رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والستون 69 بقلم جمال الحفني

 

 



رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والستون بقلم جمال الحفني




في أول شهور السنة كنت مبسوط بالهدوء، وبدأت أستقبل الناس وأحاول أساعدهم على قد ما أقدر وكنت فاكر إن العلاج هيخليني أنسى كل اللي حصل، لكن بعد فترة بدأت أحس بملل غريب مش من الناس نفسها ولا من رغبتهم في المساعدة، لكن من تكرار نفس الحكايات كل يوم تقريبا نفس الشكاوى!

 واحدة بتقول إنها بتسمع صوت حد بيناديها وهي نايمة، وواحد مقتنع إن حد بيمشي وراه لما بيروح الزرع بالليل, وواحدة شايفة إن البيت فيه حاجة غريبة ومش متطمنة لحماتها, ولما أقعد أسمع وأفحص وأدور ألاقي إن أغلب الحالات ملهاش علاقة بالجن أصلا!

إرهاق وخوف ومشاكل أسرية أو مجرد عقل بيحاول يفسر حاجة هو مش فاهمها، ومع الوقت بدأت أحس إن كل اللي اتعلمته خلال السنين اللي فاتت بيتحط قدامي عشان أحل مشاكل البشر العادية، وكأني خدت أجازة سنة كاملة عشان أقضيها في نفس المكان اللي كنت بحاول أهرب منه..

في البداية كنت بضحك على نفسي وأقول دي فترة وهتعدي، لكن مع مرور الأيام بقيت أفتح عيني الصبح وأنا مش متحمس أقابل حد، بقيت أسمع أول شكوى وأعرف نهايتها قبل ما صاحبها يكمل كلامه، وبقيت أفتكر أيام المغامرات, لما ببقى داخل فيها على حاجة مجهولة ومش عارف هخرج منها إزاي..

أيوه كنت بخاف وقتها، لكن عمري ما حسيت بالملل وبصراحة اشتقت لشعور المغامرة من تاني, الحياة بدون مغامرات ملهاش لازمة..

وفي ليلة كنت قاعد لوحدي بعد ما خلصت آخر حالة عندي، البيت كان ساكت والساعة قربت من منتصف الليل، لقيت نفسي من غير ما أقصد بفتح الموبايل وبقلب في الصور القديمة، لحد ما وقعت عيني على صورة كنت مصورها للخريطة اللي ظهرت في الكتاب، "جواهر البيان في تسخير الجان" فضلت باصص عليها فترة طويلة، الذكريات رجعتلي من تاني, وبدأ يصحى جوايا شعور اّخر مغامرة, افتكرت رسالة التحذير, كنت على بعد خطوات من اكتشاف سر كبير منعوني من معرفته, لحد امتى هفضل تابع؟
 
قفلت الصورة لكن الفكرة كانت خلاص دخلت دماغي، حاولت أطردها وقلت لنفسي إن الموضوع انتهى، أنا وعدت، والقبائل ادتني سنة كاملة من غير مهام وأنا وافقت، لكن بعد دقيقة فتحت الصورة تاني، وبدأت أسأل نفسي السؤال اللي كنت بهرب منه من يوم ما خرجت من الجبل، ماذا لو كان سلهب لسه هناك فعلا؟ 

ماذا لو كان كل اللي حصل مجرد اختبار وأنا فشلت فيه لأني رجعت؟ وماذا لو كانت الفرصة الوحيدة لمعرفة الحقيقة راحت مني بسبب خوفي من مخالفة أمر واضح؟

قعدت ساكت شوية وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة وأنا بهز راسي، لأن الحقيقة كانت أبسط من كل الأسئلة دي، الحقيقة مش بتبان غير للي بيدور عليها..

قمت من مكاني وروحت ناحية المكان اللي محتفظ فيه بالحاجات القديمة، طلعت الكتاب وحطيته قدامي، وقعدت أبص للغلاف البني الغامق كأني مستني منه إجابة، مررت إيدي على جلده القديم وقلت لنفسي إنهم قالوا لي متحاولش تبحث عن سلهب تاني، لكنهم نسيوا حاجة واحدة, نسيوا إني من الإنس, والإنس بالنسبالة الممنوع مرغوب, زي ما حصل في الخطيئة الأولى للبشر..

