رواية تلميذ الجن الفصل الثامن والستون 68 بقلم جمال الحفني

 



رواية تلميذ الجن الفصل الثامن والستون بقلم جمال الحفني




حوالي الساعة اتنين بعد نص الليل, محروس وحسن قاعدين في قلب الغيط مستنيين مكنة الري تخلص سقي الأرض, المكنة شغالة بصوتها العالي اللي شبه ضربات بندقية اّلية بتقطع سكون الليل, المياه بتجري من الترعة الصغيرة وتدخل تستخبى في الأرض المبذورة..

 الهوا البارد بيحرك عيدان الذرة حوالينهم حركة خفيفة, محروس قاعد على قالبين طوب جمب بعض وبيشرب في سيجارته، وحسن ممدد جنبه على شوال دقيق فارغ وكل شوية يرفع راسه يبص على المكنة ويرجع مكانه..

وفي مرة من المرات اللي بيرفع فيها حسن راسه ويرجع ينام تاني راح قال لمحروس بص كدا هناك..

محروس شال السيجارة من بقه ورفع عينه ناحية آخر الغيط للمكان اللي بيشاور فيه حسن، فشاف اتنين جايين عليهم من بعيد، راكبين حمارتين وبيتحركوا ناحيتهم ببطء..

 ضوء القمر كان كفاية إنه يوضح أشكالهم، لكن ملامحهم كانت مستخبيه في الضلمة, في البداية ما اهتموش وافتكروهم اتنين عاديين جايين لأي سبب من الأسباب، لكن بعد ثواني حسن لاحظ حاجة غريبة, الاتنين ماشيين جمب بعض بنفس السرعة, الحمارتين منسجمين جدا, الحركة واحدة بشكل ملفت للنظر, فضل قاعد ساند على إيده وهو متابعهم بيقربوا ناحيتهم وفجأة الراجل اللي على اليمين نزل من فوق الحمارة وبهدوء غريب انحنى ومد إيديه تحت جسمها وشالها على كتفه وكمل مشي جمب صاحبه!

حسن افتكر إن عينه خانته, اتعدل في قعدته وفرك عنيه ورجع يبص تاني الحمارة كانت فعلا فوق كتف الراجل رجليها متدليين على صدره ورقبتها مائلة على ضهره من ورا، وهو ماشي بيها كأنها في وزن طفل صغير, لا الحمارة معترضة ولا الراجل باين عليه أي مجهود، والتاني ماشي جمبهم ومكمل برضو بنفس السرعة!

محروس كان بيكمل سيجارته ومش واخد باله من الموقف, حسن قال بصوت واطي وهو لسه باصص عليهم وموجه كلامه لمحروس "دول مش ناس" 

كان عارف إن الزرع بالليل بتحصل فيه مواقف مش طبيعية, قصص كتير اتحكتله من الجدود وجدود الجدود, لكنه كان خايف على محروس اللي قلبه ضعيف وممكن موقف زي دا يأذيه..

محروس رفع عينه وبص عليهم تاني, أول ما شاف الراجل شايل الحمارة فوق كتفه، وحسن قاعد جنبه متجمد وكاتم نفسه، راح صرخ وقام يجرى ناحية الطريق, دخل وسط عيدان الذرة من غير ما يفكر، الزرع كان عالي لدرجة إنه كان بيخبط في وشه وبيجرح دراعاته، الخوف مخلاهوش يحس بحاجه,  كل اللي كان عايز يعمله إنه يهرب من المكان بأي شكل..

كان بيسمع صوت خطواته وهو بيخبط في الأرض، وأنفاسه طالعة متقطعة وفجأة سمع صوت تكسير وراه عود ذرة اتكسر وبعده واحد تاني, وبعدهم عشرات الأعواد بدأت تتكسر ورا بعض, الأدرينالين كان بيجري في دمه والصوت بيخلي رجليه يسابقوا الزمن كأنه طاير على الأرض لكن الصوت كان بيقرب منه بسرعة, كأن ثور هايج ضخم بيجري وراه عايز يدوسه وكل ما محروس يسرع كان صوت التكسير بيقرب أكتر وأكتر, عقله مستحملش أكتر من كدا وحب يخلّص محروس من هول الموقف اللي هو فيه, وعشان يساعده خلاه يقع على الأرض فاقد الوعي..
 
حسن كان شايف الموقف وسامع اللي بيحصل, بيبص في الناحية اللي جري فيها محروس وبعدها يبص قدامه ناحية الاتنين اللي بقوا واحد بس واقف وشايل الحمارة على كتفه وباصص ناحية حسن!

أول ما صوت التكسير اختفى, بص ناحية الذرة بيحاول يتطمن بعينه ولما رجع بص قدامه تاني لقى الراجل اختفى!
حسن رجع يجري ناحية القرية, وصل وهو بيخبط على الأبواب وبيصرخ، وبعد دقايق بقت الناس تبص من الشبابيك تشوف بيحصل إيه, سمعوا القصة وهو بيحكيها لواحد منهم, وبعدها الكل نزل وكل واحد ماسك كشاف كبير واتجهوا للغيط...

 دخلوا بين عيدان الذرة ينادوا على محروس، انتشروا في كل الأماكن, لحد ما واحد فيهم قال بصوت عالي "لقيته"

كان محروس مرمي على الأرض فاقد الوعي وهدومه كلها تراب، في خدّه خدوش طويلة, شالوه بينهم وخرجوا بيه من الغيط، ورجعوا بيه على البيت..

