رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل السابع
عندما يريد الله أمرًا، يقول له: كن فيكون، ويسبب الأسباب في وقتها الصحيح.
أرسل الله رضوان ليوقف زاد عن فعلتها التي لا تعلم مدى خطورتها عليها وعلى سمعة عائلتها؛ فلو استطاعت الهرب، لفضحت أمر السيد حسين في الصحف، ولما استطاع بعد ذلك أن يرفع عينيه في وجه أحد.
ولأن زاد تحمل قلبًا طيبًا، ولا تدرك دائمًا إن كان ما تفعله صوابًا أم خطأ، أرسل الله لها شخصًا لينقذها. فهي تظن أن سما، ابنة عمها، ساعدتها حبًا ولوجه الله، وظنت بها خيرًا، لكن الله أنقذها من براثن تلك المحتالة التي تكره زاد كثيرًا، وتحقد عليها لكونها المدللة لدى أبيها وتمتلك ثروة أكبر منها.
وعندما رآها رضوان في تلك الحالة، ورغم أنه لم يعرفها، حزن عليها من أعماق قلبه، وتذكر والده يوم سرقته الأخيرة، عندما فر هاربًا وانتهت حياته إثر هذه الأفعال المشينة، لكن عاره لم ينتهِ مهما مضت السنوات.
لم يكن رضوان يريد أن يصبح أحدًا مثل أبيه، فأراد أن يساعد تلك الفتاة سليطة اللسان، وفوق كل هذا يجد نفسه قد وقع في مشكلة جديدة!
كانت زاد تقف بجوار الحارس، وتريد أن ترحل قبل أن يكبر الأمر أكثر من ذلك. فكرت سريعًا، وتركتهم يتناوشون مع بعضهم، ثم تسللت ببطء حتى لا يشعر بها الحارس، والتقطت حقيبتها من الأرض واعتدلت، وفي عينيها نظرة انتصار؛ لأنها ستسلك دربًا جديدًا وتهرب من ضجيج العالم.
تحركت بخطى ثابتة وبطيئة، لكنها توقفت متصلبة عندما سمعت صوت عمها نجيب وهو يردف منفعلًا:
ـ إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه الدوشة اللي إنتوا عاملينها دي؟
أغلقت عينيها، وصرّت على أسنانها غيظًا من انكشاف أمرها، وكل هذا بسبب ذلك الأحمق. أرادت أن تلقنه درسًا لعدم التدخل في أمور الآخرين؛ فلو لم يلحق بها، لكانت الآن قد سلكت طريقها.
كانت عينا نجيب تجوبان بين الثلاثة الواقفين. رضوان أمامه مباشرة، يقف شامخًا ولا يخاف أحدًا، بينما كان الحارس يفكر في تحذير رضوان وكلماته التي كانت مثل الشرر بالنسبة إليه، وزادت من شعلة غضبه داخليًا.
أما زاد، فكان ظهرها لعمها، وابتلعت لعابها بتوجس، ولا تدري ماذا تفعل في هذه الورطة التي وضعت نفسها فيها.
تفحص نجيب الفتاة، ولم يعرف من تكون؛ فثيابها تشبه طاقم الخادمات عنده في القصر، فظن أنها هاربة أو أن هناك مشكلة ما. لكنه لم يفهم كيف لخادمة أن تحمل مثل هذه الحقيبة باهظة الثمن.
تعجب من صمتهم، فأردف مرة أخرى بصرامة:
ـ إيه؟ محدش بيرد ليه؟ أنا قلت إيه اللي بيحصل هنا؟
لم يحرك رضوان ساكنًا، وكان يبدو عليه الشموخ، فاقترب الحارس من نجيب ليقص عليه ما جرى، واتهم رضوان بأنه حاول مضايقة السيدة الصغيرة، وحدثت بينهما مشادة كلامية.
لم يفهم نجيب من هي السيدة الصغيرة، لكنه استنبط أن تكون هذه الفتاة هي زاد. نعم، فهي بنفس الطول والحجم تقريبًا، وعندما رأى حذاءها وساعة يدها الغالية، تيقن أنها بالفعل زاد ولا أحد غيرها.
اتسعت عيناه من المفاجأة، وهمهم بصوت خافت لم يسمعه أحد غيره:
ـ زاد؟
ثم أكمل بصوت جهوري:
ـ بصّيلي هنا.
اقشعر بدنها، والتفتت إليه ببطء، ويكسو الخجل وجهها.
تفاجأ نجيب حقًا من الثوب الذي ترتديه، ولم يفهم لماذا ترتدي هذا الزي، لكنه فكر بفطنة، وجعل تركيزه على رضوان الذي تجرأ وحاول مضايقة ابنة أخيه.
اقترب من رضوان، وأردف إليه بصوت خشن:
ـ إنت مجنون يا ولد؟ إنت إزاي جاتلك الجرأة وقدرت ترفع صوتك عليها؟ إنت مش عارف دي مين وتبقى بنت مين؟
تأفف رضوان وشعر بالاختناق، وكاد أن ينفجر من تلك الجملة المتكررة، لدرجة أنه ظن أن تلك الفتاة من كوكب آخر، أو أنها ابنة رجل المهمات الصعبة والرجل المستحيل.
لكنه ألقى تفكيره جانبًا، وتحدث دون خوف:
ـ لا، مش عارف دي مين ولا بنت مين، وبعدين والله حضرتك قبل ما تقولي الكلام ده، فكّر إزاي هي خرجت من الفيلا أصلًا. أنا لحقتها، وواضح كده إنها تخصك، بس ده ما يخصنيش. أنا شفت واحدة بتهرب وبتنط من فوق البوابة بتاعتك، على طول شكيت إنها واحدة حرامية وبتسرقكوا وتهرب، فجدعنة مني حبيت أساعد، مش أكتر. بس إنتوا بأفعالكم دي بتندموا الواحد إنه يقدم المساعدة لحد، حتى لو كان مين. وبعدين مش كل حد يكلمني يقولي: إنت مش عارف هي مين وبنت مين! يا جدعان، أقسم بالله ما عايز أعرف ولا يهمني أصلًا.
اتسعت عينا زاد من طريقته الهمجية، وازداد نفورها منه، وشعرت أنها تكره هذا الرجل كرهًا من أعماق قلبها؛ فهو متعجرف ولا يمتلك من الأخلاق ذرة واحدة.
تمنت لو تنفجر فيه، ولم تشعر بنفسها وهي تلقي حقيبتها أرضًا، واقتربت منه لكي تلقنه درسًا، بينما أشار إليها عمها بأن تصمت ولا تتحدث بعد فعلتها تلك، وأشار إلى الحارس أن يأخذها إلى داخل المنزل، ومن نفس البوابة التي قفزت منها حتى لا يراها أحد.
بعد أن ذهبت، فكر نجيب بعملية، ونظر إلى كاميرات المراقبة عنده وعند الجيران. حتمًا كل شيء قد سُجل عليها، وتعدّ ما فعلته زاد كارثة كبيرة في تاريخ عائلتهم؛ لأنه رجل أعمال معروف، وأخوه أيضًا أكثر شهرة منه.
ولو تحدث هذا الشاب وسرد ما حدث، لفضح أمرهم في الصحف.
نظر نجيب إلى رضوان، وكان يبدو عليه الثقة بالنفس ولا يهاب شيئًا. رسم على وجهه ابتسامة، وأراد أن يشتري سكوت رضوان، فأثنى على موقفه الرجولي وقال:
ـ أممم... هي الحكاية كده. اللي إنت عملته ده شيء عظيم، ولكن أنا مقدر انزعاجك طبعًا بعد اللي حصل، ومش عايزك تزعل كمان علشان صوتي عليّ عليك. وطبعًا إنت مقدر الموقف اللي أنا فيه، وإنت من حقك تزعل، وأنا بعتذر بنفسي.
وأكمل بتنهد:
ـ وكمان يا سيدي، إنت عارف بنات اليومين دول بيشوفوا الدنيا من زاويتهم هما. أما بقى لو على الحارس، فما تزعلش منه؛ هو مالوش ذنب، بيأدي واجبه. وشوف اللي يرضيك وأنا هعمله.
هدأ رضوان ومسح وجهه، وتفهم شعوره كأب، وأردف قائلًا:
ـ حصل خير، وما فيش حاجة حصلت تستاهل إنك تعتذر. إنت زي والدي وليك احترامك، وما تزعلش من طريقتي، أنا بس كنت متضايق شوية. بعد إذنك، هروح أكمل شغلي علشان ما أتأخرش أكتر من كده.
تحرك رضوان خطوة، فناداه نجيب، ثم أخرج من محفظته مبلغًا من المال وقدمه لرضوان كنوع من الشكر والمكافأة نظير أنه سيصمت ولا يتحدث عن الأمر، لكنه غلف حديثه وقال:
ـ امسك يا رضوان المبلغ ده، حاجة بسيطة. أنا بشكرك علشان أنقذت بنتي.
ثم صمت وأكمل بمغزى:
ـ وكمان إنت أكيد مش هتتكلم ولا هتجيب سيرة اللي حصل ده لأي مخلوق، مش كده يا رضوان؟
نظر رضوان إلى المال، ثم نظر إليه صامتًا.
