رواية تلميذ الجن الفصل السادس والستون بقلم جمال الحفني
بعد ما خلصت آخر مهمة خرجت لها بإرادتي، رجعت وأنا عارف إن السنة اللي أخدتها مش هتكون سنة راحة زي ما كنت متخيل.
في الحقيقة كنت محتاج أبعد عن القبائل، وأبعد عن شغل الحفريات، وأعيش وسط البشر شوية من غير أوامر ولا مهام ولا أحكام لازم أنفذها, لكن في نفس الوقت كان جوايا فضول أكبر من مجرد الراحة, فضول إني أفهم أكتر وأشوف بعيني حاجات ماكنتش بشوفها وأنا مجرد منفذ لأحكام الجن.
ساعتها بدأت أفكر في فكرة العلاج من جديد، مش بس علشان أساعد الناس اللي بتوصل لحالات مستعصية، لكن كمان علشان أعرف أسرار أكبر عن العالم اللي بقيت جزء منه، وأفهم ليه بعض الحالات بتتشابه، وليه حالات تانية بتحصل لأشخاص من غير أي مقدمات، وإيه اللي بيخلي إنسان معين يقدر يشوف أو يسمع حاجات غيره مايحسش بيها؟
كنت عارف إن السنة دي ممكن تعدي من غير ما أقابل عفريت واحد، وممكن تكون أكتر سنة أشوف فيها حاجات عمري ما شفتها قبل كده وعلشان كده قررت أبدأها بعيد عن محافظتي، وفي مكان محدش يعرفني فيه وأخلي البيت اللي هعيش فيه هو البداية..
قبل كل شيء قولت لأمي إني خارج في بعثة لمدة سنة أول أقل بشوية, وفي يوم السفر حضرت شنطتي وظبطت أموري وللأسف العربية بتاعتي مكانش ينفع اّخدها معايا فركنتها تحت البيت, واتوجهت للبيت اللي اتفقت على إيجاره مع واحد من السماسره وقالي هتروح تستلم من صاحب البيت اللي هيكون مستنيك في الميعاد.
المكان كان في قرية صغيرة على طريق قديم بين القاهرة والصعيد، قرية مشهورة عند أهل المنطقة باسمها بس، لكن لو سألت حد عنها من بره المحافظة فغالبا مش هيعرفها, وصلت لها قبل المغرب بشوية، وسألت عن البيت اللي كنت سمعت عنه، فدلوني عليه من غير أسئلة كتير, كان بيت قديم دور واحد مبني بالطوب الأحمر ومتشطب من بره على قده وقدامه مساحة واسعة من الأرض، وورا البيت شوية زرع وعلى بُعد خطوات منه طريق ترابي بيؤدي للطريق الرئيسي, المكان كله كان هادي بشكل غريب، وده بالضبط اللي كنت بدور عليه..
قعدت في الصالة أبص حواليا, مفيش حاجة ملفتة للنظر، أوضة نوم وأوضة تانية فاضية، مطبخ صغير وحمام، وكل حاجة بسيطة ومناسبة لشخص ناوي يعيش لوحده..
صاحب البيت كان راجل كبير في السن، دفعتله إيجار تلات شهور، وسألني هقعد قد إيه مع إن أكيد السمسار قاله مسبقا, قولتله سنة, بص لي لحظة وقال سنة كاملة؟
قلتله أيوه شغل, هز راسه وماتكلمش تاني, وقبل ما يمشي قالي رقم تليفوني عندك لو احتجت أي حاجه في أي وقت كلمني, شكرته بلطف وبعدها سابني ومشي..
بعد حوالي أسبوع من إقامتي في البيت كنت بدأت أتعود على هدوء المكان، لدرجة إني بقيت أسمع أصوات بسيطة ماكنتش واخد بالي منها في الأول, صوت باب بيت بيتقفل بعيد، صوت عربية بتعدي على الطريق الرئيسي، أو صوت كلاب بتنبح من وقت للتاني في آخر الليل..
كنت بقضي معظم يومي جوه البيت، أقرأ وأراجع اللي اتعلمته خلال السنين اللي فاتت، وأفكر في الحالات اللي قابلتها قبل كده، من غير ما أعمل أي محاولة إني أعرّف الناس بنفسي أو أقول لحد إني معالج, أنا كنت عايز الحالة هي اللي تيجي لي، مش أنا اللي أدور عليها..
لحد ما في يوم جمعة وبعد ما خلصت وضوئي واغتسالي خرجت من البيت بدري شوية وأنا متجه للمسجد, كنت لسه جديد في البلد، ومحدش تقريبا يعرفني غير صاحب البيت اللي مأجرهولي..
وأنا ماشي في الشارع وقبل ما أوصل للمسجد بحوالي دقيقتين، سمعت صوت صرخة جاية من أحد البيوت, وقفت مكاني وبصيت ناحية الصوت وبعدها سمعت صرخة تانية، أعلى وأشد!
