رواية عندما يستيقظ الامس الفصل السابع
- لم ينم " زياد " تلك الليلة ، بقيت الرسالة فوق مكتبه كشيء حيّ يراقبه
{ متحاولش تفتكر الإنكار أمان ليك}
- قرأها مرات لا تحصى ثم حاول إقناع نفسه بأنها مزحة سخيفة أو تهديد عشوائي أو خطأ لكن المشكلة لم تكن في الورقة بل في ذلك الإحساس الذي بدأ يتسلل داخله منذ ظهور " مُنى " وهو إحساس بوجود باب خلف رأسه ،
باب مغلق بإحكام وكل شيء حوله صار يطرق عليه بعنف.
- جلس داخل مكتبه بالمطعم، والليل يهبط ببطء خلف الزجاج ، أعاد الرسالة إلى الظرف ثم فتح درج المكتب يبحث عن الملف الذي نسيه.
- لكن يده توقفت فجأة ، قد شعر بأن الدرج نفسه كان غريبًا ليس لأنه لم يره من قبل بل لأن داخله بدا مرتبًا أكثر مما يتذكر وكأن أحدًا دخله و أغلقه بسرعة ونهض ، احتاج أن يستنشق هواء يوقف هذا الضغط الذي يخنق صدره ،
لكنه ما إن خرج من المكتب حتى لمح السيارة سوداء ، ما زالت هناك على الجانب المقابل من الشارع ساكنة و الزجاج معتم والسيارة لا تتحرك.
- توقف قلبه لحظة ظل يحدق بها ثم اشتغل محركها بهدوء وغادرت ببطء كأنها لم تكن تريد أكثر من أن يراها.
- في الجهة الأخرى من المدينة
- كانت " نيللي " تجلس داخل مقهى صغير مطل على البحر وقد ندمت لم تكن تعرف لماذا وافقت ولا كيف وجدت نفسها تنتظر امرأة قالت إن زوجها ، هو زوجها أيضا لكنها جاءت لأن الشك حين يدخل القلب لا يخرج بسهولة.
- دخلت " مُنى " بعد دقائق و بدت مختلفة عن ليلة الحادث أهدأ لكن الإرهاق كان واضحًا تحت عينيها ، وقفت للحظة حين رأت " نيللي " ثم اقتربت و جلست بصمت ،
وبقيت بينهما لحظات متوترة لا تعرفان كيف تبدآنها و
كانت " نيللي " أول من تكلم.
_أنا جيت علشان أفهم ، مش علشان أصدق .
- هزت " مُنى " رأسها وقالت بنبرة هادئة:
وأنا مش طالبة منك تصدقي من غير دليل.
- تأملتها " نيللي " فشعرت بأنها لم تبدو كاذبة
بل امرأة تحمل حملًا أثقل منها.
_ زياد مين بالنسبالك؟
- رفعت " مُنى " عينيها إليها ثم قالت بهدوء موجع:
اسمه " ماجد " .
-تشنج وجه " نيللي " فأكملت " مُنى " قائلة : و كان جوزي.
- وضعت حقيبتها فوق الطاولة وأخرجت ملفًا قديمًا و مدته نحو " نيللي " التي ترددت قبل أن تمد يدها لكنها فعلت و كان أول ما وقع تحت نظرها صورة رجل مُبتسماً يقف داخل مطبخ صغير و يرتدي مئزر الطهو فـ تجمدت أنفاسها عندما تأملت ملامحه فهو "زياد " أو شخص يشبهه بصورة مرعبة.
-رفعت " نيللي " رأسها ببطء وقالت بنبرة مستنكرة:
دي AI
- هزت "مُنى " رأسها وقالت بنفي : لا
- قلبت " نيللي " الصورة فوجدت في الخلف تاريخ قديم
أقدم من تاريخ معرفتها بـ " زياد "نفسه ، ناولتها " مُنى " ورقة أخرى وكانت عبارة عن عقد زواج و ورق اخر به أسماء و بيانات وصورة شخصية قديمة للرجل نفسه بـ اسم:
ماجد علي عَلام .
- ارتفع النبض داخل صدر " نيللي " و حدقت في الورق طويلًا ثم قالت بصوت خافت: ده شبهه.
- ابتسمت " مُنى " بمرارة و قالت : شبهه؟
- رفعت " نيللي " رأسها وقالت بعصبية :
أنا مش غبية.
_ وأنا مش بكدب. اردفت إليها " مُني " بهدوء ثم
ساد الصمت بينهما حتي سألتها " نيللي " فجأة:
لو ده حقيقي ليه هو أنكر؟
- أخفضت " مُنى " عينيها وبدا السؤال كأنه يؤلمها هي الأخرى و أخبرتها : معرفش .