كان مبلغًا ماليًا كبيرًا بالنسبة له، وأي شخص في مثل ظروفه لالتقم المال في جوفه، وشكره وركض بعيدًا فرحًا، لكن هذا رضوان الذي تربى على الشقاء في جلب القرش الواحد، شعر حينها بالإهانة، وأراد أن يرد اعتباره وكرامته.
قال وهو يضع المال في يد نجيب ساخرًا:
ـ امسك فلوسك يا باشا. أنا معملتش حاجة تستاهل، ومش كل الناس اللي بتاخد تمن جدعنتها، بس أنا عازرك.
وتحرك للذهاب، لكنه عاد إلى نجيب مرة أخرى قائلًا:
ـ وقبل ما أمشي، عايز أقولك حاجة. يا ريت تربي بنتك، لأن لسانها فالت. أقسم بالله دي لو أختي أو مراتي، كان زمانها متعلقة من شعرها على باب البيت علشان ترفع صوتها في وش راجل.
أنهى حديثه وترك نجيب في صدمته من حديث ذلك الشاب الفقير ماديًا، والغني في أخلاقه.
أنهى رضوان عمله مسرعًا، وأخذ باقي الحساب، واستقل السيارة وذهب من هذه المنطقة التي لا تشبهه ولا يشبهها.
اختفت السيارة من أمام الفيلا، في ظل وقوف سيارة أخرى مكانها، وكان هذا السيد حسين قد وصل.
وما إن دخل من الباب الداخلي حتى سمع ما حدث من سما، وهي تسرد لصديقتها عبر الهاتف. غضب حسين بشدة، وأمر نجيب بأن يفتح له الحاسوب ويرى عبر تسجيلات الكاميرات ماذا حدث، وكيف استطاعت ابنته محاولة الهرب.
لم يكن أمام نجيب حيلة، ولا يقدر أن يرفض لأخيه طلبًا، ففتح الحاسوب، وقام بتشغيل المقطع، وترك حسين يشاهد بتمعن.
وكلما انتهى المشهد، أعاده حسين مرارًا وتكرارًا.
كان مذهولًا مما حدث، ورأى وسمع كل كلمة قالها ذلك الرضوان لابنته والحارس وأخيه.
ثم أغلق الحاسوب بعنف، ونظر أمامه، والغضب يكبح ملامحه في صمت.
عاد رضوان إلى الحي، وأعطى بيومي باقي حسابه، وطلب منه أن يعطي الفائض من المبلغ لعزت؛ لأنه وعده بذلك.
وذهب إلى عمله الآخر دون أن يذهب إلى بيته أو يبدل ملابسه، فهو يشعر بالاختناق ولا يشعر به أحد. كاد الهم والحمل يثقلان على كتفيه.
لا يعلم ما الحكمة من أنه أنقذ تلك الحمقاء التي وبخته وأهانته. أهذا جزاء المعروف؟
لم يعتد أحد أن يسيئ إليه أو يتلفظ بكلمة في حقه أمامه؛ لأنه قبل أن يحترم الجميع، يحترم نفسه، ويريد السلام النفسي.
كان رضوان منفعلاً حقًا، وداخله غضب جامح من أثر تلك الفتاة التي لم يعرف اسمها حتى.
ثم ترك ما في يده وضحك ساخرًا عندما تذكر سقوطها بين يديه وإنقاذه لها.
بعد هذا الموقف، ظلت زاد جالسة في غرفتها حبيسة، تشعر بالاشتعال والغضب تجاه ذلك الشاب الذي لم يعرف من تكون، وتتساءل كيف تجرأ على رفع صوته عليها والتحدث إليها بتلك الطريقة.
لم تكن تريد أن تقابل أحدًا، ولا أن تتحدث مع أي شخص، وظلت حبيسة غرفتها رغم علمها بوصول والدها. فلم تستطع الهبوط إليه، خاصة بعدما أخبرتها سما بأن أباها قد علم بما حدث في الخارج.
ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا من شدة غيظها وتوترها، وهي تريد أن تحدث باسل عبر الهاتف، لكنها تعلم أنه خارج البلاد.
وبينما هي على حالها، فُتح باب غرفتها فجأة، ففزعت، وظنت أن والدها قد جاء إليها، لكنها وجدت سما مرة أخرى، تحمل في عينيها نظرات من الشماتة والفرح.
نظرت إليها زاد بتوتر، فقالت سما:
ـ باباكي متعصب جدًا، ورفض إنه يتغدى، وخرج مستنيكي في عربيته علشان ترجعوا على البيت.
ظلت زاد تنظر إليها في صمت، وقد ازدادت ضربات قلبها اضطرابًا، بينما كانت كلمات سما الأخيرة تدور في رأسها وتزيد من توترها.
لم تكن بحاجة إلى مزيد من الضغط، فقد كانت تشعر أن أعصابها لم تعد تحتمل، وأن عليها أن تواجه والدها بعد قليل بما لا تعرف كيف سيكون.
أكملت سما:
ـ وعايزك تنزلي في خلال دقيقة واحدة، وإلا مش هيحصل خير أبدًا.
زفرت زاد بقوة، وازداد غضبها وتوترها، ثم سحبت حقيبتها خلفها، وتركت سما دون أن تودعها.
لم تكن تملك في تلك اللحظة طاقة للكلام أو حتى للجدال، فكل ما كانت تريده هو أن تنتهي من هذا اليوم الذي بدا وكأنه يزداد سوءًا مع كل دقيقة تمر.
هبطت إلى الأسفل بخطوات سريعة، وقلبها مثقل بالكثير من المشاعر المتضاربة.
وما إن وصلت حتى وجدت عمها نجيب في انتظارها.
تقدم نحوها، وأخذ منها الحقيبة دون أن يسمح لها بحملها، ثم أشار إلى الحارس بوضعها في السيارة.
كانت ملامحه هادئة، لكنها لم تكن هدوءًا عاديًا؛ كان هناك عتاب واضح يسكن عينيه، وقلق رجل أكبر منها يرى أمامه فتاة يعرفها منذ طفولتها، وقد وجدها اليوم تسير في طريق لا يعرف إلى أين سيقودها.
ثم احتضن زاد مودعًا إياها، وضمها إليه للحظات، وكأنه أراد قبل أن يقول أي كلمة أن يشعرها بأنه ليس غاضبًا منها، وأن وجوده إلى جوارها لن يتغير مهما أخطأت.
ابتعد عنها قليلًا، وأمسك بذراعيها، ونظر إلى عينيها مباشرة.
كانت نظرته جادة، لكنها خالية من القسوة. تنهد بعمق قبل أن يتحدث، وكأن الكلمات التي سيقولها ثقيلة عليه بقدر ما هي ثقيلة عليها:
ـ زاد يا حبيبتي، أنا عايزك تفكري كويس قوي قبل ما تتصرفي أي تصرف يخليكي تندمي بعدين. إنتِ غلطتي، وغلطك ده كان كبير، وبالحركة اللي إنتِ عملتيها دي كانت هتبقى فضيحة للعيلة كلها. وربنا يستر، والشخص اللي شافك ده ما يروحش يبلغ الصحافة باللي حصل، وإنتِ عارفة الصحافة ما بيصدقوا يشموا خبر.
صمت لثوانٍ، ولم يرفع عينيه عنها. كان واضحًا أنه لا يريد أن يوبخها بقدر ما يريد أن يجعلها تدرك حجم ما فعلته.
ثم هدأت ملامحه قليلًا، وانخفض صوته، وكأن ما سيقوله الآن ليس عتابًا لها، بل نصيحة رجل يخشى عليها من نفسها:
ـ وكمان يا بنتي، أبوكي ما يستاهلش منك كل اللي بتعمليه فيه ده. الراجل جواه جرح من فقدان مراته، وإنتِ زودتي الجرح ده بتصرفاتك الصبيانية.
تأثرت زاد بكلماته، فانخفض بصرها إلى الأرض، وشعرت بوخزة ندم تخترق صدرها.
كانت تعرف أن عمها محق في جانب كبير مما يقول، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بذلك بسهولة، خاصة وهي لا تزال غاضبة ومضطربة من كل ما حدث.
لاحظ نجيب انكسار نظرتها، فخفف من قبضته على ذراعيها، ثم تركهما، وكأنه أراد أن يمنحها مساحة تتنفس فيها.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم أكمل:
ـ أنا سألت حسين وحاولت أعرف منه إيه السبب في خلافكم؛ لأني ملاحظ إن في بينكم فجوة بتكبر يوم بعد يوم، لكنه رافض يقولي أي حاجة. فلو حبيتي في أي وقت تحكيلي، فأنا هنا، أبوكي التاني، اللي هيكون بيسمعك بكل حب، ولو في إيدي أقدم المساعدة مش هتأخر عليكِ. فاهمة يا زاد؟
ظل صامتًا بعدها، ولم يضغط عليها لتجيبه، فقط منحها نظرة حانية تحمل في داخلها وعدًا صادقًا بأنه لن يحكم عليها قبل أن يسمعها.
رفعت زاد عينيها إليه ببطء، وشعرت بشيء من الخجل والندم.
كانت كلماته قد أصابت موضعًا حساسًا بداخلها؛ فهي بالفعل لم تجد طوال الفترة الماضية شخصًا تتحدث إليه دون أن تخشى أن يدينها أو يقف ضدها.
حركت رأسها، وشعرت بالندم، وقالت بصوت خافت:
ـ فاهمة يا عمو.
