رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الخامس 5 بقلم جمانة جي


 رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الخامس 

(قبل سنوات )

- كان الشتاء قد بدأ يلين، تاركًا خلفه هواءً باردًا خفيفًا ورائحة تراب مبلل بعد ليلة مطر قصيرة.

- استيقظ " ماجد " يومها على غير عادته مبكرًا و
فتح عينيه فوجد " تَيم "  نائمًا إلى جواره فوق الفراش الكبير، بعدما تسلل ليلًا من غرفته كعادته القديمة.
ابتسم " ماجد " دون وعي و كان الصغير قد بلغ السادسة حينها، لكنه ظل يصرّ على أن نومه لا يكتمل إلا قرب أبيه أحيانًا.

- مد " ماجد "  يده يزيح خصلة شعر عن جبين الصغير ففتح " تَيم " عينيه نصف فتحة ثم اردف بصوت ناعس:
 بابا.. هو احنا روحنا الرحلة؟
 
- ضحك " ماجد " بخفوت و أخبره : لسه يا عم الشيف.
- اعتدل " تَيم " فجأة وقال  بحماس:  بجد هنروح؟

_ ما احنا  اتفقنا  يوم كامل للرجالة.

- في الجهة الأخرى من السرير، كانت " مُنى "  تراقبهما بصمت و لكن ابتسمت رغم التعب الساكن في ملامحها منذ أشهر فقد كانت حياتهما بعد " تَيم "  تدور سريعًا بين العمل والمدرسة والبيت، وصارت مثل تلك الرحلات الصغيرة محاولة لإنقاذ ما تبقى من البهجة وسط ضغط الأيام.

- نهضت وهي تجمع شعرها و اردفت إليهم قائلة :  انتوا صحيتوا بدري ليه؟

- قفز " تَيم " من فوق السرير و أخبرها بنبرة حماسية :
عشان الرحلة 

- اقتربت " مُنى " منه و قبلت رأسه ثم سألت :  رحلة ايه دي؟
- رفع " ماجد "  كتفيه ببراءة مصطنعة بينما أردف " تَيم " قائلا : 
 اتفاق سري بين الرجالة.
- ضيقت عينيها ثم قالت : 
 اه وأنا آخر من يعلم؟

- ضحك " تَيم "  وهو يتعلق برقبتها اثناء اخباره لها :
 هنروح نصطاد ونرجع بالليل.

-لم يفته التردد الخاطف الذي مر في وجهها و كانت تعرف هواية "ماجد "  القديمة الصيد والتخييم والطرق البعيدة لكنها لم تحبها يومًا فقالت وهي تنظر لزوجها:  بعيد؟
_ لا ساعة بالعربية بالكتير.
= والطريق؟
_ آمن.

-ظلت صامتة لحظة ثم قالت بهدوء يحمل قلقًا خفيًا:
خلي بالك منه يا ماجد .
- نظر إليها باستغراب ثم قال بتأكيد : طبعًا.
-اقتربت أكثر وعيناها عليه لا  بل على " تَيم ".

_ أقصد… بلاش تسيبه لحظة.

-ابتسم ليطمئنها وقال :  مُنى  انتِ مكبرة الموضوع ليه؟
-اخفضت صوتها و أجابت : مش مكبراه بس مش مرتاحة.

- تدخل " تَيم " سريعًا وقال بنبرة متذمرة:  ماما بقى

- ضحكت رغماً عنها وربتت على وجنته و قالت :
خلاص يا سيدي روح البس.
- ركض "تَيم " الي  خارج الغرفة وبقيت هي تنظر إلى " ماجد " فاقترب منها يقبل جبينها و أردف إليها بنبرة مطمئنة:  متقلقيش.
- فهمست له قائلة : بردو خلي بالك منه.

- لم يعرف لماذا ظل صدى تلك الجملة يطارده بقية اليوم و 
كانت المنطقة التي قصداها تقع قرب طريق جبلي بعيد نسبيًا عن المدينة.

- مكانًا مفتوحًا، تحيطه الأشجار والصخور، وتطل بعض نقاطه على مياه منخفضة تشبه البحيرة الصغيرة.

- أحب " ماجد " المكان منذ سنوات وكان يريد أن يمنح 
"تَيم " ذكرى تخصهما وحدهما.

- فبدأوا بالركض بين الأشجار و جمعا الحجارة وأصر "تَيم " أن يتعلم الصيد رغم أنه بالكاد يستطيع الإمساك بالصنارة
وكان "ماجد "  يضحك أكثر مما يعلّم .

وفي الظهيرة جلسا قرب السيارة يتناولان الطعام و امتلأ وجه "تَيم " بالتراب وبقايا البطاطس.
فأخرج " ماجد "  هاتفه وصوره فهتف الصغير بنبرة احتجاح: لاااء .. امسحها .

