رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثامن 8 بقلم جمانة جي


 رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثامن 

- لم يكن " زياد "  يتذكر كيف انتهت نوبة الفزع كل ما بقي في ذاكرته احتضان " نيللي " له وصوتها البعيد وهي تنادي اسمه ثم ظلام ثقيل داخل رأسه.

- مرّ يومان بعد تلك الليلة ، يومان من الصمت المتوتر داخل البيت لم تعد " نيللي " تواجهه كما فعلت أول مرة لكن هدوءها الجديد كان أشد إزعاجًا فقد كانت تراقبه فقط وتنتظر أما هو فلم يعد يعرف ماذا ينتظر.

- توقفت النوبات الحادة لكن شيئًا لم يتوقف داخله و النوم صار متقطعًا و ذكري الماء صار يطارده و صوت الصنبور المفتوح طويلًا حتى كوب الماء بين يديه أحيانًا كان يثير داخله ضيقًا لا تفسير له.

- وفي الليلة الثالثة رن هاتفه وكان رقم مجهول تردد طويلًا قبل أن يجيب وجاءه صوت يعرفه الآن جيدًا وهو صوت  مُنى 
_ماجد 

- تصلبت أصابعه حول الهاتف وهو يقول : اسمي زياد وبعدين أنتِ جبتي رقمي منين و عايزة مني ايه ؟

- ساد صمت قصير ثم قالت بهدوء:
مش عايزة أوجعك.

_ أنا مش فاهم حاجة. جاءها صوته متعبًا أكثر من غاضب.

= طيب قابلني.

- شد فكه وقال بنبرة حادة :
ليه؟؟

_عشان فيه حاجات ماينفعش تتقال في التليفون

- أغلق عينيه وكان يشعر بأن جزء منه أراد إنهاء المكالمة وجزء آخر ذلك الجزء المرتبك داخله أراد الحقيقة فقال اخيرا : فين؟؟

(بعد ساعتين)

- كان يقف أمام بناية قديمة قرب البحر وكانت المنطقة هادئة وشبه مهجورة، والهواء يحمل رائحة ملح ورطوبة عتيقة وصلت " مُنى" بعد دقائق وكانت ترتدي معطفًا رماديًا بسيطًا، وشعرها منسدلًا فوق كتفيها.

- توقفت أمامه وبقي بينهما صمت ثقيل و قال أخيرًا ببرود متعمد: المكان ده ايه؟

- نظرت إلى البناية ثم إليه وقالت : تعالى

-صعدا السلم القديم وكل درجة كانت تزيد توتره دون سبب مفهوم حتى توقفت أمام باب شقة و أخرجت مفتاحًا

ثم فتحت الباب و دخل " زياد " أولًا فـ رأي أن  الشقة خالية تقريبًا مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار لكن شيئًا فيها
ضربه بقوة غريبة
- و كانت الشقة بها  خشب قديم و طلاء باهت وشرفة تطل على البحر.

قال بخشونة:

_احنا هنا ليه؟. أردف إليها بنبرة متسائلاً بينما كانت هي 
تغلق  الباب خلفهما ثم أجابت بصوت منخفض:
عشان ده كان بيتنا 

- التفت إليها فورًا وهو يقول :بلاش كلامك ده 

_ ليه . تسائلت فأجاب : 
عشان أنا مش ماجد زي ما أنتِ بتقولي 

- نظرت إليه طويلًا وفي عينيها وجع قديم وهي تخبره بنبرة حزينه : عارفة انك مش مصدق ده

- تحرك داخل المكان بعصبية و كانت خطواته ثقيلة وعيناه تتحركان فوق الجدران دون راحة و فجأة توقف في زاوية الصالة القديمة ووجد علامات صغيرة بالقلم فوق الحائط و كانت عبارة عن خطوط طول وتواريخ فـ اقترب دون وعي و مد يده يلامسها وكانت هناك كتابة باهتة مثل ( تَيم  – ٤ سنين
تَيم  ـ ٥ سنين )

- بدأ الضيق يضغط صدره و قال دون أن يلتفت إلي "مُنى " 

_مين كتب ده؟

- اقتربت " مُنى "  ببطء حتي توقفت بجانبه ثم قالت : 
انت 

_ لااااء

= كنت بتقيس طوله كل سنة . أخبرته بذلك بنبرة حزينة فـ اعتصر قلبه و مرر يده فوق شعره بعصبية وهو يخبرها :
قولتلك مش فاكر 

- صمتت " مُنى " ثم اتجهت نحو غرفة جانبية و خرجت بعدها بصندوق خشبي صغير ، وهي تقترب ثم وضعته فوق الطاولة . 

