رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل السابع
-إنتِ ملكي الليلة
كلمات قالها بتملُك وهو مازال مستمرًا بتقبيلها يداه تسير على جسدها بلمسات قوية.. اتسعت حدقتاها بفزع وهي تطالعه، تلك القسوة المُغلفة بشغف جارف جعلت قلبها يدق كالطبول داخل صدرها... انفاسها المتهدجة كانت تصطدم بعنقه وهو يتابع قبلاته الدافئة، محاصرًا كل ذرة في جسدها كي لا تترك له مجالًا للتراجع أو الفرار...
حاولت أن تجمع شتات صوتها المرتعش، لتخرج كلماتها متقطعة بين أنفاسها:
أديم... إبعد.. عني.
لم تزده كلماتها إلا إصرارًا منه على إمتلاك جسدها... ابتسم داخل غمار طغيانه ابتسامة صامتة تحمل تجبرًا خافقًا، وأخفض رأسه أكثر نحو منحنى عنقها، يهمس أمام شفتيها المتوهجة بصوت مبوح بالرغبة والسيطرة:
ميراچ... إنتِ ملكي.
شعر بارتخاء تدريجي في معصميها بين قبضته، وكأن مقاومتها الشرسة بدأت تذوب تحت تأثير قربه وتحت ثقل مشاعره المتفجرة... استغل تلك اللحظة ليطلق سراح يديها ببطء، ليغرس أصابعه بدلاً من ذلك في خصلات شعرها الأسود الثائر، يُثبت رأسها كي يواجه عينيها المغرورقتين بلمعة التحدي....
نظر إلى عمق عينيها وهو يتنفس بثقل، متأملًا ملامحها التي أرهقها المقاومة والاستسلام، وتابع بنبرة أكثر هدوءًا لكنها أشد حسمًا:
تحاربي العالم كله... لكن معايا أنا، استسلمي.
مال عليها مجددًا، وهذه المرة لم تكن القُبلة هجومًا بل كانت استيلاءً كاملاً.....
لكن صوت رنين هاتفها المُلح والمتقطع قطع صمت الغرفة الثقيل، ليكون بمثابة صدمة.. كهربائية أعادته إلى أرض الواقع، وأيقظت فيه عقله المستتر خلف سطوة رغبته..
سحب نفسه من فوقها فجأة وكأن نيرانًا قد لمست جسده، ابتعد إلى طرف الفراش...جلس يصحو من كابوس حواسه المُتيقظة...
أنفاسه كانت متلاحقة وحادة، وضع رأسه بين يديه وهو يمسك بشعره بقوة، يتنفس من الغضب الموجه لنفسه قبل أي شيء... كيف سمح لضعفه أن يقوده الى تلك المشاعر... كاد أن يخسر ثباته وسيطرته أمام لمسة منها.. وجسدها يستسلم تدريجيًا بين يديه...
على الجانب الآخر، كانت هي تسترد أنفاسها بصعوبة، تسحب الغطاء سريعًا لستر جسدها المُرتجف، وعيناها تدوران بين الهاتف الذي لا يتوقف عن الرنين وبين ظهره المشدود بكبرياء وزفرات غضبه المكتومة...
التفت إليها فجأة، وعيناه تشعان ببرود يحاول به استعادة ما انكشف من بروده، وقال بنبرة حادة يخالطها جفاف مصطنع:
ردي على الزفت... وشوفي مين اللى بيتصل ومُصر تردي عليه.
ثم نهض عن الفراش بخطوات متثاقلة ورصينة، جذب قميصه .. دون أن ينظر إليها، يلعن في نفسه ذلك الضعف اللعين الذي يجعله يشتهيها ويمهد له طريق امتلاكها كلما اقتربت منه... خرج من الغرفة... ألقي بجسده فوق تلك الآريكة بالردهة يتنفس بقوة مصحوبة بغضب من ذاته.. جذب علبة السجائر والقداحة أشعل إحدها ينفث دخانها.. بضيق وغضب.. وتحولت عيناه إلى أمواجٍ هائجة، تخفي تحتها عاصفة مكتومة.
