رواية جدران بلا مأوى الفصل الخامس بقلم مريم وليد
- كلموا البوليس بسرعة، أنتوا بتتفرجوا على إيه!
- دماغه بتنزف يا سلامة..
مسك ايدي وكمل بهدوء:
- اهدي أنا كويس، متطلبوش حد.
كان واقف مصدوم بعيد، بلع ريقه وقرب منه:
- أنتَ كويس
عمو سلامة زقه برا وقعد يضرب فيه:
- أنتوا عايزين إيه مني ومن العيل اللي حيلتي، عايز ايه يا ابن سليمان هتموتلي ابني زي ما أبوك موت مراتي..
كان بيزعق فيه بصوت عالي، بس أدهم دماغه بتنزف من قدام، عيوني دمعت وكملت وأنا بصرخ فيهم:
- حد يطلب الاسعاف، او ننزله نوديه المستشفى
يونس كمل برجاء:
- طب تعالوا نوديه المستشفى الاول وبعدين قول اللي تقوله يا عمي
- ابعد عن ابني يالا انت ملكش دعوة بيا..
كملت وأنا رايحة ناحية عمو سلامة:
- يونس معاه عربية، ممكن يوصلنا اسرع..
- هبلغ عنه هناك
بصتله فكان شكله قلقان، وندمان على اللي عمله، رجعت بصيت لعمو سلامة:
- اعمل اللي تعمله، بس نلحقه منعرفش الخبطة عادية ولا حصل حاجة..
يونس حرك راسه وكمل:
- نوديه وأعمل اللي عايزه
أدهم نادالي بصوت بسيط فروحت له بسرعة:
- مكنش قاصد توصل لكده، كنا قافشين في بعض بس.. خليه يمشي مش تعبان
مسكت ايده وشديته علشان يسند عليا فيونس قرب مننا بسرعة ومدله ايده، بص لايده وسند على الأرض فعمو سلامة جيه زق يونس ووقف جنبه علشان يسند عليه.
- مريم مش هتقدر تسندك معاه..
كملت بأعتراض ووإنفعال:
- ملكش دعوة محدش خد رأيك..
أدهم شاورلي وكمل بهدوء:
- سيبيه خلاص، مش هتعرفي فعلًا.. خليكِ ورايا
بصيت لُه بتردد فابتسَـم بصعوبة:
- متقلقيش مش هعرف أضربه، ومش هيسيبني اموت.. ليا حق اخده منه لما افوق.
بعدت وسيبته يمسكه، كان سيلين وسليم منهارين.. بصيت لماما وكملت بتحذير:
- اوعي تسيبيهم لوحدهم..
- وأدهم
كملت بنرفزة بسيطة:
- شغلي قلبك اللي كان شغال معايا شويه مع أدهم، وخليكِ أم لعيالك شويه..
بصيت لسيلين وسليم وكملت بهدوء:
- متخافوش أبيه أدهم كويس، هنروح ونرجع على طول..
حركوا راسهم، فنزلت وراهم على طول.. ركب يونس وعمو سلامة قدام، وركبت أنا ورا جنب أدهم، حط راسه على رجلي فضغط عليها بحتة علشان الدم.
- بقولك إيه..
بصيت لُه بأهتمام فكمل بهدوء:
- خلي بالك من الطريق احسن يخطفني ويبيعني اعضاء..
ضحكت غصب عني وضغطت على الدم أكتر فتآوه:
- آآهه خلاص هسكت
- أنتَ بتهزر ليه، أنتَ في ايه ولا في ايه دلوقتِ..
- والله ما فاهم حاجة غير إن روحي في ايد يونس دلوقتِ..
كملت بهدوء:
- روحك في ايد ربنا يونس ده إيه..
كان باصص علينا من المرايا، أدهم على صوته شويه:
- بص قدامك يا ابن عمي، بطل تبص في ورقة غيرك..
بصيت لُه بأستغراب، كانت عينه بدأت تقفل:
- أنتَ حاسس بأيه
- دماغي بدأت تتقل شويه اكيد من كتر الدم..
- طيب أسكت شويه بقى، هتصدع اكتر من كده إيه
ابتسَـم وكمل بهدوء وهو بيغمض عينه:
- هنام شويه على ما نوصل خلي بالك من الطريق بقى احسن يخطفني..