فتحت الكتاب على الصفحة اللي فيها اسم سلهب، وكانت الكلمات زي ما هي مفيش حرف اتحرك مفيش هامش جديد ظهر، ومفيش علامة تدلني على الطريق، لكني المرة دي مكنتش محتاج الكتاب يدلني، أنا كنت عارف الطريق وعارف المكان، وعارف إن الرجوع مش هيكون سهل زي المرة الأولى..
فضلت عيني على اسم سلهب وأنا بفكر في كل حاجة ممكن تحصل لو رجعت، ممكن القبائل تعتبر ده تمرد، ممكن أتعاقب، وممكن أسوأ من كده, ممكن أكتشف إن كل اللي صدقته عن سلهب كان غلط!

خوفت فجأة وكنت هقفل الكتاب واتخلص من الفضول المفاجئ اللي ممكن يتسبب في هلاكي, لكن رغم كل الاحتمالات دي، كان فيه احتمال واحد بس مش قادر أتجاهله، إن سلهب فعلا مظلوم، وإن فيه جني محبوس من قرون وأنا الوحيد تقريبا اللي عرف بوجوده ووصل لمكانه، ومع ذلك سبت الباب ومشيت!

قفلت الكتاب وقمت من على الكرسي وأنا في اللحظة دي كنت خلاص أخدت قراري
أنا مش هنتظر سنة تخلص من عمري وأنا مدفون هنا..
أنا راجع لسلهب, واللي يحصل يحصل..

استدعيت مرهوب وجرموق وفي خلال ثواني ظهروا قدامي، لكن المرة دي مفيش واحد فيهم سألني أنا عايز إيه، الاتنين فضلوا باصين لي في هدوء غريب وكأنهم كانوا عارفين من قبل ما يظهروا أنا ناوي على إيه، جرموق بص للكتاب المقفول قدامي، وبعدها رفع عينه لوشي وقال إنت قررت ترجع؟ مكنتش محتاج أجاوبه، لأن نظرة عيني كانت كفاية، ومرهوب اتنهد وقال كنت عارف إن السنة دي مش هتخلص من غير ما تعملها، ابتسمت وقلت له يبقى بلاش كلام كتير، أنا مش جايبكم أطلب رأيكم..

في اللحظة اللي خلصت فيها كلامي حسيت بالهوا حواليا اتغير، وبرودة غريبة ظهرت في المكان كأن حد فتح باب على شتاء عمره آلاف السنين، مرهوب لف راسه ناحيتي وقال امسك كويس كنت وقتها اتعلقت في رقبته وجسمه من ورا زي المرة اللي الفاتت، وبعدها حسيت بالأرض بتختفي من تحت رجلي مفيش وقت عشان أفكر ولا حتى ثانية عشان أغمض عيني، كل اللي حسيت بيه إن جسمي اتسحب من مكاني كأن الدنيا كلها اتطوت حوالينا، ولما فتحت عيني كنت واقف وسط التلج من تاني..

المرة دي مكنتش محتاج حد يدلني على الطريق، كنت فاكر كل حاجة، مشيت قدامهم لحد ما وصلنا للفتحة الصغيرة اللي دخلنا منها أول مرة، وبعدها بدأنا ننزل درجة ورا درجة، والسلالم كانت أطول مما كنت فاكر أو يمكن أنا اللي كنت متوتر أكتر، كل ما ننزل درجة كانت أصوات الرياح اللي فوقنا بتختفي أكتر، والبرد بيتحول تدريجيا لحرارة خانقة، جرموق كان ماشي قدامي ومرهوب ورايا، وأنا في النص وكل واحد فينا ساكت، كأننا مش عايزين نوقظ حاجة موجودة تحتنا..

فضلنا ننزل وقت طويل لحد ما ظهر قدامنا الضوء الخافت اللي افتكرته كويس، وفي آخر السلالم كان المكان نفسه نفس الجدران الحجرية نفس الهدوء ونفس الباب الأسود الضخم اللي وقفنا قدامه في المرة الأولى، وقفت لحظة وأنا ببص عليه وافتكرت كل حاجة حصلت هنا، لكن قبل ما أمد إيدي، جه الصوت من الناحية التانية نفس الصوت العميق اللي سمعناه قبل كده، وقال بنفس الهدوء "سلهب ليس هنا"

بصيت لجرموق ومرهوب، وبعدها قربت خطوة من الباب وقلت "أنا عارف"
ساد الصمت للحظات، وبعدها قلت وأنا ببص للباب 
"المرة اللي فاتت كنت فاكر إن سلهب موجود ورا الباب دلوقتي أنا عارف إنه مش هنا، وعشان كده أنا مش جاي أسألك عنه"
الصوت سكت ومردش, فكمّلت " أنا جاي أعرف مين اللي حبسه"


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات