رواية طيور تهوى الخداع الفصل السادس
[ انفصال ]
طيور تهوى الخداع 🐦
بسم الله الرحمن الرحيم
ضَرَبْتُ فِي البَحرِ.. حَتّى عُدْتُ مُنطَفِئاً
وَغُصْتُ فِي البَرِّ.. حَتّى عُدْتُ مُشْتَعِلا
_ غازي القصيبي
__________________________________________
كان القدوم إلى هذا المنزل أكبر خطأ ارتكبته "سهر" في حياتها، هذا ما أدركته بعدما طالتها يد "أميرة".
حاولت إبعادها بكل قوتها، وغرزت أظافرها في ذراعها، إلا أن "أميرة" لم تتزحزح قيد أنملة، حتى وهي تسمعها تتوعد من بين صرخاتها:
والله هطلبلك البوليس.
فردت عليها "أميرة" بسخرية:
أطلبيه يا سنيورة، وهتلاقيه جاي ياخدك أنتِ علشان بتتهجمي على أختي في بيتها.
ولم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها؛ جذبتها من ذراعها عنوة، فيما راحت "سهر" تقاومها بكل ما أوتيت من قوة، حتى وجدتها تسحبها ناحية إحدى الغرف:
أوعي أبعدي عني.
وصل إلى مسامع "أميرة" صوت شقيقتها:
كفايه كده يا "أميرة" سيبيها تغور.
لكنها لم تستجب، دفعت "سهر" إلى داخل الغرفة، ثم أغلقت الباب عليها وهي تهتف بنبرة عالية:
خليكي هنا بقى لحد ما اللي أنتِ متجوزاه يوصل ويشوف عمايلك.
_ أفتحي الباب ده، والله العظيم يا حقيرة لـ هوديكي في ستين داهية.
تجاهلتها "أميرة"، وظلت ممسكة بمقبض الباب من الخارج، إلا أن صوت "نوارة" جاءها أكثر حزمًا:
سيبيها تخرج يا "أميرة".
تنهدت "أميرة" بضيق تحت نظرات شقيقتها، ثم رفعت يدها عن الباب.
في اللحظة التالية اندفعت "سهر" إلى الخارج، لتجد "نوارة" في مواجهتها، بينما اتجهت "أميرة" إلى هاتف المنزل الذي علا رنينه في أرجاء المكان.
رفعت السماعة، فجاءها صوت "طارق":
أنا نص ساعة وهجيب "بلال" وجاي يا "نوارة"، حبيت أبلغك علشان متقلقيش.
_ اللي بتاعة السحرة والدجالين دي عملته أنا مش هعديه يا نوارة.
وصل صوتها إلى "طارق"، فسأل بغير تصديق:
هو ده صوت "سهر"؟
وهنا لم تتحمل "أميرة" أكثر فحدثته بغضب:
أسمع يا راجل أنت، تعالى دلوقتي حالا خد اللي مش محترماك ولا عاملة ليك اعتبار دي على بيتها بدل ما أفرج أنا عليها الشارع.
جذبت "سهر" السماعة منها بغل، ونطقت باسم زوجها، لكنها لم تلحق أن تكمل حيث جاءها صوته غاضبًا وحاسمًا:
أمشي من عندك حالا.
لم تخمد نبرته رغبتها في الشكوى من "أميرة"، فأسرعت بالكلام، لكنه قاطعها مرة أخرى:
أنا جاي حالا، لو وصلت ولقيتك عندك يا "سهر" أعتبري نفسك طالق.
توقفت الكلمات في حلقها.
كالصاعقة هبطت الجملة عليها، فلم تستوعبها، ولم تجد فرصة حتى للرد؛ فقد كان قد أغلق الهاتف.
