رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل السادس
وصل عزت إلى منزل السيد نجيب، وحينها لم يستطع أن يغلق عينيه من شدة ما رأى. كان مذهولًا جدًا من الثراء الذي يعيش فيه ذلك الرجل، وكأن عينيه لم تعتادا على رؤية هذا القدر من الفخامة مجتمعًا في مكان واحد.
ظل يرفع رأسه ويتأمل الأسوار العالية، ثم أخذ يتحسسها بيده، وكأنه يريد أن يتأكد أنها حقيقية وليست مجرد ديكور في فيلم، فقال وهو يزفر بحسرة:
ـ كل ده؟ سبحان الله، يعز من يشاء. يا رب أنا عاوز شقة بس... شقة تكون ملكي، وحِتّة عربية أقضي بيها مشاويري، وشوية فلوس حلوة كده في البنك أصرف منها وأكون مطمن. سبحانه! الراجل من سور الفيلا بس لبابها الداخلي عايز ياخد توك توك عما يوصل. إيييه، جتنا نيلة في حظنا الهباب!
ظل يحدق في المكان للحظات، ثم هز رأسه وكأنه يطرد تلك الأحلام من عقله، وأفاق من شروده عندما أتى إليه الحارس، وذهب معه ليأخذ المقاسات ويتابع عمله.
وفي هذا الوقت، ذهب رضوان ليدفع إيجار المنزل للعم صبحي، وأصلح بينه وبين زوجته، السيدة فوزية، حيث أعادت الكرة مرة أخرى بسبب مرضها، واتهمت زوجها بأنه قد تزوج عليها، وسببت فوضى عارمة أمام البناية، ورآهم كل من في المقهى وبعض المارة.
وبعد أن أعاد إليها رشدها، عاد رضوان إلى منزله متعبًا، وقد أثقل التعب كتفيه بعد يوم طويل من الركض بين الأعمال والمشكلات. لم يكن يفكر إلا في أن يبدل ملابسه ويجلس دقائق يأكل فيها شيئًا قبل أن يذهب إلى عمله الآخر.
وضعت أمه الطعام حتى يأكل قبل أن يغادر، فجلس بعد أن شكرها يتناول وجبته، وقال بابتسامة امتنان:
ـ تسلم إيدك يا ست الكل.
ثم سألها وهو يتلفت حوله:
ـ حبيبة فين أومال؟ المفروض خلصت الدرس من بدري.
فأجابته أمه وهي تضع أمامه بعض الطعام:
ـ أختك راحت مع مكة صحبتها المكتبة يصوروا أوراق للامتحان.
هز رضوان رأسه، لكنه لم يخفِ اهتمامه. كان قلقًا حيال أخته، ويريدها أن تتفوق وتأتي إليه بدرجات عالية، فقد كان يرى نجاحها امتدادًا لنجاحه هو، وفرحةً يتمنى أن يمنحها لأمه التي لم تعرف في حياتها من الدنيا إلا القليل.
فقال:
ـ ربنا معاها. كل أملي خير فيها، ترفع راسي وتجيب مجموع حلو.
ردت زهره، وهي ذاهبة لتعد له كوبًا من الشاي:
ـ والله يا بني أنا ما بخليها تعمل أي حاجة في البيت، غير مذاكرتها وبس. وإن شاء الله ربنا ينجحها ويعلي شأنها وشأنك يا ضنايا.
ثم أتت ووضعت الشاي على الطاولة، وجلست إلى جانبه في ترقب، وانتظرته حتى ينهي طعامه.
رفع رضوان عينيه إليها للحظات، ثم عاد إلى طعامه. كان هناك شيء في جلستها لم يعتده. أمه عادةً لا تجلس إلى جواره أثناء الطعام، وكانت دائمًا منشغلة بشيء ما، أما الآن فكانت ساكنة أكثر من اللازم، تراقبه وكأنها تجمع شجاعتها لتقول أمرًا لا تعرف كيف تبدأه.
مسح رضوان يده في محرمة من القماش، وبدأ في احتساء الشاي، لكنه استنبط بداخله شعورًا بأن أمه تريد أن تقول له شيئًا مهمًا؛ فهي على غير العادة تجلس جواره أثناء الطعام ولا تتناول معه.
وضع الكوب بعد أن أخذ رشفة منه، وسألها:
ـ مالك يا أمي؟ حاسس إنك عايزة تقولي حاجة؟
بدأ عليها التوتر والحيرة، ولا تعلم من أين تبدأ؛ فهذا رضوان قطعة القلب، وتخاف أن تزعجه بحديثها، وتعرف أن هناك أشياء إذا ذُكرت أمامه تحولت ملامحه من الهدوء إلى صمت لا تستطيع اختراقه.
تعجب الآخر من صمتها، فانتابه القلق حيالها، واعتدل في جلسته، وسألها مجددًا عما يحدث معها:
ـ محتاجين لأي حاجة؟ البت حبيبة ناقصها حاجة؟
فبدأ القلق يزداد بداخله، إذ ظن أن الأمر يتعلق بالمال أو بحبيبة أو بمرض أصاب أمه ولم تخبره به.
نظرت له بابتسامة لكي تجعله يطمئن، ثم أردفت قائلة:
ـ لا يا حبيبي، ما فيش أي حاجة. اطمن، أنا وأختك الحمد لله كويسين وعايشين في خير ربنا، ثم خيرك. مش ناقصنا أي حاجة.
ثم صمتت لثوانٍ، وهي تفرك يدها في الأخرى، وأكملت بصوت متحشرج:
ـ أنا بس كنت عايزة أطلب منك طلب صغير، ومش عايزاك تردني فيه يا رضوان.
ارتاح قلبه قليلًا، ولكنه تحدث بحب واضح إليها، وكأن مجرد معرفته أن الأمر لا يتعلق بسوء أصابها أعاد إليه بعض هدوئه:
ـ يا نهار أبيض! زهره تطلب بس! دي زهره تؤمر أمر، ورضوان يقول حاضر. قولي يا حبيبتي، إيه هو الطلب؟
تلالأت عيناها حبًا لبر ابنها بها، ونبض قلبها فرحًا، ثم ربتت على صدره بحنان وهي تدعو له قائلة:
ـ إن شاء الله ما اتحرم منك يا رضوان يا ابن بطني، ويرزقك ويسعدك، وما يأمرش عليك ظالم أبدًا يا نور عيني.
