رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس
بالڤيلا
بغرفة نوم درية ونصر
عدل الوسادة أسفل رأسه ثم إستلقي على الفراش تبسم حين صعدت درية لـ جواره بعدما نزعت عنها مئزر المنامة، بادلته البسمة لكن بداخلها ودت لو رفع يده وإحتواها بحضنه،تضع رأسها على صدره..لكن ظل ذلك أمنية،تمددت هي الأخري على الفراش
ساد الصمت بينهما حتى تنهد نصر بعمق..
شعرت درية بتلك التنهيدة، فالتفتت إليه وسألته:
إيه اللي مطير النوم من عينك؟
ظل نصر صامتًا لحظات، ثم قال بتفكير:
أديم... وجوازه من ميراچ.
تغيرت ملامح درية قليلًا، وقالت:
مالهم.
أجابها بتوضيح:
إنتِ عارفة إن الجوازة دي ما بدأتش باختيارهم.
أومأت قائلة:
ـ عارفة... بسبب الوصية.
أومأ نصر قائلًا
بالضبط.. اتجوزوا علشان ينفذوا شرط مكتوب في وصية، مش علشان كانوا بيخططوا للجواز من الأساس.
صمت قليلًا، ثم أردف بقلق:
وده اللي مخليني مش مرتاح... أديم دخل الجوازة وهو مغصوب ، كمان وميراچ وافقت علشان الوصية برضه... لكن محدش يعرف إيه اللي ممكن يحصل بعد ما يعيشوا تحت سقف واحد.
نظرت إليه درية بهدوء قائلة:
مش يمكن الوصية اللى جمعتهم تكون منفعة لهم.
ابتسم نصر بسخرية خفيفة:
الوصايا بتحط شروط يا درية، إنما القلوب ملهاش شروط.. إختيار العقل بيريح.
تأملته للحظات شعرت بغصة فهي إختيار العقل... قالت:
يمكن هما نفسهم لسه مش عارفين إذا كان اللي بينهم مجرد جواز مفروض... ولا حاجة تانية.
التفت إليها نصر... في عينيه شيء من التفكير.
أديم عمره ما كان بيتقبل إن حد يفرض عليه حاجة. ومع ذلك نفذ الوصية واتجوز ميراچ.
تفوهت بهدوء:
علشان كان عنده سبب أقوى من رفضه.. الميراث.. أنا مش فاهمه ليه عمي نبيل حط الشرط ده، ليه بالذات ميراج، هي مش من ضمن أحفاده، أنا صحيح بحبها وبعتبرها زي ولادي بس الحق يتقال، هي من ضمن الورثة، ليه يعطيها النسبة دي كلها، وليه شرط جوازها من أديم بالذات، كان ممكن يشترط ريان.
نظر لها بصمت هو كان يعلم فحوى الوصية وهو قام بالامضاء كشاهد عليها، لكن حين سأل والده وضعه فى حيرة وكان رده
"مع الأيام هتعرف... الوصية دي رد حق ميراچ"
تنهد قائلًا
وده اللي مخوفني... أديم قبل مش بس عشان الميراث..
السبب ميراچ
اقتربت درية قليلًا، وقالت:
مخوفك من ميراچ؟
هز رأسه بنفي*
ـ لأ... مخوفني من الوصية نفسها... أديم من صغره كان بيجري ورا جده نبيل، كان الاتنين بيكملوا بعض، أديم قبل ما يكمل عشرين سنة كان دارس شغل المواني، كان يقدر يستغني عن تنفيذ الوصية، وقتها الشركة مكنتش هتبقي لها سطوة،إسم "أديم القصاص" هو اللى غطي على إسم "نبيل القصاص"
عقدت درية حاجبيها بسؤال:
يعني إيه... أديم عنده هدف تاني طب إيه هو، وإيه هو الهدف اللى يغصبه يقبل يتجوز من ميراچ
تنهد نصر، ثم قال:
ـ أنا مش عارف يا درية. لكن عندي يقين إن الجوازة دي هتغير حياة أديم وميراچ بالكامل.
سكتت درية.
أما نصر فظل يحدق أمامه، ثم قال بصوت أخفض:
وأنا خايف إن يكون فيه سبب تاني وراء الجوازة دي... سبب إحنا لسه ما اكتشفناهوش.
نظرت إليه درية طويلًا، وقلبها يخفق بشيء من القلق:
وإنت ناوي تعمل إيه.
أجابها:
ولا حاجة..مقدرش أدخل دلوقتي.
ثم أضاف بعد لحظة:
هسيب أديم يعيش تجربته... لكن هفضل عيني عليه.
أغمضت درية عينيها، بينما عاد الصمت يخيم على الغرفة.
لكن تلك المرة...
لم يكن نصر وحده من طار النوم من عينيه..
ساد الصمت من جديد، لكن درية لم تستطع أن تغمض عينيها.
ظلت تحدق في السقف، بينما كلمات نصر تتردد داخل رأسها... أديم وميراچ، زواج فرضته وصية، ومع ذلك كان هناك شيء بينهما بدأ يتكون رغم كل شيء.
فربما وصية قد تخلق حياة
أما هي ونصر...
من يراهما من الخارج سيظن أن زواجهما ناجح...
زوجان هادئان، متفاهمان، لا تلاحقهما المشاكل، يعرف كل منهما كيف يحتوي الآخر وقت الأزمات، وكيف يقف بجانبه حين يحتاج إليه..
حتى نصر نفسه كان يتعامل معها باهتمام واحترام لم
لكنها وحدها كانت تعرف الحقيقة...
هناك فجوة بينهما...
فجوة لا تُرى بالعين، لكنها تؤلمها كل ليلة...
كانت تتمنى أحيانًا أن يمد يده إليها دون سبب، أن يجذبها إليه، أن تشعر بأن قربها منه ليس مجرد وجود زوجة إلى جوار زوجها...
تمنت أن تستند إلى صدره بلا تردد...
أن تشعر أنه يشتاق إليها كما تشتاق هي إليه...
لكن نصر كان دائمًا قريبًا منها بالقدر الذي يسمح به العقل، وبعيدًا بالقدر الذي يحفظ تلك المسافة الغامضة بينهما...
عضت درية على شفتيها، تحاول أن تطرد ذلك الشعور الذي ينهشها... لم تكن غاضبة منه.
وهذا ما كان يؤلمها أكثر...
فهو لم يجرحها بكلمة، ولم يقسُوا عليها، ولم يمنحها سببًا واضحًا لتعاتبه.
كل ما في الأمر...
أنها لم تستطع أن تصل إلى قلبه بالقدر الذي كانت تتمنى...
تنهدت بصمت، ثم أدارت وجهها نحوه...
كان نصر لا يزال مستيقظًا، شاردًا في أمر أديم وميراچ...
تأملته للحظات، ثم همست في داخلها:
كل اللى بيشوفنا ... بيفكر إننا أسعد اتنين.
ابتسمت ابتسامة باهتة.. فعلًا يبدوان كذلك.
لكن لا أحد يعرف أن المرأة التي تنام إلى جوار زوجها كل ليلة، قد تشعر أحيانًا أنها أبعد امرأة عنه.
❈-❈-❈
فى بيت الشاطئ
ظل يُقبلها بعنفوان تزداد قُبلاته لها، ترك شفتيها كي يتنفسا، تجولت قُبلاته بين وجنتيها، نزولًا الى عُنقها... يقبلها يترك بصمات شفتيه بعلامات واضحة... يده بدأت بإزاحة طرف من الفستان عن كتفها... وهي
مباغتته لها بالقُبلة شتت تركيزها تمامًا، وكأن عقلها عجز عن استيعاب ما حدث بهذه السرعة... لكن افاقها قسوة قُبلته على إحد كتفيها، كذالك يديه اللتان كانتا تجذبان طرف الفستان يحاول إراحته عن جسدها،
تجمد جسدها،لكن حين ضغط بيده على ساقها...فاقت... اتسعت عيناها بدهشة، بينما كان أديم يراقب رد فعلها بصمت، وهو نفسه لم يتوقع أن يندفع بتلك الطريقة... شوقًا، لا بل رغبة عابرة...