كنت قلقانة، مقدرش انكر خوفي وقلقي.. كان مرمي على رجلي رغم كده بيحاول يهزر، أدهم ده حكاية والله وحكاية غريبة كمان، عيوني كانت بتدمع بقلق.. سمعت صوت يونس:
- متقلقيش دقيقتين ونوصل
بصيت لُه بغضب:
- لحد ما ننوصل متتكلمش، ولما نوصل برضوا متتكلمش معايا ياريت.. خلص مصلحتك وأمشي.
بص قدامه وسكت، أول ما نزلنا حاولت اصحيه بس مكانش بيصحى، عيوني بدأت تدمع أكتر وأنا بنادي عليه بخوف:
- أدهم.. يا أدهم وصلنا..
فتح عيونه بصعوبة، اتكلم بتقل:
- هو الواحد ميعرفش ينام شويه
نادى على حد ياخده، خرجوه من على العربية ونقلوه جوا، غابوا شويه صغيرين بعدين لقيت الدكتور خارج:
- مفيهوش حاجة خسر دم كتير بس، خيطناله الجرح تقدروا تدخلوله
بصيت لعمو سلامة فكان هيحط ايده عليا كحركة تلقائية علشان ندخل، بعدت ووسعتله مكان.. دخل هو وبعدين أنا، يونس كان هيدخل فوقفته:
- رايح فين؟
- داخل لأدهم..
كملت بإنفعال:
- إياك تقرب منه تاني، داخل تعمل ايه!
- اقسم بالله هو اللي هاجمني الأول، أنا كنت ببعده عني بس..
كملت بنرفزة بسيطة:
- حتى لو هو هاجمك الأول، فأنتَ اللي جايله البيت.. جاي البيت ليه وأنت عارف إن وجودكم في نفس المكان بنزين جنب نار يا باشمهندس!
خرج من جيبه محفظة وكمل بهدوء:
- نسيتِ دي في المكتب، كنت جاي اجيبهالك، ونكشت فيه شويه بصراحة كالعادة بس مكنتش عارف إنها هتوصل لكده..
كان هيمشي، لف وكمل:
- قوليله إني آسف، ولو مش عايزة تيجي بكره علشان تفضلي جنب أخوكي عادي
بصيت لُه بأستغراب وكملت بضحكة سخرية:
- أدهم مش أخويا
- استغربت، كان نايم على رجلك وباين انكم واخدين على بعض علشان كده فكرت بتتعاملوا زي الاخوات..
أخدت نفس وخرجته بعصبية:
- اولًا متدخلش في اللي ملكش فيه، ثانيًا أنا عملت ده علشان كان لازم اضغط على الدم مش أكتر.. والموضوع ميخصكش اصلًا.
- عرفت إنه ميخصنيش خلاص..
نفخ بزهق وكمل:
- أنا غلطان اصلًا إني لسه واقف علشان اتطمن عليه وهو السبب في إن أبويا يسافر ويسيب البلد
كملت بإنفعال، كنت حاسة إن جسمي بيترعش من النرفزة:
- أبوك موت أمه!
- أبويا معملش حاجة، لو موتها فعلًا كان زمانه محبوس
- يبقى أحترم وجعه طلاما هو مصدق ده!
أخد نفس عميق وكمل:
- ادخليله يا مريم مش هنفضل نتناقش في حاجات ملهاش لازمة
بصيت لُه بنرفزة وسيبته ومشيت، دخلت لأدهم لقيته باصصلي ومضيّق عينه:
- قفشتِ معاه ليه؟ أنا اللي بدأت اصلًا
كملت وأنا حاطة ايدي في وسطي:
- أنتَ كمان ليك روقة بس تفوق
ضحك وكمل بنكش:
- هتفتحي الغُرز؟
- لأ هفتحلك الناحية التانية..
عمو سلامة قام من جنبه وكمل:
- هكلم حنان متسيبيهوش لوحده..
حركت راسي بإيجاب، وقف على باب الأوضة وسابها مفتوح، أدهم بصلي وكمل:
- يونس معجب بيكِ..
بصيت لُه بخضة، فكمل بهدوء:
- سيبي الشغل
- هو لحق يعجب بيا يا بني، اصلًا اعرفه من يومين تلاتة
حرك كتفه بعدم معرفة:
- يونس معجب بشخصيتك وبشغلك فوق ما تتخيلي، مش هيروح يودي محفظة واحدة غير لو عاجباه
كملت بنفي:
- أنتَ تقريبًا موهوم..
ابتسَـم بزعل بسيط:
- براحتك، أنا قلت أعرفك وعارف إنك هتتغاضي عن ده علشان الشغل، أنتِ حُرة بس قلت أقولك..
حركت شفايفي بعدم معرفة، بعدين اتنفست وكملت:
- المهم أنتَ ايه الدنيا حاسس بأيه؟
- والله العظيم كويس، أهدي بقى
عمو سلامة دخل وكمل:
- يلا نروح، رحمة كلمتني دلوقتي يا أدهم مرضتش أقولها اللي حصل علشان متتخضش وعلشان الفرح اللي عندهم، قلتلها أدهم ممكن ميجيش..
كمل بضيقة وهو بينفخ:
- كنت عايز أروح
- مش هعرف أجي معاك، خالك هيتضايق..
كملت وأنا بقاطعهم:
- لو عايز تروح أوي ممكن أجي معاك، بس منتأخرش علشان الجرح..
ضحك بفرحة:
- يبقى متفقين، وهعزمك على حاجة حلوة..
- لأ، هنروح ونرجع البيت بسرعة.
أنا بستغرب جدًا الراجل ده، ماشاء الله وقور ولذيذ، كل يوم اكتشف فيه حاجة أغرب.. لسه مكتشفة دلوقتِ إنه بيتقمص زي العيال، غريب أدهم ده.
- أدهم، هات مفتاح شقتك.. خليك أنتَ في البيت علشان مش هتقدر تعمل كل حاجة لوحدك، هاخد سيلين وننام جوا..
كمل بأعتراض:
- لا لا مش محتاج حاجة، هعمل ايه يعني هنام بس..
حركت راسي بنفي:
- لازم حد يكون جنبك..
كملت بهمس وأنا بقرب منه:
- وابوك محتاج حد جنبه اصلًا
ابتسَـم فكملت وأنا بشاور لسيلين:
- هدخل أنا وسيلا، صح؟
حركت راسها بموافقة، فرمالي المفتاح وكمل:
- متركزيش اوي في المطبخ الدنيا مكركبة، بس فيه نسكافية وقهوة لو عوزتي..
حركت راسي بموافقة ودخلت اوضته، كان شكلها لذيذ اوي أول مرة في حياتي ألاقي راجل منظم، الاثاث شكله حلو، وفيه بوتجاز وتلاجه صغيرين.. والبلكونة اللي كان باصص منها.
- تفتكري أدهم ليه قالنا منركزش في المطبخ يا سيلا؟
- علشان مكركب يا أبلة..
بصيت بتفكير وكملت وأنا ببصلها:
- تعالي نبص عليه..
حركت راسها بموافقة، يا حبيبي يا أدهم إيه المواعين دي كلها! بصيت لَها وكملت:
- ده كارثة..
- اف يا أبلة ده ريحته وحشة اوي
ضحكت وكملت:
- نسيت أجيب هدوم، ادخلي جيبيلي بيچامة بكم وطرحة وتعالي بس تكون واسعة..
حركت راسها بموافقة وجريت، خرجت من المطبخ فكان فيه صورة متعلقة، روحت ناحيتها ومسكتها.. كانت صورته هو ومامته، ابتسَـمت:
- شكله كان عسول والله، من زمان شعره حلو كده
حطيتها مكانها وروحت ناحية السرير فكان محطوط عليه كتاب مفتوح شويه، روحت مسكته وفتحته فكان فيه ورقة مكتوبة بخط الإيد:
"بمَ التعلُّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ
-المتنبي"
أخَدت نفس، عيوني جمعت دموع.. قبل ما أعيط سيلين جت فحطيت الكتاب:
- ماما جابتلك دول يا أبلة
حركت راسي بموافقة وكملت:
- هدخل الحمام ألبس وأجي، شوفي كرسي صغير على ما ألبس
حركت راسها بماشي، دخلت غيرت وخرجت لقيتها نايمة على الكنبة، ابتسَـمت بهدوء وبوستها من خدها وغطيتها.. كنت هخليها تساعدني في المطبخ، ضاعت المساعدة.. دخلت روقت المطبخ، ورتبت الحاجات اللي بايظة في الاوضة، وبعدين قررت أدخل البلكونة، فتحت باب البلكونة لقيته قاعد في بلكونة سليم وسيلين، ضحكت وكملت بغلاسة:
- طب ولما أشرب سجاير وانفخها في وشك دلوقتِ
ضحك وكمل بهدوء:
- مبشربش اصلًا، كنت بغلس عليكِ لما لقيتك جوا، دخلت قعدت أكح لحد ما كنت هموت
ضحكت وكملت بأستغراب:
- طب وليه يا ابن الحلال
- اي مرازية بقى
كنت بردانة مع إننا في أول الخريف، كمل بهدوء:
- خشي نامي وأتغطي الجو فيه لسعة برد
كملت بفرحة:
- لأ، بحب البرد اوي
ضحك وكمل:
- ولما تبردي بقى ويجيلك برد ومنروحش الفرح، وبعدين الحقي علشان شغلك
اتنهِـدت وكملت بهدوء:
- معنديش شغل، هقعد بكره ومن بعد بكره هدور على شغل قبل ما اروح لو لقيت شغل همشي
حرك راسه بنفي وكمل:
- متهلكيش نفسك، وبعدين حتى لو معجـ..
قاطعته بتذمُر:
- مش هسيبه علشان العبط اللي بتقوله ده، هسيبه علشان اللي حصل
- ملكيش دعوة باللي حصل يا ستي، لو على كده فهو فعلًا معملش حاجة
كملت بإنفعال:
- أنا مش فاهماكم بجد، انتوا بتكرهوا بعض ولا بتدافعوا عن بعض
خد نفس وكمل بزعل:
- مبكرهش حد، ادخلي نامي يلا
كملت برجاء:
- طب ما تحكيلي باقي اللي حصل في الموضوع اللي قلت عليه
- هنسمع الشارع كله ولا إيه يا حجة، وقت الننة يلا
بصيت لُه بتذمُر فخد نفس وكمل:
- تعالي على السلم طب
حركت راسي بحماس وخرجت له، ففتح الباب، قعدنا على السلم فكمل بهدوء:
- أقسم بالله لو اتقفشنا وأنا بحكيلك هسلمك وأقولهم إنك اتحايلتِ عليا..
- أنت عارف إني مبخافش من حاجة
حرك راسه وكمل:
- ولا أنا..
اتنفس بعمق وكمل بهدوء:
- بدأت اتقبل مامتك لما سيلين وسليم جم، هم مكانوش بيفكروا في الخلفة أوي كانوا عايزين ونس.. يونسوا بعض يعني، هي حبته وهو حبها، لما حملت فيهم مكانوش مصدقين نفسهم، لما ولدت بقى بدأت ادخل علشان اشوفهم والعب معاهم.. كنت شايف إن سيلين وسليم مش أخواتي شوفتهم عيالي..
ابتسَـم وكمل:
- أنا محبتش أمك، أنا تقبلتها.. ومسامحتش ابويا أنا عيشت معاه، بس أنا حبيت أخواتي بطريقة مش طبيعية تخليني أفضل عايش هنا وأنسى أي حاجة، كنت بنسى وأنا بلاعبهم كل الدنيا..
ابتسَـمت وكملت بهدوء:
- هم حلوين أوي، أنا مبدأتش اتحسن غير لما شوفتهم
كملت بتساؤل:
- طب وعمك، حصل ايه بينه وبين ابوك يخليه يعرف
اتنهِـد بتعب، حسيته موجوع فكملت:
- خلاص نكمل بكره، يلا نام علشان راسك..
بصلي ثواني، بعدين ابتسَـم وكمل:
- أنتِ حاجة حلوة يا مريم، حظي الحلو إنك جيتِ هنا..
كنت هبتسِـم، بعدين عدلت وشي وكملت بهدوء وأنا بقف:
- تصبح على خير بقى متصحونيش بدري..
قمت دخلت الأوضة، فسمعت صوت ضحكه.. دخلت وقفلت الباب ورايا، سندت ضهري على الباب وأنا حاسة احساس غريب اوي.. حاسة إني متخدرة، حاسة إني مكشوفة أوي قدامه وأنا عمري ما مشاعري اتكشفت قدام حد، عمر ما شخصيتي اتكشفت.
***
"خايف مرة أحب وعارف ليه أنا قلبي خايف، شُفت الحب بيبكي ويضحك مال وعيون وشفايف.."