تسارعت أنفاسها، وشحب وجهها، وبقيت للحظات تحدق أمامها كأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو، ثم استدارت إلى "نوارة"، وانفجر غضبها من جديد:
كل ده علشان مش مستحملة إنه بقى ليا؟
طالقة عليا أختك علشان تبوظ حياتي مش كده؟
وقبل أن تتمكن "أميرة" من الرد، سبقتها "نوارة" بابتسامة ساخرة:
أنتِ حاطة أختي في دماغك أوي كده ليه، أنتِ معجبة بيها ولا إيه؟
ابتسمت "أميرة" باستهتار، ثم تركت "سهر" تغلي أمام شقيقتها، واتجهت إلى أحد المقاعد وجلست عليه، وقد قررت أن تترك الأمر لـ"نوارة".
وبالفعل، تابعت "نوارة" ما بدأته، وسألتها باستهزاء:
وبعدين مين اللي مش مستحملة إنه بقى ليكي؟...أنا؟
وأشارت إلى نفسها قبل أن تتابع:
أنا لو كنت في الخمس سنين اللي فاتوا دول شاورت لـ "طارق" بس مكانش هيتردد لحظة إنه يجي لكن أنا اللي مش عايزه
ابتسمت ابتسامة هادئة وهي تضيف:
أنا معرفش أكون مع راجل في حياته واحده تانية.
جاءها رد "سهر" ممتلئًا بالبغض:
طب ومتطلقتيش ليه يا ختي وريحتيني وريحتي نفسك؟
ردت "نوارة" دون أن تهتز، فيما ساندتها نظرات شقيقتها المشجعة:
طلبتها والله، ومش مره واحده وأهو عندك اسأليه...بس هو بقى اللي ماسك ومتبت، وعشمان بقاله خمس سنين إن القديم يرجع، وكل ما يحس إني هبعد يقولي علشان خاطر "بلال"، وأنا خاطر "بلال" عندي غالي أوي.
استندت إلى عكازيها، وتقدمت خطوة نحو "سهر"، ثم قالت:
ابني اللي قولت لـ أبوه يوم ما عرفت إنه متجوزك إن مبقاش في بيني وبينه غيره حتى لو فضلت على ذمته، وصدقت في اللي قولته ومن يومها لحد النهارده ملمسش مني شعرة.
ردت عليها "سهر" بغل وهي تطالعها من رأسها لقدميها:
هو أصلا مش عايز، مراته مكفياه.
أطلقت "نوارة" ضحكة قصيرة زادت من احتقان وجه "سهر" ثم قالت:
لازم تراجعي الموضوع ده، وتتأكدي منه، علشان اللي مش عايز ده أخر مره طلب مني فيها أرجعله كانت من يومين بس.
ثم استرسلت وهي تطالعها بازدراء:
بس أنا عارفه إنك مش هتفهمي الكلام ده، ما هو اللي كانت بترمي نفسها على واحد وهو متجوز علشان ياخدها على مراته مستحيل تفهم اللي بقوله.
انتفضت "أميرة" من مكانها حين رأت نظرات "سهر" المصوبة نحو شقيقتها، فتركت مقعدها وأسرعت لتقف إلى جوارها.
لكن "سهر" لم تتراجع، بل ابتسمت ابتسامة هازئة وهي تقول:
لما أنتِ شاطرة أوي كده مخليه أختك تلف على السحرة ليه، خايفة أجيب منه عيال ليه؟
لم تجبها أي منهما، فأكملت "سهر" وكأنها وجدت في صمتهما فرصة لتوجيه ضربتها الأخيرة:
أقولك خايفة ليه يا نوارة؟
ابتسمت، ثم قالت ببطء، وكأنها تتعمد اختيار كل كلمة:
علشان أنتِ عارفه ومتأكده إني لو خلفت منه هيرميكي وينساكي أنتِ وابنك اللي فرحانة بيه زي ما رمى كل اللي بينكم قبل كده علشاني.
أرادت أن تصيبها في أكثر ما يؤلمها، تمامًا كما فعلت "نوارة" معها قبل لحظات.
لكنها تراجعت خطوة حين شعرت بأن "أميرة" على وشك الانقضاض عليها، وهي ترد بحدة:
لا يا حلوه، لو كان رمى اللي بينهم كان زمانه مطلقها
وقاعدلك، هو بس عينه زاغت زي ما رجالة كتير عينها بتزوغ، وأنا أبصم بالعشرة إنه مستعد دلوقتي يرميكي أنتِ شخصيا علشان اللي بينهم ده يرجع لكن أختي مش عايزه.
