رواية درة الجبالي الفصل السادس 6 بقلم نور محمد


 رواية درة الجبالي الفصل السادس 

"إنتي بتخرفي تچولي إيه يا حُرمة إنتي؟! مرتي مين ووريث مين؟ جسماً بالله لو ما سديتي خشمك لكون دافنك إهنه مطرحك!"
​عزيز زعق بصوت مبحوح من الوجع بس كان عامل زي زئير الأسد المجروح، صوته زي الرعد هز أركان السرايا كلها. داس على نفسه ونزل درجات السلم اللي باقية بخطوات تقيلة، وإيده ماسكة في درابزين السلم بقوة لحد ما مفاصله ابيضت، وفي نفس الوقت الد*م ابتدى يرسم بقعة حمرا جديدة على جلابيته البيضا.

​درة كانت واقفة في النص، بتنقل عينيها التايهة بين عزيز اللي بينهج من الغضب والوجع، وبين شيريهان اللي واقفة بابتسامة مستفزة وثقة خبيثه، والطفل الصغير اللي ملامحه نسخة من عزيز ومفيش فيها أي شك.

​"بتنكرني يا عزيز؟ بتنكر حبنا وجوازنا اللي كان في السر عشان الحجة والدتك مكنتش راضية بيا؟" اتكلمت شيريهان بنبرة تمثيلية وهي بتقرب خطوة، "أنا شيريهان، اللي عشت معاها أحلى أيامك في القاهرة قبل ما ترجع هنا وتاخد العمدية وتنساني.. بس أنا رجعت.. رجعت عشان حق ابني زين."

​"كدابة!" صرخ عزيز بقوة خلت العيل الصغير يتفزع ويبدأ يعيط. عزيز لف للغفر اللي كانوا واقفين مذهولين، وزعق: "يا رضواااان! تاخد المرة دي والواد وتجفل عليهم في دار الضيافة، ومفيش مخلوج يعتب ناحيتهم لحدت ما أشوف صرفة معاها. ولو حاولت تطلع، اكسروا رجليها!"

​وبعدين لف لدرة، اللي كانت واقفة زي حتة التلج، وشها بهتان زي الميتين، وعينيها مليانة بدموع الخذلان والكسرة.

​"درة.. اسمعيني.." عزيز قرب منها، ومد إيده السليمة عشان يمسك إيديها.

بس درة رجعت خطوتين لورا، وكأن لمسته بقت نار هتحرقها. بصتله بنظرة قطعت قلبه، نظرة شايلة كل القهر اللي عاشته، وكل الثقة اللي لسه مدياهاله من شوية واتكسرت على صخرة الماضي.

​"طلعت كداب يا عزيز." همست بصوت متقطع، بينقط وجع. "يا ريتني ما صدجتك، يا ريتني ما جلعت الأسود. إنت مفيش في جلبك غير الخداع."

​لفت درة وجريت على السلالم، بتطلعها بأقصى سرعة، هربانة من المكان، ومن شيريهان، ومن الراجل اللي افتكرت إنه أمانها الوحيد.

​"درة! استني عاد!" حاول عزيز يلحقها، بس الوجع في كتفه زاد الضعف، وحس بدوخة شديدة كانت هتوقعه. رضوان سنده بسرعة قبل ما يقع.

"يا عمدة جر*حك نزف تاني، ووشك أصفر كيف اللمونة، الحكيم جالك ارتاح!"

"بجولك سيبني!" زقه عزيز بقوة متجيش أبداً على قد حالته التعبانة، وطلع السلالم ببطء وعناد، مش بيفكر في أي حاجة في الدنيا غير درة.

​في الجناح اللي فوق، درة قفلت الباب وراها بالمفتاح، وانهارت على الأرض وراه. ضمت ركبها لصدرها، وابتدت تبكي بحرقة وصوت مكتوم. كانت حاسة كأنها اتطعنت بخنجر مسموم في ضهرها. إزاي يكون متجوز ومخلف؟ إزاي سابها تسلمه روحها وجسمها امبارح بالليل وهو مخبي السر البشع ده؟ افتكرت كلامه، لمساته، ووعوده إنها الوحيدة.. كل ده بقى رماد طار في هوا الكدب.

