رواية درة الجبالي الفصل السابع
"خابرة يا درة.. الرصاصة اللي شجت لحمي دي، كانت أحن عليا من رمش عينك لما بتبصيلي بغضب.. ووجع الجرح ديه ميسواش هفوة من وجع جلبي لما فكرتي تسيبيني وتمشي."
صوت "عزيز" كان هادي وتعبان وهو ساند ضهره على مخدات السرير. "درة" كانت قاعدة جنبه على حرف السرير بتأكله الشوربة بيديها، عينيها بتلمع بحب مقدرتش تخبيه وابتسمت بكسوف:
"بطل بكش يا عمدة.. إنت خابر زِين إني مجدرش أبعد عنك خطوة، إنت بجيت النفس اللي بتنفسه. بس اللي حوصل الصبح كان تجيل على جلبي، غِرت عليك من الهوا، ومكنتش متخيلة إن في حُرمة تانية بتشاركني فيك."
رفع عزيز إيده السليمة، بعد إيديها بالراحة وحطها على صدره ناحية قلبه اللي بيدق بقوة:
"مفيش مخلوجة على وش الأرض بتشاركك فيا يا درة، ولا جابلك ولا بعدك. إنتي الجلعة اللي الجبالي رمى سلاحه على أبوابها واستسلم. إنتي اللي خليتيني أعرف إن كل اللي عشته جبل ما ألمح طيفك كان وهم، وإني اتولدت يوم ما خيلي وجف جُصادك في الغيط."
جسمها قشعر من كلامه، ومالت عليه أكتر، وقالتله بصوت هادي وهي بتحاول ترجع تأكله:
"بس إنت لساتك تعبان يا حبيبي، ولازم تاكل عشان الجرح يلم وتشد طولك."
بسرعة شدها عزيز لحضنه وبقت على صدره السليم، لف إيده التانية حوالين وسطها ودفن وشه في شعرها الأسود:
"أنا شبعت من الدنيا كلها وإنتي في حضني.. طعم شفا*يفك دي هو الدوا اللي هيجومني زي الحصان، مش الشوربة بتاعتك دي."
وشها احمر وضربته بخفة على صدره السليم: "يا مري على جرأتك يا عزيز! إنت مفيش حاجة بتهدك واصل؟ ده إنت واخد رصاصة والدم كان مغرجك!"
ضحك عزيز ضحكة رجولية هزتها من جواها، وبعدين رفع وشها بإيده وعنيه كلها عشق:
"اللي يدوج الشهد من شفا*يف درة الجبالي، الموت نفسه يخاف يجربله.. أنا بحبك يا درة.. بحبك حب لو اتوزع على جبال الصعيد يهدها."
مقدرتش تقاوم سحره ولا صدقه، استسلمت لحضنه ونسيت كل حاجة.. نسيت شيريهان ونسيت المؤامرات، وتاهت في أمان راجلها اللي بقى قدرها.
في نفس الوقت، وفي أوضة ضلمة جوه السرايا، كانت "الحاجة زينب" قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعها، بتسبح بسرعة وعصبية. الباب الخشبي خبط بالراحة، ودخلت "شيريهان" وهي بتتلفت حواليها بخوف:
"كده برضه يا حاجة؟ تخليني أستنى كل ده في الرعب ده؟ العمدة لو عرف إني طلعت من دار الضيافة هيقتلني ويشرب من دمي!"
قامت الحاجة زينب من مكانها، وبكل غل ضربت شيريهان بالقلم على وشها!
صرخت شيريهان مكتومة: "آآه! بتضربيني ليه يا حاجة؟!"
ردت زينب بفحيح زي التعبان: "عشان إنتي غبية ومابتفهميش واصل! أنا جولتلك تيجي السرايا تتمسكني وتبكي، وتعملي فيها الأم المكسورة اللي خايفة على حگ ولدها، مش تدخلي تتخانجي مع درة وتخليها تشك فيكي! البت دي سوسة ودي كانت هتاكلك بسنانها وتكشف الملعوب كله!"
ردت شيريهان بخوف ودموع: "يا حاجة، أنا عملت اللي اتفقنا عليه! إنتي اللي بعتيلي وقولتيلي إن عزيز متصاب وممكن يموت، وإن دي فرصتي أظهر بالواد اللي جيبتيهولي من الملجأ وأقول إنه ابنه عشان أورث! البت درة دي مستفزة وأنا اتوترت!"
دي كانت الحقيقة الصادمة.. الواد مش ابن عزيز، والعقل المدبر لكل ده كان "الحاجة زينب" أم عزيز نفسها!
مسكت زينب دراع شيريهان بقوة وعصرته: "الواد ديه أنا اللي دورت عليه شهور في الملاجئ لحد ما لجيت عيل شبه عيلة الجبالية وعيونه زي عيون عزيز بالظبط. أنا اللي دفعتلك ألوفات عشان تلعبي الدور ده وتيجي ترمي بليتِك على السرايا."
شيريهان بصدمة: "بس ليه يا حاجة؟ ده ابنك!"
بصقت زينب كلامها بحقد أعمى: "ابني اللي اتجنن! من يوم ما البت اللي لابسة كفنها دي هلت علينا، وعزيز مبجاش عزيز. وجف في وشي وكسر كلمتي عشانها! خلت كبير الجبالية اللي بيدوس الحريم بمداسه، ياخد رصاصة في صدره عشان يفديها! كان لازم أكسر غرورها وأخليها تسيبله السرايا وتمشي مجروحة في شرفها.. بس هي طلعت جبل مابيهزوش ريح."
