك . شهممم نزله !
كام يصرخ بصوت عالي..
شهم : دمرنا ...يوسف دمرنا ولج شلون بية ؟ شنو أكول لطيبة ؟ شلون اواجهها شلون ؟
بقيت أبچي وأباوعله ، وما أعرف من شنو أخاف أكثر ..من عصبيته ، لو عليه ، لو من الوجع اللي شايله بصدره وما عاد يعرف وين يفرغه ..
سمر : شهم ، الله عليك ساعدها ، اترجاك ... بشنو أحلفك ؟ بأمك ؟ببنتك ؟ أحلفك بالله.. وبالقسم اللي اقسمته حتى تحافظ على أرواح الناس
بلعت غصتي وكملت
سمر : اترك العصبية هسه ، مؤقتاً بس ...خلينا نروحلها . وراها سوي اللي تريده. حتى لو تذبحني جوا رجليك ما امنعك ..بس لا تخليها تموت ..
ظل واكف بمكانه .
صدره يصعد وينزل بسرعة ، وإيده بعدها قابضة على السلاح..
مرت الثواني ثكيلة ، حسيتها عمر كامل...
وأخيراً نزل إيده ، وراح للغرفة ..
صاح :
شهم : مستمسكاتج وين ؟
بقيت للحظة ما مستوعبة .
رجع يسألني عنها .
سمر : بالجنطة السودة.. بالكنتور .
شهم : تعاي طلعيهن .
ركضت للغرفة ، وإيدي ترجف لدرجة كل شوية يوكع مني شي ، فتحت الجنطة و طلعت هويتي ومديتها إله ..
آخذها گلبها بين أصابعه ، وبعدين حطها بجيبه ..
رفعت عيوني إله وهمست :
سمر : شهم ..
قاطعني بنظرة باردة وكال :
شهم : راح أساعدها ...
تنفست براحة .
المهم تكون بخير.. وبعدها يصير اللي يصير..
بس قبل لا ألقط أنفاسي ، أقترب مني أكثر ، ونظراته جانت مليانة بشي أخاف أوصفه..
شهم : بس بالمقابل ، ياسمر .. راح اندمج عمر كامل .
نزلت كلماته على صدري مثل الصاعقة.
عرفت من عيونه إن مساعدته لريحانة ما جانت رحمة... لا إلها ولا الي.
جانت فاتورة جديدة.
كلنا راح ندفع ثمنها وأولهم انه ...
طلع من البيت بخطوات سريعة ، وركضت وراه اصيح ..
سمر : شهم انتظرني !
ما التفت .
نزل الدرج بسرعة ، وانه لحگته ، طرف عباتي جلب برجلي وتعثرت ، وكعت من آخر درجتين عطت ..
سمر : أخ يمه !
كمت بسرعة وأجر برجلي جر .
فتح باب السيارة وصعد شغلها بنفس اللحظة .
حسيت نفسي بفيلم مطاردة .
لحگته وفتحت الباب ، حطيت رجل وحدة بالسيارة وبنفس اللحظة تحرك بسرعة .
سمر : شهم ، لحظة ! انتظر !
ما رد .
انطلقت السيارة ، واختل توازني وردت اوكع منها .
صرخت :
سمر : شهممممم !
ما اهتم .
تشبثت بالباب بكل قوتي وسحبت نفسي للداخل ، سديت الباب وانه ألهث .
بقيت ساكتة من الخوف .
عيوني على الطريق ..
بس گلبي يدك بقوة ، أعرف شنو منتظرني بعد ما نرجع من هذا الطريق ..
بعد دقائق ، وكف شهم كبال بيت القابلة .
نزل بسرعة ،و نزلت وراه .
راح للباب ودفره برجله .
طلعت القابلة مفزوعة وتصيح ..
_منو انت؟ شصاير ؟
شهم : وينها ؟
تغير لون وجهها .
_ منو ؟
شهم : امج وينها ؟
جنت واكفة وراه ، فحجيت بسرعة :
سمر : بهاي الغرفة ..
اشرتله عليها..شهم التفت عليها مهددها..
شهم : اذا ما خيستج بالسجن ، ما أتسمى شهم ..
دخلنا بسرعة ، وكفت فوك راسها ، وجهها أبيض وشاحب ، شفايفها تقريباً فاقدة لونها ، وإيديها باردة مثل الثلج ،و ملابسها متلطخة بالدم .
تقربت منها ولزمت إيدها :
سمر : ريحانة ، حبيبتي تسمعيني ؟
ما جاوبت.
حسيت روحي تنسحب مني .
التفتت لشهم ، بس صوتي أنكسر وما كدرت احچي .
تقرب منها مد إيده على رقبتها وتحسس نبضها ، وبعدين انحنى وشالها بين إيديه ..
راسها استقر على صدره ، بس عيونها ظلت مغمضة.
سمر : بسرعة شهم... بسرعة .
طلع بيها وركض للسيارة . صعدها وانه صعدت ورا وحطيت راسها بحضني .
وصلنا للمستشفى ، وشهم نزلها ودخل للطوارئ وهو شايلها .
شهم : دكتور ! نزيف شديد ، حامل بالشهر الثالث ..
نطاهم المعلومات المختصرة وإجت الممرضات بسرعة .
نزلوها على السرير المتحرك ، وبدؤوا يدفعوها للداخل .
سألته وحدة من الممرضات :
_ شنو اسمها ؟
شهم : سمر
_اسمها الكامل ؟
شهم : سمر أبراهيم يعقوب ..
_ هويتها وين ؟
سكت
_ هويتها أخي
شهم : هي زوجتي .
_ زوجتك ؟
شهم : اي
جان صوته ثابت وهو يحجي وياها ، بس عروقه البارزة بإيده وملامح وجهه جانت تفضح توتره ..
_شنو صار وياها ؟
شهم : راحت للقابلة بدون علمنا . جانت تريد تسقط الطفل ، وما سيطروا على النزيف ، اتصلوا علية وجبتها فوراً للمستشفى ..
الممرضة ما دخلت وياه بنقاش اعمق ، لأن الحالة جانت أهم ..
_خليها تدخل أول ، وبعدين نكمل اﻷوراق ..
وكف بمكانه ، مسح لحيته بإيده .
دخلوها جوا ..
قاسوا ضغطها ونبضها ونسبة الأوكسجين ، سحبوا عينات دم ، وركبولها سيروم وريدي ..
وكفت الدكتورة تسأل :
_شكد صارله تنزف ؟
شهم : ما أعرف بالضبط ، من فترة ، ساعة ونص تقريباً ، بس مو متأكد .
_لازم تنطيني وقت أدق .
شهم : ماجنت وياها ، رايحة وحدها ..بدون علمي
آخر كلمة حجاها وهو يباوعلي ويتوعدلي ، ما جانت معلومة منه للدكتورة وانما تهديد واضح ألي..
_ عندها ألم قبل لا تروح للقابلة ؟
شهم : كلتلج ما أدري .
التفتت للممرضة وكالت :
_حضري دم ، وسووا إلها فحوصات عاجلة . نريد صورة دم كاملة ، فصيلة وتوافق ، ووظائف تخثر ، وسونار .
تقربت الدكتورة من ريحانة :
_سمر ؟ تسمعيني ؟
ماكو استجابة واضحة .
باوعت لشاشة المراقبة ، وتغيرت ملامحها .
_الضغط نازل .
تحرك الفريق الطبي بشكل أسرع .
وطلعونا برا .
حطيت إيدي على حلكي وبقيت أبچي عليها ...
شهم واكف يم الباب ، طلع باكيت الجكاير ورث وحدة ، سحب منها نفسين وحركها بين أصابعه..
إيده جانت ملطخة بدم ريحانة ..
تقرب مني وكف بصفي وكال :
شهم : اذا سألوج اي شي ، سوي روحج طرشة وخرسة ، ممنوع تفتحين حلكج بشي ..
هزيت راسي بخوف ..
مر الوقت بثكل..
وبعدين انفتح الباب وطلعت دكتورة ثانية..
_ حضرتك شنو تصيرلها ؟
تقدم خطوة .
شهم : زوجها ..
حجاها وطلع جكارة ثانية ورثها كدامها..
_ حالة زوجتك حرجة . عندها نزيف قوي ، ولازم نعرف السبب بسرعة .السونار راح يحدد اذا الحمل مستمر ، واذا أكو بقايا حمل أو مشكلة ثانية مسببة للنزيف ..
