رواية كلاشينكوف الفصل السادس
عاد أسامة من القاهرة كالإعصار، مدججاً بفرق العمليات الخاصة ليحاوط الثرايا ، لكنه حين وصل إلى مشارف النجع، فوجئ بهدوء مريب يلف المكان. لم يكن هناك أثر لرجال "الصارم"؛ فقد اختفوا تماماً كأن الأرض انشقت وابتلعتهم.
في مخبئه السري، كان "الصارم" يمسح بندقيته بعنف، حين وصلته مكالمة مشفرة من "زعيم الظلام"، الرجل الذي لم يره أحد من قبل. جاء صوت الزعيم بارداً كالموت:
"انسحب فوراً يا صارم.. الأضواء بدأت تسلط علينا أكثر من اللازم، والضابط أسامة بات يشكل خطراً يتجاوز حدود مهمتك. اترك النجع، واختفِ في الظلال.. أمرك الآن بالانسحاب التام."
عضّ الصارم على شفتيه بغيظ، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ انتقامه، لكنه لا يملك سوى الطاعة المطلقة لليد التي أطعمته وسلحته منذ الصغر. جمع رجاله، وانسحبوا تحت جنح الظلام، تاركين وراءهم نجعاً لا يعرف أن الحرب التي كانت ستحرقه قد توقفت مؤقتاً بأمر علوي.
في سرايا العزايمة، ساد جو من الترقب. وبينما كان أسامة يراجع ملفات القضية، محاولاً ربط الخيوط ببعضها، دوت صرخة حنين المكتومة من غرفتها. كانت لحظة الحقيقة؛ آلام المخاض داهمتها قبل أوانها بفعل الضغوط النفسية التي عاشتها.
تحول القلق إلى سباق مع الزمن اخذها اسامه للمشفي . وبعد ساعات طويلة من التوتر، ارتفع صوت بكاء طفل صغير يملأ ألمكان خرجت الممرضه وهي تبتسم وتزف الخبر لأسامة: "جالك ولد يا باشا، ينور حياتك ويتربي بعزك!"
دخل أسامة إلى الغرفة، نظر إلى ابنه الصغير الذي يمسك بأصابعه الرقيقة، وشعر بدمعة تنزلق على وجنته. في تلك اللحظة، تعاهد أمام الله أن يجعل هذا العالم مكاناً آمناً لابنه، وأن يعيد بناء ما تهدم من عائلته.
بعد أيام، وبينما كان أسامة يلملم شتات أوراقه، فتح "المحفظة الجلدية" القديمة التي استعادها من الصارم. راح يقلب محتوياتها مرة أخرى؛ صور قديمة، قصاصات ورق مشفرة، وتلك السيارة الخشبية التي تذكره بطفولته. غاص في تفاصيلها، محاولاً تتبع خيط الأمل الذي يقوده لأخيه "سليمان".
كان أسامة يبحث في كل مكان، يطارد ظلالاً في سجلات المافيا القديمة، ويستجوب من تبقى من الشهود، لكنه كان كمن يطارد الريح. لم يكن يدور في خلده أبداً أن ذلك الوحش الملقب بـ "الصارم" – الذي كان يطارده بالأمس – هو نفسه قطعة من روحه، أخوه الذي سلبته الأيام. كان القدر يحيط بهما من كل جانب، يقربهما من الحقيقة ويحجبها عنهما في آن واحد، في لعبة زمنية قاسية، لا تزال خيوطها تتشابك في انتظار المواجهة الكبرى.
مرّت أسابيع على ولادة صغير أسامة، الذي أسماه "ممدوح" تيمناً بجدّه الراحل. وفي هذه الأثناء، كان أسامة لا يزال يغرق في أوراقه، محاولاً فك طلاسم المذكرة التي وجدها في المحفظة القديمة. لم تكن مجرد أسماء، بل كانت تواريخ وأماكن لعمليات تهريب كبرى جرت قبل ربع قرن.
في المقابل، كان "الصارم" يختبئ في أعماق الصحراء الغربية، يلعن صمته القسري. كان يشعر بضياع غريب، فالمحفظة التي فقدها في النجع كانت تمثل له "بوصلة هويته". بدأ الصارم في إجراء تحقيقاته الخاصة بعيداً عن أعين المنظمة، محاولاً معرفة من هو هذا الضابط الذي يلاحقه بشراسة، ولماذا شعر برابط غامض يشدّه إليه أثناء اشتباك السرايا.
في أحد الأيام، وبينما كان أسامة في مكتبه، توصل إلى معلومة صادمة: الوشم (الثعبان الملتف حول البندقية) ليس مجرد شعار لمنظمة "الظلام"، بل هو وشم تاريخي كان يُستخدم قديماً بين أعضاء المافيا الذين يختطفون الأطفال ويجندونهم. تجمدت الدماء في عروق أسامة.. هل من الممكن أن أخاه سليمان يحمل هذا الوشم؟
قرر أسامة أن يغير تكتيكه، فبدلاً من مطاردة "الصارم" كعدو، بدأ يفتش في سجلات المخطوفين المنسية منذ 24 عاماً. ومن بين الغبار، استخرج ملفاً قديماً يحمل صورة طفل صغير، وبجانبها كانت هناك ملاحظة بخط والده الراحل: "سليمان.. لا تضيع يا بني".
في تلك اللحظة، رن هاتفه. كان المتصل "فاتح" من النجع. قال فاتح بصوت منخفض: "يا أسامة باشا، في واحد من رجال المافيا الهاربين كان شغال مع الصارم، اتمسك عندنا في الجبل، وهو بيعترف دلوقت.. بيقول إن الصارم مش من أصول أجنبية، وأنه اتخطف من قلب القاهرة لما كان طفل والمنظمه جندته !"
سرت قشعريرة في جسد أسامة. قال بحماس: "فاتح، خلّيه يتكلم.. اسأله عن أي علامة مميزة، عن أي شيء يربطه بأهله!"
أغلق أسامة الهاتف، ونظر إلى صورة أخيه الصغير ثم إلى صورة "الصارم" التي التقطتها كاميرات المراقبة. بدأ يلاحظ تشابهاً في زاوية العين، في طريقة الوقوف.. الحقيقة بدأت تلوح في الأفق كالشمس الحارقة، لكنها كانت حقيقة قاسية جداً لدرجة أنها قد تدمر كل شيء.
في نفس الوقت، كان "الصارم" قد نجح في الوصول إلى منزل أسامة القديم في القاهرة، متسللاً في غفلة من الحراسة، يبحث عن المحفظه ليعيدها وبينما كان يقلب في خزانة قديمة، عثر على "لعبة خشبية" مطابقة تماماً لتلك التي كانت في محفظته المفقودة.
في تلك اللحظة، فُتح باب المنزل.. دخل أسامة فجأة ليجد "الصارم" واقفاً وسط الغرفة، كلاهما أشهر سلاحه في وجه الآخر في صمت مطبق.. الصمت الذي يسبق العاصفة.