ودعت زاد عمها وزوجته، ثم خرجت إلى السيارة بخطوات مترددة، واستقلت المقعد إلى جوار والدها.
جلست في صمت، تنتظر منه كلمة واحدة، عتابًا، سؤالًا، حتى غضبًا صريحًا يخفف عنها وطأة هذا الصمت الثقيل، لكنه لم يتفوه بحرف.
ظل حسين صامتًا تمامًا، ووجهه جامد لا يكشف عما يدور بداخله، واكتفى بأن أشار إلى السائق بالتحرك نحو منزلهم.
كان ذلك الصمت أشد وطأة على زاد من أي صراخ كان يمكن أن تسمعه منه.
راحت تراقبه بطرف عينيها بين الحين والآخر، تبحث في ملامحه عن إجابة لما ينتظرها، لكنها لم تجد سوى وجه مغلق، ونظرات ثابتة تحمل خلفها غضبًا لم تستطع قراءته.
أما حسين، فكان يخوض في داخله معركة أخرى.
كانت نار تتأجج في صدره كلما تذكر ما فعلته ابنته، وكلما أعاد في ذهنه صورتها وهي تخرج من منزل شقيقه بهذه الطريقة.
لم يكن غضبه وليد هذا الموقف وحده، بل كان يحمل في داخله وجعًا أقدم؛ فمنذ وفاة والدتها، وهو يرى زاد تتغير أمام عينيه شيئًا فشيئًا، وكأن رحيل أمها اقتطع منها جزءًا لم يستطع هو أن يعوضها عنه.
ظل يحدق أمامه طوال الطريق، قابضًا على غضبه، محاولًا أن يتحلى بالصبر حتى لا ينفجر في وجهها قبل أن يفهم منها الحقيقة كاملة.
وما إن وصلت السيارة إلى المنزل حتى ترجلت زاد منها مسرعة، وكأنها كانت تهرب من ذلك الصمت الذي خنقها طوال الطريق.
لم تنتظر والدها، ولم تلتفت خلفها، بل أسرعت إلى الداخل، تاركة كل شيء خلفها، وكل ما يشغلها في تلك اللحظة هو الوصول إلى غرفتها وإغلاق بابها على نفسها.
كانت تشعر بحرج شديد من مواجهة والدها، وبعجز عن رفع عينيها إليه بعد ما حدث.
وفي داخلها فوضى عارمة؛ مشاعر متداخلة، وأسئلة متزاحمة، وخوف وندم وغضب وحيرة، وكلها تتصارع بداخلها دون أن تجد عقلها طريقًا لترتيبها.
أسرعت نحو غرفتها، وكأنها إن أغلقت الباب خلفها ستتمكن أخيرًا من الاختباء من كل شيء.
لكن حسين لم يتركها.
ترجل من السيارة، ولج خلفها إلى المنزل، ثم رفع عينيه نحو الدرج الذي صعدته ابنته مسرعة.
كان غاضبًا، لكنه لم يسمح لغضبه أن يدفعه إلى التصرف باندفاع.
تحلى بالصبر، ولم يرد أن يفتح حديثًا أمام الخدم، أو أن يخرج أيٌّ من أسرار بيته إلى مسامع أحد. كانت مشكلته مع ابنته شأنًا عائليًا لا يحق لأحد أن يعرف تفاصيله.
لذلك صعد خلفها بهدوء، وعيناه تحملان مزيجًا من العتاب والقلق.
كان يريد أن يجلس معها بعيدًا عن أعين الجميع، أن يسمع منها، وأن يعرف ما الذي أوصلها إلى هذه الحالة، ولماذا دفعتها تصرفاتها إلى أن تهرب من المنزل بهذه الطريقة.
لم يكن يريد أن يواجهها كأب غاضب فقط، بل كأب يحاول أن يفهم ابنته قبل أن يخسرها أكثر.
طرق حسين عدة طرقات على باب غرفتها، ثم ولج إليها بعد أن سمع الإذن.
توقفت عيناه عليها فورًا؛ كانت جالسة على طرف فراشها، منكمشة على نفسها، وملامح الحيرة والإرهاق تكسو وجهها، بينما شرد بصرها في نقطة بعيدة، وكأنها غارقة في صراع لا يعرف عنه شيئًا.
تأملها حسين طويلًا، وشعر بوخزة مؤلمة استقرت في صدره.
كم تشبه والدتها...
ذات النظرة حين تحتار، وذات الارتباك الذي يظهر في عينيها حين تعجز عن ترتيب ما بداخلها.
للحظة، شعر وكأن السنوات عادت به إلى الوراء، وكأن زوجته تجلس أمامه من جديد، لكن سرعان ما تبددت الصورة وحل محلها واقع أكثر قسوة؛ ابنته التي كانت يومًا أقرب الناس إليه أصبحت تجلس أمامه وكأن بينهما جدارًا لا يعرف كيف بُني، ولا كيف يستطيع هدمه.
جلس إلى جوارها في صمت، وظل للحظات لا يدري من أين يبدأ حديثه.
كان يريد أن يسألها، ويعاتبها، ويغضب منها، وفي الوقت نفسه كان يريد فقط أن يفهم.
ما الذي أوصل الأمور بينهما إلى هذا الحد؟
كل هذا من أجل ذلك الباسل الذي لا يعلم عنه شيئًا تقريبًا!
هل ابنتي تحبه إلى هذه الدرجة؟
ترددت الفكرة في رأسه، وأثقلت قلبه أكثر، قبل أن يقطع شروده ويتحدث بصوت متحشرج يشوبه ألم حاول جاهدًا أن يخفيه:
ـ ليه يا زاد؟
لم تتأثر من نبرته كما كان يتمنى، بل ظلت تحمل في داخلها عتابًا أكبر منه؛ عتاب فتاة تشعر أن أقرب شخص إليها لم يعد يسمعها، ولا يحاول حتى أن يفهم ما يدور داخلها.
لمعت عيناها بالدموع، لكنها قاومت سقوطها، وأجابته بنبرة ألم:
ـ محدش كان بيفهمني قد ماما، ومن يوم ما راحت كل حاجة انتهت وراحت معاها.
خرجت كلماتها كطعنة أصابت حسين في موضع يعرف جيدًا أنه لم يلتئم منذ سنوات.
انخفض بصره للحظة، وكأن ذكرى زوجته مرت أمام عينيه فجأة بكل تفاصيلها، لكنه سرعان ما رفع عينيه إليها، محاولًا أن يتمسك بثباته حتى لا يتحول الحديث إلى بكاء من الطرفين.
تنهد بيأس، وقال:
ـ ما تلعبيش على الوتر ده يا زاد. ما فيش حد فاهمك غيري. أنا عمري ما قصرت معاكي في أي شيء. كنت دائمًا الأب والصديق ليكي.
فاكرة يا زاد لما كانت بتحصل معاكي أي مشكلة، كنتِ بتجري على مين؟ عليَّ أنا. أنا أبوكي اللي كان وما زال فاهمك وواقف جنبك وفي ضهرك، وعمري ما بتخلى عنك، وعمري ما بخلت عليكي بوقت ولا جهد. ليه اتغيرتي؟ وليه بعدتي عني؟ ومش بس كده، عايزة تهربي يا زاد؟ عايزة تفضحيني على آخر العمر؟ هو ده جزائي معاكي يا بنتي؟
كان صوته يرتفع شيئًا فشيئًا، لا من الغضب وحده، وإنما من خوف رجل يشعر أن ابنته التي أفنى عمره في حمايتها بدأت تبتعد عنه دون أن يفهم السبب.
كانت الكلمات تخرج منه محملة بسنوات طويلة من الأبوة، وكأن كل موقف وقف فيه إلى جوارها عاد الآن ليطالبه بإجابة عن سؤال واحد:
أين أخطأت؟
قطعت حديثه مسرعة لتدافع عن نفسها، وكأنها لم تحتمل أن يحملها وحدها مسؤولية ما حدث، وقالت:
ـ لا يا بابا، أرجوك ما تظلمنيش. ما حصلش الكلام ده، أنا ما كنتش بهرب ولا عمري أفكر أعمل كده.
ثبت حسين عينيه عليها، وكأن إجابتها لم تمنحه الراحة التي كان يبحث عنها، بل زادت حيرته، فسألها بنبرة حادة اختلط فيها العتاب بالاستنكار:
ـ أمال بتسمي اللي إنتِ عملتيه ده إيه؟ تقدري تفهميني؟
نهضت من مكانها، وكأن الجلوس لم يعد يحتمل ثقل المشاعر التي تحاصرها، وتحركت بضع خطوات قبل أن تستدير إليه.
كانت تحاول أن تبدو متماسكة، لكن ارتجاف صوتها فضح مقدار اضطرابها:
ـ أنا ما كنتش بهرب. أنا كنت هخرج عادي من بوابة الفيلا، لكن لو عمو شافني وقتها كان هيمنعني. أنا لما عرفت إن حضرتك جاي، قلقت إنك تنفذ وعدك ليا.
ثم قامت وأعطته ظهرها وأكملت بحزن:
ـ وبعدين سميه وجع، سميه احتياج... أنا كنت محتاجة أقعد لوحدي وأفكر. كنت عايزة أوصل لإجابة على سؤالي، واللي بسأله لنفسي: إيه اللي غيرك عليا كده؟ وللدرجة دي سعادتي مش مهمة عندك؟
تجمد حسين للحظات.