ايه ده؟ . تسائل فأجابت قائلة : دي حاجاتك.

- ضحك بمرارة وهو يقول : حاجاتي؟ .. انا ؟؟

- فتحت " مُنى "  الصندوق وهي تُخرج ما بداخله وكانت 
صور قديمة و ساعة مكسورة وبعض الأوراق ، ثم أخرجت شيئًا صغيرًا وكانت ميدالية مفاتيح قديمة رفعتها أمامه وهي تخبره قائلة بصوت هادئ وخافت: فاكر دي؟

- نظر إليها ثم  الي الميدالية شعر بشيء فيها هزّه و ضباب ثقيل داخل رأسه.

- مد يده ببطء ليأخذها وفي اللحظة نفسها لامست أصابعها أصابعه وكانت لحظة صغيرة عادية لكنها لم تكن عادية بالنسبة له فشعر بدفء جلدها امتزجت برائحة عطر خافتة ، رائحة يعرفها قريبة بصورة مؤلمة.

-اتسعت عيناه فجأة شيء ما ارتطم داخل رأسه وكانت عباره عن صورة يدان ملطختان بالألوان و ضحكة فتاة كانت رئحتها بـ نفس العطر ونفس اليد تمسك يده داخل مطبخ مضاء ليلًا.

- اختل توازن " زياد " و ترنح للخلف فأسرعت " مُنى "  تمسك بذراعه غريزيًا وهي تهتف بإسمه : ماجد 

- لكن ما إن أمسكت به حتى جاءه الوجع كاملًا من قربها المفاجئ و أنفاسها وصوتها القريب من أذنه ، ارتجف جسده كله ورأى صورة  امرأة تضحك بوضوح وهي تجذب مريلة الطهو من خصره وصوت يقول:
سيب الأكل دقيقة

- شهق وابتعد عنها بعنف وضع يده فوق رأسه وهو يصيح : لاااااااء

- ارتبكت " مُنى " من تصرفاته ثم سألته : 
مالك ؟؟ ايه اللي بيحصلك ده ؟

- تنفس بصعوبة وهو يحاول التحدث قائلا : أنا..

- ثم جاء صوت آخر لـ طفل ضاحك وهو يهتف : باباااا

- رفع رأسه فجأة وعيناه تبحثان داخل الشقة كالمذعور و كان العرق يبلل جبينه وشيء مرعب يحدث داخله فـ نظر إلى " مُنى " لأول مرة لم تبدُ له غريبة تمامًا وهذا ما أخافه أكثر فقال بصوت مبحوح:
أنا أعرفك؟

- ارتجفت شفتاها ولم تجب فورًا و اقتربت خطوة لكن بحذر هذه المرة كأنها تخشى أن يهرب و حاوطت يده تتلمسها ببطئ ثم قالت:
كنت تعرفني

- صمت  وهو يتبادل معها النظرات وكان صدره يعلو ويهبط بعنف.

- تركت يده و ابتعدت عنه  ثم أشارت إلى الصندوق و أخبرته : 
وفي حاجة لسه ما شوفتهاش

- أخرجت مفتاحًا قديمًا تتدلى منه نفس الميدالية المعدنية التي عثرت عليها " نيللي " 

- رفعته أمامه فـ نظر للمفتاح دون فهم.

—  نفس المفتاح ده  معاك في ميدالية عربيتك  اللي حطيته في جيبك من شويه  . اردفت إليه  بهدوء مؤلم 
فـ تجمد و شعر بشيء بارد مر في عموده الفقري لأن جيبه
كان يحتوي فعلًا على ميدالية قديمة احتفظ بها سنوات دون أن يعرف لماذا وأحس للمرة الأولى أن الماضي لا يقترب منه فقط بل يفتح بابه ببطء.


تعليقات