رواية عناد الصقر الجزء الثاني الفصل السابع 7 بقلم نون


 رواية عناد الصقر الجزء الثاني الفصل السابع 

زين سقط الهاتف منة أيسل كانت تراقب ملامحه التي تحولت في اقل من الثانية من "زين" العاشق الهادئ، إلى "الصقر" الكاسر الذي لا يعرف الرحمة عيناه الرمادية أظلمت 
أيسل بصوت يرتجف رعباً
زين.. إتكلم! جابر عمل إيه في جدو؟!

 
زين لم ينظر إليها فوراً، أخرج هاتفه الآخر وبصوت حاسم كالرعد نطق أوامر متتالية حاسمة
"سالم".. تجمعلي كل رجالة الحراسات الخاصة في القاهرة وفي الصعيد. طيارتي الخاصة تكون جاهزة على المدرج كمان نص ساعة. حراسة الفيلا دي تتضاعف تلات مرات.. لو دبانة عدت من السور، هحاسبكم برقابكم!

أغلق الهاتف، واستدار نحو أيسل. ملامحها الشاحبة ودموعها المحبوسة جعلت قلبه ينقبض، لكن هذا ليس وقت الضعف. اقترب منها، وأمسك وجهها بيديه الكبيرتين بقوة حنونة

اسمعيني كويس يا أيسل.. جابر لعب بأقذر كارت عنده، بس هو ميعرفش إنه كده فتح على نفسه أبواب جهنم. جدي هيرجع السرايا مكرم معزز، وجابر هيدفع تمن كل قطرة دم نزلت من حرس السرايا.

أيسل بكت ومسكت في قميصه بقوة
أنا خايفة عليك يا زين.. خايفة يعملك حاجة، الراجل ده غدار ومابيرحمش. خد البوليس معاك بلاش تروح لوحدك!

زين طبع قبلة عميقة وطويلة على جبينها، قبلة تحمل كل معاني العشق والوداع المؤقت، ثم نزل لمستوى بطنها، ووضع يده عليها بهدوء يتناقض مع العاصفة التي بداخله

البوليس بيتعامل بالقانون يا أيسل.. بس جابر اتعدى قانون البشر  إنتي وابني هنا في أمان.. مروان هيكون معاكم ومش هيفارقكم لحظة

وقف بكامل هيبته، ونظر لعمق عينيها
أنا رايح أجيب كبير العيلة.. ومش راجع لوحدي. خليكي قوية زي ما عرفتك.. الصقر مبيقعش طول ما إنتي بتدعيله.

استدار وخرج كإعصار مدمر، تاركاً أيسل تستند على الجدار، ترفع يديها للسماء بدموع لا تتوقف
يارب احميه.. يا رب ردهولي سالم.

فى الأقصر - الضفة الغربية - مصنع قديم مهجور
 إضاءة خافتة تتدلى من السقف المتهالك، وفي المنتصف، كان "عثمان الرضوان" جالساً على كرسي خشبي قديم، يداه مقيدتان خلف ظهره. ورغم سنه وضعف جسده بعد العملية، إلا أن ظهره كان مستقيماً كالسيف، وعيناه تشعان بشموخ وكبرياء لم يقدر الزمن ولا الأصفاد على كسرهما.

أمامه، كان يقف "جابر"، يدخن سيجاراً فاخراً، وينظر له بشماتة حاقدة تراكمت لربع قرن.
 كبرت يا عثمان.. الشعر شاب والوش كرمش، بس لسه باصصلي من فوق كأنك إنت السيد وأنا العبد!

عثمان ابتسم بسخرية لاذعة، وصوته الرخيم لم يهتز قيد أنملة
 السيد سيد بأصله يا جابر، والعبد عبد بطمعه وقذارته. فاكر إنك لما تكتف راجل عجوز وتخطفه من وسط داره في أنصاص الليالي كده بقيت دكر؟ 

جابر تقدم نحوه ببطء، وصفعه على وجهه بقوة خفيفة، لكنها تحمل إهانة بالغة
لسانك الطويل ده هقطعهولك! إنت اللي طردتني ورميتني للغربة ودلوقتي فلوسك دي كلها هتبقى تحت جزمتي.. حفيدك "زين" زمانه هيتجنن.. ولما يجيلي راكع عشان يفديك، هقتله قدام عينيك عشان أحرق قلبك اللي مبيتحرقش ده!

عثمان ضحك.. ضحكة حقيقية جلجلت في المكان، جعلت جابر يتراجع خطوة بخوف غير مبرر.
تقتل مين؟ تقتل زين؟

(نظر له عثمان بعيون كالصقر العجوز الذي يثق في وريثه).. إنت متعرفش إنت هببت إيه يا جابر.. إنت صحيت وحش أنا نفسي كنت بخاف منه. زين مش هيجيلك راكع.. الصقر زمانه فارد جناحاته في السما، ولما ينزل.. هينهش لحمك حي. عد دقايقك. عشانها معدودة

فى روما.. إيطاليا - فندق "جراند بلازا

بعيداً عن رائحة الدم والبارود في مصر، كانت روما تغرق في ليلة ممطرة وساحرة. 
سيارة الفندق الفارهة أوصلت "يوسف" و"فريدة" إلى مدخل الفندق. فريدة كانت متعبة جداً من السفر، والصدمة كانت بانتظارها عند موظف الاستقبال.