لم يكن يتوقع أن يكون هذا هو السؤال الذي ينهش قلب ابنته طوال تلك الفترة.
ظل ينظر إلى ظهرها، وشعر بعجز غريب؛ فهو الرجل الذي اعتاد أن يجد حلولًا لكل شيء، لكنه الآن يقف أمام ابنته عاجزًا عن إقناعها بأبسط حقيقة في حياته: أنها أغلى ما لديه.
أجابها متعجبًا، وقد امتزج الاستنكار في صوته بألم واضح:
ـ إيه كل الأفكار اللي مالهاش معنى دي؟ إزاي تحكمي عليا كده؟ من إمتى وأنا متغير عليكي؟ ومن إمتى سعادتك مش مهمة عندي؟ ده أنا عايش على أمل اليوم اللي أشوفك فيه طايرة من الفرحة. هو أنا عندي غيرك علشان تقولي الكلام والتخاريف دي؟ وكل ده ليه؟ علشان سي باسل؟ أنا قلتلك الولد ده مش مستريح له جوايا، إحساس ملازمني، متأكد منه، إنه لا يصلح لك زوج. إنتِ ليه مش قادرة تفهمي خوفي عليكي كأب؟
استدارت زاد إليه ببطء.
كانت عيناها ممتلئتين بمزيج من الألم والعناد، وكأنها لا تريد أن تخسره، لكنها في الوقت نفسه لم تعد قادرة على التراجع عن موقفها.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيبه:
ـ أنا مقدرة خوف حضرتك، لكن إيه اللي يخليك متأكد إنه مش مناسب ليا؟ أنا شايفة إن كل دي أوهام حضرتك بتبنيها جواك علشان ترفض باسل وخلاص.
تبدلت ملامح حسين فورًا.
توقفت عيناه عليها، وكأن الكلمة أصابته في كبريائه وفي مكان أعمق من ذلك بكثير.
كيف لابنته أن ترى خوفه عليها مجرد أوهام؟ كيف لرجل عاش عمره يتخذ القرارات ويزن الناس والمواقف أن يُختصر كل ما يشعر به في مجرد وهم؟
انزعج من تلفظها بأنه متوهم، وارتفع صوته محذرًا، وقد بدا الغضب هذه المرة واضحًا في ملامحه:
ـ أنا لسه ما خرفتش يا زاد. أنا لسه بعقلي وعارف ومتأكد من اللي بقوله. الدنيا دي علمتني كتير قوي. شفت وقابلت ناس بعدد شعر راسي، وكان فيهم الحلو وفيهم الأوحش من الوحاشة.
ثم توقف قليلًا.
سكن صوته فجأة، وكأن ما سيقوله لم يكن مجرد رد على ابنته، بل خلاصة عمر كامل عاشه بين البشر، ورأى فيه من الوجوه والطباع ما جعله لا يثق بسهولة.
تنهد بحزن، واسترسل حديثه:
ـ الناس يا بنتي أنواع. منهم نوع ياخدك لحد الغريق بكلامه الحلو اللي ينسيكي إنتِ فين، ويخليكي تتوهي وتبقي مغيبة، ومش عارفة راسك من رجلك، ولا تفكري حتى بعقلك. وفجأة يديلك ضهره ويمشي. ساعتها تفوقي لنفسك، بس وقتها مش هتلحقي تقفي وتواصلي؛ لأنك هتكتشفي إنك في وسط الغريق وهتغرقي. إن ما كانش من فشلك في المعافرة، فهتغرقي من حزنك وصدمتك فيه.
كان حسين يتحدث وهو ينظر إليها مباشرة، وكأنه يحاول أن يجعلها ترى ما عجز عن شرحه لها طوال الأيام الماضية.
لم يعد صوته يحمل غضبًا، بل صار أكثر هدوءًا، وهذا الهدوء كان يحمل داخله خوفًا أشد من الصراخ.
صمت لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أكمل:
ـ والنوع التاني اللي يخاف عليكي تعدي الشط بمتر واحد. ساعتها إنتِ هتشوفي إنه متحكم فيكي وظالمك بأحكامه، لكن مع وجود أول موجة تيجي وإعصار، هتلاقيه بيشدك بإيديه ويجري بيكي بعيد عن الشط لبر الأمان، مع إنك كده كده مش هتغرقي، بس هو معاكي بيستخدم الأفعال مش الأقوال يا زاد.
صدقيني يا بنتي، أنا أكتر واحد خايف عليكي، وبخاف عليكي قبل ما تحطي رجلك على الشط نفسه. عايزك توصلي لبر الأمان بخير وسلام يا بنتي.
انتهت كلماته، وبقي صداها معلقًا في الغرفة.
لم يجب أيٌّ منهما الآخر.
ظل حسين ينظر إلى ابنته، وقد خفت حدة الغضب من عينيه، وحل مكانها خوف أب لا يريد أن يخسر ابنته وهو يحاول حمايتها.
أما زاد، فبقيت واقفة أمامه، عاجزة عن الرد، تتردد داخلها كلماته بين عقلها وقلبها.
للمرة الأولى منذ بداية الحديث، لم تجد إجابة جاهزة تدافع بها عن نفسها.
كان بينهما الكثير من الكلام، لكن خلف كل كلمة كان هناك شيء واحد لم يقله أيٌّ منهما صراحة:
أن كليهما كان يخاف فقدان الآخر.
دقت الثانية عشرة صباحًا، وحبيبة تنتظر أخاها، لكنه لم يأتِ. شعرت بالقلق عليه، فقامت بمهاتفته.
أجابها وطمأنها أنه بخير، وأخبرها بأن تخلد هي وأمهما إلى النوم، فسوف يعود متأخرًا.
أغلقت حبيبة الهاتف وذهبت للنوم، بينما كان رضوان جالسًا على سطح البناية.
فهو عاد مبكرًا من عمله، لكنه وجد نفسه بحاجة إلى الجلوس وحيدًا دون ضوضاء.
تمدد على أريكة موضوعة بجانب سور سطح البناية، ونظر إلى السماء، وبداخل مقلتيه أكثر من سؤال عما يواجهه ويحدث له في هذا العالم.
تذكر والده، وعاش لحظات مع نفسه في أحلام اليقظة.
تخيل لو أن والده كان رجلًا يحمل الاحترام للآخرين، وأكمل عمله في مجال المحاماة كما كان يريد، لوجد أن حياتهم كانت ستصبح أفضل في الوقت الحالي، ولكان رضوان الآن أصبح ضابطًا، ويكنّ له الناس والجميع فائق المحبة والاحترام.
وتذكر أيضًا رباب، وقت تقدمه لها لطلب يدها، وسرّ وجهه بموافقة عائلتها وترحيبهم به، لكان أفضل الآن.
تذكر أمه التي تعمل في المنزل، وأفنت حياتها من أجلهم ورفضت أن تتزوج مرة أخرى.
تخيل لو كانت هي أمًا لذلك الضابط وزوجة المحامي، لكان أفضل.
تخيل أنه يشتري أحدث هاتف لأخته حبيبة من راتبه الخاص، ويرى سعادتها حينها.
ابتسم رضوان على ما يدور في خياله.
فهي أحلام لن تتحقق.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره، وضحك ساخرًا من نفسه عندما رأى أنه ما زال يرتدي زي الحدادة، وكأنها رسالة له بأن يستفيق من أحلامه؛ فالواقع دائمًا لا يمت للخيال بصلة.
ذهبت ابتسامته عندما تذكر تلك الفتاة التي أهانته، وتبدلت ملامحه وانزعج منها، لكنه نظر إلى السماء مرة أخرى في صفاء، إلى أن أغمض عينيه وذهب في نوم عميق.
وظل نائمًا طوال الليل على هذه الأريكة، إلى أن أشرقت شمس يوم الجمعة، يوم جديد ينبعث منه أشعة دافئة، ظلت أشعة الشمس تمازح عيني الأسمر حتى استيقظ رضوان.
اعتدل في جلسته ببطء، قبل أن يجول ببصره في المكان من حوله، وكأنه يحاول استيعاب أين هو.
للحظات، ظل ساكنًا، ثم تذكر أنه قضى ليلته هنا منذ الأمس، دون أن يدري كيف غلبه النوم.
حرك جسده، فآلمه ظهره من أثر الأريكة الخشبية التي لم تكن تصلح للنوم بأي حال، ثم نهض واتجه إلى الأسفل.
اغتسل بحمام ساخن، وحين خرج وجد أن البيت لا يزال غارقًا في السكون، وأن أفراد عائلته لم يستيقظوا بعد.
ارتدى ملابسه، ثم خرج ليشتري بعض الطعام للفطور، وعاد بعد قليل يحمل ما يكفي الجميع.
وما إن دخل حتى اتجه إلى المطبخ، وبدأ يعد الفطور بنفسه بدلًا من والدته التي لم يُرد أن يوقظها.
لكن رائحة الطعام سرعان ما تسللت إلى غرفتها، فأيقظتها.
خرجت من غرفتها، لتجده يقف في المطبخ يرتب الطعام، وبجواره ثلاثة أكواب من الشاي.
ابتسمت له بحنان، فاقترب منها وقبّل رأسها، ثم قال:
ـ صباح الخير يا أمي.