بترت كلماتها، وصمتت لثوانٍ، وابتلعت لعابها في حيرة مرة أخرى، وكأنها تخشى أن تفسد بكلمة واحدة تلك اللحظة الدافئة بينهما.
وأكملت وهي تشعر بالإحراج والقلق منه:
ـ أنا بس كنت عايزاك تطمن على رباب.
ما إن سمع اسمها حتى تبدل كل شيء في وجهه.
وضع راحة يده على الطاولة، وتغيرت تعابير وجهه، وكان مثل الغضب الصامت. نظر بعيدًا ولم يجبها؛ لأنه ليس لديه ما يقوله في هذا الأمر.
كان اسم رباب وحده كفيلًا بأن يعيد إليه كل ما حاول طوال الأيام الماضية دفنه في داخله.
كانت زهره تعلم أن هذا سيكون رد فعله. فهو لا يحب أن يجبره أحد على فعل شيء يعارض قانون كبريائه وكرامته، لكنها تعلم أن رباب تحبه، وهي ضحية أم لا يعرف قلبها الرحمة.
فمن واجبه أن يطمئن عليها، ويعرف ماذا حل بها بعد ذهابه في ذلك اليوم؛ فنحن يجب علينا أن نمحي الخطأ من أجل الحب، ولا نمحي الحب من أجل الخطأ.
ثم رفعت يدها على وجهه، وأدارته نحوها، ونظرت إليه، وأطلقت للسانها العنان، وتحدثت بكل صراحة:
ـ اسمعني يا رضوان يا ابني، رباب ملهاش ذنب في كل اللي حصل. البنت دي بتحبك ورفضت عرسان ياما علشانك، فما تاخدهاش بذنب أمها وأبوها، واللي هما عملوه معاك ده يرجع لهم هما ويرجع لأصلهم. بس رباب بعيدة عن كل المواضيع دي، يبقى ليه يا ابني تحكم عليها وتبعد عنها بالطريقة دي!
ابتلع لعابه بغصة ألم بين ضلوعه عندما تذكر ما تفوه به والد رباب في ذلك اليوم، لكنه انتبه إلى حديث أمه، وسأل نفسه: من أين علمت بما فعلوه عائلة رباب؟
ونظر إليها في شك، وقال مستفسرًا:
ـ رباب جت هنا البيت يا أمي، مش كده؟
ألقت بنظرها أرضًا، وحركت رأسها بنعم، وأكملت قائلة بحرج:
ـ أيوه، جت امبارح وكانت مفتولة من العياط، وهي اللي حكتلي اللي حصل يومها، وأنا شايفة إن رباب مالهاش ذنب.
ظل ينظر لها معاتبًا؛ كيف استطاعت أن تلتمس العذر لها، وهان عليها ابنها؟ وهل كرامته لا تحدث فارقًا كبيرًا معها؟
فهمت نظرته، ثم أكملت على الفور لتصحح ظنه، وقالت:
ـ بس أنا ما سكتلهاش لما قالت على اللي أمها عملته. أنا كنت هنزل وأجيب الولية دي من شعرها وأبهدلها وأفضحها في الحتة كلها.
ثم نظرت إليه مسترسلة:
ـ بس البت رباب حلفتني ما أنزل ولا أعمل حاجة. هي يا ضنايا كانت خايفة لو حد من أهلها لو عرف إنها جت من وراهم لحد هنا، هيبهدلوها. أمها دي أصلًا ست سَو، مش حلوة من جوه ولا من بره. أختك حبيبة صدقت لما قالت إن عفاف دي شبه نفادي في مسلسل الكبير، آه والله، نفس الغمزة بتاعته، بس هي غمزتها صفرا.
أنهت كلامها، ورأت تعابيره الجامدة، وداخلها يرتعد. ماذا لو علم بأنها قد ذهبت إلى هناك؟ وماذا يفعل؟
لم يكن رضوان في مزاج حسن لكي يبتسم على مزاحها، ففرك وجهه محاولًا أن يهدأ من غضبه، ونظر إلى أمه، وتحدث بنبرة جادة لكي تتيقن أن الأمر ليس بهين، وقال:
ـ اسمعي بقى يا أمي، إنتِ خاطرك على عيني، وجزمتك فوق دماغي، وكلمتك سيف على رقبتي، وإنتِ عارفة كده كويس. بس سامحيني، المرة دي أنا مش هقدر، واللي بيني وبين رباب خلص، موضوع وانتهى.
ـ ليه بس يا رضوان؟ البنت بتحبك.
ـ ونهاية الحب ده إيه؟ نهايته قلة قيمة ومعايرة ومذلة. أنا عارف إن رباب بتحبني، وعارف إنها بنت حلال وشبهي، وهتصوني وبتحبك إنتِ وحبيبة. بس أبوها وأمها مش شايفيني لايق عليها. يا أمي، دول عايزين عريس متفصل على مقاسهم، عايزين واحد محترم من عيلة ما فيهاش سوابق.
بتر كلامه، وأخذ نفسًا عميقًا، وزفره بقوة، واغروقت عيناه، وشعر بالاختناق، وكأن كل كلمة ينطق بها تنتزع من صدره شيئًا، ثم أكمل وهو يتجرع مرارة حديثه:
ـ لحد دلوقتي مش ناسي كلمتها وهي بتقولي: إن الله حليم ستار يا رضوان يا ابن قاسم. كانت تقصد إني لو ما مشيتش بالذوق هتفضحني في الحتة كلها، وتقول للي ما يشتري يتفرج: تعالوا، تعالوا شوفوا رضوان ده مين ويطلع إيه، وابوه يبقى مين وكان إيه! أبويا خلاص يا أمي هيفضل عار ملاحقني لآخر يوم في عمري. أبويا كان حرامي ومدمن وسكري.
مسح دمعة عينيه مسرعًا قبل أن تنزل ويظهر ضعفه أمامها، وابتسم ساخرًا على حظه، وقال:
ـ بس تعرفي! عندهم حق هما بردو، معذورين. مين عاقل هيجوز بنته لواحد أبوه كان سوابق؟ أكيد هيقولوا العِرق دساس والدم واحد، والأب إن كان سرق يبقى الابن هيعمل إيه؟
سكت لحظة، وكأن الكلمات نفسها كانت تثقل على صدره، ثم تابع:
ـ معاهم حق وأنا مش زعلان. أنا شكلي كده بقيت بقوى على الوجع يا أم رضوان. وإن كان على رباب، فأنا عملت اللي عليا معاها، ومفيش نصيب بينا خلصت. وبُعدي عنها ده علشان تنساني وتكرهني وتقدر تعيش حياتها مع اللي يستاهلها.