بينما هي قبل لحظات عدلت من جلستها سريعًا، ضمت الغطاء إلى صدرها بقوة وكأنها تحتمي به من بقايا سطوته، بينما كانت أنفاسها تتردد بصوت مسموع في أرجاء الغرفة... لم تكن الرعشة التي تسري في جسدها خوفًا فقط، بل كانت مزيجًا قاسيًا من القهر والخذلان...
استجمعت ما تبقى من كبريائها الجريح، ونظرت إلى ظهره وهو يخرج من الغرفة، لكن سرعان ما شعرت بالغضب، نهضت من فوق الفراش، أغلقت الهاتف، هي ليست ضعيفة،ستواجهه...
وقالت لنفسها بصوت مُختنق بالدموع:
لازم أحط له حد فى التعامل معايا.
إبتلعت ريقها وجففت دموعها بيديها أحكمت لف الملاءة على جسدها خرجت من الغرفة نظرت نحوه وهو ينفث دخان السيجارة تفوهت بصوت بنبرة حادة غير متوقعة:
أديم..
إنت فاكر نفسك مين... فاكر إنك بالمهزلة دي تقدر تملكني... إنت مجرد واحد ضعيف... ضعيف ومريض بسُلطتك.
تابعت هي، وغصبً دمعة ساخنة شقت طريقها على وجنتها رغمً عنها:
اللي عملته ده مش قوة أو سيطرة... ده أقصى درجات الضعف... إنت هربت لما التليفون رن، مش عشان رجعت لعقلك، عشان خفت تكتشف إنك مش قادر تسيطر حتى على نفسك... بتعاقبني أنا على ضعفِك أنت.
التفت إليها ببطء، خُطاها كانت هادئة وثقيلة وهي تقترب منه مجددًا... كانت نظرته مثبتة عليها، تشتعل بكبرياء غاضب...
حاول إخفاء ذلك وتحدث بنبرة تهكمية قاسية:
أنتِ فاكرة إنك بكلامك السخيف ده انك هتهزيني.. فاكرة إن البُعد ده عشانك... لا يا حلوة... أنا ببعد لما أنا أقرر، وبقرب لما أنا أكون عايز... وما عاش ولا كان اللي يربك حساباتي أو يخليني أضعف قدامه.
نهض هو الآخر وإقترب منها أكثر حتى أظلمت ظلاله وجهها، وتابع بصوت منخفض كالفيزياء القاتلة:
اللي حصل جوة كان مجرد إثبات لينا إحنا الاتنين... إنك أضعف من إنك تقاوميني، وإن برودك ده مجرد قناع بيقع في ثانية تحت إيدي.
امتدت يدها المرتجفة لتشير إلى الباب، وعيناها تتحديان قسوته بالرغم من الدموع قائلة:
ما تحاولش تتخيل لحظة واحدة إن اللي حصل ده استسلام مني... بل العكس..
ابتسم ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه، وزفر بنفاذ صبر وهو يستدير متوجهًا إلى باب إحد الغرف بالمنزل ، وقبل أن يغلقه خلفه، ألقى كلماته الأخيرة بثقة مسمومة:
هنشوف مين فينا اللي هيرجع يتمنى اللحظة دي تاني... يا... ميراچ.
أُغلق الباب بصوت صاخب، لترتمي هي على الآريكة تتنفس من قوة التعب والوجع الذي خلقه هذا الصراع بينهما... بينما هو
وقف بتلك الشُرفة المُلحقة بالغرفة... يتنفس بغضب.
مرت بقية الليلة كأنها دهور، صمت خانق يُخيم على البيت، وصوت عقارب الساعة يتكتك بقسوة ليُذكر كل منهما بمدى الشرخ الذي أحدثته تلك اللحظات... لم ينم أي منهما؛ هي في غرفة تقاوم مشاعر القهر والاهتزاز التي اجتاحت كبرياءها، وهو بتلك الغرفة يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا تحرقه سِجائر متتالية وعُقدة كبرياء تأبى أن تنحل.
❈-❈-❈
بعد منتصف الليل
بـڤيلا متوسطة في إحدى المناطق الراقية بالإسكندرية...