ابتسمت وهي تنظر إلى ما أعده، وقالت:
ـ صباح النور يا حبيبي... إنت صحيت بدري وعملت كل ده بنفسك يا رضوان؟
ابتسم رضوان، وهو يضع البيض في المقلاة على الموقد، وقال:
ـ أيوه يا ست الكل. النهارده الجمعة بقى، وقولت أنزل أجيب أحلى فول وفلافل سخنة. وما نسيتش البتنجان المخلل لبيبو. نفطر أحلى فطار مع بعض.
وضع البيض المطهو في الصحن، ثم أشار برأسه نحو الغرفة، وقال:
ـ أنا كده خلصت. روحي صحي حبيبة بقى، عشان لو الأكل برد هنسمع منها موشح مالوش آخر.
هزت رأسها مبتسمة، واتجهت لإيقاظ ابنتها، بينما بدأ رضوان في وضع الطعام على المائدة وترتيبه بعناية.
وبعد دقائق، خرجت حبيبة من غرفتها، وما إن وقعت عيناها على المائدة حتى أشرق وجهها بالفرح، واتجهت إلى مقعدها المعتاد، وجلست إلى جوار شقيقها مباشرة، وهي تقول بسعادة غامرة:
ـ إيه الحلاوة والجمدان ده يا رضوان؟ ولا الروايح! اممم... أحلى فطار ده ولا إيه؟
ضحك الجميع، وقال رضوان:
ـ أحلى فطار لأحلى بيبو. وأنا عندي غيرك يعني أظبط لها الدنيا؟ يلا خدي العيش جاي من الفرن طازة... وعيشي بقى.
كانت وجبة رضوان دائمًا تحمل مذاقًا خاصًا بالنسبة إليها، حتى وإن كانت مجرد أطباق بسيطة أعدها بيديه.
راحت تداعبه كعادتها، تارة تطعمه بيدها، وتارة تمازحه، ولم تترك والدتها أيضًا دون نصيب من مشاغباتها، حتى غمرت ضحكاتهم المكان.
ـ خد يا رضوان... مني اللقمة دي كمان.
اقتربت بقطعة الخبز المحشو بالطعام من فمه، فضحك وأبعد يدها قليلًا، وقال:
ـ يا بنتي كلي إنتِ... هو أنا صغير؟ ما أنا باكل أهو.
قهقهت وهي تضع الطعام في فمه رغمًا عنه، وقالت:
ـ يا سيدي إنت مروش عليا ومظبطني. وبعدين هو أنا كل شوية هحذرك إني أعمل اللي أنا عايزاه؟ يلا افتح بوقك.
تدخلت والدتهما وهي تضحك:
ـ سيبيه يا حبيبة يفطر بدل ما الأكل يبرد... وبطلي مناكفة معاه.
التفتت إليها حبيبة بمكر، وقالت:
ـ اممم... خايفة على سي رضوان مني يا زهرة! هو أنا يعني هاكل أكله؟ دانا مسكينة وبشيل اللقمة من بوقي أهو وبديهاله. أدي آخرة اللي يعمل خير.
ضحك رضوان، بينما أخذت هي تثرثر وتداعبه، حتى أصبح للفطور مذاق آخر لا تصنعه الأطعمة، بل تصنعه تلك الألفة التي تجمعهم.
وتوالت ضحكات الأسمر، وهو ينظر إلى شقيقته بحب لا ينتهي، وكأن وجودها وحده قادر على أن يبدد عنه أثقال الأيام، ويمنحه في لحظات قليلة ذلك الشعور الدافئ الذي لا يصنعه سوى البيت وأهله.
وبينما كانوا يتناولون الطعام، سألها رضوان:
ـ ها يا حبيبة... آخر يوم في امتحاناتك إمتى؟
أجابته وهي تواصل تناول طعامها:
ـ يوم الخميس، آخر الأسبوع الجاي.
رفع حاجبه بتفكير، وكأنه اتخذ قراره في اللحظة نفسها، ثم قال:
ـ خلاص. إن شاء الله يومها هوصلك.
ابتسمت بسعادة، وقالت:
ـ بجد يا أسمر؟
ـ أيوه بجد... ولا إنتِ فاكرة إني هسيبك لوحدك؟ بس أنا عايزك تكوني مركزة أوي يا بيبو.
ضحكت وهي تنظر إليه بحب:
ـ عارفة إنك مستحيل تسيبني. ومتخافش، إن شاء الله هخليك تفتخر بيا في الجمهورية كلها.
ابتسم رضوان لها، وكأنه صدق وعدها قبل أن يتحقق، ثم أكمل طعامه في هدوء، بينما ظل دفء العائلة يحيط بهم.
وبعد أن انتهوا من الفطور، نهض رضوان واتجه إلى غرفته ليستعد لصلاة الجمعة.
توضأ وارتدى ملابسه، ثم خرج من المنزل متوجهًا إلى المسجد.
انتهت الصلاة، وخرج رضوان من المسجد برفقة أصدقائه، وما إن ابتعدوا خطوات عن باب المسجد حتى أوقفهم عصام، وقد بدا على وجهه شيء من الحماس.
قال وهو ينظر إليهم واحدًا تلو الآخر:
ـ يا جماعة استنوا... عايز أقولكم على حاجة.
التفتوا إليه، فقال بابتسامة واسعة:
ـ كتب كتابي والفرح آخر الأسبوع الجاي.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ترتفع أصوات التهاني والفرح.
اقترب منه كريم وربت على كتفه، وقال:
ـ ألف مبروك يا عريس!
ضحك عصام وقال:
ـ الله يبارك فيك... بس أنا عايزكم كلكم تيجوا، ومحدش فيكم يعمل نفسه مشغول.
ضحك رضوان وهو يهز رأسه:
ـ إن شاء الله يا عصام... هنكون موجودين.
أكد عصام عليهم مرة أخرى، وكأن حضورهم جميعًا يعني له الكثير، وقال:
ـ لا، بجد يا رجالة... عايزكم كلكم معايا اليوم ده. مفيش أعذار. واللي مش هيجي هيزعل مني.
ابتسموا له، وتعالت بينهم كلمات التهنئة والمزاح، بينما بدأوا يتحركون معًا كعادتهم، وكل واحد منهم يحمل في قلبه شيئًا من فرحة صديقه.
وبالفعل، ذهب رضوان مع عزت وكريم في سيارة الورشة، وحضروا عقد القران، وشاركوا العريس فرحته، وتمنوا له السعادة في حياته الجديدة.
كان الجو مفعمًا بالفرح، والأصوات تتعالى من حولهم بين تهنئة وضحكات وحديث متداخل، لكن وسط تلك الأجواء، لفت انتباه رضوان أمر لم يستطع تجاهله.
فمنذ فترة، لم يعد كريم يترك هاتفه من يده؛ يكتب كثيرًا، ويبتسم أمام شاشته بين الحين والآخر، حتى أصبح قليل الحديث معهم على غير عادته.
كان حاضرًا بجسده، لكن شيئًا ما بدا وكأنه يسحب انتباهه بعيدًا عنهم، إلى عالم آخر داخل ذلك الهاتف.
ظل رضوان يراقبه من بعيد لبعض الوقت، محاولًا ألا يتدخل فيما لا يعنيه، لكنه في النهاية لم يستطع كبح فضوله، وقرر أن يستفسر منه عن السبب وهم في طريقهم إلى العودة.
جلس الثلاثة داخل سيارة الورشة، وعزت خلف المقود، بينما كان الطريق يبتلع المسافة أمامهم، وساد بينهم حديث متقطع بعد انتهاء ليلة الزفاف.
التفت رضوان إلى كريم، ونظر إليه نظرة فاحصة، ثم سأله مستفسرًا عما يحدث معه.
أجابه كريم وهو يغلق هاتفه قائلًا:
ـ أبدًا يا رضوان، ما فيش حاجة مهمة. بعملها على التليفون، كل الحكاية إني بتصفح الفيس والإنستا.
لم يقتنع رضوان بإجابته.
عقد حاجبيه، ونظر إليه بنظرة تحمل شكًا واضحًا، ثم أردف متحدثًا:
ـ وهو الفيس ولا النت ده جديد عليك يا كريم؟ هو إنت ما بتشوفش نفسك ولا إيه؟ ده إنت حاطط وشك طول الوقت في التليفون، حتى الفرح اللي كنا فيه ومبسوطين ما كنتش واعي معانا، كأنك عايش في دنيا تانية.
بتر حديثه لثوانٍ، وظل يرمقه بنظرة متفحصة، ثم سأله بنبرة تحمل الشك:
ـ أوعى يكون في واحدة بتكلمها كده ولا كده. إنت راجل متجوز يا كيمو، ساعتها هعلقك.
ضحك عزت وهو يقود السيارة، وهز رأسه كأنه وجد الإجابة واضحة أمامه، ثم أكمل عن رضوان قائلًا:
ـ إنت بتسأل عن إيه بس يا رضوان يا خويا؟ ما هي باينة أهي زي عين الشمس. وعليا النعمة تلاقي في مزّة في حياته، واقطع دراعي من هنا، كريم ما بقاش معانا خلاص.