لم تسمح "سهر" لدموعها بأن تفضحها أمامهما، وكانت "نوارة" تراقبها في صمت قبل أن تقول:
أنا عمري ما هكون زيك، وعمري ما هأذي حد في حاجه أنا عارفة قد إيه هي بتوجع.
وأشارت على شقيقتها تدافع عنها ضد اتهامات "سهر":
"أميرة" عارفه ربنا كويس، ولو حطوا سكينة على رقبتها عمر ما رجلها هتخطي عند دجال، أنتِ تلاقيكي حكيتي مع واحده صاحبتك ولا قريبتك وقالتلك أكيد معمولك حاجه وبعتتك لحد.
ابتسمت "نوارة" وربتت على كتف "سهر" بسخرية:
واللي بعتتك ليه ده هي حكياله كل حاجه عنك علشان لما تروحيله يقولك اللي يريحك ويحسسك إن احنا اللي وحشين، وتاخد هي وهو فلوسك على الجاهز.
لم يكن هذا السيناريو غريبًا على "نوارة"، فقد سمعت عنه من قبل من إحدى قريباتهم، بعدما وقعت هي الأخرى ضحية للنصب بالطريقة نفسها.
أما "سهر"، فبدأت تعيد في رأسها ما حدث.
زميلتها في العمل، التي اعتادت أن تقص عليها كل شيء، هي من اقترحت عليها الذهاب إلى الشيخ الذي أخبرها بأن شقيقة زوجة زوجها الأولى تسحرها.
تذكرت دهشتها يومها، وسؤالها عن الطريقة التي عرف بها اسم أخت "نوارة"، والآن فقط، بدأ الشك يتسلل إليها.
ماذا لو كانت زميلتها قد قصت له كل شيء؟
ماذا لو كانت هي من أوهمتها بقصة السحر منذ البداية؟
ازدحمت الأفكار داخل رأسها حتى شعرت أنها على وشك الانفجار.
تنقلت عيناها بين "أميرة" و"نوارة"، ثم قالت بإصرار، وكأنها تتشبث بآخر ما تملك:
أنا هخلف يا "نوارة"، ووعد مني يوم ما يحصل هجيلك لحد هنا أقولك إني حامل وأن مش أنتِ لوحدك اللي خلفتي منه
لم يتغير شيء في ملامح "نوارة"، واكتفت بابتسامة هادئة وهي تقول:
ألف مبروك من دلوقتي، وصدقيني ميفرقش معايا، إن شالله حتى تخلفي عشرة، مبروكين عليكي وعليه.
لم تحتمل "سهر" الوقوف أمامها لحظة أخرى، استدارت وغادرت المنزل مسرعة، ثم صفقت الباب خلفها بعنف حتى ارتج له المكان.
وما إن اختفت خطواتها حتى تركت "نوارة" ما تبقى من تماسكها وقالت بأعصاب منهكة:
قعديني أنا مش قادرة.
أسرعت "أميرة" لمساعدتها على الجلوس، وهي تقول بغير تصديق:
أنا مش قادره أصدق والله العظيم، وعمري ما شوفت عين قوية بالشكل ده.
ثم دعت بحرقة:
يارب ما تحمل أبدًا بحق الغل والكره اللي في قلبها ده.
مسحت "نوارة" على وجهها بتعب، ثم التفتت إلى شقيقتها برجاء:
لما يجي دلوقتي يا "أميرة" متتكلميش معاه في أي حاجه قصاد "بلال"، أنا مش عايزه بلال يزعل.
_ ابنك كبر يا "نوارة" وبقى فاهم اللي حصل، مش محتاج نخاف عليه من حد يلوم أبوه ولا يعاتبه قدامه، وللحق هو كبر وفهم من زمان، من هو عيل يا قلب أمه.
لكن "نوارة" هزت رأسها رافضة:
بس "بلال" بيحبني وبيحب أبوه وأنا مش عايزاه يزعل ويشوفنا بنتخانق، خليه يركز في مذاكرته أحسن، ولا أنتِ عاجبك إنه بقى علطول عايز يروح عند عمه...أنا مش عايزه نكد في البيت
ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف بصوت خافت:
ومش عايزه أحس إن ابني بيحب بيت شهاب أكتر من هنا، أنا مبستحملش لما بشوف الكسرة اللي في عينه من أبوه رغم كل محاولاتي إني أخليه يحس إنه مفيش مشكلة.
ما إن أنهت جملتها حتى دق باب المنزل.
كانت "أميرة" على يقين بأنه "طارق"، فجذبت حجابها من فوق الأريكة، ونهضت لتفتح له.
لم تكن سيارة "سهر" في الأسفل فأدرك "طارق" أنها رحلت، واستوقف "نوارة" و"أميرة" هذه الفتاة الصغيرة التي دخلت برفقة "طارق" و"بلال".
دخلت خلفهم "إيمان" التي عادت للتو من درسها، فالتفت "طارق" إلى ابنه وقال:
خد أختك وسما وأدخلوا جوا دلوقتي.
وأشار إلى غرفة "إيمان"، وقبل أن يجيبه "بلال"، ابتسمت له أمه وأشارت بعينيها إلى الفتاة تسأله من تكون.
امتثل لرغبة أبيه، وحث الفتاتين على السير معه.
وحين مر إلى جوار أمه، انحنى وهمس لها:
بنت طنط غادة.
اختفت الابتسامة من وجه "نوارة"، وما إن ابتعد "بلال" والفتاتان حتى استدارت "أميرة" إلى "طارق" وقالت بسخرية:
خير ؟ المره دي داخل علينا ببنتك من مراتك التالتة ولا إيه؟
رفع "طارق" عينيه إليها بضجر:
أحترمي نفسك يا "أميرة".
وردت عليه في الحال:
لا دي تقولها لمراتك، اللي جت هنا ترمي عليا بلاها، ولولا عملت حساب لـ "نوارة" مكنتش خليت فيها حته سليمة النهارده.
ثم انطلقت في سرد ما حدث، دون أن تمنحه فرصة للكلام:
جت تقول إننا بنروح للدجالين علشان نخليها متحملش، وقالت لأم ابنك خايفة يخلف مني أحسن ينساكي زي ما نسي اللي بينكم قبل كده لما قرر يتجوزني.
كان الغضب يعصف بـ"طارق"، تمنى لو كانت "سهر" أمامه الآن.
مسح على وجهه بتعب، ثم اتجه إلى "نوارة" الجالسة تطالعه ببرود، وقال:
حقك عليا يا "نوارة" متزعليش، وأنا مش هسكتلها عن اللي حصل ده.
لكنها تجاهلت اعتذاره، وسألته بحدة:
جايب بنت أخت مراتك بيتي ليه يا "طارق"؟
بدا عليه الارتباك للحظة قبل أن يجيب:
احنا كنا في النادي، وغادة كانت هتيجي تاخدها بس أنا لما عرفت باللي بيحصل وإن "سهر" هنا مشيت واضطريت أخدها.
لم يخف الغضب في عينيها وهي تهتف:
نادي بتروحه "غاده" يعني بتروحه "سهر" وأنا منبهة عليك ابني ميروحش مكان فيه "سهر" علشان مبيبقاش مرتاح.
سألها بضيق:
هو كان اشتكالك؟
لم تهتم بسؤاله، وقالت بحزم:
ياريت تاني مره تحترم رغبتي، وياريت تبلغ المدام متجيش بيتي تاني علشان المره الجاية هتستلمها من القسم.
لم يحتمل المكوث أكثر، استدار مغادرًا، وقد غلبه انفعاله إلى درجة أنه لم ينتبه حتى إلى أنه ترك الفتاة التي جاء بها معه.
لحقت به "إيمان" لتنبهه، فقال بلا اهتمام وهو يتجه إلى سيارته:
هكلم أمها، وهتيجي تاخدها.
كان انفعاله واضحًا إلى درجة جعلت "إيمان" تخشاه.
عادت إلى الأعلى وأبلغتهم بما قال، ثم أضافت متذمرة:
محدش يطلب مني حاجه تاني، علشان في الأخر بيتزعقلي أنا.
ثم غادرتهما وحينها قالت "أميرة":
محدش مريح حد أبدا حتى العيال.
كانت "نوارة" تعرف أن شقيقتها يجب أن ترحل الآن، فأعفتها من الانتظار:
روحي أنتِ يا "أميره"، وأنا هستنى أمها.
جلست "أميرة" إلى جوارها وردت برفق:
تستني إيه بس أنتِ شكلك تعبانة أوي.
ثم هتفت بضيق:
كنا قاعدين كويسين، منها لله اللي جت حرقت دمنا.
في الوقت نفسه، كانت "إيمان" برفقة ضيفتهم وابن خالتها في غرفة الضيوف.
أخبرت "سما" أن والدتها ستأتي لتأخذها، ثم بدأت الفتاتان في الثرثرة، حتى سألتها "سما":
أنتِ في سنة كام؟
ابتسمت "إيمان" وقالت:
رايحة سنة رابعه
ثم نظرت إليها بإعجاب وقالت:
على فكره أنتِ أموره أوي.
ضحكت "سما" وردت لها المديح:
أنتِ اللي جميلة أوي، يا خسارة إنك مش كبيره شويه...كان زماننا مع بعض في المدرسة.
أشارت "إيمان" إلى "بلال" الذي كان يتابعهما وسألتها:
أنتِ مع بلال؟
هزت "سما" رأسها نافية:
لا، بلال أكبر مني.
وبعد لحظات، اتجهت "سما" إلى البيانو الذي لفت انتباهها منذ دخولها الغرفة، ثم التفتت إلى "إيمان":
ليكي في البيانو زي "بلال" ؟
_ لا أنا بشجعه بس.
ضحك "بلال"، وضحكت "سما" معه، قبل أن تلتفت إليه قائلة:
طيب إيه؟ مش هتقوم تورينا...أظن مفيش فرصة مناسبة أكتر من كده.
استقام "بلال" واقفًا، وتحرك ناحية البيانو قائلا بابتسامة:
معنديش مانع.
تحمست "سما"، وجلست إلى جوار "إيمان"، بينما استقر "بلال" أمام البيانو، وبدأ العزف.
كان ماهرًا..تحركت أصابعه فوق مفاتيح البيانو بخفة، وكأنه يهرب بينها من كل شيء يثقل قلبه.
اختار إحدى الأغاني التي اعتادت أمه الاستماع إليها، ولم تمضِ دقائق حتى ظهرت "نوارة" عند باب الغرفة، برفقة شقيقتها "أميرة".
ابتسمت حين رأته يعزف، وأشارت إليه بعينيها أن يكمل دون توقف.
أما "سما"، التي كانت قد بدأت تدندن مع اللحن، فلم تلبث أن رفعت صوتها بالغناء:
يا حبيبي ياريت أبقى حبيبك...
وأكون من بختك ونصيبك
استدار "بلال" إليها بابتسامة، تذكر حديثها معه قبل قليل عن إجادتها للغناء، فأكمل العزف، بينما واصلت هي الغناء تحت أنظار أمه وخالته، وإيمان التي راحت تشجعها أيضًا:
ده أنا مهما بتقسى برضو راضي بك..
وتسيبني الروح قبل ما أسيبك
وكفراشة تحلق في فضاء رحب، اندمجت "سما" مع العزف، حتى بدا صوتها وكأنه جزء من اللحن.
أغمضت عينيها وتابعت:
قلبي عمل إيه يا حبيبي؟
ليه تقسى عليه يا حبيبي؟
ثم ابتسمت:
وحشته أفراحه من شوقه إليك...
ومساه وصباحه بيسألني عليك
ومع نهاية عزف "بلال" ختمت "سما" الغناء:
قلبي ومفتاحه مفتاحه دول ملك إيديك.