-ضحك " ماجد " ثم قال له بنبرة مازحة : دي للفضايح بعدين.

- أشار " تَيم "  إلى الماء البعيد ثم قال :
 بابا. نروح هناك؟
- نظر " ماجد " الي مكان ما قال فوجد أن  المنحدر المؤدي للبحيرة منخفضًا لكنه غير مستوٍ.
فهز رأسه وقال : بعدين يا حبيبي .

(وبعد مرور بعض الوقت )

- ثم لاحظ أن زجاجة المياه انتهت فتنهد ثم قال :
 استنى هنا دقيقة.

- كان " تَيم " يبدو مرهقًا وبدأ النعاس يغلبه فـ فتح " ماجد " الباب  له باب السيارة الخلفي.
— نام شوية لحد ما أجيب مية من الكشك اللي على الطريق ده .

- تمدد الطفل بتكاسل وقال : بسرعة يا بابا .

_ دقيقة وهبقى عندك. أخبره بذلك ثم شغّل المحرك والتكييف فاليوم، رغم برودته، حمل شمسًا حادة.

-أغلق الباب ثم ابتعد لم تكن المسافة كبيرة بل خطوات معدودة ولا الزمن طويلًا لكن بعض الكوارث لا تحتاج أكثر من دقيقة.

-بينما كان " ماجد " يقف عند الكشك الصغير سمع الصوت في البداية لم يفهمه فكان احتكاك معدن ثم حركة غير طبيعية فـ استدار وتوقف قلبه عندما رأي السيارة كانت تتحرك ببطء أولًا ثم أسرع فـ اتسعت عيناه و سقطت زجاجة المياه من يده و اخذ يركض وهو يصيح بإسم ابنه :
تَـــــيـــــم !!!

- كان الباب مغلقًا ورأى من الزجاج حركة مرتبكة صغيرة فقد كان الصغير استيقظ وربما دفع شيئًا أو لمس ناقل الحركة أو خانت الفرامل القديمة السيارة أخيرًا لا أحد يعرف كل ما عرفه " ماجد " أن السيارة بدأت تنحدر فـ ركض بأقصى سرعته قدماه تنزلقان فوق التراب وصرخته خرجت ممزقة: تَـــــيـــــم  

-كان قد وصل  قريبًا  لكن مد يده لكن السيارة أفلتت و انزلقت أسرع نحو الحافة فركض خلفها بجنون و سقط و نهض و جرح كفه بالحجارة ثم رأى اللحظة التي ستطارده بقية عمره وهي هبوط السيارة  للمنحدر ثم
ارتطام وصوت معدن عنيف.وبعده مباشرة الماء.

-تجمد الزمن ولثانية واحدة لم يتحرك كأن عقله رفض تصديق ما رأته عيناه ثم انفجر و ركض نحو البحيرة وهو يصرخ بإسم ابنه.

- و قفز إلى الماء دون تفكير وكان الماء بارد موحل والسيارة تغرق ببط مؤلم و كل شيء كان يحدث أسرع منه.
حتى اختفى المشهد خلف الماء الداكن و حين وصلت فِرق الإنقاذ كان " ماجد "  قد انهار و أخرجوه بالقوة.
وكان يصرخ بصورة أفزعت الجميع ووجهه مغطى بالطين والدموع والدم ويداه تنزفان من أثر الجروح بها ومع ذلك 
لم يتوقف عن محاولة العودة للماء.

_ابني سيبوني!

-لكنهم أمسكوا به وحين أخرجوا السيارة أخيرًا
عرف قبل أن يخبروه عرف من الصمت و من الوجوه و من نظرات الرجال ومن ذلك الفراغ الهائل الذي فتح فمه داخل صدره فجأة.

- وصلت " مُنى "  بعد مرور بعض الوقت و كانت شاحبة الوجه و تلهث وعيناها تبحثان بجنون.

-ركضت نحوه و هي تسأله : تَيم فين؟

-رفع رأسه ببطء وكانت تلك أول مرة تراه بهذا الشكل وجه بلا حياة عينان غارقتان في الذهول وشفاه لا تستطيع تكوين الكلمات.

-اقتربت أكثر منه وهي تمسك ذراعيه :
— ماجد .. ابني فين؟!
- خرج صوته مكسورً وهو يهتف باسمها: مُنى 
ثم انهار و هبط بجسده  و لم يقل شيئًا بعدها ولم تحتج هي إلى تفسير نظرت نحو البحيرة ثم نحو الرجال الواقفين
ثم إلى السيارة المشوهة وفي لحظة واحدة فهمت وسقط العالم كله فوق رأسها.

-فـ خرجت منها صرخة لم يسمع  " ماجد " مثلها قط فقد كانت صرخة أم انتُزع قلبها من بين ضلوعها أما هو فـ انهار وكأن جزءًا من روحه ظل عالقًا هناك في الماء إلى جوار ابنه.


تعليقات