صحيت من النوم على صوت حد بيغني، صوته حلو أوي ولذيذ تقريبًا بالع عبد الحليم، مكنتش عارفة الصوت جاي منين.. فتحت عيني لقيت سيلين نايمة جنبي زي ما جبتها بليل، فتحت عيوني ولبست الطرحة وخرجت أبص، التفَتت جنبي على الصوت
"بس لو الاقي اللي أحبه واللي قلبي يروح لقلبه.. بي لو ألاقي اللي احبه، واللي قلبي يروح لقلبه واللي ترتاح روحي جنبه.. يومها عمري ما أبقى خايف"
بصيت لقيته أدهم، كان باصصلي بابتسامة أول ما خرجت فبصيت لُه بذهول وضحكت:
- سبع صنايع يا باشمهندس، أنتَ بتغني يا أدهم!
حرك راسه بضحك وكمل:
- إيه رأيك يا باشمهندسة..
ضحكت وكملت وأنا بفرد ايدي بنوم:
- صحيتني من النوم، ياريت لو اشغلك جنبي في الشغل
بصلي ثواني وكمل:
- طب تعالي أشتغلي معايا وأنا اشتغل جنبك مخصوص
- ماشاء الله سبوتيفاي معايا في الشغل!
حدف عليا مشبك وكمل بضحك:
- لو مبطلتيش اعتراضات هدفعك اشتراك..
- لأ لأ وعلى إيه، الطيب أحسن
بصيت لُه بأستغراب وكملت:
- الساعة كام وازاي ماما سايبانا نايمين
ضحك وكمل:
- كلهم نايمين هنا اصلًا لسه، علقة أمبارح كانت جامدة برضوا طلعوا بيحبوني..
سكت وكمل بنكش:
- بس عرفت لك إيه بقى؟
- إيه بقى
- إن مش هم بس اللي بيخافوا عليا، وأنتِ كمان بتخافي..
بصيت لُه ورفعت حاجبي:
- مش اتفقنا نبقى صحاب، طبيعي.. لو متت مش هلاقي حد احكي معاه.
بصلي وكمل بتساؤل:
- أنتِ معندكيش صحاب يا مريم؟
- عندي صحاب في الجامعة، بس بحكم الحياة اللي أنت شايفها دي مبحبش أقرب مني حد أوي، لأن المرة الوحيدة اللي صاحبت واحدة وأمنتها على سري مدرسة اعدادي بنات كلها عرفت إن أبويا راجل ناقص وبيكرهني وإن أمي مبتحبنيش..
قولتها وضحكت، كان باصصلي منغير ما ملامح وشه تتغير، كملت وأنا بحاول ألطف الجو:
- عادي مواضيع قديمة..
- أنا لو سامحت أمك في احساس إنها خدت أبويا، وسامحتها فعلًا.. فمستحيل أسامحها في حقك.
بصيت لُه بأستغراب، مش علشان مستغربة كلامه.. علشان مستغربة إنه ليا، أنا طول عمري عايشة بعاني لوحدي، بزعل لوحدي، بكره لوحدي.. عمر ما حد قالي جملة زي دي، بصيت بعيد علشان ميبانش إني اتأثرت بكلامه وكملت:
- صحيح مقولتش كام
- الساعة 1 يا ستي
كملت بصدمة:
- مين رش لهم منوم دول، خش صحيهم وأنا هصحي سيلا وأجيبها وأجي..
ضحك وكمل بأستغراب:
- سيلين بتحب الدلع ده أوي، بس محدش كان بيقولهولها هي قالتلك؟
حركت راسي بنفي وكملت:
- أنا بقوله لوحدي، مش هنفضل نتساير بقى يلا..
خرجت صحيت سيلين فكانت صاحية مقريفة، واضح إن مفعولي راح الهانم بتقولي ابعدي عني يا أبلة عايزة أنام.. وطيت على ودنها ونفخت فصحيت مخضوضة، بصتلي بصدمة لما أدركت إنها أنا:
- علمته السير يا ابلة
بصيت لَها باستغراب:
- مين ده
كملت بنعاس وهي بتتاوب:
- ماما بتقول كده لما بتعلمنا حاجة وننفذها فيها
ضحكت بصوت عالي وكملت:
- علمته الصيد فلما اشتد ساعده رماني يا قلب الأبلة، علمتي مين السير هو ابن اختك
نامت في حضني تاني وكملت بصوت نايم:
- سيبيني انام شويه يا اجمل أبلة مريم..
