رواية عناد الصقر الجزء الثاني الفصل السادس 6 بقلم نون


 رواية عناد الصقر الجزء الثاني الفصل السادس 

جابر الرضوان حطم الكأس فى الجدار لتتناثر شظاياها في كل مكان كان يقف يلهث من الغضب وجهه المحتقن ينذر بانفجار  الأخبار التي تسربت للصحافة الأوروبية عن تورطه في قضايا غسيل أموال جعلت البنوك تُجمد نصف أرصدته احترازياً، وشركاءه المافيوزيين بدأوا يتساءلون بشك

- ابن كمال بيلعب معايا أنا حتة عيل لسه طالع من البيضة فاكر نفسه صقر بجد، وهيكسرني بقرشين وحتة فلاشة

جلس على مقعده وفرك جبهته بعنف محاولاً التفكير. هاتفه رن برقم مصري. نظر للشاشة بضيق، ثم أجاب 

- إنتو أغبياء! إزاي تسيبوه يرهبكم بحتة فلاشة وتجروا زي الفيران!

صوت "رنا" جاء من الجهة الأخرى لكن هذه المرة لم يكن منكسراً، بل كان يحمل نبرة سامة وجديدة كلياً

- جابر بيه.. الفلاشة اللي أرعبت أبويا وأجبرته يهرب.. طلعت فاضية مفيهاش غير أغاني أطفال زين لعب علينا بوكر كداب، وإحنا وقعنا في الفخ وانسحبنا من الخوف

جابر اتسعت عيناه بصدمة للحظة ثم تحولت الصدمة إلى ضحكة مجنونة، ضحكة شريرة ملأت الغرفة
- ابن اللذينة بيلف حبل الخداع حوالين رقبتكم من غير ما يمسكه عظيم يا زين.. اللعب معاك هيحلو.

رنا بحقد
- وهنعمل إيه دلوقتي؟ الورق لسه معانا نقدر نقدمه بكرة

جابر بصرامة وحنكة شيطان قديم
لا... الورق ده كان كارت رعب واتحرق زين عرف خطتنا واستعدلها، لو قدمناه دلوقتي هيطلع مليون ثغرة قانونية فيه. إحنا هنغير الملعب خالص يا رنا.

رنا بلهفة
- إزاي؟

جابر بصوت خطير
زين نقطة قوته عيلته.. وهي نفسها نقطة ضعفه. البنت اللي متجوزها حامل، صح؟

رنا ابتلعت ريقها
أيوة، أيسل حامل في الشهور الأولى.

جابر ابتسم
جهزي نفسك يا رنا.. أنا نازل مصر آخر الأسبوع. ولما جابر الرضوان بينزل، مبيضربش بالورق.. بيضرب في العضم.

فى مطار القاهرة الدولي - صالة المغادرة

فريدة كانت تقف ومعها حقيبتها الصغيرة،و تنظر في هاتفها بعصبية. رحلة "روما" لتمثيل مصر في المعرض الدولي للفن المعاصر كانت حلماً لا يُرفض، حلم أكبر من أن تدعه يضيع بسبب عنادها مع "يوسف الجندي". لكن المشكلة.. أنها ستسافر معه

 متأخرة خمس دقايق على البوردينج يا أنسة فريدة.. الفن محتاج التزام زي ما محتاج إلهام.

التفتت لتجده خلفها. يوسف الجندي، يرتدي بدلة كاجوال باللون الكحلي الداكن نظارته الشمسية تخفي عينيه ولكن ابتسامته المستفزة كانت حاضرة بقوة.

فريدة بغيظ مكتوم
 أنا متأخرتش، أنا هنا من نص ساعة، بس حضرتك اللي جاي زي الشبح من ورايا. وبعدين أنا موافقة أسافر بس عشان شغلي، مش عشان أي حاجة تانية.

يوسف رفع نظارته ببطء، وغمز لها بعين واحدة
 ومين جاب سيرة أي حاجة تانية؟ إحنا رايحين نعرض لوحات، مش رايحين شهر عسل.. يلا يا بيكاسو الطيارة مستنية.

سار أمامها بخطواته الواثقة وفريدة تمتمت بغيظ وهي تسحب حقيبتها مستفز.. مريض كبرياء.. لو مكنش المعرض ده حلم حياتي كنت رميتك من الطيارة

الطيارة المتجهة إلى روما - درجة رجال الأعمال

جلسا متجاورين في مقعدين واسعين. فريدة فتحت كتاباً تتظاهر بالقراءة لتهرب من الحديث معه، بينما يوسف كان يقرأ بعض الأوراق الخاصة بعمله، وكوب القهوة في يده.

المطبات الهوائية بدأت فجأة، الطائرة اهتزت بقوة عنيفة جعلت قلب فريدة يسقط في قدميها. كانت تخاف من الطيران سراً، ولم تكن تظهر ذلك أبداً.

اهتزازة أخرى أقوى، جعلتها تغمض عينيها بشدة وتتمسك بمسندي المقعد حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وأنفاسها بدأت تتسارع.

فجأة، شعرت بيد دافئة وقوية تغطي يدها المرتجفة.
فتحت عينيها لتجد يوسف ينظر إليها.. ليس ببرود أو سخرية، بل بنظرة احتواء غريبة لم تعهدها منه.

يوسف بصوت هادئ يحمل طمأنينة غير متوقعة افتحي عينيكي وبصيلي.. متغمضيش. دي مطبات عادية فوق البحر المتوسط. 

فريدة بصوت يرتجف، تحاول سحب يدها
 أنا كويسة.. أنا مش خايفة.

يوسف شدد على قبضته بلين ورفض ترك يدها

العناد في السما ملوش فايدة يا فريدة.. على الأرض ممكن تكابري براحتك، بس هنا.. سيبي نفسك  وأنا موجود.

كلماته كان لها مفعول السحر. الإيقاع الهادئ لصوته، ودفء يده جعلاها تسترخي قليلاً. 

ولأول مرة، لم تكابر.. تركت يدها في يده طوال النصف ساعة القادمة حتى استقرت الطائرة، ولم يتفوه هو بكلمة أخرى، فقط كان يراقبها بطرف عينه، مبتسماً داخلياً لانتصاره الصغير على أسوارها المنيعة.

فى شركة الرضوان بالقاهرة مكتب كارما ومروان

الأجواء بين مروان وكارما تغيرت تماماً منذ حادثة الموقع وتدخل مروان الهندسي. السور الذي بنته بدأ يتصدع، وأصبحت تعتمد عليه بشكل يومي، ليس فقط في الإدارة، بل في الرأي الهندسي أيضاً.

كانا يجلسان معاً على طاولة الاجتماعات الصغيرة في المكتب المشترك، يراجعان الميزانية النهائية للمشروع. 

كارما وهي تنظر للأوراق
مروان، إحنا محتاجين نقلل تكلفة الخامات في المرحلة التانية، وإلا هنتجاوز الميزانية بـ ١٥٪.

مروان كان يراقبها وهي تتحدث.. كيف تتحرك شفتيها، وكيف تعقد حاجبيها بتركيز، وكيف تبدو مذهلة في كل حالاتها. لم يكن ينظر للورق إطلاقاً.
كارما رفعت عينيها ولاحظت شروده
إنت بتبص فين؟ بقولك الميزانية هتضرب

مروان أسند ذقنه على يده وابتسم بحب خالص لم يعد قادراً على إخفائه
الميزانية تضرب، الشركة تضرب الاقتصاد العالمي ينهار.. ميهمنيش. أنا في كارثة أكبر بكتير.

كارما بجدية ممزوجة بتوتر خفي
- كارثة إيه؟

مروان تنهد بعمق، وقال بصوت جاد جداً
كارثة إني مش قادر أركز في أي رقم قدامي، عشان مفيش في دماغي غير رقم واحد.. "واحد".. وهو إنتي.

كارما اتسعت عيناها، وقلبها بدأ يخفق بعنف. حاولت الهروب من الموقف كعادتها، وأمسكت قلمها
 مروان إحنا في شغل، بطل هزار..