ما إن انتهيا حتى علا تصفيق "إيمان"، وقالت بإطراء وهي تطالع "سما":
صوتك طلع حلو أوي...صح يا ماما؟
وجهت سؤالها إلى "نوارة"، التي كانت لا تزال تراقب الفتاة في صمت.
هزت رأسها على مضض:
اه جميل.
جاهدت "نوارة" لتبدو طبيعية، في النهاية، الجالسة أمامها طفلة لا ذنب لها فيما حدث بينها وبين خالتها، فابتسمت وأضافت:
برافوا عليكي يا حبيبتي.
_ شكرا يا طنط.
قالتها "سما" بابتسامة واسعة هتف بعدها "بلال":
على فكره قلبي ومفتاحه من أكتر الأغاني اللي ماما بتحبها.
وردت "سما" بأدب:
حضرتك ذوقك حلو أوي.
ابتسمت "أميرة" ابتسامة صفراء خاصة حين سألت "إيمان" التي ودت خالتها لو تفتك بها:
مقولتيش رأيك ليه يا خالتو أنتِ كمان.
تنهدت بهدوء ثم قالت:
لا أنا أصل مليش في الغنا ولا في المزيكا...بس صوتك حلو يا حبيبتي ربنا يوفقك.
وقبل أن ترد الفتاة، دوّى طرق عنيف على باب المنزل،
فانتفضت "أميرة" وقالت بقلق:
يا ساتر يارب في إيه
تركت مكانها وأسرعت إلى الخارج، وما إن فتحت الباب حتى وجدت أمامها رجلًا غريبًا، في عمر "طارق" تقريبًا، يسأل بحدة:
بنتي فين؟
وقبل أم تعطيه "أميرة" الجواب أكمل باتهام:
وازاي الأستاذ المحترم ياخدها ويمشي من غير ما يستنى والدتها، و....
قاطعته "أميرة" وقد أثار وقاحة أسلوبه غضبها:
بقولك إيه يا أستاذ، "طارق" مش هنا، لو عندك حاجه عايز تعاتبه عليها أبقى اتصل بيه وقولها.
ثم تحركت من أمامه وهي تهتف بضيق:
هندهلك البت.
لكنها لم تحتج إلى ذلك.
خرجت "سما" من الغرفة قبل أن تناديها، والخوف ظاهر في عينيها.
رأتها "نوارة" التي خرجت خلف "أميرة"، ولحق بهما "بلال" و"إيمان".
ابتلعت "سما" ريقها بتوتر، وظلت واقفة على مسافة من والدها قبل أن تقول:
عمو طارق حاول يتصل بماما بس مكانتش بترد، وهو كان مضطر يمشي، ومعرفش يستنى ماما زي ما خالتو طلبت منه فخدني معاه.
جاهدت أن تقول كلماتها بثبات، لكن صمت والدها ونظراته الموجهة إليها أرعباها.
وحين اقتربت منه، بدا كأنه سيتطاول عليها، فاحتمت خلف "أميرة" على الفور.
تدخلت "نوارة" وهي تقول بحزم:
إيه اللي حضرتك بتعمله ده؟ أكيد مش هتضرب بنت صغيرة وعلى حاجه أصلا ملهاش ذنب فيها.
تشبثت "سما" برداء "أميرة"، وجسدها يرتعد بشدة،
استدارت لتجد "بلال" يطالعها، كان يريد أن يفعل أي شيء ليساعدها، لكن والدها تجاهل كل ما قيل، وقال بصرامة:
تعالي هنا.
حاولت "أميرة" تهدئتها، ثم أمسكت بيدها وقالت قبل أن تسلمها لوالدها:
خلاص يا أستاذ محصلش حاجه، البت عمالة تتنفض حرام عليك كده.
لكن الرجل جذبها بعنف من يدها، وقال لابنته التي كانت تطالعه بعينين مذعورتين:
بتروحي النادي من ورايا، رغم إني قايل مفيش نادي بعد اللي عملتيه.
ثم تابع بلهجة متوعدة:
عموما أنا هتصرف معاكي.
جرها خلفه، حتى كادت تتعثر على الدرج أكثر من مرة.
بقيت "إيمان" تتابع المشهد بخوف، ثم أسرعت إلى غرفتها لتطمئن من الشرفة أنه لن يتطاول عليها.
ولحق بها "بلال".
لكن ما رأياه في الأسفل كان كافيًا، كانت "سما" تبكي، بينما أدخلها والدها السيارة بغلظة.
الفتاة نفسها التي كانت قبل دقائق تملأ الغرفة ضحكًا وغناءً، بدت الآن وكأن شيئًا انطفأ داخلها تمامًا.
قالت "أميرة" بحسرة:
هي إيه الرجالة دي؟ الراجل شايف بنته ميتة في جلدها ولا فارق معاه
ثم تابعت بغير تصديق:
وأنا اللي كنت بقول عبد الكريم بس هو اللي قاسي على بنته علشان متعلمش وشايف إن خلفة البنات تقل منه، أدي المتعلمين واللي لابسين بدل كمان...محدش عدل أبدًا.
جلست "نوارة" بتعب، وقالت بشفقة:
البت صعبت عليا أوي يا "أميرة"...كانت عمالة تتنطط جوا وضحكتها مالية وشها، أول ما شافت أبوها اتخطفت.
_ حسبي الله ونعم الوكيل في المؤذي.
قالتها "أميرة" بحزن وأغلقت باب المنزل وهي تتمنى لو أنقذ أحد هذه الفتاة من براثن والدها.
_________________________________________
وصل "طارق" إلى المنزل، ولم يفاجئه ما وجده من فوضى عند دخوله؛ كان يعرف جيدًا أن "سهر" هي من فعلت ذلك.
اتجه مباشرة إلى غرفتهما، فوجدها جالسة على طرف الفراش، بعينين خاليتين من كل شيء، وكأنها لم تكن تفعل سوى انتظار عودته.
قطع الصمت بصوته، وهو يطالعها باحتقار:
أنتِ لو قاصدة تبوظي كل حاجه بينا مش هتعملي كده.
نهضت عن الفراش واتجهت نحوه، حتى وقفت أمامه مباشرة، ثم سألته:
"أميرة" قالتلك إنها ضربتني، و "نوارة" وقفت تتفرج عليها، وكانت حبساني لولا أنت اتصلت؟
لم يكن يعلم شيئًا عن ذلك، فأخبرها بما عرفه:
لا قالتلي إنك روحتي هناك وهلفطتي بالكلام اللي قولتلك إنه لو اتكرر على لسانك تاني هتبقي بتخسريني.
تعلقت عيناها بوجهه وسألته بمرارة:
ليه خسارتي عندك سهلة أوي كده، وخسارتها هي لأ؟
لم يجب، فواصلت، وقد اهتز صوتها رغم محاولتها التماسك:
ليه بقالك خمس سنين عمال تدادي وتحايل فيها عشان بس تديلك ريق، وأنا أسهل حاجه عندك تدوس عليا؟
انحدرت دموعها على وجهها، وهي تقول:
الطلاق اللي بتهددني بيه في الرايحى والجاية عمرك ما وافقت بيه معاها، رغم إنها مش طايقة تبص في وشك.
أمسك بذراعها بعنف وقال بحدة:
أنتِ الحاجات اللي الدكاترة عماله تديهالك شكلها أثرت على عقلك.
ابتلعت غصة مريرة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، كأن كلماته أكدت لها شيئًا كانت تخشاه منذ وقت طويل، وقالت:
عارف يا "طارق" أنا عملت علشانك كل الحاجات اللي عمري ما تخيلت في يوم إني أعملها...ويوم ما أتجوزنا كنت حاسه إني ملكت الدنيا واللي فيها
مسحت دموعها تحت نظراته، وتابعت بألم:
خمس سنين قولت بعضمة لسانك إني وريتك فيهم سعادة عمرك ما شوفتها، خمس سنين بحاول أعوضك وأنسيك، وأمنع عنك شعور إنك خسرت حاجه لما اختارتني.