دلف ياسر إلى غرفة النوم، وما إن خطا بضع خطوات حتى اتسعت عيناه، وارتسم السأم على ملامحه حين أضاءت الغرفة تلقائيًا... رفع بصره نحو الفراش، فوجدها جالسة بملامح متحفزة، وذراعيها معقودتان أمام صدرها...
لم يحتج إلى كثير من الذكاء ليعرف أنها، كالعادة، غاضبة.
ازدرد ريقه وقال بحذر:
مساء الخير يا فريدة.
رفعت فريدة هاتفها أمام عينيها، ثم نظرت إلى الساعة قبل أن ترفع عينيها إليه ببرود قائلة:
قصدك صباح الخير... الساعة واحدة ونص الصبح، ساعتين والفجر هيأذن.
توقف ياسر لحظة، ثم زفر ببطء وهو يخلع ساعته ويضعها على الكومود قائلًا بهدوء مستفز لها:
ما أنا عارف الساعة كام يا فريدة.
ابتسمت ابتسامة ساخرة قائلة:
أمال بتقول مساء الخير ليه؟ ولا دي تحية جديدة اخترعتها عشان تتفادى التحقيق.
رمقها بنظرة طويلة، ثم قال وهو يحاول السيطرة على ضيقه:
تحقيق إيه بس أنا داخل أنام.
ضحكت بسخرية، وأغلقت هاتفها:
تنام بعد ما سيبتني مستنياك لحد الساعة واحدة ونص.
ببرود قال:
اتأخرت في الشغل.
تهكمت قائلة:
الشغل ... مفيش فى حياتك غير الشغل وأنا فين...وبنتك كمان ولا تحب أفكرك إنك وعدتني إنك هترجع بدري النهارده.
اقترب من الفراش، ثم جلس على طرفه محاولًا إنهاء النقاش:
حاضر، غلطت...أنا آسف.
حدقت به لثواني، وكأن اعتذاره السريع زاد غضبها بدلًا من أن يهدئه... قائلة:
أنت ليه فاكر كلمة آسف دي بتصلح كل حاجة.
التفت إليها يحاول الصبر قائلًا:
أمال أعمل إيه؟
نظرت إليه بحدة، ثم قالت بعتابٍ مكتوم:
بنتنا كانت تعبانة يا ياسر... بنتنا كانت محتاجاك، وإنت كنت غايب كالعادة.
تجمدت ملامحه للحظة.
تابعت وهي تحاول السيطرة على انفعالها:
طول الوقت شغلك... شغلك وبس! لدرجة إنك بقيت مش شايف أي حاجة حواليك، حتى بنتك.
- فريدة...
قالها ببرود
قاطعته بغضب:
لأ، اسمعني المرة دي! أنا مش بتكلم عن نفسي، أنا بتكلم عن بنتك... كانت سخنة وتعبانة، وأنا اللي فضلت جنبها، وأنا اللي حاولت أطمنها وأهديها، وإنت.. ولا حتى سألت عليها.
زفر ياسر بضيق، وقال:
أنا كنت في الشغل ومكنتش أعرف إنها تعبانة.
ضحكت بمرارة:
طبعًا... ما أنت مشغول. دايمًا مشغول. بس الغريب إن الشغل عندك أهم من بيتك، وأهم من بنتك كمان.
اقترب منها محاولًا تهدئتها:
أنا ما أهملتش بنتِ.
رفعت عينيها إليه وقالت:
يمكن إنت مش شايف إنك مهملها... بس هي طفلة وكل مرة تسأل عليك وتقول بابا مش هييجي.. أقول لها إيه أقول لها إن بابا عنده شغل أهم منها.
سكت ياسر، بينما انخفض صوتها وهي تقول:
أنا تعبت يا ياسر من إني أبرر غيابك ليها... كل مرة.
أخفضت فريدة عينيها، وابتلعت غصتها، بينما راحت أفكارها تتصارع داخل رأسها:
يمكن أنا اللي غلطانة... يمكن من حقي أعاتبه بالشكل ده...أكيد كان نفسه في واحدة تكون البداية الأولى ليه... واحدة ما يكونش قبلُه راجل تاني لمس حياتها، ولا يكون عندها ذكريات من جواز سابق.
تنفست ببطء، وهي تنظر إليه من طرف عينيها... قاىلة:
يمكن مهما حاول يحبني، هيفضل جواه إحساس إني مش زي الزوجة اللي كان بيحلم بيها...
وأنا... ليه دايمًا مستنية منه يثبت لي إني كفاية.
شدت الغطاء بين أصابعها، ثم قالت في نفسها بمرارة:
يمكن عشان عارفة إني مش أول اختياره... وعشان كده بخاف كل ما يتأخر، وأفضل أسأل نفسي هو بعيد عني عشان الشغل ولا عشان لسه جواه حاجة ناقصة..
رفعت عينيها إليه سريعًا، ثم أخفت كل ذلك خلف ملامح جامدة.
لم تقل شيئًا... إستسلمت لواقع...
فقط قالت بصوت هادئ:
خلاص يا ياسر... نام، أنا مش عايزة أتكلم.
ظل ياسر واقفًا مكانه للحظات، يراقب انشغالها بالهاتف وكأنها تعمدت أن تغلق الحديث... يعلم طبيعتها هي ربما أرهقت وإستسلمت لوساوس رأسها.. داخله لم يصدق أنها بخير...
اقترب منها وجلس على طرف الفراش، ثم قال بهدوء:
فريدة... إنتِ مش بتقولي كل اللي جواكِ.
رفعت عينيها إليه سريعًا، ثم أشاحت بوجهها... قائلة:
مفيش حاجة.
ابتسم ابتسامة خافتة بلا مرح:
أنا عارفك كويس يا فريدة قبل ما تكوني مراتي إنت كنتِ بنت عمتي.
توقفت أصابعها عن الحركة فوق شاشة الهاتف.
أما في داخلها فارتفع ذلك الصوت الذي حاولت إسكاتَه:
لو فعلًا عارفني، كنت عرفت أنا ليه خايفة طول الوقت....
كنت عرفت إن كل مرة تتأخر فيها، عقلي بيقنعني إنك مش متعلق بيا زي ما أنا متعلقة بيك...
ويمكن المشكلة مش فيك... يمكن المشكلة فيا أنا.
وضعت الهاتف على الكومود، ثم استلقت على الفراش وأعطته ظهرها... قائلة:
تصبح على خير.
ظل ياسر ينظر إلى ظهرها، ثم قال بإستسلام:
وإنتِ من أهله.
أطفأ الإضاءة، واستلقى إلى جوارها...
لكن النوم لم يأتي لأيًا منهما...
كانت فريدة تحدق في الظلام، وعيناها تلمعان بدموع حبستها بصعوبة... وعي تهمس لنفسها:
أنا اخترتك يا ياسر... بس نفسي مرة أحس إنك شايفني أنا، مش بنت عمتك.
أما ياسر، فظل مستيقظًا، يتساءل عما تخفيه عنه، ولماذا بدا عتابها الليلة مختلفًا عن كل مرة...
ولأول مرة، بدأ يشعر أن وراء غضبها خوفًا أكبر بكثير من مجرد تأخره عن المنزل.
❈-❈-❈
بعد أيام
بالنادي الرياضي
بعد إلحاح من نورهان على درية واقفت أن يتقابلا لقضاء بعض الوقت كما فى السابق
تبسمت نورهان حين رأت إقتراب درية من مكان جلوسها بمقهي النادي، نهضت تستقبلها بالأحضان الخادعة.. وكلمات العتاب أنهم لم يخرجوا معًا منذ زمن ثم جلسن، حاولت نورهان سحب درية وسؤالها عن حال أديم وزوجته معها.. تنهدت درية قائلة:
من يوم كتب الكتاب متقابلتش مع ميراچ، بس بتتصل عليا من وقت للتاني.
إستغربت نورهان وقالت بفحيح:
معقول.. ليه هي مش المفروض الڤيلا واسعة والمفروض يعيشوا معاكم ولا هي عاوزه يبقي لها مكان لوحدها بعيد عنكم.