ظل ساكت ، بس يسحب نفس من جكارته .
باوعت الدكتورة للجكارة البيده ..وكالت :
_عزيزي ممنوع التدخين هنا . هاي مستشفى مو شارع ..طفيها رجاءً.
شهم : صار .
حجاها ومرد الجكارة بين أصابعه ،و بإيده طفاها ..
_أريد أعرف منك معلومات عنها
ضيق عينه وكال .
شهم : مثل شنو ؟
_ اذا عندها أي مرض ؟ عمليات سابقة ؟ حساسية من أدوية ؟ أدوية تستخدمها ؟
عكد حاجبه وجاوبها بنرفزة :
شهم : ما أعرف .
باوعتله باستغراب وكالت :
_ ما تعرف ؟
شهم : اي ، مو ضروري أعرف .
_شلون يعني مو ضروري تعرف ؟ غير هي زوجتك ؟
شهم : واذا زوجتي ؟ اكعد احقق وياها ؟
_أخي شنو هذا الأسلوب ؟
شهم : انتِ كاعدة تسأليني اسئلة المفروض انتِ تجاوبيني عليها . انه لو أعرف شبيها عليش اجيبها هنا ؟
_ عجيب
شهم : شنو العجيب بالموضوع ؟ تكدرين تعرفين كل شي عن طريق التحاليل والسونار ، وبالنسبة للأدوية ، اي تاخذ ... اجتها فترة تعبت واضطريت آخذها لدكتور نفسي وكتب إلها علاجات ، بس شنو الأنواع ما أعرف .و اذا مسوية علميات سابقة.. الله اعلم .
رفعت الدكتورة حاجبها :
_أكو واحد ما يدري بزوجته اذا مسوية عملية لو لا ؟
شهم : أدري ماخذ سيارة ومدخلها سونار وأعرف الضربة وين ...شمدريني ؟
_شكد صارلكم متزوجين ؟
شهم : سنة كشرة .
_نعم ؟
شهم : سنة .
_حضرتك شنو تشتغل ؟
شهم : فتاح فال .
_نعم ؟
شهم : أنعم الله عليج
_عملك شنو ؟
شهم : أكدي بالتقاطع .
_ صدك تحچي ؟
شهم : اكلج انتِ جاية تحققين وياي لو تشوفين شغلج ؟ لخاطر الكائنات ارحميني من اسألتج ، ترى روحي بخشمي ..
كعد على الكرسي يهز رجله بعصبية .
وانه بقيت واكفة اعاين عليه من بعيد لبعيد أخاف اتقرب منه..
ورا شوية إجت ممرضة وبيدها ملف .
_منو مرافق سمر ؟
رفع شهم راسه ورفع إيده .
_وبعد منو وياك ؟
اشرلها علية ..
_ فصيلة دمك شنو ؟
شهم : ما أعرف .
_ لازم نسويلك فحص فصيلة وتوافق ، واذا طلع دمك مناسب نحتاج منك تتبرع وبأسرع وقت لأن المريضة حالتها داتسوء ..
شهم : ما أكدر اتبرع .
_ ليش؟
سكت لحظة ، وبعدين كال ببرود :
شهم : مدمن .
_ مدمن ؟
شهم : اي نعم مدمن مخدرات ودا أتعالج .
هزت راسها بصدمة ، والتفتت علية كالت ..
_وحضرتج شنو فصيلة دمج ؟
سمر : +B
_ما ترهم . فصيلة دمها +O.
بهيج حالة لازم تجيبولها من بنك الدم حسب فصيلتها ونتائج فحوصات التوافق . جيبلها ثلاث وحدات .هاي الورقة بيها كل المعلومات .
آخذها شهم ،هز إيده ومشى .
التفت علية وكال :
شهم : ما تمشين ؟ انشليتي ؟
مشيت وراه.
رحنا لبنك الدم ، جبنالها الوحدات ورجعنا للمستشفى .
سلمهن ورجع كعد .
سمعنا حركة سريعة بالممر .
ممرضة تركض باتجاه غرفة العمليات ..
رحت اسألها شنو صار ، بس تركتني واتجهت للداخل بسرعة ..
