رواية شلال الدم الفصل السادس 6 بقلم ملكة الروايات


 رواية شلال الدم الفصل السادس 

​انجلت عتمة الليل العاصفة عن أثر الرصاص المتناثر على جدران الدوار، وزجاج الشرفة المهشم الذي شهد على ليلة من أعتى ليالي الصعيد. لم تكن تباشير الصباح تحمل الدفء، بل حملت حشداً لم يشهده النجع منذ سنوات؛ رجال آل سويلم وآل الدهشان يتأهبون للسلاح، والشرار كاد يشعل الحطب عند الساقية القديمة.
​في منتصف صحن الدوار، كان ناجي يقف كالجبل، سلاحه في جربه وعيناه تشتعلان غضباً، وبجانبه رحمة بثباتها الملكي وعباءتها الكحلية، تحيط بها هيبة نساء آل سويلم. وعلى الطرف الآخر، كان حافظ يحيط به طابور من المسلحين، يلوّح بورقة التقرير المزور التي أرسلتها له كارولينا في الصباح الباكر عبر خادمها، ويهتف بنبرة ملؤها الغل:
"التقرير وصل يا آل الدهشان! الخواجاية حبلى بدم ولدكم! والصلح اللي يبدأ بالغدر والكدب يتغسل بالدم النهار ده!"
​تقدّم ناجي خطوة وزئيره يخترق الأفق:
"التقرير ده تبلّه وتشرب مَايته يا حافظ! التقرير المزيف اللي دافعين ثمنه للست الخواجاية والطبيب المرتشي مش هيدنس طين أرضنا ولا هيكسر عين بنت عمك!"
​وقبل أن ينطلق الرصاص وتتداخل البنادق في صدور الرجال، شق النجع صوت زمجرة سيارتين تفوح منهما الهيبة، وتوقفت النيران في العيون قبل الأيدي.
​نزل من السيارة الأولى الحاج سويلم — كبير عائلة سويلم ووالد رحمة — بقامته المديدة، وجلابيته الصوفية العتيقة، وشاله الأبيض الملفوف بوقار السنين، يستند على عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي.
ومن السيارة الثانية، هبط الحاج عمران الدهشان — كبير آل الدهشان ووالد ناجي — بهيبته الصعيدية الساطعة، وعينيه النافذتين اللتين تطاعان دون كلمة.
​توقفت الأنفاس، وتراجعت الفوهات إلى الأسفل فوراً؛ ففي حضرة الكبار، يصمت السلاح وتتأدب الشياطين.
​ضرب الحاج سويلم بعصاه على الأرض ضربة أهزت الصخر، وتطلع في وجوه رجاله بنظرة صلبة حادة، ثم ثبّت عينيه على حافظ وقال بصوت أبحّ يقطر هيبة وسلطة:
"نَزّل سلاحك يا حافظ! متى كانت دار آل سويلم بتاخد حقها بالغدر في ظلمة الليل؟! ومتى كان حريمنا لعبة في إيدين الورق والمقاطع المسمومة؟!"
​ارتجف حافظ وقال بمكابرة:
"يا حاج سويلم! الفيديو والتقرير بين أيدينا.. ولد الدهشان كسَر كبرياء بنتك وعايز يلبسنا العار!"
​تصدى له الحاج عمران الدهشان بخطوة وثيقة، وصوته الرخيم يتردد كالصدا في أرجاء النجع:
"الصارم ما ينكسرش يا ولد! وآل الدهشان ما يلبسوش العار ولا يهربوا من الحق! لو ولدنا أخطأ، رأسه تحت عصا الحاج سويلم قبل رأسك.. بس لو كان الشرف بينداس بلعبة خواجاية، يبقى الكبار هم اللي يقطعوا العرق ويسيحوا الدم!"
