رواية مابين خيط وابرة وقلبان الفصل الخامس 5 بقلم ريهام ناجي

 


رواية مابين خيط وابرة وقلبان الفصل الخامس بقلم ريهام ناجي


فضلت واقفة على السلم ثواني، 
ببص ناحية المكان اللي اختفى فيه يونس، 
وأنا مش عارفة ليه لسه واقفة مكاني.

_رُهام، اطلعي بقى بدل ما تباني غبية.

همست لنفسي، 
وطلعت بسرعة ناحية أوضة ملك، 
فتحت الباب بهدوء بعد ما استأذنت، لقيتها قاعدة على السرير، 
وشكلها فعلًا كان تعبان.

_ملك!

بصتلي، وابتسمت ابتسامة ضعيفة.

_جيتي.

قربت منها وحطيت الكيس على الكومود.

_طبعًا جيت، هو أنا هسيبك تعبانة لوحدك يعني. 

ضحكت بخفة،
 وبعدين قربت منها وحطيت إيدي على جبينها.

_حرارتك مش عالية.

_أنا قولتلك تعبانة، 
مش بموت.

_ما حضرتك يا هانم اللي خوفتيني.

قعدت جنبها، وبصيتلها شوية.

_أكلتي حاجة؟

هزت راسها.

_لأ.

_طبعًا لازم ما أنتِ ملك. 

فتحت شنطتي.

_جبتلك أكل خفيف. 

بصتلي بابتسامة.

_أنا بحبك.

_عارفة.

سكتت لحظة، وبعدين قالت بمكر:

_عرفت إن يونس هو اللي  فتحلك الباب.

اتجمدت إيدي في الشنطة.

بصيتلها ببطء.

_آه. 

_آه إيه؟

_هو اللي فتحلي الباب.

ابتسمت.

_وبس؟

_آه، وبس.

_متأكدة؟

بصيتلها بغيظ.

_ملك، أنا جاية عشانك،
 مش عشان نتكلم على أخوكي.

ضحكت.

_أنا مقولتش حاجة.

_بس بتفكري.

_مش محتاجة أفكر،
 وشك بيقول كل حاجة.

اتنهدت، 
وحاولت أغير الموضوع.

_كلي الأول وبعدين نتكلم.

فضلت ملك تضحك، وأنا بدأت أطلع الأكل من الشنطة،
 لكن رغم إني كنت بحاول أركز معاها، 
عقلي كان لسه عند الباب، 
عند يونس، 
عند صوته، 
وعند الطريقة اللي بصلي بيها لما شافني.

الغريب إني طول الشهر اللي فات كنت بتمنى أشوفه،
 ولما شوفته فعلًا...
مكنتش عارفة أبص في عينه.

يمكن عشان أول مرة شوفته فيها،
 كنت معجبة بصورة رسمتها عنه. 

لكن دلوقتي؟
أنا عارفة إني بحب الشخص اللي قدامي، 
وده مخوفني أكتر من أي حاجة.

بعد شوية، ملك بدأت تتحسن بعد لما ادتها العلاج، 
وقعدنا نتكلم في حاجات كتير، لحد ما فجأة سمعنا خبط خفيف على الباب.

لفيت ناحية الباب بسرعة،
 وملك قالت: 

_ادخل.

الباب اتفتح...
وظهر يونس، 
قلبي دق مرة واحدة بقوة، 
بص لملك الأول، وبعدين عينه اتحركت ناحيتي.

_عاملة إيه دلوقتي ياحبيبتي؟ 

_أحسن الحمدلله. 

هز راسه، وبعدين بصلي.

_لو لسه حاسة بتعب ممكن نروح للدكتور. 

ملك بصتله.

_لأ ياحبيبي أنا بقيت أحسن خلاص. 

_متأكدة؟ 

_اه والله يا يونس خلاص،
 رُهام جابتلي دوا وأكل، وأنا حاسة نفسي أحسن.

يونس بصلي للحظة وقال: 

_شكرًا.

الكلمة كانت بسيطة جدًا...
بس نبرته كانت مختلفة، 
ابتسمت بخفة.

_العفو.

سكت ثواني، وبعدين بص لملك.

_لو تعبتِ أكتر، قوليلي.

_حاضر.

كان المفروض يمشي، 
لكنه وقف مكانه لحظة، وبصلي تاني.

_هتفضلي كتير؟

رفعت حاجبي.

_في مشكلة؟
وجودي مش مرحب به ولا أيه؟ 

_لا.. لا مش قصدي.

_أمال بتسأل ليه؟

_بسأل عادي.

ابتسمت.

_هفضل لحد ما أطمن عليها.

هز راسه.

_تمام.

اتحرك ناحية الباب،
 وقبل ما يخرج، بصلي للمرة الأخيرة.