وبعدها صوت ست بتقول وهي بتعيط "الحقونا, حد يلحقنا"
بدأت الناس تخرج من البيوت، وفي ثواني الشارع اللي كان هادي اتقلب لحركة وزحمة، وكل واحد بيسأل التاني إيه اللي حصل؟
قربت من البيت لقيت حواليه رجالة وستات، وفيه واحد واقف عند الباب بيزعق وبيقول للناس تبعد، وفي نفس الوقت صوت بنت من جوه البيت كان بيصرخ بطريقة ماكنتش طبيعية!
سمعت واحد من الواقفين بيقول دي البنت من الصبح وهي كده، كل ما حد يقرب منها تهجم عليه.
ورد عليه واحد تاني وقال اتصلوا بالإسعاف تلحقها..
لكن وسط الكلام ده كله كان فيه حاجة في صوت البنت خلتني أقف مكاني, مش الصراخ نفسه إنما الطريقة اللي كانت بتضحك بيها بين كل صرخة والتانية..
سمعت مرهوب بيهمس في ودني وهو بيقول فرصتك جات, وأنا مكنتش مستنيه ينبهني, لإني عارف إنها جات فعلا..
دخلت من بين الناس وأنا بقولوسعوا كده..
واحد من الرجالة اللي واقفين على الباب مسكني من دراعي وسألني إنت مين؟
من غير ما ابص عليه قولتله سيبني أدخل وهتعرف..
قالي باستغراب تدخل تعمل إيه؟
ماجاوبتش سحبت دراعي ودخلت البيت، وهنا كل اللي كانوا واقفين بره بدأوا يبصوا لبعض في استغراب وسمعت أكتر من واحد فيهم بيسأل اللي جمبه وهو بيشاور عليا, مين ده؟
دا مش من هنا..
حد يعرفه؟
مكانش حد يعرفني..
دخلت الصالة ولقيت بنت في أوائل العشرينات تقريبا، واقفة في آخر الصالة وأربع ستات بيحاولوا يقربوا منها ومش قادرين, كانت بتبص لهم بنظرة ثابتة ووشها باصص للسقف وشعرها منكوش، لكن اللي لفت انتباهي إن إيديها كانت مضمومة بقوة لدرجة إن ضوافرها اتغرست في كفوفها..
أول ما شافتني سكتت!
البيت كله سكت!
وبعدين رفعت عينيها ناحيتي وقالت بصوت ذكوري هادي جدا، مختلف تماما عن الصوت اللي كنت سامعه من الشارع "أنت جيت ليه؟"
قربت منها خطوة وقلت أنا اللي المفروض أسألك, عاوز منها إيه؟
ما ردش, أو ما ردتش..
لكنها ابتسمت..
الناس من اللحظة دي بدؤوا يوسعولي مجالي, حتى الحريم اللي كانت واقفه رجعت لورا, سمعت بعض الهمسات اللي بيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم, واللي بيستغفر ربنا, واللي بيقول بزهق احنا مش هنخلص من العفاريت وألاعيبها, الكل كان عارف إن البنت ممسوسة, تقريبا كانوا شاكين في الأول لكن دلوقتي اتأكدوا..
وقفت قدامها وأنا مركز في عينيها وعرفت إن اللي جواها مش هيسيبها بسهولة، فاستدعيت جرموق من غير ما أحرك شفايفي، وبعد لحظات حسيت بوجوده ورايا, طلبت منه يخرج اللي جوه البنت وينهي وجوده، بس كان لازم اعمل أي حركة بإيدي عشان الناس تنبهر بيا..
رفعت إيدي اليمين ناحية وش البنت في مشهد سينمائي والعيون كلها مترقبة وبعد ثواني قفلت إيدي على هيئة قبضة, وفي اللحظة دي جرموق عرف الإشارة, جسم البنت ارتجف وصرخت صرخة واحدة دوت في البيت كله، وبعدها وقعت على الأرض فاقدة للوعي.
الجو سكت تماما والصمت بقى أتقل من الأول، وبعد ثواني بدأت البنت تتنفس بشكل طبيعي وفتحت عينيها وهي بتبص حواليها كأنها مش فاكرة حصل إيه!
بصيت للناس وقلت لهم خلاص، هي هتكون كويسة..
ماحدش رد في الأول وكأنهم مش مستوعبين اللي حصل, أو إنه عادي يحصل لكن مش بالسرعة دي!
أمها جريت عليها وهي بتعيط من الفرحة والستات اتجمعوا حواليها، والرجالة بدؤوا يبحلقوا فيا كأنهم بيحاولوا يحفظوا ملامحي, حاولت أمشي من غير كلام كتير، لكن الخبر كان سبقني وخلال ساعات القرية كلها عرفت إن الغريب اللي ساكن في البيت الجديد قدر يعالج بنت فلان الفلاني, الممسوسة من الجن..