صمت رضوان للحظات، وكأنه كان يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنع أمه. ظل بصره معلقًا في نقطة بعيدة، بينما ازدادت الغصة في حلقه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة، رغم الوجع الذي كان يفضحه:
ـ قوليلها ما تجيش هنا تاني.
توقفت زهره عن الكلام، ونظرت إليه في صدمة؛ فلم تكن تتوقع أن يصل به الأمر إلى هذا الحد. شعرت أن قلبها انقبض من أجل رباب، وفي الوقت نفسه لم تستطع أن تتجاهل ما تراه في عيني ابنها من ألم يحاول جاهدًا إخفاءه.
أما هو، فلاحظ نظرتها، فأشاح بوجهه عنها سريعًا، وكأنه يخشى أن تفضحه عيناه أكثر، ثم أردف بحزم:
ـ قوليلها رضوان بيقولك ما تهوبيش ناحية البيت ده تاني، وده لمصلحتها هي، مش علشاني أنا. وكل شئ قسمة ونصيب.
لم تجبه زهره فورًا.
ظلت تنظر إلى ابنها، وقلبها يعتصر من أجله. كانت تعرف أنه يحاول أن يبدو قويًا، وأنه في الحقيقة يحارب نفسه أكثر مما يحارب أي شخص آخر. تعرف أن هذا الكلام ليس كلام رجل انتهى من الحب، بل كلام رجل يحاول أن يقنع قلبه بأن الانسحاب هو النجاة.
لكنها لم تجد ما تقوله.
أنهى عزت عمله، وعاد إلى الحي، وفي طريقه إلى منزل رضوان حتى يعطيه الورقة المدون بها المقاسات ليبدأ في العمل، قابل رضوان وهو يهبط على درج البناية ذاهبًا إلى عمله بعد أن أنهى حديثه مع والدته فيما يخص رباب.
أخذ رضوان الورقة، وتحدث مع عزت وتشاورا في الأمر، وأن العمل سيستغرق من سبعة إلى تسعة أيام أو أكثر؛ لأن لديهم عملًا آخر.
ترك عزت في أحلامه، وكم كان يتمنى أن يعيش مثل الأثرياء ويملك ما يملكون.
وبينما كان يسير، ظل عزت يستعيد صورة الفيلا في ذهنه، ويتخيل نفسه في يوم من الأيام يمتلك مثلها، ثم يضحك على نفسه؛ فمجرد شقة صغيرة في نظره كانت كفيلة بأن تجعله يشعر بأنه أصبح من علية القوم.
بعد وقت قصير عادت حبيبة من الخارج، فوجدت أمها تحدث رباب عبر الهاتف قائلة:
ـ والله يا رباب يا بنتي كلمته، وهو عند رأيه. وبصراحة بقى، أنا شايفة إن رضوان معاه حق. هتستفادوا إيه من كل اللي بيحصل ده؟ هتتعبوا نفسكوا على الفاضي يا بنتي!
سالت دموع رباب وهي تقول منفعلة ومعترضة:
ـ معاه حق إزاي؟ ده رضوان كده يبقى بيخلع. ده ما صدق يا خالتي أمي تقوله لا وسابني.
تحدثت زهره برزانة وقالت:
ـ مالكيش حق يا رباب أزعل منك لو قلتي الكلام ده عن رضوان. ابني يا بنتي عمل بالأصول، وجه اتقدملك وطلب إيدك رسمي، بس أهلك هما اللي حطوا العقدة في المنشار ومش عايزين المركب تمشي، ولا عايزين رضوان ابني من الأساس. يبقى ذنبه إيه! وإزاي بقى بتقولي إن رضوان هو اللي سابك؟ لا، بجد مالكيش حق يا رباب.
كادت حبيبة أن تجن، وكانت على وشك الانفجار من هدوء أمها ومعاملتها الرزينة مع رباب، بعدما قامت عائلتها برفض أخيها المفضل إليها.
فقامت باختطاف الهاتف من أمها، متحدثة بصوت به نبرة ثقة وتحذير في آن واحد، قائلة:
ـ ألو، أيوه يا رباب، أنا حبيبة. إيه؟ إنتوا كلكوا على رضوان نازلين في سلخ كده ليه؟ هو عمل إيه لده كله علشان تقولي إنه سابك؟ سابك إزاي يعني؟ مش فاهمة! أمال مين يا حبيبتي اللي جه وخبط على بابكم وطلب إيدك من أهلك؟
ثم أكملت بصوت عالٍ:
ـ وأهلك الله أعلم عملوا فيه إيه ولا قالوله إيه! أنا أول مرة أشوف أخويا زعلان كده، بس الزعل مش هيطول علشان تكوني عارفة. وبعدين إنتِ عايزاه يعمل إيه تاني؟ رضوان عمل اللي عليه، الدور والباقي عليكِ إنتِ يا رباب. فبلاش تظلمي أخويا أكتر من كده، اللي كان بيخاف عليكِ وبيعاملك بما يرضي الله ولا نسيتي!
ونظرت أمامها بشرز، مسترسلة:
ـ وآخر كلامي ليكِ يا بنت الناس، ما أسمعش منك كلمة وحشة في حق رضوان. رضوان ده خط أحمر، وخسارة في أهلك بصراحة يعني. وما تزعليش مني، إنتِ زي أختي وحبيبتي، بس اللي ييجي على أخويا أنا ما أعرفوش، ومش هسمي عليه.
لكزتها زهره في كتفها، وأخذت الهاتف موبخة إياها، وأشارت إليها بالذهاب إلى غرفتها وألا تخرج منها إلا بإذنها.
لم تكترث حبيبة، وذهبت لغرفتها، فهي تشعر بالراحة الآن بعدما ألقت ما في داخلها تجاه رباب. فمن يؤذي أخي بكلمة فهو عدوي إلى الأبد.
انزعجت رباب وبكت، وحاولت زهره إرضاءها، وشرحت لها مدى حب حبيبة لأخيها، معتذرة لها:
ـ حقك عليا يا رباب يا بنتي، متزعليش من حبيبة. إنتِ عارفة هي بتعز أخوها قد إيه. والله هي ما تقصدش تزعلك أبدًا. دي حبيبة بتحبك، صدقيني. بالله متزعليش نفسك.