_خدي بالك من نفسك وأنتِ مروحة. 

رمشت باستغراب،
 وقولت بصدمة: 

_أنا!! 

_آه، أنتِ.

وبعدين خرج وقفل الباب وراه، 
فضلت باصة ناحية الباب ثواني، 
وملك كانت بتبصلي وابتسامتها بتكبر.

_إيه؟

قالتها وهي بتكتم ضحكتها:

_ولا حاجة.

_ملك...

_أنا ساكتة والله.

بصيتلها بشك.

_بس؟

ضحكت، وبعدين كملنا كلامنا عادي، 
في محاولة إني أخرجها من مود التعب. 

ـــــــــــ

بعد ما يونس خرج من الأوضة، وهو كان حاسس بالحيرة،
 مش فاهم ولا قدر يحدد ليه تصرفاته غريبة، 
من أول ما ملك قالتله إنها تعبانة،
 وهو قلق عليها جدًا وكان مصمم ياخدها للدكتور. 

ولكن لما قالتله إن رُهام جاية في حاجة جواه اتحركت، 
وقلبه بقى يدق جامد، وهو مش فاهم ليه؟ 

 حتى نزل استناها تحت وهو متوتر، وأول ما سمع صوت الجرس، 
وشاف واحدة من الشغالين رايحة تفتح، وقفها على طول، 
وراح فتح هو لما حس إنها ممكن تكون رُهام.

وساعتها عمل نفسه متفاجئ بوجودها، 
رغم إنه كان عارف إنها جاية،
 ولما سابها على السلم؛
 اتصل على ملك على طول وقالها إن رُهام وصلت وطالعة ليها.

ولما قفل المكالمة، وحط الموبايل في جيبه،
 وفضل واقف مكانه ثواني.

_أنا كنت هعمل إيه،
 ليه اتسحبت من لساني ووقفتها بعد ما كانت طالعة! 

سأل نفسه وهو بيبص ناحية السلم. 

هو نزل يستناها تيجي عشان يطمن على ملك، 
ده كل اللي في الموضوع.

على الأقل...
ده اللي كان بيحاول يقنع نفسه بيه. 

لكن لو ده السبب فعلًا، ليه أول ما ملك قالتله إن رُهام جاية حس إنه لازم يكون هو اللي يفتح لها؟
وليه كان مستني صوت الجرس؟
وليه لما شافها قدامه، قلبه دق بالشكل ده؟
اتنهد، وعدل أكمام قميصه بعصبية.

_يمكن عشان مفيش حد غريب بيدخل البيت.

قالها لنفسه، وكأنه لقى مبرر منطقي، 
لكن المبرر نفسه مكنش مقنع، 
هو أصلًا مش أول مرة رُهام تيجي البيت ودا اللي عرفه من ملك بردو، 
بس المرة دي كانت مختلفة عشان هو كان موجود. 

يمكن عشان بقاله شهر كامل مشافهاش، 
شهر كامل، 
ولأول مرة، استوعب إن المدة دي كانت أطول مما توقع.

طول الشهر اللي فات، كان بيقول لنفسه إنه مشغول، وإن عدم رؤيته ليها شيء طبيعي، وإن اللي حصل في حفل الافتتاح مجرد موقف عابر.

لكن الحقيقة؟
هو كان بيفتكرها، 
بيفتكر طريقتها وهي بتجادله، 
صوتها وهي بترد عليه، 
نظراتها لما كان يستفزها، 
وحتى ضحكتها اللي شافها بالصدفة وسط الحفلة.

وكان كل ما صورتها تيجي في دماغه، يطردها بسرعة،
 كأنه بيحاول يمنع نفسه من التفكير في حاجة هو نفسه مش فاهمها.

رفع عينه للسلم بعد ما نزل، هز راسه، واتحرك ناحية الصالون، 
حاول يشغل نفسه بأي حاجة، مسك الموبايل،
 فتحه، وقفله، رجع فتحه تاني من غير سبب.

وبعد ثواني، سمع صوت خطوات خفيفة على السلم، 
رفع عينه تلقائيًا، 
كانت رُهام.

نازلة وهي بتبص على خطواتعا على السلم،
 وبعدها لمحت يونس قاعد في الصالون، فوقفت لحظة.

هو كمان بص لها، 
ثواني بسيطة، لكن كأن الوقت وقف بينهم، 
يونس هو اللي قطع الصمت. 

_ملك بقت أحسن؟

رُهام هزت راسها.

_آه، الحمدلله.

_تمام.

سكت، 
كان المفروض يرجع يبص في موبايله،
 لكنه فضل باصص لها.

_هتمشي؟

السؤال خرج منه أسرع مما كان متوقع، 
رُهام رفعت حاجبها.

_أيوة، ليه؟

_ولا حاجة.

