رواية عندما يستيقظ الامس الفصل السادس 6 بقلم جمانة جي


 رواية عندما يستيقظ الامس الفصل السادس 

- لم يُدفن " تَيم "  وحده كان ذلك ما ستفهمه "مُنى " لاحقًا ففي اليوم الذي دُفن فيه الطفل الصغير تحت التراب دُفن شيء آخر إلى جواره ، شيء لم يحمل اسمًا ولا شاهد قبر فقد كانت روح " ماجد " نفسها.

- مرّت الأيام التالية كأنها خارج الزمن و امتلأ البيت بالحزن وحده فهو مقيمًا لا يغادر و اختفت ضحكات " تَيم " من الجدران و ألعابه الصغيرة ظلت في أماكنها كأن أحدًا سيعود ليجمعها بعد قليل و غُرفته كانت الأكثر قسوة
لم تستطع " مُنى " دخولها أول أسبوع ، أما "ماجد "
فلم يستطع الاقتراب منها أصلًا و صار البيت كله حقل ألغام من الذكريات و كل زاوية تؤذي و كل صوت يجرح وكل صمت أشد.

- في البداية حاولت " مُنى " التماسك و كانت تظن أن الحزن سيقرّبهما  و أنهما سيحملان الفقد معًا لكن شيئًا آخر كان يحدث وهو ابتعاد " ماجد" عن الحياة ببطء و لم يعد يذهب للمطعم إلا نادرًا و لا يأكل و لا ينام إلا قليلًا ولا يكاد ينطق.

- كانت تراه أحيانًا جالسًا في الشرفة قبل الفجر، يدخن بصمت ويحدق في الفراغ كأنه ينتظر حكمًا ما وفي إحدى الليالي وضعت " مُنى "  كوب الشاي أمامه وجلست مُقابله له و قالت بهدوء: لازم تتكلم
-ظل صامتًا و لم يُجيب عليها فأكملت حديثها قائلة :
الهروب مش هيغيّر اللي حصل
-رفع عينيه إليها أخيرًا وكان التعب فيهما مرعبًا و لكنه تنهد و قال : أنا مش بهرب 

- ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة ثم سألته :أومال ده ايه؟

-أشاح بوجهه عنها ثم أردف إليها بنبرة حزينة : سيبيني يا مُنى .

- لكنها لم تستطع و لم يكن الألم يترك لها مساحة للهدوءفـ
قالت بصوت مرتجف: أنا ابني مات يا ماجد .

-أغمض عينيه للحظات وهو يُخبرها :  عارف
_لا ..انت مش عارف.

-صمت فـ خرجت الكلمات منها كجرح مفتوح:
لو مكنتش خدته معاك لو كنت مسبتوش لوحده

-تشنج فكّه و لم يرد لكن الجملة استقرت داخله كالشوكة ، 
وبمرور الأسابيع لم يعد اللوم استثناء صار لغة بينهما ، 
لم تكن "مُنى " تقصد دائمًا أن تؤذيه بل كانت تؤذي نفسها معه ، لكن الكلمات، حين تخرج من قلب مكسور، لا تختار طريقها جيدًا.

(ذات مساء)

- كانت ترتب أغراض " تَيم " في غرفته بينما وقف " ماجد " عند الباب عاجزًا عن الدخول فوجدها ترفع  لعبة صغيرة تخص "تَيم " وهي تردف  دون أن تنظر إليه:
كان بيحب العربية دي
- صمت "ماجد " فوجدها تُكمل : 
كان بينام وهو ماسكها.

-ظل صامتا بدون أن  يتحدث و لكن كان يشعر بالألم القاتل داخل قلبه فوجدها تقول بصوت أكثر خفوتًا : أنا قولتلك اليوم ده إني مش مرتاحة.

- انقبض صدره وأجبر نفسه على الكلام: مُنى  كفاية .

- التفتت نحوه فجأة وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع والغضب معًا و قالت : 
كفاية ايه!
- ارتفع صوتها لأول مرة منذ وفاة طفلهما و قالت بنبرة غاضبة: أنا كل يوم بصحى ألاقي أوضته فاضية وأنت عايزني أبقى كويسة

-اخفض رأسه لكنها أكملت بانهيار وكأنها تخاطب نفسها أكثر منه: أنا سلمتهولك

- ضربته الجملة بعنف ولم يجد ما يقوله لأنه كان يقولها لنفسه كل ليلة بالفعل و من بعدها تآكل كل شيء و لم يعودا زوجين بل ناجيين من كارثة يجرّ كل منهما الآخر نحو قاعها و توقف " ماجد "  عن لمسه وصارت " مُنى " تراقبه بعينين يختلط فيهما الحب بالخذلان والاتهام ، وأحيانًا بالخوف فكانت تخشى أن تفقده هو أيضًا لكنها لم تعرف كيف تمنعه من الابتعاد.

- وفي إحدى الليالي الشتوية استيقظت على صوت في الصالة خرجت مرتبكة فوجدته واقفًا أمام صورة " تَيم " و كان وجهه شاحبًا و يتنفس بصعوبة.

- اقتربت منه  بقلق ثم سألته : مالك  ؟
- لم يلتفت إليها بل قال بصوت مبحوح: أنا بشوفه.

- ارتجف قلبها و سألته : مين؟"
_ تَيم .

- تصلب جسدها بينما واصل وهو يحدق في الصورة:
كل ما أنام بشوفه 

- اقتربت منه أكثر و حاوطت ذراعه و أخبرته بنبرة هادئة :
دي صدمة،  طبيعي
-ضحك بمرارة ثم أخبرها :
لا مش طبيعي.
- ثم التفت إليها برأسه وعيناه حمراوان من السهر ثم قال :
أنا سمعته وهو بيناديني

- شعرت بالخوف لأول مرة عليه من بعد وفاة ابنهما ، فـ رفعت يديها تحاوط وجهه وهي تنطق بإسمه :
ماجد .

- بدأ في البكاء وهو يُخبرها بنبرة حزينة مؤلمة :
أنا كل يوم بموت يا مُنى

- لكنها، رغم وجعها، لم تعرف كيف تنقذه لأنها كانت تغرق هي الأخرى.

(بعد شهرين تقريبًا)

- استيقظت " مُنى " صباحًا فوجدت جانبه من السرير فارغًا ، ظنت أنه خرج لكن الساعات مرّت والهاتف لم يُجيب عليها  و زملاءه في المطعم لم يروا اليوم وفي المساء بدأ الذعر بحثت عنه في كل مكان اتصلت بأصدقائه و ذهبت الي بعض المستشفيات و تواصلت مع الشرطة فـ لأثر له 
 كأن الأرض ابتلعته وفي تلك الليلة جلست  وحدها في الصالة المظلمة بين صورة طفلها الميت و وزوجها الذي اختفى بدون  شجار أخير و لا وداع و لا تفسير  وللمرة الأولى تسللت إلى قلبها فكرة مرعبة
[هل هرب مني؟ ]

- أما " ماجد " فكان في منطقة أخرى على حافة شيء يشبه النهاية لم يحمل معه كثيرًا بل بعض المال و ملابس قليلة بالإضافة إلي شعورًا خانقًا بأنه لا يستحق الحياة 

- أقام في فندق رخيص قرب الساحل و قضى أيامًا لا يفعل شيئًا سوى النوم المتقطع والسير بلا هدف ، كان أشبه بشبح.

- وفي إحدى الليالي وقف فوق شاطئ معتم الأمواج تضرب الصخور بعنف والبرد ينهش عظامه و في جيب
رسالة قصيرة كتبها لـ "مُنى" ثم مزقها.

- وفي رأسه صوت واحد [ لو اختفيت يمكن ترتاح مني]

-نظر إلى الماء طويلًا  وكان كل شيء سينتهي لكن قبل أن يتحرك رن هاتفه فـ نظر إليه باستغراب عندما وجد 
رقم مجهول تردد ثم أجاب وجاءه صوت رجل هادئ لا يعرفه:
مساء الخير يا أستاذ ماجد 

_مين؟

-سكت الرجل لحظة ثم قال بهدوء أثار القشعريرة:
احنا عارفين انك تعبان وانك مش عايز تكمل بالحياة دي.

-  اتسعت عيناه و تسائل : انتوا ؟ انت ولا انتوا 
 مين اصلا 
_في ناس زيك محتاجة تبدأ من أول وجديد.

-اشتد برد البحر حوله بينما أكمل الرجل قائلا :
لو الذكريات بقت عقاب فيه طرق تخلّصك منها.

-صمت ماجد و لأول مرة شعر أن الظلام الذي يقف أمامه
قد فتح بابًا.


تعليقات