لم تجد ميراچ الكلمات التي كانت تستعد لقولها؛ تبعثرت أفكارها دفعة واحدة، لم يبقي في رأسها سوى سؤال واحد يتردد بإلحاح:
كيف تجرأ؟
حاولت إبعاده عنها، وقالت بلهاث، وقد اختلط الغضب بالارتباك في صوتها:
ـ ابعد عني يا أديم...
كأنه لم يسمع ظل يُقبل عُنقها.. بنهجان دفعته بيديها قائلة:
بينا اتفاق.
لوهلة شعر بضعف ود داخله أن يستكمل ما بدأه لكن، حدة ميراچ جعلته ينكر سطوة تلك المشاعر... تةقف عن تقبيلها... رفع رأسه ينظر لعا ظلت تحدق فيه للحظات، غير قادرة على استيعاب ما حدث، بينما عاد ذلك الجمود المألوف إلى ملامحه... وكأن شيئًا لم يحدث.
أمسك يديها، ونظر إليها بسخرية مستفزة:
إيه خايفة.
حدقت فيه، وعيناها تحملان سؤالًا مرتبكًا:
خايفة من إيه؟
مال قليلًا نحوها، وقال بنبرة ساخرة:
خايفة تحملي مني.
تجمدت ملامحها...
أما هو فابتسم، وكأنه تعمد أن يصيب أكثر نقطة تثير قلقها:
خايفة تحملي؟ متقلقيش...
توقف لحظة، ثم نظر إلى ملامحها المتوترة قبل أن يضيف ببرود مستفز:
كده كده الجوازة دي هتتحسب علينا جوازة... أهو نتسلى، وتأكدي إن موضوع الحمل مش هيحصل.
اتسعت عيناها من الصدمة، وسحبت يديها منه بعنف بمجرد أن أرخى قبضته. تفوهت بغضب:
إنت مجنون.
ابتسم أديم بسخرية... قائلًا بإستفزاز:
يمكن.
دفعت صدره بيديها ، زاد الغضب يشتعل في عينيها... وتفوهت:
أنا مش لعبة عندك يا أديم.
تغيرت ملامحه قليلًا، لكنه لم يجب.
تابعت بصوت مرتجف من شدة الانفعال:
ولو فاكر إن الجواز ده هيديك الحق تعمل اللي إنت عايزه... تبقى غلطان.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال بهدوء أربكها أكثر من سخريته:
وأنا قولت إني هعمل اللي أنا عايزه.
صمتت ابتسم ابتسامة خافتة... قائلًا:
إنتِ اللي فهمتي كلامي بالشكل ده.
نظرت له بغضب شديد... تدفعه، أمتثل
ونهض عنها فجأة، دون أن يقول كلمة أخرى، ثم اتجه نحو باب الغرفة...
فتح الباب وخرج، تاركًا إياها في مكانها فوق الفراش.
ظلت ميراچ ساكنة لثواني، تحدق أمامها بعينين زائغتين، وكأن عقلها ما زال يحاول استيعاب ما حدث.
وضعت يدها فوق صدرها، محاولة تهدئة أنفاسها المتسارعة.
لكن الغضب لم يكن أقسى ما تشعر به...
بل الندم...
ندم ثقيل أخذ ينهشها من الداخل...
أغمضت عينيها، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها تلوم نفسها:
ليه وافقت.
لماذا لم تعد إلى مكتب المحامي حين كانت تملك الفرصة
لماذا سمحت للوصية أن تدفعها إلى هذا الزواج
كانت تظن أن الأمر مجرد سنة...سنة تمر، ثم ينتهي كل شيء... كنها لم تحسب حساب أن تعيش كل يوم مع رجل يستطيع بكلمة واحدة أن يهز ثباتها، وبنظرة واحدة أن يعيد إليها كل مخاوفها... فتحت عينيها وحدقت في السقف.