- مبدأيًا أنا اصلًا متقبلة أبلة دي بالعافية علشان طالعة منك أنتِ وسليم حلوة، بس أنا مش عارفة أواجهكم ازاي إني مبحبش غير اسمي
بصتلي باستغراب:
- مش عايزة اقولك يا مريم
- طيب تحبي تقوليلي يا إيه؟
فكرت شويه بعدين بصتلي بتساؤل:
- إيه أكتر دلع بتحبيه؟
حركت كتفي بعدم معرفة:
- محدش دلعني قبل كده دلع يبقى مميز بالنسبالي
اتنفست وهي بتحرك عينيها، قال يعني دي طرق التفكير الحديثة، بعدين قامت وقفت على السرير وباستني من خدي:
- خلاص هقولك يا مريومة
ضحكت وكملت وأنا بردلها البوسة:
- خلاص يبقى ده دلعي المفضل، بطلي كسل بقى يلاا
جريت قدامي على الباب فمشيت وراها، قعدت ترن جامد علشان تصحيهم فأدهم فتحلنا:
- أنا قلت يونس جاي يديني علقة ولا حاجة تاني
وطى لمستواه علشان يشيلها فكملت بتذمُر:
- يا ابني الجرح
- هو مقطورة داست على دماغي متكبريش المواضيع يا مريومتي ادخلي يلا..
شال سيلين ودخل بيها، وأنا حاسة إني اتمسمرت على الباب.. لأ الناس دي عندها طقوس غريبة للاسماء، ما أنا اسمي مريم هو مش عاجبهم ليه، وإيه ياء الملكية دي.. يارب تبقى اتقالت بالغلط، مريومتي! ييي! ييييي! ازاي يعني؟
بص وراه وكمل:
- الباب طب هتدخلي الدبان
حمحت وأنا بحاول اتعامل عادي، هو أصلًا تقريبًا اتجنن، تقريبًا يعني.
قعدنا على الفطار كلنا فكنت قاعدة بينه هو وسليم، كل واحد فيهم قعد جنبي من اتجاه، وسيلين قاعدة جنب ماما بتأكلها.. بصيت لَها ثواني وحسيت إني اتخنقت، لحد ما لقيت ايد ممدودة قدامي، بصيت جنبي لقيته سليم..
- كلي يا مريومة، هأكلك لحد ما تتجوزي
بصيت لِأيده وابتسَـمت، اخدت منه اللقمة وعيوني دمعت غصب عني، اللي اعتاد القسوة.. بالنسباله الحنيّة أسمى معاني الحياة، قمت من على الفطار ودخلت البلكونة.. دموعي بدأت تنزل جامد، لحد ما لقيتني بعيط، باب البلكونة أتفتح فكان أدهم.
- أنا آسف..
بصيت لُه فعيطت أكتر:
- حرمتني من كل حاجة يا أدهم، خلتني ببص زي العيل المحروم لحنان الأم! أنا كنت فاكرة إني نسيت أو اتعودت، لحد ما بصيت ليها وهي بتأكل سيلين، سيلين حبيبتي.. بس أنا..
نفسي كان هيروح من العياط، لقيت باب البلكونة بيتفتح.. سليم جابلي ماية ومدهالي:
- ماما قالت إنك شرقـ..
لقاني بعيط فشهق بصدمة:
- أنتِ بتعيطي يا أبلة؟
مسك إيدي ونزلني لمستواه وحضنّي:
- متزعليش خلاص، لما بعيط سيلين بتحضني وبسكت، الزعل بيروح.. وبحضن سيلين بتسكت، أنتِ اختنا اكيد هتسكتي.
بصيت لِأدهم لقيته بيودي وشه بعيد، رجع بصلي وحاول يبتسِم، مسحت دموعي وبوست سليم من خده:
- بقيت كويسة يا سولي، شكرًا يا حبيبي..
ابتسَـم جامد وكمل:
- ماما مبتقوليش يا حبيبي كتير، مع إنها بتقول لسيلين يا حبيبتي كتير، سيلين بتحضن ماما كتير بس أنا مبحبش احضن حد غير لما احس إني عايز أحضنه، علشان كده ماما بتحب سيلين أكتر..
بصيت لأدهم بأستغراب، فنزل لمستواه وكمل:
- لأ يا سولي، ماما بتحبك أنت وسيلين قد بعض، بس سيلين أنتَ عارف إنها عاطفية زيادة صح
حرك راسه بإيجاب وكمل:
- أنا هروح اشرب اللبن، تعالوا انتوا كمان
حركت راسي بموافقة، خرج فوقفت وكملت:
- هي بتحب سيلين أكتر واحدة؟
- أمك بتحب البنات أكتر، بتحب سليم اوي بس بتعبر عن حبها لسيلين أكتر..
ضحكت وسخرية وكملت:
- أمي بتحب نفسها أكتر مننا احنا التلاتة..
اتنهِـدت وكملت:
- مش موضوعنا، أنا مش عارفة هلبس ايه في الفرح ده معنديش حاجة جاهزة
- أنا امبارح طلبت لك فستان ان شاء الله يطلع حلو
رفعت حاجبي فكمل:
- الفرح بتاعنا، واجبي..
كملت بتحذير:
- هنتحاسب
- الحساب يوم الحساب بقى يا حجة، يلا بينا
الوقت عدى بسرعة، الساعة بقت 5.. والفرح كان 7، دخلت لبست الفستان فكان شكله خطير، الولد ده ذوقه كيوت فعلًا، فستان بني وطرحة بني، حطيت ميكب خفيف.. ولبست اسورتين بتوعي، وسلسلة وهيلز وخرجت من الأوضة فكان واقف برا، أول ما شافني فضل باصصلي ثواني.. رزحت ناحيته وحركت ايدي:
- انت فين
- أنتِ مين؟
ضحكت وكملت بغلاسة:
- أنا خالتك يا أدهم..
حمحم وكمل وهو بيتنفس:
- شكلك حلو أوي
- أنتَ أول مرة تشوف بنات حلوة ولا إيه
كمل بنكش:
- لو اتعاكستِ هنبات في المستشفى تاني خلي بالك
- طب يلا علشان منتأخرش بقى على الفرح اللي معرفش فيه حد ده
كمل بهدوء:
- وتعرفي حد ليه وأنا معاكِ، وبعدين هعرفك على رحمة مش هتسيبك طول الفرح لوحدك
مدلي إيده فبصيت لُه وكملت بضحك:
- أنتَ مفكرني خطيبتك ولا إيه، حاسب كده..
عديت قدامه فكمل وهو بيهمس ورايا:
- ياريت..
سمعته، بس قطعت وداني أصل هقول فيه إيه ده، واحد مجنون مش طبيعي.. عايز يخطب واحدة يعرفها من اسبوعين، لأ ومين؟ بنت مرات أبوه
وصلنا الفرح، الأفراح دي حاجة غريبة جدًا.. تحسها أوڤر، فيها كذب ونفاق، وفيها مشاعر حقيقية وجميلة، احساس العروسة بيبقى حلو أوي.. احساس العريس بإن سعيه في محله جميل.
- ياه مريم، اخيرًا شوفتك..
بصيت عليها فكانت بنت عسولة، ابتسَـمتلها وملحقتش.. لقيتها حضنتني، أدهم ضحك على خضتي وكمل وهو بيخبطها على كتفها بالراحة:
- واحدة واحدة ايه الحماس ده..
كملت بضحك:
- سيلين وسليم وأدهم مبطلوش كلام عنك
خبطها وبصلها بتحذير فشاورتله بلا مبالاة ومسكتني من ايدي:
- أنا رحمة، بنت خالة أدهم وأخته متربيين مع بعض يعني نعتبر تؤام بيننا شهر واحد أنا مخطوبة وفرحي أخر الشهر، هتيجي برضوا عودي رجلك على هنا..
بصتلي لقيتني لسه مصدومة فكملت بضحك:
- أنا اسفة خضيتك
ضحكت فجأة وكملت بحماس، مش فاهمة جيه منين:
- أنتِ ألذ بنت شوفتها في حياتي، لازم البس في فرحك احمر مثلًا
كملت بضحك:
- أنا بحب الأحمر اوي.. خليكم هنا بقى على ما اجيب ماما تسلم عليكِ
مسك ايدها وكمل بهدوء:
- أهدي شويه يا رحمة خليها تاخد على الجو
كملت بغلاسة:
- بس أنا مشتكتلكش، حاسب كده..