تفوهت درية:
معتقدش ده رغبة ميراچ... أديم لما نصر كلمه قال له عاوز يعيش لوحدهم فى الأول إنتّ فاهمه بقي عرسان وعاوزين يبقوا مع بعض يتهنوا ببعض.
تهكمت نورهان وهي تتلاعب بشفتيها بسخرية قائلة:
عرسان ويتهنوا ببعض، طول عمرك طيبة.. دي منها أكيد عاوزه تفرض سيطرتها.
فهمت درية نبرتها وقالت برضا:
والله هما أحرار، أنا ونصر مش بضغط على حد من ولادنا.. كل واحد فيهم يتحمل إختياره.
كادت نورهان ان تزيد من بث سّمها لكن قاطعتها درية قائلة:
مش اللى هناك دي.. لميس.
نظرت نورهان نحو إشارة درية ثم نظرت لها قائلة بتهكم:
أه هي لميس.. دايما هنا فى النادي، مش شايفة محافظة على جسمها، دي اللى يشوفها يقول أصبي من بنتها...
جوزت بنتها بقي وإرتاحت وشايفة حياتها مش زيي بقت صحتي على قدي.. أكيد هي مش حاسة زيي بالوجع.. الطلاق مش زي اللى تترمل ومعاها بنت.. اللى سمعته إنها بيتقدم لها عرسان... دلوقتي بقي بعد ما بنتها إتجوزت ممكن تتجوز وتقول عشان الونس، مع إن مفتكرش إنها تفرق معاها جواز بنتها كانت معظم الوقت مسافرة، غير العلاقة اللى بيينها وبين طليقها ولا كأنهم إطلقوا.. قال علاقة حضارية قال.. أنا اللى إترملت على بنتي وعاملة حدود بيني وبين أي راجل.. دي...
صمتت قبل ان تقول كلمة فجة...اصابت بحديثها عن لميس زعزعت بعض من الثقة فى قلب درية نحوها.
❈-❈-❈
بمكتب أديم...
كان يجلس يُنفث دخان سيجارته شرد للحظات فى حياته مع ميراچ منذ تلك الليلة اصبح كل منهما يتعامل مع الآخر بطريقة التجنُب... مثل إثنين يسكنان فى منزل لكن كل منهما بعيد عن الآخر...
شعر بملل.. جذب هاتفه... وكاد يقوم بإتصال، لكن سمع طرق على باب مكتبه لم ينتظر الطارق أن يُسمح له بل دخلت بدلال سافر تقول:
أديم أكيد مشغول، عالعموم مش هاخد من وقتك كتير، أنا جاية لطلب.
وقف يستقبلها بإبتسامة باردة قائلًا:
اهلًا يا كارلا.. إيه هو الطلب ده.
تبسمت بدلال قائلة:
اتمني متكسفنيش.
أجابها:
أكيد فى إيدي مش هكسفك.
تبسمت قائلة:
لاء فى إيدك، إنت عارف إني بعد ما إتخرجت من الجامعة الامريكية.. كنت قدمت فى كذا وظيفة فى شركات معروفة، وكنت خلاص هشتغل، بس إنت عارف صحة ماما وقتها تعبت وكانت محتاجة اللى يفضل جنبها.. وراحت الفرصة..، النهاردة ماما بقت كويسه وأنا محتاجه أشتغل حاسة بملل إنت عارف إن ماليش فى جو النوادي وجلسات النميمة بتاع الستات الفاضية...أكيد عندك ممكن الاقي وظيفة مناسبة لمؤهلاتي... حتى سبق وكنت بشتغل هنا فترة التدريب، يعني عندي خبرة.
لوهلة كاد يعتذر منها لكن سمع صوت طرق على باب المكتب سمح بالدخول... حين رأي ميراج نظر الى كارلا، رسم بسمة قائلة:
دي شركتك أكيد مرحب بيكِ.
تبسمت بإنشراح بينما
دلفت ميراچ إلى المكتب، وسرعان ما تبدلت بسمتها إلى سئم خفيف، حين رأت كارلا تقترب من أديم وتتحدث معه بأريحية.