​قامت درة بعد دقايق، عينيها بتولع من الغضب وكبريائها المجروح. راحت للدولاب، وطلعت عبايتها السودة اللي قلعتها امبارح. كانت ناوية تلبسها تاني، ناوية ترجع لحدادها، بس مش على صالح المرة دي، على نفسها وعلى قلبها اللي اتغدر بيه.

​"درة!.. افتحي الباب!"

عزيز كان بيخبط على الباب بإيده السليمة، وصوته بيترعش من التعب والخوف إنه يخسرها..

"افتحي يا درة أبوس يدك، خليني أفهمك! والله العظيم كدابة!"

​"امشي من إهنه يا عزيز!" صرخت درة من جوه، "مش رايدة أسمع حسك! روح لمرتك وولدك، روح للي ليها الحج فيك، أنا هلم خلاجاتي وههملك السرايا باللي فيها!"

"لو فتحتي الباب ولجيتيني ميت، هترتاحي؟!" صرخ عزيز بصوت متألم، قبل ما يتسمع صوت خبطة جسمه التقيل في الباب وهو بيتزحلق واقع على الأرض.

​قلب درة وقف. "عزيز؟" همست بخوف. مسمعتش أي رد.

نسيت غضبها، وكبريائها، وكل حاجة. لفت المفتاح بسرعة وفتحت الباب، لقت عزيز قاعد على الأرض، ساند ضهره على حلق الباب، بينهج جامد وعينيه نص مقفولة، والدم مغرق هدومه كلها.

​"يا مُري!" صرخت درة، ونزلت جنبه، شالت راسه بين إيديها. "عزيز.. جوم معايا، جوم نام على السرير، الجر*ح فتّح."

فتح عزيز عينيه ببطء، وبص لوشها اللي غرقان دموع، رفع إيده بالعافية ومسك معصمها بقوة.

"مش هجوم من إهنه.. إلا لما تسمعيني. لو رايدة تمشي، اسمعيني الأول، وبعدها اعملي اللي يريحك."

​درة سندته بدموعها، وساعدته يقوم ويوصل للسرير. وأول ما اتفرد عليه، جريت جابت صندوق الإسعافات من تاني. كانت بتنضف جر*حه ودموعها بتنزل على صدره العريان.

​"شيريهان كدابة يا درة." بدأ عزيز كلامه بصوت واطي، وعينيه مش بتفارق ملامحها الحزينة. "أيوه أنا عرفتها زمان، جبل ما أمسك العمدية وجبل ما أبوي يمو*ت. كنت طايش، وكنت بدرس في البندر. هي كانت بتدور على العز والفلوس، لفت عليا لحدت ما اتجوزتها عرفي في السر. شهرين، شهرين بالظبط وعرفت طمعها الحجيجي. كانت بتسرجني، وكانت بتخوني مع السهر والسفر."

​غمض عزيز عينيه بوجع من الذكريات، وكمل: "لما كشفتها، طلجتها ورميت ورجتها في وشها، وطردتها. ده كان من خمس سنين يا درة! لا كانت حبلة ولا غيره. أنا خابرش الواد ده جابته منين، بس جسماً برب العزة، ما هو ولدي، ولا هي على ذمتي."

​إيد درة وقفت عن تضميد الجرح، وبصتله بشك: "والشبه؟ الواد نسخة منك يا عزيز! نفس العيون، نفس الشعر.. إنت مفكرني عمية؟"

​تنهد عزيز بضيق: "الشبه ده اللي هيجنني! بس أنا واثج من نفسي، شيريهان دي حية بتتلون، وممكن تكون عاملة ملعوب كبير. أنا هعمل تحليل دم، هجيب دكاترة من مصر مخصوص عشان أثبتلك إنها بتكدب. بس إنتي.. إنتي يا درة.. إنتي جلبي اللي ما صدجت لجيته. ماتهملينيش في نص السكة، أنا حاربت الدنيا عشانك، وحاربت كبريائي عشان تبجي ليا."

​نبرته كانت مليانة رجاء عمر "الجبالي" ما اتعود عليه. الجبل القاسي ده، بينهار قدامها وبيترجى ثقتها. درة بصت لعينيه الصادقة، ولجر*حه اللي بينزف عشان حاول يلحقها. افتكرت ليلتهم، وحنيته، وإزاي حماها من رصاصة ابن عمها.

​"إنت كسرت جلبي يا عزيز." همست درة ودموعها نازلة، "لما شوفتها بتجول إنها مرتك ومعاها ولدك، حسيت إن روحي بتطلع."

رفع عزيز إيده السليمة، ومسح دموعها بصباعه بحنية كبيرة.

"سلامت جلبك وروحك من الوجع. أنا جلبي ده،" وشاور على صدره، "مادجش غير ليكي. الحريم اللي فاتوا كانوا زي الدخان، بيطيروا في الهوا. بس إنتي الهوا اللي بتنفسه. أوعدك يا درة، لو طلع الواد ده مش ولدي، لهدفنها بالحيا. ولو طلع ولدي.. هعترف بيه، بس هي ملهاش مكان في حياتي، إنتي ست السرايا، وإنتي حبيبتي ومرتي الوحيدة."

​درة مقدرتش تقاوم أكتر من كده. وطت وحطت جبهتها على جبهته السخنة، وانفجرت في العياط. عزيز لف دراعه السليم حواليها، وضمها لصدره جامد، بيتنفس ريحتها، وبيشكر ربنا في سره إنها مسابتهوش.

​"أنا هجف معاك يا عزيز." همست درة بعد ما هديت شوية، وهي بترفع راسها وتبصله بتحدي جديد. "مش ههمل السرايا، ومش ههملك للحية دي. إحنا هنكشف كدبها سوا. أنا درة الجبالي، ومبتهزمش بالساهل."

​ابتسم عزيز ابتسامة واسعة رغم وجعه، وعينيه لمعت بعشق ميتوصفش لشجاعتها وقوتها. "وهو ده اللي رايده منك.. تبجي سندي. عشان الحرب اللي جاية محتاجة ست زيك."

شدها من رقبتها بالراحة، وبا*سها بو*سة عميقة مليانة شغف وامتنان، بتمحي كل الشكوك وبتعلن تجديد العهد بينهم.

​على بالليل، السرايا كانت في حالة طوارئ. الغفر محوطين "دار الضيافة" اللي محبوسة فيها شيريهان والطفل. عزيز، بعد ما أخد مسكنات قوية وجرحه اتنضف واتربط كويس، قعد في مكتبه مع كبارات عيلته والمحامي بتاعه، بيظبطوا عشان يعملوا تحليل الـ (DNA) في أسرع وقت.

​في الوقت ده، كانت درة واقفة في بلكونة أوضتها، بتراقب دار الضيافة بعيون الصقر. مكنتش مرتاحة للست دي. في حاجة مش مظبوطة في وقت ظهورها. اشمعنى دلوقتي؟ بعد جواز عزيز على طول وبعد محاولة قتله؟

قررت درة تاخد هي الخطوة. لفت شال حرير أسود على كتافها فوق الجلابية، ونزلت بخطوات هادية ناحية الجنينة الخلفية اللي بتودي لدار الضيافة.

​"ست درة؟" رضوان اتفاجئ بوجودها.

"افتحلي الباب يا رضوان." أمرته بصوت هادي وحازم.

"بس العمدة مانع أي حد يدخل ولا يتدلى!"

"أنا مش أي حد يا رضوان.. افتح الباب وماتخافش، العمدة مش هيحاسبك."

​رضوان اتردد، بس هيبة درة ونظراتها القوية أجبرته ينفذ كلامها. فتح القفل التقيل، ودخلت درة بكل هدوء.