مروان أمسك يدها التي تحمل القلم، وأوقفه تماماً.
أنا قولتلك قبل كده، أنا مبهزرش معاكي يا كارما. أنا بحبك.. من أول يوم دخلتي فيه الشركة ومن أول مرة صدتيني فيه.. أنا بحبك وعايز أشاركك حياتي كلها، مش بس مكتب الشغل.

كارما سحبت يدها ونظرت للأسفل صوتها خرج مهزوزاً للمرة الأولى
مروان.. أنا.. أنا بخاف من العلاقات. أنا مبثقش في فكرة إن حد يفضل موجود دايماً.. كلهم بيمشوا في الآخر.

مروان نهض من كرسيه، ووقف بجوارها، وقال بصدق يهز الجبال
-وأنا يتيم يا كارما.. فقدت أهلي بدري، وعشت طول عمري ماسك في العيلة دي عشان مابقاش لوحدي. أنا أكتر واحد بيخاف من الفقد.. وعشان كده، لما بمسك في حد بحبه، بمسك فيه بروحي.. وأنا مستعد أستنى لحد ما تتأكدي إن مروان مش هيمشي أبداً

كارما نظرت إلى عينيه الصادقتين وللمرة الأولى.. سمحت لابتسامة حقيقية، خجولة، أن تظهر على شفتيها. 
إديني فرصة أتأكد يا مروان.

مروان ابتسم باتساع أضاء وجهه
معاكي العمر كله يا بشمهندسة.. بس برضو هنقلل تكلفة الخامات عشان أنا مدير مالي شرس.
ضحكت كارما من قلبها، وانهد السور أخيراً.

فى المساء
أيسل كانت تجلس في الحديقة تلاعب قطة صغيرة ضالة تسللت للفيلا. زين عاد مبكراً اليوم ليعوضها عن توتر الأيام الماضية.

جلس بجوارها، ولف ذراعه حول كتفيها، وقبل رأسها
أم الصقر قاعدة بره في البرد ليه؟

أيسل أسندت رأسها على صدره براحة
الجو حلو.. وبعدين القطط دي بتفكرني ببيجامتي القديمة اللي إنت كنت بتتريق عليها.

زين ضحك بصوته العميق
 بيجامة القطط دي هي اللي جابتني الأرض.. لو كنت أعرف إنها هتوصلني للنعيم ده، كنت اشتريتلك دستة منها.

أيسل اعتدلت ونظرت إليه بحب ومررت يدها على لحيته الخفيفة
إنت وحشتني أوي يا زين.. حاسة إننا من يوم ما اتجوزنا وإحنا في حروب.. رنا وبعدين جابر.. أنا نفسي نعيش في هدوء من غير ما حد يهدد أماننا.

زين تنهد، ونظر لبطنها، ثم لها وقال بحزم 
الحروب دي ضريبة القوة يا أيسل.. بس صدقيني، بمجرد ما أخلص من جابر للأبد، مفيش أي عاصفة هتهز بيتنا تاني.

وفجأة.. رن هاتف زين. المتصل كان طارق (عمه).
زين أجاب بسرعة
أيوة يا عمي.

صوت طارق كان يحمل رعباً
رعباً لم يسمعه زين من قبل في صوت هذا الرجل الحكيم الهادئ
زين....إلحقني ....جدك عثمان... جدك عثمان اتخطف من السرايا في الأقصر والحرس كلهم مضروبين بالنار

زين انتفض واقفاً كأن صاعقة ضربته، الهاتف كاد يتحطم في قبضته، وعيونه اتسعت برعب وجنون معاً.
إيـــــــه؟

أيسل وقفت بخوف شديد وهي تمسك ذراعه
زين!! في إيه؟! جدو ماله؟!

زين نظر إليها بعيون تحولت إلى جحيم خالص، جحيم سينحرق فيه كل من يجرؤ على المساس بعائلة الرضوان.

جابر نزل مصر يا أيسل.. وبدأ يضرب 

 جابر يتخطى كل الخطوط الحمراء ويخطف كبير العائلة! كيف سيواجه زين هذه الحرب المباشرة؟ 

وماذا سيحدث في روما بين فريدة ويوسف؟

 وهل سيصمد حب كارما ومروان وسط هذه العواصف؟..


تعليقات