تمتمت بصوت مبحوح:
أنا عملت في نفسي كده ليه.
ثم أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تطرد صورته من رأسها.. لكنها لم تستطع.كل ما حدث منذ لحظة دخوله الغرفة ظل يتكرر في ذاكرتها.
قبلة باغتها بها...
كلماته المستفزة...نظرته...ثم خروجه وتركها وحدها.
شدت الغطاء حولها، واستدارت على جانبها، وهي تشعر للمرة الأولى أن العام الذي ظنته مجرد شرط في وصية...قد يكون أطول عام في حياتها.
كذالك شعر أديم بغضب من نفسه.. ليس على تفوه به من وقاحة،بل على أنها بلحظة أثرت على مشاعره...
ظلت مستلقية فوق الفراش، تحدق في سقف الغرفة، بينما كان صوت البحر يتسلل من النافذة المفتوحة، يضرب الصخور بعنف وكأنه يترجم الفوضى التي تعصف داخلها.
أما أديم، فكان قد ترك الغرفة منذ وقت طويل.
لم تعرف أين ذهب.ولم تهتم...او هكذا حاولت أن تقنع نفسها... لكنها كانت في كل مرة تسمع فيها صوتًا بالخارج، تفتح عينيها دون إرادة.
حتى غلبها النوم قبيل الفجر.
وعندما استيقظت، كانت الشمس قد ارتفعت.
اعتدلت فوق الفراش ببطء.
نظرت حولها.الغرفة خالية.. تنفست براحة لم تفهم سببها.. ثم نهضت..
فتحت باب الغرفة، وما إن خرجت حتى توقفت...
كان أديم يقف أمام النافذة الرجاجية الكبيرة المطلة على البحر، يرتدي قميصًا أسود، وأكمامه مرفوعة إلى مرفقيه، وفي يده فنجان قهوة.
لم يلتفت إليها... قال وكأنه كان يعلم أنها استيقظت:
_أخيرًا صحيتي.
رفعت حاجبها بإندهاش قائلة:
وإنت كنت مستنيني؟
ارتشف من قهوته قائلًا بنفي:
طبعًا لأ.
ثم التفت إليها قائلًا ببرود:
كنت مستني أعرف بس هنبدأ يومنا بإيه.
عقدت حاجبيها بسؤال قائلة بتكرار:
يومنا؟
ابتسم بسخرية قائلًا:.
أيوه... للأسف بقى عندنا يوم مشترك.
تجاهلته واتجهت نحو المطبخ... فتحت إحدى الخزائن... وجدتها فارغة فتحت اخري وأخري
فارغة أيضًا.
استدارت إليه قائلة بسؤال:
مفيش أكل؟
أجابها ببرود نافيًا:
لأ.
ـ ولا حتى حاجة للفطار؟
ـ لأ.
ضيقت عينيها...قائلة:
وهنعيش هنا إزاي؟
أجابها بنفس البرود
شوفي رقم أقرب سوبر ماركت وإطلبي منه.
نظرت إليه بإندهاش وظلت صامته، بادل التظر إليها ببرود قائلًا:
في مشكلة؟
أجابته:
لأ... بس البيت شكله مناسب جدًا لشخص بيحب يعيش لوحده.
أخذ نفسًا هادئًا ثم قال:
لو البيت مش عاجبك، الباب قدامك.
توقفت... ثم استدارت إليه ببطء قائلة بسؤال:
الباب؟
أجابها:
أيوه
تهكمت بسخريه قائلة:
يعني أخرج؟
اومأ برأسه قائلًا:
لو مش عاجبك المكان، محدش ماسكك.
ضحكت بسخرية قائلة:
نسيت إنك كنت بتقول إمبارح إن الوصية هتخليني أقعد هنا.
أومأ بلا مبالاة قائلًا:
ـ الوصية بتجبرنا نتجوز سنة.
ثم إقترب منها وأضاف بنبرة إستعلاء:
مش بتجبرني أحب وجودك.
رفعت ذقنها... قائلة:
وأنا كمان مش طايقة وجودك.