توقفت للحظات، ثم جلست معهم، تحاول أن تبدو طبيعية رغم أن عينيها كانتا تتابعان كارلا من حينٍ لآخر...
ابتسمت كارلا وهي تنظر إلى أديم وقالت:
بصراحة، أنا مبسوطة جدًا إني هرجع أشتغل معاكم تاني.
رفعت ميراچ رأسها فجأة، وقالت باستغراب:
ترجعي تشتغلي هنا.
أومأت كارلا بابتسامة مؤكدة بكذب:
أيوه، أديم عرض عليا أشتغل في الشركة، وأنا وافقت.
تعلقت عينا ميراچ بأديم، وكأنها تنتظر منه أن ينفي ما سمعته...
سألته بنبرة حاولت جعلها عادية:
إنت طلبت منها تشتغل هنا.
أجابها بهدوء متعمد، وهو يراقب ملامحها:
طبعًا وافقت، كارلا عندها خبرة كبيرة، وأنا شايف إنها هتكون إضافة مهمة للشركة.
ابتسمت ميراچ ابتسامة باهتة، ثم عادت بنظرها إلى الملف أمامها قائلة:
كويس... الشركة فعلًا محتاجة ناس عندها خبرة.
رفع أديم حاجبه، التقط الغيرة المختبئة خلف نبرتها الباردة...
اقترب منها قليلًا وقال بنبرة مستفزة
إيه مش عاجبك القرار.
رفعت عينيها إليه بثبات مصطنع:
ومين قال إني مش عاجبني.
ابتسم أديم، ثم مال نحوها قليلًا وقال بصوت خافت:
عينيكِ قالت.
رمقته بنظرة حادة، ثم أشاحت بوجهها عنه وهي تقول:
خليك في شغلك يا أديم... أكيد انت فاهمة كويس.
اتسعت ابتسامته، فقد أدرك أنه نجح في استفزازها تمامًا، بينما جلست كارلا تتابعهما بصمت، وقد بدأت تلاحظ أن العلاقة بينهما أبعد بكثير مما يحاولان إظهاره...
بعد قليل
ظلت ميراچ جالسة معهم، تحاول الانشغال بالعبث فى هاتفها... لكن وجود كارلا ونظرات أديم المتكررة إليها جعلاها تشعر بضيقٍ متزايد.
أغلقت الهاتف ، ثم وقفت فجأة...
قالت بنبرة هادئة:
أنا محتاجة اشرب قهوة فى الهوا.
رفع أديم عينيه إليها فورًا، وكأنه كان ينتظر منها أن تفعل أي شيء حتى تبتعد عن المكان.
قال بهدوء:
تمام.
نظرت إليه للحظة، ثم أجابت ببرود:
تمام.
وغادرت قبل أن يمنحها فرصة أخرى للكلام.
تابعتها عينا أديم حتى اختفت خلف الباب، وظل صامتًا للحظات...
كارلا كانت تراقبه...
راقبت الطريقة التي تغيرت بها ملامحه فور خروج ميراچ، والفراغ الذي تركته خلفها في المكان، وكأن وجودها كان أهم من كل ما كانت تتحدث عنه...
ابتسمت كارلا ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن تحمل أي مرح... قالت بمغزى:
واضح إن ميراچ مهمة أوي بالنسبة لك.
التفت إليها أديم، وعاد إلى هدوئه المعتاد
قال:
قصدك إيه.
رفعت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة:
ولا حاجة... بس نظراتك ليها بتقول كلام كتير.
صمت أديم، ولم يحاول حتى الإنكار...
وهذا الصمت تحديدًا أزعج كارلا أكثر...
تابعت بنبرة تحمل شيئًا من الضيق:
من ساعة ما دخلت وأنا ملاحظة إن عينيك عليها طول الوقت... حتى وأنا بكلمك، بتكون مركز معاها.
نظر أديم إلى الباب الذي خرجت منه ميراچ، ثم قال ببساطة:
يمكن لأنها بتفرق معايا.
انطفأت ابتسامة كارلا تمامًا...