ردت رباب بحزن واستسلام:
ـ مفيش حاجة يا خالتي. حصل خير.
أغلقت رباب الهاتف وألقته على الفراش بحزن، ونظرت أمامها شاردة، تفكر في تجاهل رضوان إليها منذ ذلك اليوم، وفي كلماته التي وصلت إليها من زهره.
كانت تتمنى أن تسمع منه كلمة أخرى، كلمة تطمئنها بأنه ما زال متمسكًا بها، لكنها فوجئت بما لم تتوقعه.
«رضوان بيقولك كل شيء قسمة ونصيب.»
شعرت بغصة في حلقها، وسالت دموعها في صمت، ثم تمتمت بحزن:
ـ قسمة ونصيب؟ بالسهولة دي يا رضوان؟
وألقت بجسدها على الفراش، ودفنت وجهها في وسادتها، وظلت تبكي وهي تلومه في داخلها؛ كيف استطاع أن يستسلم بهذه السرعة، ولماذا لم يعافر قليلًا من أجلها؟
أما رضوان، فلم ينسَ حديث أمه، وداخله متأرجح ما بين الصواب والخطأ، ويريد أن يطمئن حقًا عليها. فمنذ ذلك اليوم وانقطعت بينهم الأخبار.
أمسك هاتفه، وكان يريد أن يتصل بها، لكنه إن فعل هذا فإنه يوصل حبل الأمل والود مجددًا بينهم، وهو يريد أن تنساه حتى تستطيع العيش بسلام من دونه.
ظل إصبعه فوق اسمها للحظات، وكاد يضغط على الاتصال، لكنه تراجع.
أغلق هاتفه، وعاد إلى عمله.
خطت زاد في الحديقة، ثم جلست بجانب حوض الماء، تحاول التأمل في هدوء المكان.
كان الهدوء المحيط بها مختلفًا عن الضجيج الذي يسكن رأسها. كانت تنظر إلى سطح الماء الساكن، لكن أفكارها لم تكن ساكنة على الإطلاق.
رآها كارم عند عودته من العمل، وتذكر آخر تصرف له معها، فذهب عندها ليقف أمامها بابتسامة خجولة على وجهه.
وعندما رأته هي الأخرى، ابتسمت إليه وحَيَّته، ثم أردف كارم معتذرًا:
ـ آنسة زاد، أنا عايز أعتذر عن اللي حصل مني قبل كده.
كشرت عينيها بتعجب، وأردفت في دهشة:
ـ تعتذر! أنا مش فاهمة حاجة. تعتذر عن إيه؟
تنحنح كارم وأجابها بلطف:
ـ عن كل شيء، عن كلماتي وأفعالي، عن نصحي ليكي قدام عيلتي. صدقيني، أنا مكنتش أقصد أسبب أي إحراج ليكي خالص.
تذكرت زاد ذلك اليوم، ثم ابتسمت وقالت:
ـ أنا ممتنة لاعتذارك، وكمان بحترم مبادئك الدينية، وإنك خايف عليا، ودي حاجة جميلة منك وأنا بقدرها.
ابتسم الآخر وقال:
ـ الله يعزك، يعني دلوقتي مفيش زعل ولا حاجة؟
حركت رأسها لتطمئنه، وقالت:
ـ أنا نسيت الموضوع يا كارم، وعارفة إنك بتعتبرني أخت ليك.
رد عليها قائلًا:
ـ طيب الحمد لله. ولكن أنا مش هيأس، وعندي ظن بالله خير إنك هتفكري في كلامي، وهتلاقي فيه إن ده الصح والخير ليكي قبل أي حد.
ثم تنهد وقال:
ـ ربنا يمن عليكِ وعلى بنات المسلمين بالهداية.
أنهى حديثه وتركها، ولكنه لا يعلم أنه يزيد من تفكيرها وشرودها أكثر مما كانت عليه.
ظلت زاد تتابعه بعينيها حتى ابتعد، ثم عادت بنظرها إلى الماء أمامها، وكأن كلماته الأخيرة لم تمر عليها مرورًا عابرًا. كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها تعرف طريقها جيدًا، لكن الحقيقة أنها بدأت تشعر بأن الطريق الذي كانت تراه واضحًا بالأمس أصبح مليئًا بالأسئلة.
لم يعرف السيد حسين ما الخطأ الذي ارتكبه في حق ابنته وحق نفسه حتى تذهب من المنزل وتتركه وحيدًا، وكل هذا من أجل من!
هو الآن جالس في مكتبه شريدًا، ولم يذهب إلى مجموعة شركاته منذ فترة ليست بوجيزة، ويتابع عمله من منزله من خلال جهاز الحاسوب.
كان ينجز عمله بصورة آلية، بعقل حاضر في الأوراق، وقلبه في مكان آخر تمامًا.
ووسط انشغاله بعمله، بدأ بداخله شعور لا يفارقه بأن زاد ستأتي إليه في أي وقت. فهو غير معتاد على ابتعاد ابنته دون الحديث إلى بعضهما البعض.
كان كل ركن في المنزل يذكره بها؛ مقعدها، خطواتها، صوتها، وحتى الأشياء الصغيرة التي كان يضيق بها منها أصبحت الآن أشياء يشتاق إليها.
طرق باب مكتبه الحارس الشخصي، وأذن له بالدخول، وأخبره بأن السكرتير الخاص لديه، والذي يعمل في مزرعة المواشي، قد أتى إليه ليخبره أمرًا ما.
فأذن له بالدخول، وبعد التحية جلس أمامه، ووضع الحاسوب على المنضدة، وقال:
ـ العمال بيسألوا على حضرتك يا حسين بيه، وبصراحة هما وأنا قبلهم قلقنا على سيادتك. إحنا مش متعودين ناخد من سيادتك الأوامر عن طريق التليفون. أتمنى تكون بخير.
كان الحزن يكسو ملامحه، ولم يجد وصفًا مناسبًا لما يمر ويشعر به الآن، ولكنه حاول أن يرسم ابتسامة، وقال مجيبًا:
ـ اطمن يا توفيق، وطمن كل العمال والفلاحين في المزرعة. أنا كويس. كل الحكاية إني تعبت من الشغل والروحة والمجية، فقلت أدي لنفسي إجازة. بيني وبينك كده، أنا جريت كتير لحد ما اتقطع نفسي، واكتشفت من الصالح إني أوقف شوية.
أردف الآخر برزانة وقال:
ـ من حقك طبعًا يا حسين بيه، وكان الله في عونك. بس ما تاخذنيش يعني، سيادتك معودتناش على القعدة في البيت بالشكل ده! وإلا هنعجز بدري بدري. أنا فاكر كل كلمة حضرتك قلتها لنا في المزرعة، ولحد دلوقتي بعمل بيها. وافتكر لما كنت بتقولي: يا توفيق، الكسل بيجيب كسل، والنشاط والحيوية وبذل المجهود بيزود في الرزق والصحة. فيا ريت بقى كفاية لحد كده وتشرفنا وتنور في المزرعة من تاني. ده حتى أنا جاي ومعايا خبر حلو.
ابتسم له، ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره بوهن، وقال:
ـ قول يا سيدي الخبر الحلو، أصل الواحد من زمان ما حسش ولا داق الفرحة.
أجابه قائلًا:
ـ بعد الشر عنك يا حسين بيه. ربنا يجعل أيامك كلها فرح إن شاء الله. الخبر الحلو بقى إن صفقة المواشي الصغيرة كبرت الحمد لله، وبقت على الذبح على طول. ما فاضلش بس غير إننا نوديها المجزر، وبعد الكشف عليهم وختم الحكومة نوزعها على الفنادق والمطاعم. أصل بصراحة صحاب الفنادق والمطاعم على نار، وبيقولولنا: إنتوا اتأخرتوا علينا المرة دي! ودي مش بالعاده يعني. وهما مش عايزين يجيبوا لحمة من بره، دول بيتعاملوا معانا من سنين، ولحمتنا بلدي مية في المية.
تفهم حديثه وقال:
ـ اسمع يا توفيق، خد عدد المواشي المطلوب واطلع بيه على المجزر من الفجر، إنت وخمسة من الموظفين بتوع كل مرة، زائد العمال واعمل اللازم، ووزع على المطاعم والفنادق زي ما علمتك قبل كده. وبلاش تستلم منهم الفلوس، أنا هتعامل معاهم بطريقتي.
ـ حاضر يا حسين بيه، بس حضرتك مش هتفرحنا وتنزل المزرعة قريب؟ صدقني إنت بتنورها والله.
ـ إن شاء الله قريب قوي هنزل أتابع شغلي، وكل شيء هيتصلح.
بعد ذهاب توفيق، ظل حسين جالسًا للحظات يستعيد ما دار بينهما، وقد بدأ شيء من التفاؤل يتسلل إلى قلبه من جديد.
اشتاق إلى ابنته أكثر، وشعر أن عناده هذه المرة قد يكلفه شيئًا لا يستطيع احتماله؛ أن يخسر زاد أو يدفعها بعيدًا عنه.
فكر قليلًا في باسل، وفي كل ما سمعه عنه، ثم وجد نفسه يميل إلى منحه فرصة، ولو لفترة قصيرة، يتعرف خلالها إليه أكثر، ويمنحهما الوقت الكافي ليتأكدا من مشاعرهما وصدق نيته.
لم يكن مقتنعًا تمامًا، لكنه كان مستعدًا للمحاولة.
مد يده إلى هاتفه، وبحث عن رقم شقيقه نجيب، ثم اتصل به. وما إن جاءه صوته حتى قال:
ـ أيوه يا نجيب، بكرة هكون عندك علشان آخد زاد.
سكت لحظة، ثم أردف بنبرة تحمل شيئًا من الحزم والحرص:
ـ بس أوعى تقولها إني جاي. ما تقولهاش حاجة خالص. أنا عايزها تبقى مفاجأة ليها.
استمع إلى شقيقه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يشعر بها إلا بعدما قال ما في قلبه، وأغلق الهاتف دون أن يخبره بما يدور في ذهنه من تفاصيل أخرى.
أراد أن يحتفظ بقراره لنفسه حتى يرى ابنته بعينيه، ويشعر بتلك اللحظة حين تفاجأ بعودته إليها.
وضع الهاتف جانبًا، وأسند ظهره إلى مقعده، ثم أطلق زفرة طويلة. ظل بصره معلقًا في الفراغ أمامه، بينما راحت الأفكار تتزاحم في رأسه.
هل كان ما يفعله صوابًا؟
أم أنه يتخذ قرارًا قد يندم عليه يومًا؟
لم يكن يعرف إن كانت موافقته على منح باسل فرصة هي الطريق الصحيح، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط؛ أنه يريد أن يستعيد ابنته أولًا، وأن يمنح قلبه وقلبها فرصة قبل أن يقرر إن كان هذا الشاب يستحق أن يسلمه وحيدته أم لا.
أنهى رضوان وعزت عملهما في بوابة الفيلا، الذي استغرق أسبوعًا كاملًا، وأصبحت قطعة أثرية صممها رضوان على التراث الفرعوني، فكانت مثل بوابات الخيال.
كانت تفاصيلها تحمل دقة واضحة، ونقوشها جعلت من الحديد الصلب شيئًا يشبه قطعة فنية عتيقة، حتى إن رضوان ظل يتأملها بعد الانتهاء منها، وكأنه لا يصدق أن يديه صنعتا كل ذلك.
أعجب بها السيد بيومي، صاحب الورشة، وازداد إعجابه برضوان، وسيظل متمسكًا به؛ لأنه يجلب الخير إليه دائمًا.
في نفس الوقت، أرسل بيومي عزت إلى أحد المنازل في المنطقة لتركيب بعض النوافذ، وانصاع له وهمَّ بالذهاب.
وبعد بضع دقائق، أتى الحارس الشخصي للسيد نجيب ليستفسر: هل انتهى العمل أم لا؟ لأنه أتى في الموعد المحدد.
أجابه رضوان بأن كل شيء على ما يرام، وانبهر الحارس عندما رآها، فطلب منه الذهاب معه حتى يقوم بتركيبها.
وبحثوا عن عزت في الجوار، ولم يكن حاضرًا، فأخبره بيومي أنه أرسله لمكان ما، وأرسل بدلًا منه رضوان ومعه الصبي ممس، ليذهبوا مع نبيل إلى منزل نجيب المالكي حتى يؤدي عمله.
حملوا البوابة على سيارة كبيرة تابعة لورشة الحدادة، وركب بجوارها الصبي، أما رضوان فاستقل السيارة بجانب نبيل.
وصلوا إلى العنوان قبل الغروب، وبدأ رضوان في تركيب ما جاء لأجله. وكاد أن ينتهي، لكنه أمسك حقيبة عمله، وبحث بداخلها، وسأل الصبي:
ـ هو الشنيور التاني راح فين يا ممس؟
ـ مش عارف يا اسطى، بس أنا حاطه في الشنطة دي قبل ما أركب العربية.
فتش ثانية، فلم يجده، فقال رضوان:
ـ ممكن يكون وقع في العربية.
رد قائلًا:
ـ أروح أشوفه يا اسطى رضوان؟
زفر رضوان، وقال:
ـ إنت هتقعد تدور عليه سنة ومش هنخلص، وإحنا عايزين نشوف أكل عيشنا. خليك إنت هنا وأنا هروح أدور عليه في العربية، وخلي بالك من العدة، ما تروحش هنا ولا هنا. فاهم يا ممس؟
ـ حاضر يا اسطى رضوان، ما تخافش.
ذهب رضوان عند البوابة الخلفية للفيلا، حيث تقف سيارة عمله هناك، وفتح باب السيارة ليبحث عن معدات عمله.
وفي ظل ما هو منشغل، سمع صوتًا خفيفًا، كأنفاس تلهث عن بُعد.
اعتدل ونظر حوله، لكنه لم يجد شيئًا.
عقد حاجبيه، وظل واقفًا للحظات يستمع.
كان الصوت خافتًا، لكنه واضح.
وعندما أعاد نظره إلى عمله، لمح بطرف عينه شخصًا ما يحاول أن يصعد فوق البوابة الخلفية ليقفز من فوقها هربًا.
وقف ينظر، ودقق النظر أكثر، فوجدها فتاة ترتدي ملابس الموظفات، وقد تسلقت البوابة حقًا، وكادت أن تسقط أرضًا.
ولو لم يلحق بها، فمن الممكن أن تصيب رأسها وتتأذى.
وقبل أن تقفز، ركض رضوان ليلحق بها، وسقطت زاد بين يدي رضوان.
وفي تلك اللحظة، تجمد الاثنان لثوانٍ.
كانت زاد قد أغمضت عينيها من شدة الخوف، بينما رضوان نفسه لم يستوعب كيف أصبح يحمل فتاة هبطت عليه من أعلى البوابة فجأة.
وقبل مرور ذلك الوقت بساعتين تقريبًا، كانت زاد تجلس مع زوجة عمها وسما أمام شاشة التلفاز، يتابعن أحد البرامج، بينما كانت الأحاديث المتقطعة تختلط بأصوات المذيع القادمة من الشاشة.
وبعد قليل، نهضت زوجة عمها وتركت مقعدها، متجهة إلى المطبخ لتتفقد أحوال الخادمات، وتتأكد من انتهائهن من إعداد وجبة الغداء.
كانت تشرف على كل شيء باهتمام بالغ، وتتحدث إليهن بنبرة يغلب عليها الأمر، وكأنها لا تريد أن يعتري المائدة أي تقصير، ثم أخبرتهن أن ضيفًا مهمًا سيأتي إليهم على الغداء.
وصل حديثها إلى مسامع زاد، فالتفتت إلى سما باستغراب، وقد أثار الأمر فضولها:
ـ ضيف! يا ترى الضيف ده صاحب عمو في الشغل!
اتسعت ابتسامة سما باستفزاز، وكأنها كانت تنتظر أن تسألها زاد تحديدًا، وقالت:
ـ إيه ده! إنتِ ما تعرفيش مين جاي يا زاد!
كشرت زاد حاجبيها، وقد بدا عدم الفهم واضحًا في عينيها:
ـ وأنا هعرف منين يعني؟ وبعدين هو سر؟ ما تقولي مين جاي!
ابتسمت سما بخبث، ثم مالت قليلًا نحوها وقالت:
ـ امممم، يبقى بابا فعلًا ما قالكيش. أصل عمو حسين اتصل على بابي وقاله إنه جاي ضروري، ولازم لازم ترجعي معاه على البيت. وعمو نبه على بابي إنك ما تعرفيش أي حاجة. يمكن عمالهالك مفاجأة ولا حاجة.
ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف بنبرة موحية، وكأنها تلقي في قلبها بذرة خوف:
ـ بس عمو كده من رد فعل بابي لما شوفته! شكله ناوي على حاجة. مش في صالحك.
تجمدت زاد في مكانها.
لم تكن تعلم أن والدها سيأتي إليها، ولم تكن مستعدة على الإطلاق لمواجهته. تسارعت الأفكار في رأسها دفعة واحدة؛ فقد كانت تخشى والدها، وفي الوقت ذاته تشعر بوخز الضمير لأنها تركته وحيدًا في المنزل بعد كل ما حدث بينهما.
لكن خوفًا آخر كان أشد وطأة عليها.
ماذا لو كان قد جاء ليأخذها، ثم فاجأها بما هو أسوأ؟
تذكرت كلماته السابقة، حين أخبرها أنه سيزوجها في أسرع وقت من أي شخص يتقدم لطلب يدها، فازداد اضطرابها، ولم تعد قادرة على الجلوس مكانها أو التفكير بهدوء.
نهضت فجأة، واتجهت إلى غرفتها بخطوات سريعة، وكأنها تبحث عن مكان تختبئ فيه من كل تلك الأفكار.
أغلقت الباب خلفها، ثم جلست على طرف فراشها، وأسندت كفيها إلى رأسها، تحاول أن تجد مخرجًا من المأزق الذي وجدت نفسها فيه.
كانت لا تريد أن تخسر والدها، وفي الوقت ذاته لم تكن مستعدة لأن تخسر باسل.
وبعد تفكير طويل، جمعت حقيبة ملابس صغيرة، واتخذت قرارًا بالذهاب إلى أقرب فندق، حتى تحصل على بعض الوقت للتفكير بهدوء، وربما تجد طريقة تصلح بها الأمور قبل أن تخسر الاثنين معًا.
كانت حائرة، متخبطة، ولا تعرف أي طريق تسلك.
وفي أثناء ذلك، كانت سما تراقب ما تفعله من بعيد. ثم دخلت إليها متظاهرة بالدهشة، وكأنها لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد.
ورغم أنها كانت تشعر في داخلها بالفرح؛ لأن زاد ستغادر منزلهم أخيرًا، وستترك لها مساحة أكبر مع والدها الذي ظل مهتمًا بها طوال الوقت، فإنها سرعان ما بدأت تفكر.
كانت تعرف جيدًا مدى تمسك حسين بابنته، وتعرف أنه إذا علم بخروجها بهذه الطريقة فقد تنقلب الأمور كلها عليها.
لذلك لم تستغرق طويلًا في التفكير حتى اهتدت إلى حيلة.
دار بينهما حديث طويل، أخذت خلاله سما تقنع زاد بفكرتها، حتى تمكنت في النهاية من إقناعها بأن الخروج من البوابة الأمامية سيكون أمرًا صعبًا، خاصة أن عمها نجيب موجود هناك مع العمال الذين يعملون على تركيب بوابة المنزل الجديد.
قالت لها محذرة:
ـ زاد، إنتِ مش هتعرفي تخرجي من البوابة الرئيسية. بابا رايح دلوقتي يشوف ويقف هناك مع العمال، ولو شافك هيسألك رايحة فين وجاية منين، وممكن تحصل مشكلة وتلاقي نفسك ما عرفتيش تخرجي أصلًا.
ترددت زاد، فقالت سما سريعًا:
ـ لكن البوابة التانية محدش بيبقى عندها في الوقت ده. لو إنتِ عايزة تخرجي من غير ما حد يشوفك، يبقى دي فرصتك. وبرده كله يرجعلك. انا بقول تقعدي أحسن وبلاش تهور.
اقتربت زاد منها وهي تفكر، ثم قالت بقلق:
ـ لأ أقعد ايه بس، أنا لازم امشي.بس هخرج إزاي من غير ما حد يشوفني؟ أكيد أي حد من الحرس لو شافني هيعرفني.
ابتسمت سما، وكأنها كانت قد أعدت لكل شيء:
ـ بما إنك مصره انا هساعدك واقف جمبك.بسيطة، استني هنا.
خرجت لدقائق، ثم عادت وهي تحمل رداءً خاصًا بالخادمات، ومدته إليها قائلة:
ـ البسي ده، محدش هيعرفك، لا بابا ولا إخواتي، ولا حتى الحرس. وتخرجي كأنك واحدة من الخدم.
نظرت زاد إلى الرداء لحظات، ثم اقتنعت بالفكرة، ورأت أنها قد تكون الطريقة الأسهل للخروج دون أن يلاحظها أحد.
ارتدت الرداء سريعًا، وحملت حقيبتها، ثم خرجت مسرعة من الباب الخلفي بمساعدة سما، التي وقفت تراقبها حتى ابتعدت، ثم أغلقت الباب خلفها.
ارتسمت على وجه سما ابتسامة انتصار خفية.
كانت تعلم أن زاد، بخروجها بهذه الطريقة من منزل أحد أفراد عائلتها، قد تلحق بنفسها العار، وهذا تحديدًا ما كانت تريده.
عادت إلى مكانها أمام التلفاز، وجلست بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث، تنتظر أخبارًا تعرف في قرارة نفسها أنها ستسرها بالتأكيد.
أما زاد، فقد ركضت بكل ما أوتيت من سرعة حتى وصلت إلى البوابة الخلفية.
لكنها توقفت فجأة.
كانت البوابة مؤصدة بالأقفال.
نظرت إليها في صدمة، ثم التفتت حولها سريعًا، وكأنها تبحث عن مخرج آخر.
لم يكن أمامها وقت طويل للتفكير، فوضعت حقيبتها عند فتحات البوابة، وأخذت تحاول دفعها من خلالها بصعوبة، حتى تمكنت أخيرًا من إلقائها إلى الجانب الآخر.
ثم أمسكت بالبوابة وبدأت تتسلقها.
كانت يداها ترتجفان، وقد كادت تسقط أكثر من مرة، لكنها عاودت المحاولة في كل مرة، متشبثة بالحديد بكل قوتها، حتى نجحت في الوصول إلى أعلاها.
توقفت هناك.
نظرت إلى المسافة أسفلها، فشعرت بدقات قلبها تتسارع هلعًا.
كانت المسافة طويلة، والقفز منها مخاطرة حقيقية، لكنها لم ترَ أمامها سبيلًا آخر.
ابتلعت خوفها، وأغمضت عينيها، ثم حبست أنفاسها وألقت بنفسها إلى الأسفل.
وفي اللحظة التي ظنت فيها أنها ستصطدم بالأرض، شعرت بجسدها يُلقى بين يدي شخص ما...
أغلقت عينيها مذعورة، وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها.
فتحت زاد عينيها في ترقب.
وحينما رأته، كان ينظر إليها متعجبًا، وظل حاملها بين يديه.
لم تفهم ما الذي يحدث، ولم يزدها قربه وارتباك الموقف إلا انزعاجًا. بدأت تفرك كتفه وتضربه، محاولة أن تفلت منه، وتريد منه أن يتركها.
أما رضوان، فعندما وجدها تفعل تلك المحاولات، لم يمانع في إسقاطها.
فتح يديه بانسيابية، فسقطت زاد أرضًا على ظهرها.
خرج منها تأوه مؤلم، وشعرت بلسعة الألم تسري في ظهرها، فرفعت رأسها ونظرت إليه، وقد اشتعل الغضب في عينيها من تصرف ذلك الأحمق القابع أمامها.
كان رضوان قد كوّن في لحظات قليلة تصورًا كاملًا عما يحدث.
ثيابها جعلته يظن أنها خادمة بالمنزل، وقد قامت بسرقتهم وتحاول الهرب، والدليل تلك الحقيبة التي بجانبها.
وقبل أن يقوم بتوبيخها ثم تسليمها للعائلة، صُدم من رد فعلها عندما عنفته قائلة:
ـ إنت إيه اللي إنت عملته ده يا بني آدم إنت! إنت قليل الذوق وقاصد إنك توقعني على الأرض.
اشتعل غضبًا من وقاحتها.
سارقة وهاربة، ولديها الجرأة أيضًا على ارتكاب حماقات أكثر!
يا لها من حمقاء.
ماذا تظن نفسها؟
بدلًا من أن تشكره لأنه التقطها قبل أن تسقط، تتهمه وتصرخ في وجهه!
استدار إليها، وتبدلت ملامحه، وقال بحدة:
ـ إيه يا بت؟ كمية البجاحة اللي إنتِ فيها دي؟ يعني حرامية وهربانة وكمان بتغلطي! ولسانك طويل! طيب على الأقل خافي مني لأفضحك عند أسيادك في الشغل، وساعتها لو قفشوكي مش هيرحموكي.