- صمتت للحظه ثم قالت : أو يمكن عارفة.
- رفعت " نيللي " حاجبها ثم تسائلت : يعني إيه؟
- سحبت " مُنى " نفسًا بطيئًا و قالت بنبرة هادئة مؤلمة :
كان عندنا ابن
- توقفت لثوانٍ كأن الاسم نفسه يحتاج شجاعة و قالت اخيرا : اسمه تَيم .
- شيء ما داخل " نيللي " انقبض بينما
اكملت " مُنى" وقالت بنبرة حزينة مؤلمة :
مات
- هبط الصمت بينهما ثقيلًا ثم قالت بصوت خافت حزين :
ومن يومها ماجد مات معاه.
(في المساء )
- عاد " زياد " إلى البيت متعب الأعصاب ووجد " نيللي " في الصالة صامتة و تحمل كوب الشاي دون أن تشربه.
- شعر بشيء غير مريح فور رؤيتها و اقترب منها ثم جلس علي المقعد بجانبها وهو يسألها : زين نام؟
_من بدري.
- رفع يده و حاوط وجنتها برفق ثم سأل وهو يراقبها:
مالك؟
- رفعت عينيها نحوه وكان في نظرتها شيء لم يعتده
شيء بين الحذر والوجع ثم قالت بهدوء:
قابلت مُنى النهارده.
- انعقدت ملامح وجهه و اخفض يده عنها وهو يقول : ايه ؟؟ ده ازاي و ليه
- صمتت " نيللي " بينما هو اكمل بصوت حاد:
من غير ما تقوليلي كمان ؟!
_ كنت محتاجة أفهم . اردفت بنبرة هادئة بينما هو بدأ
اشتدت ملامحه و أردف بنبرة حادة :
وتفهمي ايه بالظبط؟
- تركت ما بيدها ثم سحبت الملف الموجود فوق الطاولة وناولته إياه و قالت: افتحه.
- تردد قليلا ثم اخذه منها و فتحه وكانت أول صورة كافية ليسحب الدم من وجهه عندما نظر إلى الرجل داخل الصورة نفس ملامحه و نفس عينيه لكن شيئًا ما فيه بدا غريبًا كأن الصورة تخصه ولا تخصه.
- رفع رأسه نحو " نيللي " ثم سألها :
ده ايه ؟
_ انت قولي.
= معرفش
_بجد؟
- ارتفع صوته وهو يقول :
أيوه بجد
- أخرجت من الملف الذي في يده عقد الزواج و ألقت به أمامه و سألته :
و ده؟!
- ارتعشت أنامله و بدأ العرق يبرد فوق ظهره وهو يأخذ منها العقد وقبل أن ينطق بكلمة ضربته صورة ليس العقد
بل شيء داخل رأسه وهو عبارة عن صوت
طفل يضحك و أصابع صغيرة ملطخة بالدقيق و امرأة تضحك بعيدًا ثم ماء ، كثير من الماء وصراخ.
-تصلب في مكانه و اختنق النفس داخل صدره ، و سقط الملف من يده ونظر حوله كأن الغرفة تضيق فـ
هتفت " نيللي " بقلق:
زياد
- لكنه لم يسمع و عاد صوت قوي داخل رأسه يهتف بنبرة طفولية قائلا : باباااا
- اتسعت عيناه وضرب الألم رأسه بعنف فوضع يده فوق أذنه وهو يصيح : لاااااااء
- اقتربت منه و احتضنت كتفيه وهو تسأله :
مالك؟!
- لم يُجيب بل ابتعد عنها ورؤيته بدأت تتشوش و يري ضباب من مشهد به ماء و صرخة طفل فشعر أن قلبه يتمزق ثم انفجر داخله الذعر وتسارعت أنفاسه بصورة مخيفة.وهو يصرخ قائلا :
— لاااااااااء لاااااااءء
- أقتربت منه "نيللي "وقامت باحتضانه وهي تهتف بإسمه ،
لكنه كان يغرق ، غارقًا في شيء لا يفهمه وارتجفت يداه بعنف وتساقط العرق فوق جبينه ، كانت هذه أول نوبة فزع حقيقية في حياته ولم يعرف لماذا يشعر أنه يختنق داخل ذكرى لا يتذكرها.
- أما " نيللي " فـ قلبها يرتجف من الخوف لأن الرجل الذي عاش معها سنوات لم يكن يبدو ممثلًا ولا كاذبًا بل إنسانًا
ينهار أمام حقيقة لم يكن يعلم أنها موجودة أصلًا.