_أمال بتسأل ليه؟

ابتسم.

_بسأل عادي.

بصتله بشك.

_أنت النهاردة بتسأل كتير أوي. 

_يمكن.

_غريبة.

_ليه؟

_مش عارفة... بس غريبة.

ضحك بخفة.

_أنتِ اللي بتفكري كتير.

هزت راسها.

_آه جينا لجملة حضرتك المفضلة. 

_ممكن.

ابتسمت رغمًا عنها، 
ولوهلة، يونس نفسه ابتسم، 
نفس الضحكة اللي كان بيدور عليها وسط الزحمة من شهر.

ولأول مرة، فهم إن وجودها قدامه كان مريح بشكل غريب، 
مريح...
وفي نفس الوقت مقلق.

لأنه مش فاهم ليه مجرد ظهورها قدامه قادر يغير مزاجه بالشكل ده، 
رُهام رفعت شنطتها على كتفها.

_أنا همشي بقى.

يونس بص لها.

_بدري.

بصتله باستغراب.

_بدري؟

_آه، اقعدي شوية كمان. 

_أنا جيت عشان ملك،
 واطمنت عليها خلاص. 

_ما أنا عارف.

_أمال؟

سكت لحظة، 
كان ممكن يقول أي حاجة، 
لكن الحقيقة إن مفيش حاجة، 
هو بس...
مكنش عايزها تمشي.

_الطريق بالليل مش أحسن حاجة.

قالها أخيرًا، 
رُهام بصتله ثواني.

_الساعة لسه تسعة يا يونس، 
وأنت بنفسك لسه قايل بدري؟! 

_بردو.

ضحكت.

_أنا هعرف أروح.

_أنا مش قصدي إنك مش هتعرفي.

_أمال؟

اتنهد.

_بس بطمن.

سكتت، 
والكلمة دي بالذات خلتها تبصله بشكل مختلف، 
هو نفسه حس إنه قال أكتر مما كان لازم، 
فعدل وقفته وقال بهدوء:

_هخلي السواق يوصلك.

رُهام هزت راسها بسرعة.

_لا، مفيش داعي.

_مفيش نقاش.

_يونس...

_رُهام.

بصتله.

_إيه؟

_خليه يوصلك.

فضلت ساكتة ثواني،
 وبعدين قالت:

_حاضر.

ابتسملها بسمة خفيفة.

_كويس.

وقبل ما تتحرك ناحية الباب،
 سألها فجأة:

_هتيجي تاني؟

وقفت، 
بصتله، وكأن السؤال فاجأها.

_ليه؟

يونس اتلخبط لأول مرة.

_عشان ملك يعني وكدا.

رُهام ابتسمت.

_لو ملك عايزاني أجيلها، 
هاجي.

هز راسه.

_آه... تمام.

اتحركت ناحية الباب، لكنه فضل متابعها بعينه لحد ما خرجت، 
وأول ما الباب اتقفل، رجع قعظ وسند ضهره على الكنبة، 
ومرر إيده على وشه.

_أنا مالي؟

سكت، 
وبعدين ضحك بسخرية من نفسه.

_بقالك شهر مشوفتهاش، 
وأول ما شوفتها عايزها متروحش.

بص ناحية الباب تاني.

_واضح إن الموضوع مكنش شغل يا يونس،
زي ما أنت فاكر.

لأول مرة...
الفكرة دي مكنتش مخوفاه، 
كانت بس...
غريبة، 
ومش عارف ليه، لكنه كان عايز يعرف نهايتها أيه. 

ــــــــــــــ

خرجت من البيت، وأنا حاسة إن دماغي فيها ألف سؤال، 
ركبت العربية، وقبل ما السواق يتحرك، بصيت من الشباك ناحية البيت للمرة الأخيرة.

مش عارفة ليه...
بس كنت مستنية أشوفه، 
وفعلًا، بعد ثواني، لمحته واقف عند الشباك، 
كان بيبص ناحيتي.

أول ما عينه جت في عيني، 
اتحركت بسرعة وبصيت قدامي.

_يا نهار أبيض!

حطيت إيدي على وشي.

_أنا بعمل إيه؟

السواق بصلي من المراية باستغراب.

_حضرتك كويسة؟

نزلت إيدي بسرعة.

_آه، آه طبعًا.

سكت شوية، 
وبعدين ضحكت على نفسي.

_أنا بجد بقيت غريبة.

طول الطريق، المشهد كله فضل بيتكرر في دماغي، 
لحظة ما فتح الباب، 
نظراته
سؤاله إذا كنت هفضل كتير، 
وبعدين...

_خدي بالك من نفسك وأنتِ مروحة. 

عضيت شفايفي،
 وأنا بحاول أمنع الابتسامة اللي ظهرت على وشي.