صرت زاد على أسنانها من وقاحة ذلك الشاب الذي لم يعرف من تكون.
حاولت أن تعتدل رغم الألم إثر وقعتها، وكانت أيضًا تسعل من الغبار الذي تناثر أمامها أثر السقوط، وقالت بتعجرف وعصبية:
ـ أنا بجحة! مش بقولك إنك قليل الذوق؟ أنا نظرتي في البني آدم عمرها ما بتخيب أبدًا. وإنت يا بتاع إنت بتقول على مين حرامية! أنا حرامية! إنت مش عارف أنا مين! وكمان عارف إن بكلامك ده أنا دلوقتي ممكن أسجنك وأوديك في ستين داهية، وبسبب قلة ذوقك دي.
قبض رضوان على يديه غضبًا.
لم يعتد أن يتحدث إليه أحد بهذه الطريقة، فكيف بهذه الحمقاء التي لا يعرفها، والتي ظهرت أمامه من فوق بوابة وهي تحمل حقيبة وكأنها تحاول الهرب؟
ورد عليها قائلًا:
ـ أقسم بالله إنتِ لو راجل قدامي وقلت الكلام ده، كان زماني مطبق وشك في بعضه. بس للأسف إنتِ واحدة ست وأنا راجل متربي، وللأسف برده ما ينفعش أمد إيدي عليكِ. واتلمي ولمي الدور، وسيبي اللي سرقتيه من الناس، وروحي لحال سبيلك.
فرغت زاد فاها، ولم تستطع التفوه للحظات من شدة دهشتها.
أيُعقل أنه ظن أنها سارقة؟
لكنها سرعان ما استعادت غضبها وقالت:
ـ أسيب اللي سرقته! إنت مجنون! أكيد إنت مجنون علشان تتكلم معايا بالطريقة دي. أنا هوديك في ستين داهية. إنت اتحدفت عليا من أنهي داهية يا بتاع إنت؟
تعجب قائلًا:
ـ على قد ما شوفت في حياتي، ما شوفتش بجاحة بالطريقة دي. بجحة، بجاحة يا ستار!
ثم اقترب رضوان خطوة، محذرًا إياها، وقال:
ـ وتاني مرة لما تروحي تشتغلي في بيت حد تصونيه وتحترمي أهل البيت اللي بتشتغلي فيه، وتراعي ضميرك يا معدومة الضمير إنتِ. مفيش أي حاجة في الدنيا تستدعي إنك تسرقي حاجة مش بتاعتك. أنا عارف إن كلامي مش هيأثر فيكِ؛ لأني عارف كويس الأشكال دي ضميرها معدوم إزاي.
بتر كلامه الحاد، ولم تستطع أن تتحمل أن تسمع منه أكثر من ذلك، فتحدثت بصوت عال:
ـ اخرس! إيه التهريج اللي إنت بتقوله ده! أنا حرامية؟ وكمان خدامة؟ إنت شايف قدامك إني شكل خدامة! حقيقي إنك وقح ومش متربي. عايز تمد إيدك عليا كمان! جرب بس واعملها، هتلاقي نفسك في خبر كان. ودلوقتي تمشي من قدامي حالًا، وإلا هطلبلك البوليس يعرف شغله مع الأشكال اللي زيك.
صمت رضوان ولم يرد عليها.
كانت، أولًا وأخيرًا، أنثى، ولا يجب عليه الوقوف أمامها في جدال طويل.
لكن صمته لم يهدئها، بل ضاعف من انفعالها، وتعالى صوتها أكثر، حتى سمعها الحارس الذي يقف بعيدًا أمام الفيلا.
رآها تتشاجر مع ذلك الشخص، فاقترب مسرعًا ليطمئن عليها بعد أن عرفها، وسألها إن كان بها من ضرر.
أشارت إلى رضوان، ونعتته بالأحمق وأنه يتعرض لها.
وقبل أن يدفعه الحارس، دفعه رضوان بعيدًا، فقال الحارس:
ـ إنت مجنون يا جدع إنت؟ إنت بتتعرض لمين؟ إنت مش عارف انت واقف قدام مين؟
انزعج رضوان أكثر من تكرار هذه الكلمة السخيفة.
لماذا كان الجميع يتحدثون وكأن معرفة اسمها أو والدها تجعلها فوق الخطأ؟
صرخ فيه قائلًا:
ـ ومش عايز أعرف دي مين ولا بنت مين؛ لأنه مش هيفرق معايا، إن شاله تكون بنت وزير! أعملها إيه يعني؟ اللي أعرفه إني لقيت واحدة بتهرب، وكانت هتقع على الأرض من فوق البوابة دي. جريت ساعدتها وندمت. يا ريتني كنت سبتها، كانت اتكسرت رقبتها ولا اتفتحت دماغها واتربت! وبعدين إنت جاي تدافع عن واحدة بتهرب؟! تلاقيك إنت كمان متفق معاها على سرقة المكان، وإنت بتأمّن ليها البوابة، وجه العبد لله بوظ عليكم الخطة.
اندهش الحارس هو الآخر.
أما زاد، فنظرت إليه بحقد وكره واضح. حقًا، كان هذا الشاب هو الوحيد الذي استطاع أن يستفزها إلى هذه الدرجة، وأن يجعل عقلها يكاد ينفجر من كلماته وأفعاله. وهمست بزهول:
(بوظ علينا الخطة!)
اقترب الحارس من رضوان حتى يلكمه.
وفي لحظة خاطفة، تفادى رضوان اللكمة، وأمسك الحارس من تلاليبه بقوة، واقترب من وجهه، وتحدث بغضب جامح:
ـ أوعى تفكر تمد إيدك، وخصوصًا على واحد مش فارق معاه الدنيا واللي عليها. وإن كنت فرحان بعضلاتك دي، فأنت عامل الفورمة دي في شهرين زائد شوية مكملات، لكن العبد لله اللي واقف قدامك ده بنى العضلات دي بشقى سنين طويلة. يعني لو فكرت تمد إيدك، عضمك هيضرب في وشك يطلع من قفاك، وساعتها ما تلومش حد غيرك إنت والحرامية اللي معاك دي.
أنهى تهديده، ودفعه ليذهب من هنا.
ثم استدار.
وقف فجأة.
فقد رأى أمامه نجيب المالكي.