كانت تتمنى أن يكون ما تراه مجرد وهم، لكن اعترافه البسيط أكد لها ما كانت تخشاه.
أديم لديه مشاعر تجاه ميراچ...
ومعرفة ذلك جعلت عودتها إلى الشركة قد تبدو أصعب بكثير مما توقعت.
بعد وقت قصير، خرجت كارلا من مكتب أديم، بينما ظل هو جالسًا خلف مكتبه، شاردًا للحظات في حديثها الأخير...
التقط هاتفه واتصل بسكرتيرته، وما إن جاءه صوتها حتى سأل مباشرة:
ميراچ فين.
أجابته السكرتيرة:
في مكتب بشمهندس ريان يا فندم.
عقد أديم حاجبيه، وسأل بنبرة هادئة تخفي ضيقه:
بقالها قد إيه هناك.
أجابته:
من حوالي نص ساعة.
صمت لحظة، ثم قال:
تمام.
أنهى المكالمة ووضع الهاتف أمامه، لكنه لم يستطع العودة إلى عمله...
وجود ميراچ في مكتب ريان لم يرق له إطلاقًا، خصوصًا أنه يعرف أن ريان يملك طريقة خاصة في التعامل معها، وأنها تكون أكثر ارتياحًا معه مما ينبغي في نظره...
نهض من خلف مكتبه، التقط هاتفه ومفاتيحه، واتجه إلى الباب...
كان واضحًا أنه لم يعد قادرًا على تجاهل الأمر...
هو نفسه لم يكن يريد الاعتراف بسبب انزعاجه، لكن فكرة أن ميراچ تقضي وقتها مع رجل آخر كانت كافية لإشعال غيرته...
دلف أديم إلى مكتب ريان دون أن يطرق الباب، فتوقفت ميراچ عن الحديث، بينما رفع ريان عينيه إليه باستغراب
قال ريان بابتسامة جانبية:
خير يا أديم إنت داخل كده ليه.
لم يجبه أديم، بل وقعت عيناه مباشرة على ميراچ، التي كانت جالسة أمام المكتب تحمل كوبً من القهوة...
قال ببرود:
كنت بدور عليكِ.
رفعت ميراچ حاجبها باستغراب قائلة:
بدور عليا انا.
أجابها بتأكيد وهو يتقدم إلى الداخل:
أيوه، عليكِ.
تدخل ريان في الحديث وهو يبتسم:
ميراچ كانت قاعدة ترغي تضيع وقتي.
رمقه أديم بنظرة حادة.. بينما تبسمت ميراچ، تلك البسمة ضايقت أديم فقال:
أنا بكلمها.
ابتسم ريان أكثر، فقد فهم سبب حضوره الحقيقي...
قال وهو ينظر إلى ميراچ:
واضح إن حد كان مستنيكِ ترجعي بسرعة.
ضيقت ميراچ عينيها، بينما عقد أديم حاجبيه.
قالت ميراچ محاولة إنهاء الموقف:
تمام طالما برغي وبعطلك هسيبلك المكتب.
أجاب أديم فورًا
كويس، تعالي معايا.
وقفت ميراچ، ثم نظرت إليه باستغراب قائلة:
على فين.
قال وهو يتجه إلى الباب:
المكتب.
تبعته بنظرة ضيقة، ثم قالت :
أنا مش فاهمة إنت عايز مني إيه.
توقف أديم عند الباب والتفت إليها، وقال بنبرة تحمل غيرته بوضوح:
ولا أنا فاهم إنتِ كنتِ بتعملي إيه كل الوقت ده عند ريان.
تبادلت ميراچ وريان نظرة سريعة، ثم ابتسم ريان بخبث...
أما ميراچ، فاقتربت من أديم وقالت بهدوء مستفز
عادي إحنا أصدقاء.
ثبت أديم عينيه عليها للحظات، ثم قال بسخرية:
أصدقاء بعيد عن هنا.. هنا للشغل مش للدلع.
ابتسمت ميراچ بسخرية
صمت...
وكان صمته هذه المرة كافيًا ليؤكد لها أنها أصابت الحقيقة تمامًا...