_هو ليه بيقول كلام عادي، 
بطريقة تخلي الواحد يقعد يفكر فيه يومين؟

سندت راسي على الكرسي،
 وبصيت من الشباك، 
يمكن فعلًا هو شخص مهتم بطبيعته، 
يمكن بيعمل كده مع كل الناس، 
يمكن أنا بس عشان بحبه، بقيت بشوف أي تصرف منه على إنه حاجة كبيرة، 
سكت لحظة.

هو اللي فتح الباب، 
هو اللي وقف يسألني هفضل قد إيه، 
هو اللي عرض يوصلني، 
وهو اللي سألني إذا كنت هاجي تاني، 
ابتسمت غصب عني.

_أنا بدأت أتوهم ولا أيه؟ 

حاولت أوقف التفكير.

_رُهام، اهدي.

بس قلبي، كالعادة،
 مكنش بيسمع.

ــــــــــــــ

في نفس الوقت...

رجع يونس ناحية أوضة ملك، وفتح الباب، 
لقاها قاعدة على السرير، وبتبصله بنظرة خبيثة، 
وقف مكانه.

_مالك؟

_ولا حاجة.

_أمال بتبصيلي كده ليه؟

ابتسمت.

_كنت مستنياك.

_مستنياني ليه؟

_عشان أسألك سؤال كدا.

يونس قرب وقعد على الكرسي اللي جنب السرير.

_اسألي.

سكتت ثواني، وبعدين قالت بمنتهى البراءة:

_إيه رأيك في رُهام؟

يونس عقد حواجبه.

_مالها؟

_بسألك.

_كديزاينر؟

ضحكت.

_آه طبعًا... كديزاينر.

بصلها بنظرة تحذير.

_ملك.

_إيه؟

_متحاوليش.

ضحكت أكتر.

_أنا لسه مقولتش حاجة.

_بس هتقولي.

_طيب خلاص.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

_بس على فكرة...

_إيه؟

_أنت كنت مستنيها صح؟ 

يونس سكت، 
ملامحه اتغيرت للحظة، لكنه حاول يخبي.

_ومين قالك دا بقى إن شاء الله؟! 

_أنا.

قال بسخرية: 

_لا والله يشيخة؟!! 

تجاهلت ملك كلامه وقالت: 

_لأنك أول ما سمعت الجرس،
 روحت فتحت بنفسك متنكرش. 

_كنت قريب.

_لا والله؟! 

سكت.

_وبعدين؟

_وبعدين إيه؟

_نزلت تستناها.

_مكنتش مستنيها.

ملك ضحكت.

_آه طبعًا.

يونس بص بعيد.

_أنا كنت نازل أطلب من حد من الشغالين يعملي قهوة. 

_طيب هعمل نفسي مصدقة. 

سكت، 
وملك قربت منه شوية.

_يونس...

_امم؟

_أنت معجب برُهام؟

رفع عينه لها بسرعة.

_إيه؟

ضحكت.

_سؤال بسيط.

_لأ.

قالها بسرعة زيادة عن اللزوم، 
ملك ابتسمت.

_حلو.

_حلو إيه؟

_ولا حاجة.

_ملك.

_قولتلك ولا حاجة.

سكت شوية، وبعدين قالت:

_بس غريبة.

_إيه اللي غريبة؟

_إنك وأول ما عرفت إنها جاية، 
نزلت تفتح لها بنفسك، وقعدت تسألها هتمشي إمتى، 
وفضلت واقف عند الشباك لحد ما ركبت العربية.

يونس بص لها.

_أنتِ مراقباني؟

_أنا أختك.

_لا والله ودي إجابة؟

_آه.

ضحك غصب عنه، 
لكن ابتسامته اختفت لما سألته:

_طيب لو مش معجب بيها...

سكتت لحظة.

_ليه مكنتش عايزها تمشي؟

يونس ملاقاش رد، 
لأول مرة من فترة طويلة، سؤال بسيط خلاه يسكت بالشكل ده، 
بص قدامه، وكأنه بيحاول يلاقي إجابة مقنعة، 
لكن مفيش، 
لأنه هو نفسه...
مش عارف.

_يمكن...

قالها أخيرًا.

_يمكن إيه؟

اتنهد.

_يمكن عشان وجودها بقى مألوف...
 بالنسبالي. 

ملك ابتسمت.

_في شهر واحد؟

بصلها.

_أيوة.

_معقول... في شهر واحد! 

يونس سكت.

_معرفش يا ملك.

ابتسامتها هديت شوية، 
لأول مرة حست إن الموضوع فعلًا مش مجرد هزار، 
أخوها نفسه مش فاهم، 
وده معناه إن حاجة بدأت تتحرك جواه، حتى لو هو لسه مش قادر يسميها.


تعليقات