التفت كريم إليه بسرعة، ولكزه في كتفه، ثم أردف معنّفًا:
ـ سوق وإنت ساكت يا وش المصايب. عمرك ما تقول كلمة عدلة أبدًا! ومزّة لما تنفخك إنت وهو وأنا بتاع الكلام ده! وبعدين إيه يا عم رضوان؟ إنت والبرص اللي معاك ده هتعمله عليا رباطية ولا إيه؟
انفجر رضوان في الضحك، ولم يستطع منع نفسه من الاستمتاع بارتباك كريم، ثم قال وهو يضحك:
ـ يا عم أنا بطمن عليك. أصل خلاص التليفون قرب يلحس دماغك.
حاول كريم إنهاء الحديث، وقد بدا عليه شيء من الضيق الممزوج بابتسامة رغمًا عنه، وقال:
ـ لا يا خويا اطمن، أنا زي الفل وعارف أنا بعمل إيه كويس. ما تشغلوش بالكم بيا، ويا ريت بقى تدوس بنزين يا عم عزت علشان أروح. هموت وأنام.
ما إن انتهى حديثهم حتى صدح صوت هاتف كريم داخل السيارة، معلنًا عن وصول أكثر من رسالة عبر فيسبوك.
توقف الحديث للحظات، والتفتت الأنظار إليه في اللحظة نفسها.
نظر كريم إلى هاتفه في توجس، وكأن الصوت جاء في توقيت لم يكن يريده.
أما رضوان، فقد لمح ذلك التوتر العابر في ملامحه، فبادل عزت النظرات، بينما مد عزت يده محاولًا خطف الهاتف من كريم بدافع الفضول والمشاكسة.
لكن كريم أزاح يده بعيدًا بسرعة، وقبض على هاتفه كأنه يخشى أن تقع الشاشة أمامهما وتكشف شيئًا لا يريد لهما أن يرياه.
تغير وجهه للحظة، قبل أن ينفجر الثلاثة في الضحك، وانتهى الأمر بينهم بالمزاح، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن رضوان، رغم ضحكه، لم ينسَ تلك اللحظة.
وصل كريم إلى منزله، وكان يعلم جيدًا أن زوجته نائمة كالعادة، لذلك لم يتوقع أن يجدها مستيقظة في انتظاره.
لكنه ما إن فتح باب الشقة حتى فوجئ بها جالسة على الأريكة في صالة الشقة.
كانت إيمان تنتظره في صمت، وملامحها تحمل جمودًا غير معتاد، كأنها أمضت وقتًا طويلًا وهي تخوض حديثًا كاملًا داخل رأسها قبل أن يصل.
ألقى عليها التحية، ثم اتجه إلى الأريكة وجلس بتهالك، وقد أنهكه طول اليوم وما صاحبه من ضوضاء وحركة.
لكنه لم يكد يستقر في مكانه حتى شعر بنظراتها ثابتة عليه.
لم تتحدث.
وظلت تنظر إليه بصمت جعل كريم ينتابه الشك؛ فقد كان يعرف زوجته جيدًا، ويعرف أن ذلك الصمت تحديدًا لا يأتي من فراغ.
رفع عينيه إليها، ثم سألها:
ـ مالك يا إيمان؟ ساكتة وبتبصيلي كده ليه؟ وبعدين إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟
تنهدت إيمان بعمق، وكأنها تجمع ما تبقى لديها من صبر، ثم وضعت هاتفها أمامها على المنضدة، واحتضنت يدها بالأخرى، وتحدثت إليه بكل وضوح:
ـ وهيجي منين النوم؟ إنت عارف كويس أنا عايزة أقول إيه يا كريم، لأنه هو نفس الموضوع اللي اتكلمنا فيه من مدة، وبرضه ما فيش فايدة فيك، ومتغيرش.
تأفف كريم، وشعر بالضيق من عودة الحديث نفسه، فمرر يده على وجهه محاولًا أن يخفي انزعاجه.
لكنه سرعان ما حاول أن يهدأ، وسألها متظاهرًا بأنه لا يعلم شيئًا مما تقول:
ـ موضوع إيه؟ مش فاهم!
نظرت إليه إيمان طويلًا، ثم بدأت تفرغ ما ظل يؤلمها طوال الفترة الماضية، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ أيام:
ـ انشغالك طول الوقت عني وعن ولادك. التليفون اللي الأول كنت بتسيبه مرمي في أي مكان في الشقة، على عكس دلوقتي بقيت بتاخده حتى معاك الحمام، وغيرت الباسورد وخفيته خالص، ما بنشوفوش غير وهو في إيد حضرتك. وفوق كل ده، التليفون ملازم وشك ليل ونهار، حتى وإنت جنبي في السرير وبكلمك بلاقيك مش مركز معايا ولا بترد عليا، كأني مش موجودة. وسألتك بدل المرة ألف: إيه اللي غيرك كده؟ تقولي أنا زي ما أنا، ما تغيرتش، إنتِ بس اللي بيتهيألك!
كانت كلماتها تتدفق متتابعة، تحمل في كل جملة منها شيئًا من الوجع والشك والإحساس بالإهمال.
لم تكن تتحدث عن الهاتف وحده، بل عن رجل تشعر أنه يجلس بجوارها بجسده، بينما جزء منه غائب عنها طوال الوقت.
رد عليها منفعلاً، وقد بدأ صبره ينفد:
ـ يوه! مش هنخلص من الموال كل مرة ده ولا إيه؟ أنا زي ما أنا فعلًا وما تغيرتش على حد. إنتِ اللي مش عايزة تشوفي غير كده، وأنا شايف كل كلامك ده مش مقنع بصراحة، وعايزة تعملي مشكلة بينا وخلاص.
شعرت إيمان أن رده لم يطمئنها، بل زاد ألمها.
رفعت عينيها إليه، وكان في نظرتها عتاب امرأة لم تعد تعرف كيف تثبت لنفسها أن ما تشعر به مجرد وهم.
ردت هي الأخرى مدافعة عن نفسها ومتألمة في الوقت نفسه:
ـ لا يا كريم، أنا شايفة صح. الست أكتر واحدة بتحس بتغيير جوزها عليها، وأنا ما بعملش مشاكل، ده أنا أكتر واحدة بتتحمل وتصبر، بس لحد إنها توصل إنك تكون معايا ومش معايا، وموجود ومش موجود، فده اللي مش ممكن هصبر ولا هتحمله أبدًا.
ارتجف صوتها في نهايته، وبدأت عيناها تغرقان بالدموع.
حاولت أن تتماسك، لكنها لم تستطع إخفاء ما تراكم داخلها، فأكملت بنبرة ألم:
ـ إنت اتغيرت قوي يا كريم. صدقني أنا أكتر واحدة حاسة بتغيرك عليا. ما بقيتش حبيبي بتاع زمان اللي كان بيشيل همي ويحس بيا ويشاركني كل حاجة، لكن دلوقتي حالك اتغير.
ظل كريم ينظر إليها للحظات.
كان يرى دموعها، ويشعر بأن الحديث الذي بدأه بضيق وانفعال أخذ منحى آخر تمامًا.
تنهد، ثم مسح وجهه بيده، واقترب منها وجلس إلى جوارها، وبعد لحظة من الصمت احتضن رأسها بحنان، وكأنه يريد أن يطفئ بنفسه الخوف الذي أشعلته أفكارها.
حدثها بصدق:
ـ يا ستي والله العظيم ما في أي تغيير من ناحيتي. أنا زي ما أنا يا إيمان، ما تغيرتش؛ أقسم بالله نفس الحب اللي في قلبي ليكي، وبيزيد ما بيقلش. وإن كان على انشغالي الفترة دي، كل الحكاية إني مضغوط في الشغل. وإن كان على التليفون، فأنا غيرت الباسورد علشان الولاد بيفتحوه وممكن يضيعوا أي حاجة تخص شغلي، وقلتلك الكلام ده قبل كده. أعمل إيه تاني علشان أثبتلك إني ما تغيرتش؟
نظرت إليه إيمان طويلًا، وكأنها تحاول أن تقرأ الحقيقة في عينيه، ثم مسحت دموعها بطرف يدها، وسألته بترجٍ، وقد أصبح كل ما تريده إجابة تطمئن قلبها:
ـ أنا هسألك سؤال واحد، وترد عليا بصدق يا كريم. إنت ما فيش حد في حياتك غيري؟ وعايزاك تقسم بده.
ابتسم إليها كريم، ثم قال بقسم:
ـ والله العظيم ما في أي حد غيرك في حياتي. ده إنتِ حب عمري يا إيمان، وعمري ما هلاقي ضفرك، ومفيش ست زيك أبدًا. بطلي تفكري بالطريقة دي، وقومي يلا علشان ننام. الوقت اتأخر.
أغمضت إيمان عينيها للحظة، وكأنها تريد أن تطرد كل الأفكار التي عذبتها، ثم تنهدت براحة.
شعرت أنها استسلمت لشيطانها الذي وسوس لها بأن زوجها يعرف غيرها، وأن شكوكها لم تكن سوى أوهام أثقل بها عقلها وقلبها.
هدأت ملامحها شيئًا فشيئًا، واستسلمت لطمأنينة قسمه، ومر الليل عليها بسلام.
أغلقت إيمان عينيها وذهبت في ثبات عميق، بينما ظل هاتف كريم في مكانه يرسل بعض الرسائل بين الحين والآخر.
كان قد وضعه على كتم الصوت حتى لا تستيقظ زوجته، وحتى لا يثير شكوكها مرة أخرى.