ساد الصمت... تغيرت ملامحه تفوه من بين أسنانه:
ممتاز.
ثم أضاف:
يبقى متتخيليش إنك جاية هنا عشان تاخدي دور الزوجة المدللة.
اشتعل غضبها...قائلة:
وأنا أصلًا مش جاية آخد دور أي حاجة.
تهكم سائلًا:
أمال جاية ليه؟
صمتت... كانت تعرف الإجابة.
-الوصية.
-الميراث.
لكن سماع السؤال منه بهذه الطريقة جعلها تشعر وكأنه يتهمها.
قالت بحدة:
وإنت عايز إيه مني؟؟
اقترب قليلًا ثم سألها:
إنتِ وافقتي ليه؟
أجابته:
وافقت عشان الوصية... الميراث يستاهل التضحية.
نظر داخل عينيها... قائلًا:
الميراث فعلًا يستحق سنه تضيع من عمرك.
ابتلعت ريقها... ثم قالت:
الفرق إنك من يوم ما رجعت وإنت بتتصرف معايل كأننا فى حرب.
ضحكت باستهزاء
حرب... بيني وبينك.
شعرت بمرارة قائلة بتأكيد:
أيوه.
نظر لعينيها قائلًا:
يبقي إنتِ اللي بدأتي
ـ أنا.
قالتها بصوت مبحوح أكدها:
أيوه، إنتِ.
اقتربت منه، والغضب يسبق كلماتها.. قائلة:
من أول لحظة شوفتني فيها وإنت بتبصلي كأني جريمة رجعت تمشي على الأرض.
تغيرت ملامحه..قائلًا:
يمكن لأنك فعلًا رجعتي في أسوأ وقت.
إعترضت:
وأنا مالي؟
أجابها:
ليكِ
إعترضت:
ليه؟
صمت... ينظر لها فقط، جعلها رفعت صوتها:
ليه يا أديم؟
لم يجب... عاودت حديثها:
ليه كل ما تشوفني تتعامل معايا بطريقة سيئة ونظراتك كأنها إتهام... وكراهية مش بتحاول تخفيها؟
أجابها بحدة:
متلعبيش دور الضحية.
تراجعت وكأن كلمته صفعتها. وكررت جملته:
دور الضحية؟
ضحكت، لكن عينيها امتلأتا بالدموع... صم تفوهت:
إنت آخر واحد يتكلم عن التضحية.
تعصب قائلًا :
ميراچ...
رفعت يدها تمنعه من الكلام... ثم قالت:
بقالك سنين شايل مني حاجة أنا أصلًا مش فاهمة هي إيه.
ثم اقتربت منه قائلة:
كل اللي أعرفه إنك بتكرهني.
صمت
ارتفع صوتها بدورها:
أمال عايزني أعمل إيه؟ أعيش معاك سنة وأنا مش فاهمة إنت بتكرهني ليه؟
تفوه بحدة:
مش لازم تفهمي.
باعتراض قالت:
لأ، لازم.
صمت ضربت كفها على صدرها... قائلة:
لأنك كل يوم هتبصلي بنفس النظرة دي، وأنا هفضل أتساءل: أنا عملت لك إيه؟
مسك يدها، تلاقت عيناهم الثائرة
كانت أنفاسهما متسارعة...
قالت بصوت منخفض:
لو أنا مذنبة في حاجة... قول.
نظر إليها طويلًا.
وفي عينيه شيء كاد يخرج...
حقيقة...لكنه ابتلعها
وقال:
إنتِ مش مذنبة.
تجمدت... سائله:
أمال؟
أشاح بوجهه
ساد الصمت... للمرة الأولى منذ سنوات، لم تر ميراچ في عينيه كراهية فقط...
رأت وجعًا...
لكن قبل أن تسأله، رن هاتفه... نظر إلى الشاشة.
تبدلت ملامحه فورًا.
ابتعد عدة خطوات وأجاب ثم
صمت يستمع... ثم قال بحدة:
تمام أنا جاي الشركة.