حطوه على سريره وهو لسه فاقد الوعي, في البداية افتكروا إنه أغمي عليه من الخوف والإرهاق، لكن بعد دقائق واحد منهم حط إيده على جبهته وسحبها بسرعة وقال
 "يا ساتر يارب دا نار" 

حرارته كانت بتعلى بشكل واضح ووشه بقى أحمر، وجسمه كله عرق ومع ذلك كان بيرتعش كأنه بردان حاولوا يفوقوه، نادوا عليه وهزوه، لكنه ما استجابش وبعد شويه بدأ يتكلم وهو مغمض عينيه، كلام متقطع ومش مفهوم، كأنه شايف حاجة محدش شايفها, مرة يقول حماره, ومرة يقول ابعدوها عني, ومرة يصرخ كأنه شاف حاجه رعبته..

فضل محروس على الحال دا, حرارته تعلا وتنزل بدون سبب, عملوله كمادات, لكن بدون فايدة, كل شوية محروس كان يفتح عينيه نص فتحة لكن عينيه ماكانتش بتشوف اللي حواليه, كان بيبص في مكان بعيد جوه الأوضة ويتابع حاجة بتتحرك قدامه هو بس اللي شايفها وبعد ثواني راسه ترجع تترمي على المخده تاني..

وأول الشمس ما طلعت حسن ساب محروس لأهله وجري ناحية بيتي..

خبط على الباب بعنف ولما فتحت له، كان واقف قدامي ووشه أصفر من الخوف, وقبل ما اتكلم لقيته بيترجاني ويقولي الحقني, صاحبي اتلبس, حالته خلتني اطلع معاه على طول بدون تفكير وفي الطريق لبيت صاحبه حكالي كل اللي حصل..

  وصلنا البيت ودخلت على محروس لقيته ممدد على السرير ووشه أحمر من الحرارة، وأهله واقفين حواليه، وكل شوية واحد منهم يقرب منه يحاول يفوقه لكن بدون فايه, قربت منه وحطيت إيدي على جبينه، وبعدها بصيت في عينيه, كانت مفتوحة نص فتحة لكن هو ماكانش شايفني, كان باصص في مكان ورايا وبيتابع حاجه بتتحرك قدامه وبصوت متقطع قال "هما لسه واقفين عند الغيط" 

سألته مين دول؟
قال "الاتنين اللي راكبين حمير" 

بصيت في وجوه الناس الكبيرة اللي واقفه عشان حد منهم يقول تفسير للي حصل, فهموا كلامي واللي اتكلم فيهم كان أكبرهم سنا, حكى عن قصة تار حصلت زمان, كانوا اتنين أصحاب واحد منهم رايح الأرض والتاني رايح معاه يونسّه, صاحب الأرض كان هو المقصود بالقتل, مشاكل بين أبوه وعمه على الأرض, ابن عمه قال طالما مش قادرين ناخد حقنا بالذوق يبقى أحرق قلب عمي على ابنه, فضل مستخبي وسط الزرع لحد ما الاتنين بقوا في مرمى بصره, رفع السلاح ناحيتهم, إيده كان بتترعش, قرار القتل صعب ولحظة القتل أصعب, أول طلقة طلعت راحت في الكتف, التانية جات في الحماره, الواد حس إن الفرصة هتضيع منه والشيطان كان هو اللي مسيطر على عقله راح طالع من وسط الزرع يجري ناحيتهم وقتل الاتنين واختفى, مرجعش لأهله, هرب ودا اللي خلّا الناس عرفت إنه هو القاتل..

طلبت من الناس يخرجوا من الأوضة ويستنوا بره ويقعد واحد أو اتنين, وبالفعل كله خرج ما عدا أبو محروس وحسن فضلوا واقفين كل واحد فيهم في ركن..

 قعدت جنب السرير وبصيت لمحروس اللي كان لسه مغمض عينيه وجسمه سخن بشكل يخوف, حطيت إيدي على صدره وغمضت عيني واستدعيت مرهوب بعد ثواني حسيت بوجوده واقف ورايا, قولتله شوف اللي جواه من غير ما تأذيه, وبعد لحظات قالي اللي فيه مش جن, لكن فيه جن في مكان في القرية هو اللي بيتواصل معاه وبينهم زي حبل طاقة ودا السبب اللي بيخلي محروس يهلوس وكمان بيشوفه..

قولتله يقطع حبل الطاقة دا بدون ما يفقد أثر الجن اللي في الطرف التاني, مرهوب قرّب من محروس وحط إيده فوق راسه, وفي اللحظة دي جسم محروس اتشنج بعنف وبدأ يتنفس بسرعة وفتح بقه وخرج منه أصوات غريبة, أمه كانت واقفه بره سمعته وصرخت تطلب مننا تدخل تشوف ابنها لكني قولتلهم محدش يفتحلها, مرهوب فضل ثابت مكانه وكأنه بيشد حاجة من جوه جسم محروس, وبعد ثواني جسم محروس ارتخى فجأة كأنه ما صدّق ارتاح..

ولما مرهوب رجع خطوة وقال قطعته, بصيت لمحروس لقيته بيتنفس بهدوء لأول مرة من وقت كبير..

طمنتهم وقولتلهم يسيبوه يرتاح شوية وبعدين هيبقى كويس, مرهوب اختفى بعد ما حس إنه مش عاوزه تاني..

وأنا خارج من البيت حسن لحقني عند الباب وقال لي يعني إنت مش هتروح الغيط وتشوف اللي بيحصل هناك؟ 

بصيتله وقلتله أنا جيت عشان صاحبك وكان محتاجني وأنا عملت اللي أقدر عليه, أما اللي حصل في الغيط فدي حكاية تانية, وأهل البلد عارفينها من سنين ومش كل حاجة غريبة لازم نحشر نفسنا فيها..


تعليقات