مدتلي ايدها فمسكتها وروحت معاها، كان واقف باصصلي ومبتسِـم ابتسامة غريبة، معرفش ليه.. بس شكله مبسوط.
أهل مامته كمان ناس لذيذة اوي، مبسوطة، بتعرف تضحك وتهزر وتعرف تفصل بين مشاكلهم مع حد ومع حد تبعه، يعني خاله مش بيحب ماما.. بس رحب بيا جدًا، كنت واقفة بتفرج على العروسة وهي بترقص ومبتسمة، فجأة لقيت حد شد كرسي وقعد جنبي.
- الشركة لسه مستنياكِ..
بصيت جنبي بخضة فكان يونس، قمت وقفت بعصبية:
- أنا هستقيل من الشركة، مش حابة أفضل فيها.. وياريت متقربش مني
- احنا نعتبر قرايب يا مريم، اهدي مخضوضة ليه؟
دورت على أدهم بعيني بسرعة علشان اتأكد إن ميحصلش مشاكل فملقتهوش:
- أنا مليش عيلة غير سيلين وسليم دلوقتِ، وأدهم.. بس ولا أنتَ ولا عمك ولا حد تاني يخصني، وأنت حتى متخصش عمك، فأبعد عني أحسنلك..
كملت بإنفعال:
- وأنت اصلًا بتعمل إيه هنا؟
- العريس صاحبي، محضرش علشان الحلو بتاعك
كملت بضيّقة:
- ملكش دعوة بيه، وأتكلم عنه كويس
كان هيتعصب فلقيت أدهم جاي، وقف قدامه بنرفزة:
- أنتَ غاوي مشاكل يالا ولا إيه
- مش أنتَ اللي بدأت وجيت لحد شركتي
بصله بقرف وكمل:
- قصدك شركتنا اللي ابوك نصب على أبويا فيها يا ابن عمي، اخلع يا يونس علشان المرة دي لو مسكتك مش هحلك
بص على راسه وضحك بسخرية:
- ده أنتَ برضوا
كان لسه هيقرب منه فوقفت في النص وبصيت لأدهم:
- بلاش بالله عليك، علشان
- خاطري سيبك منه.. ده مش طبيعي
بصلي ثواني، بعدين هديّ وحرك راسه باستسلام:
- تعالي
مشيت أنا وهو، كان كل دقيقة يبصله فأشاورله يبص قدامه.
"صوت رنة المفتاح ساعة لما توصل، ومكالمة نص اليوم لما منغير داعي تسأل، والزعيق من ورا قلبك لما أصالحك وتتقل.. وحضنك اللي بنسى قبله ليه كنت بزعل"
كل كلمة من كلمات الأغنية دي بتنزل على قلبي تشويه، علشان رنة مفتاحه كانت بتخليني أنزل تحت السرير اعمل نفسي نايمة، عمره ما كلمني في التليفون يسأل عني، كل مرة زعقلي كان بيزعقلي علشان بيكرهني، أنا.. أنا عمري ما جربت حضن الأب.
كانت العروسة شكلها جميل وهي بترقص مع باباها، شكلها جميل اوي والله مش بحسدها.. بس ليه عمري ما هحس الاحساس ده!
"بيقولولي أني شبهك، إني زيك.. حتة منك واخدة قلبك في المشاعر والكلام، بيقولولي اللي شافوكي كتير لاقوكي بنت ابوكي ده في سلامه واهتمامه يا بختي قاله بنت أبويا يا سلام!"
حسيت بسخونة دموعي على خدي، أدهم كان واقف جنبي، همس جنب ودني بصوت واطي:
- أنتِ كويسة؟
حركت راسي بآه وأنا بمسح دموعي فاتنهِـد وكمل بهدوء:
- تعالي نشم هوا طيب
حركت راسي بموافقة وخرجت معاه، قعدني في مكان وراح يجيبلي ماية أو عصير، حطيت إيدي على وشي وبدأت اعيط بصوت واطي.. ليه الدنيا مدتنيش نصيب حلو في أهلي، طول عمري عايشة بحاول أعيش بس.. طول عمري ناقصة حضن أبويا، ناقصني حنية أمي، ناقصني عيلة وناس بيحبوني.. عياطي كان بيزيد لحد ما حسيت بأيد بتحاوطني فأتخضيت وزقيت ايده بسرعة:
- أنتَ مين، ابعد عني..