تغير وجه ميراچ... كانت تلك النبرة مختلفة تمامًا... نبرة رجل دخل معركة حقيقية.
قال أديم:
لاء محدش يتصرف من نفسه...خلاص قولت جاي.
وأغلق الهاتف.التفت إليها... وجدها تنظر إليه.
سألته:
حصل إيه واضح إن في حاجة
أجابها:
مفيش...ده شغل ملكيش دعوة.
تهكمت قائلة:
لاء ليا دعوة، ناسي إن بموافقتي على تنفيذ الوصية ليا تلت الميراث.. يبقي ليا حق بمعرفة إيه اللى بيحصل.
إقترب منها بغضب قائلًا بإحتداد:
لاء حتى لو بقي ليكِ الميراث كله، فى بند فى الوصية إني المسؤول التنفيذي عن كل شئ فى الشركات، يعني إنتِ مجرد شريكة فقط.
قال ذلك وتركها، توجه نحو باب الكوخ لكن توقف قائلًا:
قدامك عشر دقايق، هتلاقي جوه طقم خروج إلبسيه وأنا مستنيكِ بره فى العربية.
صفع خلفه الباب، بينما هي تنفست بغضب... تعلم بيقين انها قذفت بنفسها بين أمواج غضب ثائرة.
❈-❈-❈
بأحد المشافي الخاصة
ترجلت "فريدة" من سيارة ريان تحمل طفلتهت ذات العامين تقريبًا...إقترب منها ريان قائلًا بمرح:
أنا ريان راجل المهام الصعبة.
تبسمت فريدة بغصة.،فهي لجأت له بعدما هاتفت زوجها أكثر من مرة لكن لم يرد عليها كعادته وقت العمل.
دخل الإثنين الى داخل المشفى توجها مباشرةً الى قسم الأطفال
..توقفت فريدة تسأل إحد الممرضات:
الدكتورة "كنزي" وصلت.
أجابتها:
أيوه هي جوه،وفى إنتظارك يا مدام فريدة.
بنفس اللحظة صدح رنين هاتف ريان..نظر للـ الشاشة ثم لـ فريدة قائلًا:
ده أديم،هرد عليه وأرجعلك.
أومأت له،ثم دخلت الى غرفة الطبيبة...دقائق أنهي إتصاله قائلًا:
هو مش كان جوازه إمبارح،ونزل الشغل النهاردة فى الصباحية..يكونش نكدت عليه...لا بس البت ميراچ مش نكديه هو اللى نكدي..انا أخلص مع فريدة وأوصلها وأبقي أروح له الشركة يكون هدي شوية.
توجه نحو تلك الغرفة بلا إستئذان فتح باب الغرفة ودخل..
في الوقت نفسه، رفعت الطبيبة رأسها ونظرت نحوه، لكن تلك المشاغبة الصغيرة التي زرعت القلق في قلب والدتها، كأن المرض قد زال عنها تمامًا، عادت لشقاوتها المعتادة حين نزعت المشبك الذي كان يضم خصلات شعرها...
فانسدلت خصلات شعرها السوداء الكثيفة حول وجهها، فأضفت على ملامحها رونقًا خاصًا، وجذبت انتباه ريان إليها دون أن يشعر...
ظل يحدق بها لوهلة، ثم تمتم بلا وعي، وقد باغته جمالها:
ـ يا صلاة النبي.
انتبهت الطبيبة إلى نظراته، فرفعت حاجبها وهي تكتم ابتسامة صغيرة، بينما التفتت الصغيرة إليه باستغراب، ثم قالت بمشاكسة:
بتبصلي كده ليه.
ارتبك ريان، وسعل بخفة محاولًا استعادة رباطة جأشه:
ولا ببص ولا حاجة... أنا كنت ببص للدكتورة.
ضحكت الطبيبة وهي تهز رأسها، بينما ضيقت الصغيرة عينيها بشك:
بتبص للدكتورة؟! ما الدكتورة قدامك أهي.
ازدادت حرجًا حين أدركت أنه بالفعل كان ينظر إليها، فدفعت خصلات شعرها خلف أذنها وهي تتمتم بهمس:
شخص غريب.