​التفت الحاج عمران إلى نجله ناجي بنظرة حادة كالصلب:
"الكلام ده صح يا ناجي؟ الخواجاية شايلة دمك؟"
​خطا ناجي نحو أبيه والحاج سويلم، ووضع يده على صدره وقسم بصوت هز القلوب:
"وحياة هيبتك يا أبوي.. وحياة شرف الحاج سويلم وطين الأرض دي، ما لمست الخواجاية ولا قرّبت منها من يوم ما كتبت عليها عشان شغلنا بالخارج ! الحية دي عملت اللعبة دي هي والطبيب المرتشي عشان تمنع طردها، وعشان تغرق الدوار في الدم وتهرب بالشركات!" اللي بنا
​هنا، تقدمت رحمة بخطوات متزنة ووقفت بين أبيها الحاج سويلم وعمها الحاج عمران. نظرت في عيني والدها بثبات ابنة الأصول وقالت:
"يا أبوي.. يا حاج عمران.. بنت سويلم ما تنكسرش، ولا يضحك عليها بتقرير زور. الخواجاية محبوسة فوق في الجناح الشرقي، والدكتورة الكبيرة بتاعة المركز على وصول بحراسه رجالة العيلتين.. والكشف هيكون قبال حريم الدار كلهم!"
​نظر الحاج سويلم إلى ابنتهم بعين ملؤها الفخر والرضا، ثم التفت للحاج عمران الدهشان.
قال الحاج سويلم بنبرة حاسمة أغلقت باب الفتنة:
"سمعت يا عمران؟ كلمة بنتي هي القول الفصل. الكشف يتم حالا جوة الدوار.. إن طلعت حبلى بدم ولدك، يطلق بنتي بطلقة بائنة وياخد حقه منك السلاح.. وإن طلعت كدابة وحية مسمومة، تتسحب بحديدها للمركز وتترد اعتبار بنتي قبال النجع كله!"
​قال الحاج عمران الدهشان بثقة مطلقة:
"موافق يا سويلم! والسرادق اللي كان هيتقلب مأتم.. هيتقلب فرح بنتك وولدنا لو ثبت الحق!"
​تراجع حافظ والرجال إلى الخلف تحت سطوة أمر الكبار، بينما صعدت طبيبة النساء المتخصصة برفقة الحاجة آمنة وكبار حريم العائلتين إلى الجناح الشرقي، حيث كانت كارولينا ترتعد خوفاً وقد أدركت أن حبل الزور قصير وأن سحرتها قد انقلبت عليها.
​في صالة الدوار السفلية، كان الهدوء الثقيل يخيم على المكان. جلس الحاج سويلم والحاج عمران الدهشان على الأريكة الكبيرة، يتناولان القهوة السادة بوقار الصمت، بينما كان ناجي يقف عند النافذة يتطلع إلى رحمة التي كانت تقف بجوار والدها.
​تلاقت أعين ناجي ورحمة في صمت أبلغ من الفصاحة.. رأى ناجي في عينيها مزيجاً من الغيرة المكتومة والتحدي المنتظر، ورأت هي في عينيه عشقاً مجنوناً واستعداداً للموت في سبيل إثبات صدقه.
​وبعد نصف ساعة مرت كأنها دهر..
​هبطت الطبيبة على الدرج، وخلفها الحاجة آمنة وعلى وجهها ابتسامة نصر واعتزاز صعيدية أصيلة.
​وقفت الطبيبة أمام الحاج سويلم والحاج عمران والجميع، وقالت بصوت واضح:
"التقرير الصادر من المركز المزيف كاذب جملة وتفصيلاً! السيدة كارولينا غير حامل، والتحاليل ليست سليمة تماماً.. وما حدث كان محض ادعاء وتزوير!"
​انفجر المكان بالارتياح والتهليل من رجال آل الدهشان وآل سويلم!
​شحب وجه حافظ وسقطت الورقة المزورة من يده كأنها جمرة نار، بينما وقف الحاج عمران الدهشان وصوته يهز الجدران:
"الحق ظهر والباطل زهق! يتطلب المأمور فوراً وتتسلم الخواجاية بتهمة التزوير وإشعال الفتنة بين العائلات!"