فتح كريم عينيه للحظات، ومد يده إلى الهاتف، وألقى عليه نظرة سريعة، ثم أغلقه دون أن يرد، ووضعه جانبًا.
وبعد دقائق، أغمض عينيه هو الآخر، واستسلم للنوم، بينما بقيت الرسائل الصامتة وحدها تحمل سرًا لم تعرف إيمان عنه شيئًا.
في صباح يوم جديد، استيقظت زاد من نومها على صوت هاتفها، وأجابت عندما رأت المتصل باسل.
وبعد التحية، أردف إليها باسل باشتياق:
ـ حبيبتي، اشتقت لك كتير. أنا عم أعد الأيام مشان أجي لعندك، هتجنن، بدي أشوفك.
أردفت إليه برسميّة:
ـ ميرسي يا باسل.
تعجب من نبرة صوتها الجافة، وعلم أن هناك شيئًا حدث معها، فسألها بصوت يبدو عليه القلق.
أجابته بحيرة:
ـ مش عارفة أقولك إيه يا باسل. بابا رافض حتى فكرة إني أكلمه وأجيب سيرتك، مش قادرة أفهم ليه بيعمل معايا كده.
تفهم الأمر، وقال:
ـ حبيبتي، أنا قلتلك أكتر من مرة لا تجيبي سيرتي لأبوك بعد هالمرة، وأنا راح أتصرف، وبدي أعمل المستحيل حتى يرضى وتكوني إلي.
ـ أيوه يا باسل، بس كده مش عدل. لازم نتناقش أنا وبابا. حياتنا بقت روتينية بشكل رهيب، وكمان رفض إني أسافر في أي مكان. أنا مش قادرة أتحمل الوضع ده.
ـ معلش حبيبتي، نصبر شوي، وبدي منك تقومي الحين وتصالحين عمو وتفاجئيه حتى ينبسط منك وتقربي منه أكتر. استعملي عقلك يا روحي، ومثل ما عم تقولوا عندكم بمصر، بس بالعكس... لا تدقي على الحديد وهو سخن، استخدمي السياسة، السياسة يا عمري. إنتِ فهمتي علي؟
حركت زاد رأسها وهي تتنهد، وقد ازدحمت الأفكار في رأسها بعد حديث باسل.
أغلقت الهاتف، وظلت للحظات تنظر إلى شاشته في صمت، تستعيد كلماته واحدة تلو الأخرى، وتحاول أن تجد لنفسها مخرجًا من ذلك العناد الذي أوصلها إلى ما هي فيه.
وبينما كانت غارقة في تفكيرها، خطرت لها فكرة بسيطة؛ أرادت بها أن تدخل السرور إلى قلب أبيها، لعلها تخفف عنه ما يشعر به منذ ابتعادها عنه.
خرجت من غرفتها، وسألت أحد الخدم عن مكان والدها، فعلمت أنه في شركته يتابع بعض أعماله.
لم تتردد طويلًا، فعادت وبدلت ثيابها، ثم خرجت متجهة إليه.
وما إن وصلت إلى الشركة حتى شعرت بشيء من التردد وهي تدخل مكتبه، فقد اعتادت في الآونة الأخيرة أن تبتعد عنه وتجادله في كل ما يخص حياتها، أما الآن فكانت تريد أن تبدأ معه خطوة صغيرة نحو الصلح.
رفع حسين عينيه عن الأوراق أمامه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه، وارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.
ـ زاد! معقول إنتِ هنا؟
ابتسمت له وهي تقترب منه قائلة:
ـ آه يا بابا، زهقت من القعدة لوحدي، قلت أجيلك أقعد معاك شوية. أرجو إني مكونش بزعج حضرتك.
ترك ما في يده، واتكأ إلى ظهر مقعده وهو ينظر إليها باهتمام، وكأنه لا يريد أن يضيّع لحظة واحدة من وجودها أمامه.
ـ والله دي أحلى مفاجأة حصلتلي النهارده. ياريت كل يوم تعمليلي مفاجأة حلوة زي دي.
ضحكت بخفة، ثم قالت:
ـ ميرسي يا بابا. طب بما إنك فرحان كده، أنا عايزة أطلب منك طلب.
رفع حاجبه متوجسًا، ثم ابتسم قائلًا:
ـ أهو أنا كنت عارف إن ورا الزيارة دي طلب... قولي يا ست زاد، عايزة إيه؟
جلست أمامه، وحاولت أن تبدو هادئة، ثم قالت:
ـ مفيش حاجة. حضرتك وحشتني، ووحشني قعدتنا مع بعض زي زمان على سفرة الأكل. أنا طلبت غدا لينا إحنا الاتنين، وعايزة أقعد أتغدى معاك هنا.
ظل حسين ينظر إليها لثوانٍ، وكأن طلبها البسيط كان أكبر بكثير مما قالت.
ثم أومأ برأسه مبتسمًا، وأخفى فرحته قدر استطاعته حتى لا تشعر أنه يتعامل مع الأمر باعتباره انتصارًا عليه.
ـ حاضر يا حبيبتي، نتغدى سوا طبعًا. صدقيني يا بنتي أنا مبسوط بزيارتك دي أوي.
وصل الطعام، وجلست زاد إلى جواره، تحاول أن تكون أكثر هدوءًا ولينًا معه، فهي الأخرى تشعر بالأمان بجانبه.
وكانت تتجنب أي كلمة قد تعيدهما إلى الخلاف من جديد.
أما حسين، فكان يتأملها بين الحين والآخر، وقد بدأ الأمل يدب في قلبه مرة أخرى؛ فوجودها إلى جواره ومحاولتها التقرب منه جعلاه يشعر أن المسافة بينهما ربما بدأت تضيق.
وبعد أن انتهيا من الطعام، ظل حسين صامتًا للحظات، ثم قال لها بنبرة يغلب عليها الرجاء:
ـ زاد، بما إنك جيتي وقعدتي معايا النهارده، إيه رأيك تنزلي معايا الشركة كل يوم؟ تشوفي الشغل وتتعلمي، وتبقي مشغولة بدل القعدة لوحدك.
نظرت إليه زاد، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها هزت رأسها بالرفض:
ـ لا يا بابا، أنا مقدرش ألتزم بحاجة زي دي. أنا بحب أعيش بحريتي، ومش عايزة أربط نفسي بشغل ولا مواعيد.
تنهد حسين، لكنه لم يجادلها، فقد كان يعلم أن الضغط عليها في هذه اللحظة قد يهدم كل ما بدأ يتصلح بينهما.
ـ خلاص يا حبيبتي، براحتك. أنا مش هضغط عليكي.
نظرت إليه زاد، وكأنها لم تتوقع منه أن يتقبل رفضها بهذه السهولة، فقالت:
ـ بجد يا بابا؟
ابتسم لها وقال:
ـ بجد. أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة وسعيدة، بس برضه ما تفتكريش إني هبطل أحاول أقنعك.
ضحكت زاد، بينما اكتفى حسين بابتسامة هادئة.
كان لا يزال متمسكًا بالأمل، ولم يكن مستعدًا لأن ييأس منها بهذه السهولة.
أتى الليل، وخيّم السكون على المنزل بعدما ألقى الجميع بأجسادهم المتعبة إلى النوم. كانت إيمان قد غلبها الإرهاق سريعًا، فقد أنهكها ما تبذله طوال اليوم بين عملها وواجباتها المنزلية ورعاية أطفالها، حتى بات جسدها يطالبها بالراحة قبل أن تفكر هي فيها. تمددت إلى جوار زوجها، وأخذت تشتكي من آلام جسدها قبل أن تغفو تدريجيًا، بينما ظل كريم مستلقيًا بجوارها يراقبها وينتظر أن تغرق في نوم عميق.
وما إن تأكد من نومها حتى نهض من جوارها بحذر شديد، وأمسك هاتفه وغادر الغرفة على أطراف أصابعه، متجهًا إلى أريكة تتوسط المنزل. جلس هناك، وألقى نظرة سريعة على غرفته وغرفة أطفاله، ثم فتح هاتفه وأرسل رسالة خاصة.
لم تمر سوى لحظات حتى جاءه الرد منها، وكانت كلماتها تحمل لهفة واضحة:
ـ إيه يا كريم كل ده علشان تكلمني؟ أنا مستنياك من بدري.
ابتسم كريم، وأسعدته لهفتها، ثم كتب إليها معتذرًا:
ـ آسف يا سارة يا حبيبتي، ما أنتِ عارفة، بستنى بالليل بالذات لما هي تنام والعيال يناموا علشان أعرف أكلمك براحتي.
كتبت إليه:
ـ أيوه يا كريم، كده أفضل، وأنا هستحمل، لأن الأول بصراحة ما كنتش عارفة آخد راحتي معاك. تكلمني دقيقة وتقفل الشات ساعة، وترجع ترد لما كنت هفقد الأمل وأتجنن خلاص.
كتب إليها:
ـ بعد الشر عليكِ يا روحي، أنا لو أطول أفضي نفسي ليكِ طول الوقت هعملها، بس هعمل إيه غصب عني؟ سامحيني.
ابتسمت وهي تكتب:
ـ يا حبيبي ولا يهمك، بس سيبك من كل ده، احكيلي يومك كان عامل إزاي!