شيريهان برعب حقيقي: "يا حاجة، الدكاترة بتوع مصر جايين بكرة الصبح ياخدوا عينات الـ DNA! لو التحليل طلع عزيز هيعرف إني كدابة، وممكن يعذبني لحد ما أقول إنك إنتي اللي ورا كل ده!"
ابتسمت زينب بشر ومكر شيطاني: "التحليل مش هيتم يا شيريهان... الدكاترة دول مش هيلحجوا ياخدوا عينة.. لأن جبل ما الشمس تطلع، السرايا هتكون مشغولة بمصيبة أكبر.. مصيبة تخلصني من العجربة دي للأبد. إرجعي مكانك دلوك، وبكرة لما تسمعي الصريخ، ابجي اضحكي في سرك."
خرجت شيريهان تترعش، بينما وقفت زينب تبص على جناح عزيز ودرة وتهمس: "حسابك معايا الليلة يا بت محمود.. هحرج جلبك زي ما حرجتي جلب أم على ولدها."
في نص الليل..
عزيز راح في نوم عميق بسبب المسكنات وهو واخد درة في حضنه بقوة. بس درة مكانش جايلها نوم وعقلها شغال تفكير. فجأة سمعت صوت خربشة وورقة صغيرة بتدخل من تحت عقب الباب.
قامت تتسحب بالراحة عشان متصحيش عزيز، فتحت الورقة وقرتها في ضوء القمر:
(لو رايدة تعرفي حجيجة شيريهان والواد اللي معاها، ومين اللي جابهم السرايا عشان يكسروا جوزك.. تعالي دلوك على المخزن الجديم اللي في آخر الجنينة.. الدليل كله إهنه، لو اتأخرتي الدليل هيتحرج).
قلب درة دق بسرعة. بصت لعزيز النايم، خافت تصحيه جرحه ينزف ويتعب، وقررت كعادتها تتصرف بشجاعة ومواجهة. لبست عبايتها السودا، لفت شالها، وخبّت خنجر صغير في هدومها، ونزلت تتسحب زي الشبح لحد ما وصلت للمخزن القديم المهجور في آخر السرايا.
الباب كان موارب، وفي ضوء شمعة ضعيف جوه.
دخلت كام خطوة وهمست بثبات: "في حد إهنه؟"
المكان كان كله تراب وقش وبراميل. فجأة، الباب الحديد اتقفل وراها واترزع بقوة، وصوت قفل كبير اتقفل من بره!
جريت درة على الباب تخبط فيه وتزعق: "مين اللي بره؟! افتحوا الباب!"
جالها صوت من بره جمد الدم في عروقها.. صوت الحاجة زينب!
"خليكي إهنه يا عروسة الغفلة.. عشان تعرفي إن مجامك الحجيجي هو التراب!"
اتصدمت درة: "حاجة زينب؟! إنتي اللي عملتي إكده؟ افتحي الباب حرام عليكي، أنا عملتلك إيه؟!"
ضحكت زينب بشر: "سرجتي ولدي، وكسرتي هيبتي! أنا اللي جبت شيريهان والواد، وعشان التحليل بكرة هيكشف ملعوبي، كان لازم أخلص منك! هتموتي إهنه والكل هيفتكرها حريجة جضاء وجدر، وعزيز هيحزن عليكي سبوع والسرايا ترجع لطاعتي!"
صرخت درة وهي بتخبط على الباب بكل قوتها: "إنتي شيطانة! عزيز مش هيسيبك لو عرف! عزيز هيحرجك زي ما هتحرجيني!"
"عزيز عمره ما هيشك في أمه! اركعي وصلي ركعتين جبل ما النار تاكل لحمك!"
فجأة درة شمت ريحة جاز بتتكب من تحت الباب.. وفي ثواني، عود كبريت ولع اترما من فتحة صغيرة، والنار مسكت في القش والجاز وحولت المكان لجحيم أحمر في لمح البصر!
الدخان الأسود كتم نفس درة، رجعت لورا ووقعت على ركبها بتكح وتصرخ بكل صوتها:
"يا رب! يا رب ينجيني! عزيييييييز! إلحقني يا عزييييييز!"
في جناح العمدة..
عزيز قام مفزوع من نومه كأن خنجر انضرب في قلبه، بيمد إيده لقى السرير فاضي ومفيش درة! فتح النور ملقاهاش، بس لمح الورقة المرمية على الأرض.
قراها، وعيونه وسعت من الرعب.
مفكرش في جرحه، ولا لبس هدومه.. نزل جري على السلالم زي المجنون بيزأر بأعلى صوته:
"يا غففففففر! يا رضواااااان! المخزن الجديم ورا الجنينة.. درة هناك! السلاح ورايا!"
جري بأقصى سرعته والدم بدأ ينزف من كتفه ويغرق الضمادات تاني، بس مكانش حاسس بأي وجع غير قلبه اللي بيتقطع.
أول ما وصل الجنينة الخلفية، اتسمر مكانه.
النار كانت واصلة للسما، والمخزن كله بيولع وبيطلع منه دخان أسود كحيل.
أطلق عزيز صرخة زلزلت الصعيد كله: "درررررررررة!"
صرخة راجل بيشوف روحه بتتحرق قدامه.. مستناش الغفر، واندفع زي السهم جوه النار وهو مش دريان بحاجة..
فهل هيقدر يخرجها من فم الموت، ولا نيران الغيرة والحقد هتحرقها؟!