جوه، شيريهان كانت قاعدة على كنبة فخمة، بتشرب سيجارة إلكترونية، والمربية بتلعب مع الطفل في ركن الأوضة. أول ما شافت درة، شيريهان ابتسمت ببرود.

​"أهلاً بالعروسة العمدة. جاية تتأكدي بنفسك؟" قالت شيريهان بتريقة.

درة قفلت الباب وراها، وقربت بخطوات بطيئة وراسية، كأنها نمرة بتلف حوالين فريستها. وقفت قدام شيريهان، وبصتلها باحتقار.

"أنا مش جاية أتأكد من حاجة.. أنا جاية أوصلك رسالة يا شيريهان." اتكلمت درة بصوت واطي، بس حاد زي الموس. "السرايا دي ليها ست واحدة، وعزيز الجبالي جوزي أنا. اللعبة اللي إنتي بتلعبيها دي كبيرة عليكي. لو مفكرة إنك بشوية مكياچ وواد جايباه من الشارع هتهدي كيان الجبالية، تبجي عبيطة."

​شيريهان وقفت بعصبية: "واد من الشارع؟ ده ابن عزيز من صُلبه، والتحاليل هتثبت ده!"

ابتسمت درة بثقة شيريهان متوقعتهاش: "ولو طلع ولده؟ تفتكري عزيز هيرجعلِك؟ عزيز رمى ورجتك من خمس سنين لأنه جرف منك. هياخد ولده يتربى في عزه، وهيرميكي إنتي في الشارع زي الكلاب. بس أنا حاسة إن الموضوع أكبر من إكده."

​قربت درة أكتر، لحد ما أنفاسها لمست وش شيريهان اللي اتوترت شوية.

"ظهورك بعد ما عزيز انضرب بالنار بيوم واحد مش صدفة. إنتي ليكي يد في اللي حوصل؟ متفجة مع مين يا حية؟"

شيريهان اتوترت لثانية، بس بسرعة رجعت تلبس وشها المستفز. "إنتي مجنونة! أنا ماليش دعوة بالضرب ده، أنا جاية أطالب بحقي وبس. واطلعي بره بقى بدل ما أنده للغفر!"

​ضحكت درة باستهزاء ولفت عشان تمشي: "الغفر دول تبعي، ومحدش هيتحرك غير بأمري. استني التحليل يا شيريهان، بس جسماً بالله، لو طلعتي بتلعبي ملعوب على جوزي، لأكون دافناكي بيدي تحت طين البلد دي."

سابت درة الأوضة وخرجت، وسابت شيريهان بتتنفس بالعافية، والغضب والتوتر بياكلوا فيها.

​أول ما درة خرجت، شيريهان طلعت موبايلها بسرعة، واتصلت برقم متسجل عندها.

"ألو؟" همست بخوف وهي بتبص ناحية الشباك. "الموضوع بيكبر.. طلبوا تحليل DNA والمحامي بتاعهم بيجهز الورق. والست بتاعته دي مش سهلة، دي كانت هتاكلني دلوقت! إنت قولتلي إن عزيز هيمو*ت والرصاصة هتخلصنا منه وأنا هورث بالواد! دلوقت هو عايش وبيحققوا في الموضوع!"

​جالها صوت راجل خشن من الناحية التانية، نبرته كلها شر:

"اهدي يا غبية وماتخربيش الخطة! خليهم يعملوا التحليل، الواد ده هيكسر شوكته ويدمر ثجة مرته فيه. وإحنا هنضرب الضربة التانية جريب قوي.. بس المرة دي مش في عزيز.. الضربة المرة دي هتكون في المهرة اللي بيحميها بعمره!"

​عينيها وسعت بخبث: "قصدك درة؟"

"بالظبط.. جهزي حالك، السرايا دي هتبجى بركة د*م جبل ما الأسبوع ده يخلص."

​قفل السكة. وبره، السما كانت اتملت بالغيوم السودا، وعاصفة شديدة بدأت ملامحها تبان، عاصفة ممكن تقلع العشق اللي لسه طارح من جذوره، وتحط حياة "درة" على المحك!

تعليقات