تغيرت ملامح كريم، وشعر بالإحباط وهو يجيبها:
ـ ما فيش فرق عن امبارح ولا أول وقبله. أنا هنا عايش أيامي كلها شبه بعضها. ما فيش روح في البيت، بروح الشغل وبرجع من الشغل أنزل على القهوة أقابل صحابي، أرجع ألاقي البيت كله دوشة من العيال وأمهم تنيمهم وتنام، وبكده اليوم خلص، وبيرجع يتكرر تاني يوم نفس الموال. بجد حاجة تزهق، ملل لا يطاق.
قرأت سارة كلماته، وأظهرت له تعاطفها، قائلة:
ـ حقيقي يا حبيبي أنت بتصعب عليا قوي، بقى معقول في واحدة عاقلة تهمل جوزها اللي زي القمر ده! ده أنا لو مكانها أقيدلك صوابعي العشرة شمع، بس هنعمل إيه بقى؟ النصيب غلاب.
تجاهل كريم ما قالته، وكأنه كان يريد الوصول إلى سؤال آخر يشغل تفكيره، فكتب إليها:
ـ سيبك أنتِ بقى من الكلام ده، وقوليلي هو إحنا هنفضل كده كتير؟
تعجبت من سؤاله، وسألته:
ـ قصدك إيه؟ مش فاهمة!
جاءها رده سريعًا، يحمل شوقًا طال كتمانه:
ـ أنا عايز أقابلك يا سارة، نفسي أشوفك قدام عيني وأتكلم معاكي. أنا عندي كلام كتير نفسي أقوله ليكي.
أجابته بثقة:
ـ هيحصل يا روحي، هيحصل.
سألها متلهفًا:
ـ إمتى بس؟
ـ قريب، صدقني قريب قوي هكون قدامك.
ابتسم كريم، وكأن تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتمنحه ما افتقده طوال أيامه، وظل يحدثها حتى مضى الليل دون أن يشعر بالوقت.
وفجأة، انتبه إلى صوت أذان الفجر يشق سكون المنزل.
نظر إلى الساعة في دهشة، ثم ودع سارة سريعًا، فقد حان الوقت ليعود إلى غرفته ويصلي، ثم يغفو قبل أن تستيقظ زوجته وتكتشف أمره.
وهكذا مرت الأيام...
إيمان تستهلك نفسها في سبيل بيتها وأطفالها، وتؤدي واجباتها بصمت، بينما كان كريم يعيش عالمًا آخر في الخفاء، مع فتاة لم يرها يومًا إلا عبر الصور، ويمنحها من وقته ومشاعره ما لم يمنحه لزوجته.
في حيٍّ آخر، كان صوان كبير قد أُقيم لاستقبال المعزّين، وامتدت تحته صفوف الكراسي التي امتلأت بأهل الحي وأصحاب المتوفى، بينما خيّم على المكان ذلك الهدوء الثقيل الذي يفرضه الموت، ولا تقطعه إلا أصوات المواساة والدعوات الخافتة.
وبعد انتهاء العزاء، انشغل رضوان مع باقي العمال في جمع الكراسي وحملها إلى داخل السيارة، وكان التعب قد استقر في جسده بعد يوم طويل من العمل، حين فوجئ بعزت يقترب منه، وقد بدا على وجهه شيء غير معتاد، وكأنه يحمل في صدره خبرًا لا يستطيع تأجيله أكثر.
أخبره عزت أنه يريد أن يخبره بأمر ضروري، لكن رضوان لم يفهم سبب تلك العجلة ولا ذلك الإصرار الغريب في عيني صديقه.
وبعد أن أنهى رضوان عمله، اصطحبه عزت إلى مقهى قريب.
جلسا في أحد الأركان بعيدًا عن الضجيج، وما إن استقرا في مقعديهما حتى التفت رضوان إليه، وقد زاد فضوله بعدما ظل عزت طوال الطريق يلمح إلى مفاجأة كبيرة.
سأله رضوان عن الخبر المفاجئ الذي لم يجعله يصبر حتى يعود إلى المنزل، فحرك عزت كتفيه، ثم أمسك ياقة قميصه بيديه ورفع ذقنه قليلًا، متصنعًا الكبرياء وكأنه على وشك إعلان أمر عظيم، وقال:
ـ الموضوع اللي عايزك فيه ما ينفعش يتأجل ولا يستنى يا رضوان. أنا بجد فرحان، فرحان قوي، وعايز أشاركك فرحتي. هو حرام يا أخي ولا إيه؟
ضحك رضوان من طريقته التي يعرفها جيدًا، ومن محاولته إخفاء فرحته خلف ذلك التباهي المصطنع، ثم مال نحوه قليلًا وقال:
ـ لا يا عزت، مش حرام. يعلم الله غلاوتك عندي قد إيه، واللي يفرحك يفرحني. قول يا سيدي وسمعني إيه الموضوع المهم العاجل ده.
تنفس عزت بعمق، وكأن الفرحة التي أخفاها طوال الأيام الماضية وجدت أخيرًا طريقها للخروج، ثم بدأ يتحدث بصراحة، وقد تبدلت ملامحه من المزاح إلى شيء أكثر صدقًا:
ـ اسمع يا سيدي، بصراحة بقى أنا زهقت وتعبت من الوحدة طول السنين دي. من صغري وأنا بنام في فرشتي لوحدي، بيتقفل عليا باب لوحدي، لا عندي أم ولا أب ولا حد يخبط عليا يسأل عني غيرك إنت وخالتك أم رضوان. وبصراحة أكتر بقى، علشان أكون واضح معاك، من يوم ما شفت الواد عصام وهو في الكوشة مع عروسته فتح نفسي على الجواز، فأنا بقى إيه؟ عزمت النية وقلت: ما بديهاش ياض يا عزت، ويلا هوبا أتجوز.
لم يستطع رضوان أن يخفي ابتسامته، وشعر بفرحة حقيقية من أجل صديقه الذي عاش سنوات طويلة وحيدًا، بلا بيت يضمه ولا أسرة تنتظره خلف باب.
سعد رضوان عندما سمعه، ثم أردف إليه قائلًا في سعادة:
ـ والله يا عزت، ده أحلى خبر سمعته وأحلى قرار أخدته.
ثم نظر إليه بصدق، وكأن فرحته لم تكن مجاملة عابرة، بل فرحة أخ لأخيه، وقال:
ـ طب تصدق بالله؟
رفع عزت حاجبيه منتظرًا ما سيقوله، ثم أجابه:
ـ لا إله إلا الله.
قال رضوان:
ـ أنا أكتر واحد أفرحلك؛ علشان نفسي يكون لك بيت وعيلة وعيال يكونوا حواليك. بجد والله فرحتلك من قلبي. بس إنت نويت خلاص؟ ندورلك على عروسة؟
ازدادت ابتسامة عزت اتساعًا، وكأن سؤال رضوان فتح له بابًا آخر من السعادة.
شعر بصدق فرحة صديقه، فمد يده وربت على كتفه ممتنًا، وقال:
ـ طول عمرك أصيل يا رضوان، والفرحة باينة من قلبك يا حبيبي. ربنا يديم المحبة بينا. وإن كان على العروسة فهي موجودة. وأفرحك أكتر بقى؟ أنا رحت طلبت إيدها من يومين، وخدت الرد النهارده. وما كنتش عايز أتكلم في الموضوع ده علشان أنا كنت فاكر إنها هترفض، هترفض، بس الحمد لله أهل العروسة وافقوا، ومن ساعتها وأنا طاير من الفرحة. سبت اللي في إيدي وجيتلك جري علشان أفرحك معايا.
توقفت ملامح رضوان للحظة من شدة المفاجأة؛ فلم يتوقع أن يكون عزت قد قطع كل تلك الخطوات بالفعل دون أن يخبره.
لكنه سرعان ما ابتسم، وغلبت فرحته دهشته، وربت على كتف صديقه بحماس:
ـ طيب والله كويس يا عزت، والحمد لله إنهم وافقوا عليك. وهما هيلقوا زيك فين يعني؟ ألف ألف مبروك يا صاحبي.
ضحك عزت، وبدت السعادة واضحة في وجهه، وقال:
ـ الله يبارك فيك يا رضوان. وعايزك بقى تيجي تختار معايا الشبكة الأسبوع الجاي، علشان أنا ماليش ضهر غيرك. هتيجي معايا مش كده؟
أجابه رضوان على الفور، دون لحظة تردد؛ فبالنسبة إليه لم يكن عزت مجرد زميل أو صديق، بل أخًا اختارته له الأيام:
ـ طبعًا يا ابني، من غير ما تقول. إنت أخويا يا عزت، واللي يفرحك يفرحني. بس ما قلتليش، هي العروسة من الحارة بتاعتنا ولا من حتة تانية؟
أجاب عزت بعفوية، وهو يبتسم بسعادة:
ـ لا يا عم، من الحارة. هو أنا بروح فين يعني؟ وإنت كمان تعرفها.
ابتسم رضوان، وقد بدأ الفضول يزداد داخله، وحدق في وجه عزت منتظرًا الاسم الذي لم يخطر بباله، ثم سأله:
ـ وتطلع مين بقى العروسة دي اللي أعرفها؟
قال عزت الاسم ببساطة شديدة، دون أن يخطر بباله للحظة أن تلك الكلمات الثلاث ستسقط على رضوان كالصاعقة:
ـ رباب... رباب بنت المعلم صفوت الدويقي.