التفت علية شهم
شهم : مو كلتلج تبقين خرسة طرشة ؟ اذا فتحتي حلكج بكلمة ، ادفنج هنا بمكانج ...
طلعت ممرضة ثانية .
كام شهم حط إيده بجيوب بنطرونه وسألها :
شهم : خير ؟ صار شي ؟
_دنسوي كل اللي علينا واللي نكدر عليه.. بس ادعولها ، حالتها صعبة .
مرت الساعات ببطء قاتل ..
ظليت أمشي بالممر وأدعي تكوم بسلامة..
وشهم كاعد يهز برجله .
أعرفه كاعد على نار ، وبالكوة مصبر نفسه .
واذا طلعت ريحانة من هاي الغرفة ، يمكن إحنا كلنا ما نطلع سالمين من هاي المصيبة..
واخيراً ، انفتح الباب..
طلعت الدكتورة .
ملامحها جانت تعبانة مو مثل ما دخلت..
وكفت كبالنا وكالت ..
_العملية نجحت وسيطرنا على النزيف . بس حالتها جانت جداً صعبة ، فقدت دم هواي ، والحمل للأسف ما استمر .. العوض على الله ..
نزلت دموعي .
حمدت الله وشكرته .
ما مرت ساعات علية لا والله مر دهر كامل ..
شهم : نكدر نطلعها للبيت ؟
_ الأفضل تبقى اليوم تحت المراقبة ، اذا حالتها استقرت ، وماكو نزيف جديد ، ممكن تطلع باجر ..
نقلوها للغرفة الاعتيادية .
دخلت جانت متمددة على السرير ، وجهها شاحب وآثار التعب مرسومة على ملامحها..
فتحت عيونها شافتني ومدت إيدها .
لزمت إيدي .
ريحانة : خلصت منه ؟
هزيت راسي .
سمر : خلصتي .
نزلت دموعها .
غمضت عيونها وسمعتها تستغفر .
بعدها سألت بصوت ضعيف :
ريحانة : يعني مات ؟
سمر : طبعاً يموت ...مو هذا اللي ردتيه ؟
التفتت ..
شهم جان واكف بالباب يباوعلها بحقد صامت..
دخلت ممرضة سوالها مجال ، تقربت منها وبيدها ملف ..التفتت لشهم وكالت :
_ حضرتك زوجها ، صح ؟
شهم : اي .
_كمل الإجراءات جوا وادفع الرسوم .
وباجر إن شاءالله تكدرون تطلعوها ، بس لازم أحد يبقى وياها بالبيت .
ولازم ترجع فوراً للمستشفى اذا رجع النزيف بقوة ، أو صارت عندها دوخة شديدة ، حرارة ، ألم متزايد أو فقدان وعي ...
شهم : تمام .
التفتت لريحانة مبتسمة وكالت :
_ الحمد لله على سلامتج ، باجر إن شاءالله تطلعين اذا حالتج تحسنت ..
ردتلها ريحانة الابتسامة بوجع ..
طلعت الممرضة ، وشهم طلع وراها ..
يراقب الوضع ، ورا شوية رجع ، باوع علينا وكال ..
شهم : يلة نطلع .
رفعت عيني علية مصدومة :
سمر : شلون نطلع ؟ الدكتورة كالت لازم تبقى تحت المراقبة .
شهم : اي دكتورة ، سمر ، أبقيها صار . وراها أفوت سجن بتهمة التحايل على المستشفى ؟ لو بتهمة التزوير ؟ وابلع سنين سجن.. وعلمود منو ؟ علمود هاي ؟
سكت من دخلت ممرضة ثانية باوعت لشهم وكالت ..
_أستاذ تفضل وياي حتى نكمل البيانات مال المريضة ..
شهم : بس المستمسكات بالبيت ما جايبهن .
_ نحتاجهن حتى نكمل الطبلة ..
شهم : أعرف . انه أجيبها من البيت ، والمريضة يمكم ...ما طايرة ..
جان يحچي وياها بأسلوب مستفز ، هي سكتت ما جادلته ..
طلعت..
التفت لريحانة ..
شهم : تكدرين تمشين ؟
هزت راسها بلا ..
طلع من الغرفة.