ثم تغيرت ملامحها، واحتدت نظراتها وهي تواجهه بما يؤلمها:
بس أنت مبتشبعش، ومهما هعمل معاك مش هتشبع، وأكبر دليل إنك لما قولتلي من يومين إن أختك "نجوى" محتجالك ولازم تروحلها كنت عند "نوارة" بتطلب منها ترجع.
توقف للحظة.
فهم الآن أن "نوارة" أخبرتها بما حاول إخفاءه عنها؛ هو الذي تركها قبل ليلتين وحيدة، رغم رغبتها الواضحة في بقائه معها، متذرعًا بأن شقيقته في حاجة إليه.
مسح "طارق" وجهه بتعب، ثم واجهها:
نسيتي مع كل اللي قولتيه تجيبي سيرة إني بقالي سنتين مستحمل الجنان اللي أنتِ فيه بسبب موضوع الحمل، وإني بلف معاكي على أي دكتور تقولي عليه وأنا ساكت، ده غير "بلال" اللي بجيبه من ورا "نوارة" علشان تشوفيه ومتحسيش إنك مجروحة بعد ما قولتيلي أنا بيوجعني إن "نوارة" مانعاه عني
ثم ابتسم بسخرية مماثلة لابتسامتها قبل قليل، وأضاف:
مع إنه حقها، ومليش إني أغصبها على حاجه زي دي
تنهد، ثم تابع تحت نظراتها المصدومة:
أما بقى بخصوص إني عايز "نوارة" ترجع معايا زي الأول فأنا فاكر كويس أوي إن اللي واقفة قدامي دي قالتلي من سنين في أوضة نومي أنا و"نوارة" إنها مش جاية تنافسها، ولا عندها مشكلة في حبي وتمسكي بيها، ولا حتى هيبقى عندها مشكلة لو قولتلها في يوم من الأيام إني هتجوز عليها هي شخصيا.
_ اه قولت يا "طارق"، بس الكلام ده كان في حالة إنك تعدل، مش واحده يبقى ليها المحايلة واللف وراها علشان ترضى، والتانيه اللي شايلاك في عينها بتعايرها بإنك بتروح معاها للدكاترة علشان تقدر تخلف منك
قالتها، ثم أفلتت ذراعها من قبضته وتابعت بحدة:
مطمرش فيك كل اللي بقالي سنين بعمله، أنت تستاهل "نوارة" اللي رغم كل اللي عملته ليها مسامحتش
اشتعل الغضب في عينيه، لكنها لم تتراجع، بل واصلت:
اللي لاوية دراعك بابنك، وواكلة فلوسك أول بأول، وحطالك جدول بمواعيد تدخل فيه بيتها وتخرج منه بعد ما خلتك تكتبه باسمها ومبقاش ليك قشاية هناك.
ثم هتفت باستهزاء:
وفي الأخر بتيجي تتشطر عليا أنا وتقولي بقالي سنتين مستحمل جنانك.
سألته، وقد أعادت كلماته الأخيرة إشعال غضبها:
وجاي على نفسك ليه؟ ريح نفسك من الجنان ده خالص.
ساد الصمت بينهما.
ثوانٍ قليلة، لكنها بدت لـ"سهر" أطول مما تحتمل.
ثم جاء رده هادئًا على نحو أخافها أكثر من غضبه:
أنتِ عندك حق.
تجمدت ملامحها، لم تكن تتوقع أن يسمعها بهذه البساطة، ولا أن يوافقها دون جدال.
رفعت عينيها إليه، فوجدت في نظرته شيئًا لم تره من قبل.
شيئًا جعل الخوف يتسلل إلى قلبها دفعة واحدة.
رأى هو أيضًا كيف تبدلت ملامحها، وكيف انطفأت حدة المواجهة من عينيها لتحل محلها رجفة صامتة.
ورأى للمرة الأولى منذ بداية شجارهما، أنها لا تطالبه بالانتصار... بل تستجديه ألا يفعل.
لكن "طارق" لم يتراجع، حيث قالها ببرود حاسم:
أنتِ طالق يا "سهر".