موظف الاستقبال بالإيطالية
سيد جندي، نعتذر بشدة، الجناح  المكون من غرفتين منفصلتين والذي حجزته جاهز، لكن هناك عطل في نظام التدفئة في إحدى الغرفتين بسبب الأمطار الغزيرة اليوم. 

يوسف ترجم لفريدة بهدوء. فريدة عقدت حاجبيها بانزعاج
 يعني إيه؟ مفيش غرف تانية في الفندق كله؟

يوسف تنهد ونظر لها بجدية
 الفندق محجوز بالكامل بسبب المعرض الدولي بكره. متقلقيش الجناح مساحته كبيرة جداً، أنا هنام على الكنبة في الريسبشن بتاع الجناح، وإنتي نامي في الأوضة اللي الدفاية بتاعتها شغالة واقفلي الباب على نفسك بالمفتاح لو خايفة.

كلماته كانت جادة، وخالية من أي سخرية أو تلميح، مما جعل فريدة تشعر بالخجل من تسرعها. 
صعدا إلى الجناح.. كان غاية في الفخامة الكلاسيكية الإيطالية. 

فريدة دخلت، ووقفت أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على شوارع روما الممطرة. كانت ترتجف قليلاً من البرد الخفيف. 
فجأة، شعرت بشيء ثقيل ودافئ يوضع على كتفيها. كان معطف يوسف الصوفي.

التفتت لتجده يقف خلفها بمسافة ينظر إليها بعينين سوداوين تعكسان أضواء المدينة.
يوسف بصوت منخفض 
إنتي في حمايتي هنا يا فريدة.. ومفيش حاجة هتقربلك أو تضايقك طول ما أنا بتنفس. نامي وارتاحي، عشان بكره روما كلها هتقف تسقفلِك.

فريدة شدت المعطف حولها، رائحة عطره الرجولي القوي أحاطت بها  نظرت في عينيه، ولأول مرة.. رأت يوسف الإنسان، وليس رجل الأعمال المتغطرس.
 شكراً يا يوسف.

ابتسم ابتسامة هادئة أذابت شيئاً فى قلبها
تصبحي على خير يا بنت الرضوان

فى فيلا طارق الرضوان بالقاهرة  منتصف الليل

المكان تحول لثكنة عسكرية. حرس في كل زاوية، وأسلحة ظاهرة للعيان.
داخل الفيلا، طارق كان ينسق مع القيادات الأمنية بحكم علاقاته. كارما جاءت فوراً لتقف بجوار أيسل التي كانت منهارة في البكاء وتدعو لزين وجدها.

مروان كان يرتدي قميصاً أسود
و يحمل سلاحه ويقف أمام النوافذ بعيون تترقب كل حركة. لم يكن هناك أثر لـ "مروان" المرح.. هذا رجل مستعد للقتل من أجل حماية عائلته.

كارما اقتربت منه ببطء، ووضعت يدها المرتجفة على ذراعه. 
التفت مروان إليها، ملامحه كانت قاسية جداً، لكن عندما رأى خوفها تنهد وأمسك يدها

متخافيش.. إحنا مأمنين المكان، محدش هيقدر يهوب ناحيتكم.

كارما وعيونها تلمع بالدموع
 أنا مش خايفة على نفسي يا مروان.. أنا خايفة عليكم. العيلة دي بتمر بكابوس.

مروان رفع يدها وقبل باطنها بعمق وصدق
 الكابوس ده هينتهي الليلة. زين في الأقصر، وإنتي عارفة زين لما بيغضب بيعمل إيه. وأنا هنا.. روحي قبل روح أي حد فيكم. إطمني يا كارما.. إنتي في ضهر راجل.

نظرت له كارما، وأدركت في تلك اللحظة الحرجة، أن هذا الرجل قد تربع على عرش قلبها تماماً، وأنها لم تعد قادرة على الاستغناء عنه.

فى الأقصر - بعد منتصف الليل بساعة

سيارات سوداء كانت تشق الظلام في الطرق الزراعية المحيطة بالمصنع المهجور، مطفأة المصابيح لتجنب لفت الانتباه.
توقفت السيارات على بعد كيلومتر واحد من الموقع.

الأبواب فُتحت، ونزل منها رجال بملابس سوداء وأسلحة متطورة. وفي المنتصف.. نزل "زين".
كان  يحمل سلاح وعيناه تشعان بنار جاهزة لإحراق الأخضر واليابس.

تقدم رئيس الحرس منه وهمس
زين بيه.. الموقع متأمن من بره، جابر معاه حوالي ٢٠ مسلح جوه المصنع. الحاج عثمان في الأوضة اللي في النص. نقتحم؟

زين أخرج مسدسه الشخصي وسحب أقسامه وقال بصوت مميت

الرجالة اللي بره دول يتجابوا أحياء أو أموات ميهمنيش.. الأوضة اللي فيها جدي محدش يقرب منها.. جابر ده بتاعي أنا.. أنا اللي هاخد روحه بإيدي.

أشار زين بيده إشارة واحدة.
تحرك الرجال كالأشباح في الظلام..

وفجأة..
دوى أول صوت رصاصة في الليل الهادئ، ليعلن بدء معركة تكسير العظام.. معركة لا خروج منها إلا بمنتصر واحد.

الصقر بدأ الهجوم


تعليقات