​تمت عملية سحب كارولينا من الدوار وسط صراخها وإهانتها، حيث اقتيدت بشرطة المركز مطرودة بفضيحة مدوية أراحت الدوار من سمومها للابد.
​في هذه اللحظة، التفت الحاج سويلم إلى حافظ بنظرة صارمة:
"حسابك معايا يا حافظ على التسرع وضرب النار في الظلمة هنسويه في مجلس العائلة الليلة.. اتفضل على دارك!"
غادر حافظ وهو يجر أذيال الهزيمة والشرار يتآكل في صدره، بينما بقي الكبار في صحن الدوار.
​أقبل الحاج عمران الدهشان على الحاج سويلم وأمسك بيده بحرارة:
"النهار ده يا سويلم.. الصلح اتعمد بالحق واليقين! ورحمة بنت سويلم أثبتت إنها ست العارفين وأميرة الدوار ده!"
​ابتسم الحاج سويلم ونظر إلى ناجي الذي كان يقدم له القهوة باحترام شديد، ثم قال الحاج سويلم بصوت دافئ يملؤه الحزم:
"ورحمة مش هتفضل قافلة بابها يا عمران.. ولدك أثبت رجولته وصان الشرف.. والباب اللي اتأفل بالدم
 والغيرة، يتفتح النهار ده بالعشق والوصال!"
​احمرّ وجه رحمة ونكست رأسها بوفاء وخجل، بينما كادت الابتسامة تفر من شفتي ناجي وهو ينظر إليها بعينين تذوبان شغفاً وفرحاً.
​في وقت لاحق من المساء..
​كان الهدوء الشامل يلف الدوار، والأضواء الخافته تزين الحديقة بعد رحيل الكبار وانطفاء نار الفتنة.
​صعد ناجي إلى الجناح الغربي. هذه المرة، لم يقتحم ولم يكسر الشرفة.. بل وقف عند الباب ودق دقات متزنة هادئة.
​فتحت رحمة الباب بنفسها. كانت ترتدي ثوباً أبيض ناعماً مطرزاً بالحرير الأخضر، وشعرها ينسدل بحرية لأول مرة، وعيناها تلمعان بدموع الفرح والكبرياء المغسول بالحق.
​وقف ناجي أمامها، يتأمل سحرها الذي أذاب فؤاده، وقال بنبرة خافضة تفيض حناناً وعشقاً:
"الحق ظهر يا بنت سويلم.. والحية اتطردت، والتار اندفن تحت أقدام أبوي وأبوكِ.. فاضل الحارس يرجع لمملكته، والملك يرجع لعرشه."
​خطت رحمة خطوة إلى الأمام، ولأول مرة لم تتراجع ولم ترفع سيف الكلام، بل نظرت في عينيه وقالت بصوت ناعم كالحرير:
"ولد الدهشان أثبت إنه راجل الأصول.. وما يكسرش الوعود."
​مد ناجي يده وأمسك بكفها الناعم، ورفعه إلى قلبه يضغطه بقوة وهو يهمس أمام شفتيها:
"والقلب ده.. نذر عليه ما ينبضش ولا يعيش لغير رحمة.. ملكة الدوار وساحرة قلبي!"
​ابتسمت رحمة ابتسامة ساحرة أذابت سنوات الفراق والوجع، وفتحت باب جناحها بالكامل لتستقبله، معلنة بداية عهد جديد يجمعهما سوياً.
​ولكن.. بعيداً عن أضواء الدوار وفرحة الوصال..
كان حافظ يجلس في مبيته المظلم، يمسك بندقيته ويزيتها بغل، وهو يهمس بشر مستطير:
"يخرسوا حافظ ويتجوزوا على جثتي؟ الصلح كمل في الدوار.. بس الدم هيدفق في الساقية يا ناجي.. والضربة الجاية مش هتكون في الشرف.. هتكون في جثتك!"


تعليقات