ورا شوية رجع جايب كرسي متحرك ، وساعدها تكعد عليه .. ملابسها ماا عملية كشفت عن جسمها ، أخذ الغظا وشمره عليها ، التفت علية وكال..
شهم : غطيها زين..
غطيتها ورجعت ليورا .
واكفة أراقبه ، من ملامحه عرفت عنده قرار ثاني براسه..
قرار راح يسويه مجرد ما نطلع من هنا ..
طلعنا ..
هو يدفع بالكرسي ، وانه امشي وراهم .
وصلنا للممر ، جان اكو ازدحام عند الاستعلامات ، هواي ناس ومستشفى حكومية .. نكدر نتحرك بسهولة بدون ما واحد يسأل..
استمر يدفع بالكرسي بدون ما يلتفت لأحد .
واثق بخطواته..
مسيطر .
وصلنا للسيارة فتح الباب وصعدها ليورا .
صعدت يمها ، ومددتها وخليت راسها بحضني .
شغل السيارة وانطلق.
جنت خايفة أحچي .
خايفة اسأله .
ما اتجرأ احط عيني بعينه بالمرايا ..
مصيرنا مجهول .
ما أعرف على شنو ناوي ..
بس كل اللي أعرفه هذا الطريق ما راح يرجعنا مثل ما چنا ..
كعدت أفكر بكمية الأشياء اللي انكسرت بهذا اليوم .
شهم شايل بداخله حساب عمر كامل .
مو مجرد غضب عابر ..
مو زعل راح يهدأ بعد كم ساعة ..
جان غضبه متراكم من كل حقيقة عرفها ، وكل حقيقة ما عرفها مني ، وكل باب انغلق بوجهه لأني خفت أحچي ، وكل مرة خليته يصدك نصف الحقيقة ، بينما انه كنت أعرف نصفها الثاني ..
اما زواجنا ....
فبقى معلق ببين لحظة غضبه ولحظة مسامحته ..
بين أسرار ضميتها عنه ، وأشياء هو أخفاها عني .
بين ثقة ماتت من زمان..
ورجعت عاشت..
وانه بيدي موتتها من جديد..
بس هو هم ما جان بريء من الكذب ..
كم مرة استغفلني ؟
كم مرة أخفى عني الحقيقة بحجة أنه يحاول يحميني منها ؟
وكم سر دفنه بينه وبين نفسه ، وبعدين طالبني أكون صريحة وياه ؟
بس هسه..
ما عاد ينفع نعد منو غلط أكثر ..
ﻷن بعض الأخطاء ، من تكبر ، ما تبقى أخطاء أشخاص ..
وأنما تصير خراب بيوت ..
واخيراً كدرت ارفع عيني وأباوعله بالمرايا ..
جان ساكت..
سكوته يخوف أكثر من كلامه ..
عينه على الطريق وإيده قابضة على الستيرنگ بقوة ، كأنه مو بس يحاول يسيطر على سيارة ، بل جان يحاول يسيطر على نفسه..
ما سألني عن شي ..
ولا كدرت أسأله ..
الصمت اللي بينا ما جان هدوء ..
ولا راحة بعد تعب .
جان محاكمة مؤجلة ...
كل واحد بينا يعرف أكو كلام لازم ينحچي ..
وحقائق لازم تنكشف .
وأشياء مهما حاولنا ندفنها ..
راح تبقى عايشة بينا ..
يمكن ننفصل ، وتكون هاي نهايتنا ...
ويمكن يبقي أسمي على اسمه ، وتبقى صورتنا كدام الناس مثل ما هي ..
زوجين ما تغير بينهم شي .
بس اللي بينا من الداخل ؟
يمكن يكون انتهى من زمان .
ويمكن هذا اليوم ما جان بداية النهاية .
جان اليوم اللي كشفها إلنا .
بعض الزواجات ما تنتهي يوم الأنفصال ..
تنتهي يوم تموت الثقة بين الطرفين ، ويوكف الحب عاجزاً أمام إنقاذها ..
لأول مرة ما أخاف اسأل نفسي ..
*معقولة راح يعوفني شهم ؟
كمت أخاف من سؤال أكبر..
*اذا بقيت وياه ،شنو رايح يسوي بية ...