ابتسم ريان بخبث، وكأنه قرر ألا يترك فرصة كهذه تمر دون أن يستغلها، فالتفت إلى الطبيبة قائلًا بنبرة مازحة:
بس بصراحة يا دكتورة... أنا لو أعرف إن الكشف عندك باللطافة دي، كنت إتمنيت أبقي مريض.
اتسعت عينا الطبيبة قليلًا، ثم خفضت بصرها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، وقالت بحرج:
حضرتك بتقول إيه سلامتك.
انفجرت فريدة في الضحك، بينما تابع ريان بكل ثقة:
بقول الحقيقة... وبعدين واضح إن حضرتك السبب إن المريضة بقت كويسة بسرعة، الواحد من أول ما دخل هنا وهو حاسس إن الجو بقى أحسن.
ضحكت فريدة أكثر، وقالت وهي تنظر للطبيبة:
معلش يا دكتورة، متاخديش على كلامه... هو كده لما يعجبه حد، يفضل يرمي كلام لحد ما اللي قدامه يتكسف.
احمر وجه الطبيبة أكثر، وانشغلت بترتيب بعض الأدوات أمامها، بينما قال ريان ضاحكًا:
ـ طب وأنا عملت إيه؟ دي دكتورة جميلة، الواحد يشكر ربنا على النعمة ولا يسكت.
رفعت الطبيبة عينيها إليه للحظة، ثم أسرعت بخفضهما من جديد، وقد بدا عليها الخجل بوضوح.
أما فريدة فكانت تتابع الموقف وهي تضحك، ثم قالت بمشاكسة:
خلاص يا ريان، كفاية بقى... هتخلي الدكتورة "كنزي" تهرب من المستشفى.
ابتسم ريان، ورد دون أن يرفع عينيه عن الطبيبة:
"كنزي"...إسمها حلو أوي زيها لاايق عليها.
ضحكت فريدة وهي تهز رأسها، بينما حاولت الطبيبة أن تستعيد جديتها، فأخذت تقلب في الملف أمامها وكأنها تبحث عن شيء مهم، رغم أن ابتسامتها الصغيرة كانت تفضح ارتباكها.
قال ريان بمكر:
على فكرة يا دكتورة كنزي، أنا شايف إنك بتتهربي من بصتي.
رفعت عينيها إليه سريعًا وقالت بخجل:
أنا... أبدًا... أنا بس براجع حالة المريضة.
ابتسم:
أمال ليه كل ما أبصلك تبصي في الورق.
ضحكت فريدة بصوت عالي وقالت:
يا نهار أبيض عليك! سيب الدكتورة في حالها يا ريان.
وضعت الطبيبة القلم فوق الملف، وقالت وهي تحاول أن تبدو حازمة:
حضرتك لو سمحت... أنا في شغلي.
رد فورًا:
وأنا مش شايف أي مشكلة في شغلك، بالعكس... شغلك ممتاز، وذوقك كمان ممتاز.
عضت كنزي على طرف ابتسامتها، ثم قالت:
شكرًا.
التقط ريان كلمة الشكر كأنها انتصار، وقال:
العفو... بس كده أنتِ بتشجعيني.
ضحكت فريدة حتى دمعت عيناها، بينما احمر وجه الطبيبة أكثر وقالت:
حضرتك فعلًا شخص مشاغب.
ابتسم ريان قائلًا:
أهو دي أول مجاملة منك ليا.
هنا تدخلت فريدة وهي تشير إليه بيدها قائلة:
خلاص بقى يا ريان، كفاية إحراج للدكتورة.
التفت إليها قائلًا ببراءة مصطنعة:
أنا.. ده أنا بحاول أخليها تبتسم بس.
رفعت كنزي عينيها إليه، ولم تستطع منع ابتسامتها هذه المرة...
فلاحظ ريان ذلك، فقال بهدوء وقد خفتت نبرته:
أهو... كده أحلى.
ارتبكت كنزي مجددًا، وأشاحت بوجهها وهي تتظاهر بالانشغال بالملف، بينما تبادلت فريدة معها نظرة ذات مغزى، ثم انفجرت ضاحكة من جديد.
حاولت كنزي أن تنهي الفحص سريعًا، فقالت وهي تغلق الملف:
الحمد لله، حالتها مستقرة، واللي حصل كان مجرد إجهاد شديد، بس لازم ترتاح اليومين دول، وتلتزم بالأدوية والمواعيد.
تنفست فريدة براحة، وقالت:
الحمد لله يا رب.
أما ريان، فكان يبدو وكأنه لم يسمع شيئًا من التعليمات، إذ ظل يراقب ابتسامة كنزي..
لاحظت فريدة ذلك، فضربته بخفة على ذراعه وهمست له:
ريان شيل عينك من على الدكتورة عيب كده.
انتبه أخيرًا وقال بهمس:
هو حد ييقي قدامه الجمالل ده ويغمض عينيه
نظرت إليه الطبيبة نظرة خاطفه
ابتسم بثقة قائلًا:
الدكتورة بتقول ترتاح... وتشرب سوائل... ومتتعبش نفسها فى اللعب.
هزت كنزي رأسها موافقة:
أيوه، بالضبط.
مال ريان قليلًا للأمام وقال بمكر:
طب والدكتورة؟ هي كمان بتاخد راحة ولا شغلها كله اهتمام بالمرضى.
ضحكت فريدة... تشعر ببغض الكسوف..
أما الطبيبة فضحكت رغمًا عنها، ثم قالت:
أنا كويسة، متشكرة على سؤالك.
ابتسم ريان قائلًا:
الحمد لله... أصل واضح إن في ناس كتير محتاجين يطمنوا عليكِ.
احمر وجهها مرة أخرى، فبادرت بجمع أدواتها حتى تخفي ارتباكها، بينما اقتربت فريدة منها قائلة بمزاح:
معلش يا دكتورة، استحملي شوية... هو أول ما يعجبه حد بينسى نفسه.
التفت ريان إليها باعتراض مصطنع:
فريدة!
ضحكت قائلة:
إيه؟ بقول الحقيقة.
رفعت الطبيبة عينيها إليه، وهذه المرة قابلت نظراته دون أن تهرب، وقالت بخجل لطيف:
تشرفت بمعرفة حضرتك.
ابتسم ريان، ورد بهدوء:
الشرف ليا... وأتمنى ما تكونش آخر مرة أشوفك فيها.
اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها، بينما شهقت فريدة ضاحكة:
يا ساتر! ده أنت دخلت في الجد خلاص.
ضحك ريان، بينما أخفت الطبيبة ابتسامتها خلف الملف، وقد بدا عليها أنها لم تعد تعرف كيف تخفي خجلها من ذلك الهوائي.
❈-❈-❈
بشركة خاصة بالانشاءات الهندسية...
بغرفة المدير... دلفت عليه مديرة مكتبه قائلة:
فى أستاذة طلبت تقابل حضرتك، بتقول إنها معرفة.
سألها:
إسمها إيه.
أجابته:
ميراچ سليم.
إنتفض بذهول قائلًا:
دخليها فورًا.
بعد لحظات.. دخلت ميراچ تبتسم... تبسم لها بترحيب قائلًا:
الشركة نورت يا ميراچ.
تبسمت له قائلة:
متشكرة يا "ياسر".
قبل أن يتحدث أي منهما فُتح باب المكتب نظر الإثنين نحو الباب، تبدلت نظراتهم الى تعجب تفوه ياسر:
أديم... إنت متفق مع ميراچ تتقابلوا هنا عندي ولا إيه.
نظر أديم نحو ميراچ يشعر بغضب من رؤيتها هنا...زاد غضبه حين رأي مُصافحة يد ياسر لـ يد ميراچ...
بينما هي سحبت يدها... شعرت بتوتر من نظرات عيناه..التى وكأنها نظرات إتهام...
وهنالك سؤال برأسه عن سبب مجيئها هنا دون سابق معرفة منه.