أمسك أديم بمقبض الباب، ثم أشار إلى ميراچ أن تتبعه...
قال بصرامة:
تعالي مكتبي.
تنهدت ميراچ بضيق، لكنها تبعته... وما إن دخلا المكتب حتى أغلق الباب خلفهما، ثم استدار إليها.
قال بانفعال مكتوم
إنتِ كنتِ بتعملي إيه عند ريان كل الوقت ده؟
رفعت حاجبها باستفزاز:
ما قولت لك كنا بنشرب قهوة و..
اقترب منها خطوة وقاطعها:
مش كنت بتقولى هتخرجي تشربي قهوة فى الهوا.
نظرت له وقالت بهدوء:
وإنت مالك؟ من إمتى وأنا لازم أخد إذنك قبل ما أتكلم مع حد.
صمت للحظة، ثم قال بعصبية:
من وقت ما بقيتي بتتعاملي معايا كأني آخر واحد في حساباتك.
ابتسمت بسخرية قائلة:
غريبة... وأنت من شوية كنت مشغول بكارلا جدًا.
تغيرت ملامحه فورًا.
قال:
كارلا مالها.
ردت ميراچ بسرعة:
ولا حاجة. بس واضح إنك كنت مبسوط بوجودها.
اقترب منها أكثر قائلًا بمغزي:
إنتِ غيرانة.
اشتعل وجهها غضبًا ونفت ذلك قائلة:
طبعًا لأ.
ابتسم بسخرية قائلًا:
يبقى ليه متضايقة.
فتحت فمها لتجيبه، لكنها توقفت فجأة...
شعرت بدوار مفاجئ، فوضعت يدها على جبينها، وترنحت خطواتها...
تبدلت ملامح أديم في لحظة...
مد يده وأمسك بذراعها قبل أن تفقد توازنها قائلًا:
ميراچ...
لم تجبه، وأغمضت عينيها للحظات وهي تحاول استعادة توازنها...
قال أديم بقلق واضح:
إنتِ كويسة.
هزت رأسها ببطء قائلة:
آه... بس حاسة بدوخة شوية.
أسندها إلى أن جلست فوق الكرسي، ثم انحنى أمامها، وقد اختفت كل آثار الغضب من وجهه.
قال بلهجة أكثر هدوءًا:
اقعدي ومتتحركيش.
ثم التقط كوب الماء الموضوع على مكتبه وقدمه إليها... قائلًا:
اشربي.
نظرت إليه ميراچ، فرأت الخوف الصادق في عينيه، ذلك الخوف الذي لم يستطع إخفاءه مهما حاول.
قالت بصوت خافت:
أنا كويسة يا أديم.
هز رأسهرافضًا ظل ا واقفًا أمامها يراقب وجهها باهتمام، وكأن شجارهما كله لم يعد يعني له شيئًا أمام لحظة خوف واحدة عليها...
ظل أديم واقفًا أمامها، يراقبها بقلق، بينما كانت ميراچ تحاول استعادة هدوئها...
قالت وهي ترفع الكوب إلى شفتيها:
أنا أحسن دلوقتي.
جلس أديم أمامها، على ساقيه ولم يقتنع بكلماتها..
قال بجدية:
إنتِ أكلتي النهارده.
صمتت ميراچ للحظات، ثم أبعدت عينيها عنه.
فهم من صمتها الإجابة.
قال بضيق امتزج بالقلق:
يعني لأ... وبتشربي قهوة على معدة فاضية.
ردت محاولة التهرب:
عادي متعودة علي كده، هي دوخه بسيطة ومرت.
تنهد أديم، ثم وقف واتجه إلى الهاتف الداخلي.
قال للسكرتيرة:
ابعتي لنا حاجة خفيفة للأكل وعصير، بسرعة.
نظرت إليه ميراچ باستغراب قائلة بتذمُر
أديم، أنا مش طفلة.
التفت إليها، وقال بحدة هادئة:
وأنا مش بتعامل معاكي كطفلة. أنا بس مش هسمحلك تهملي نفسك بالشكل ده.
سكتت ميراچ، وتأملت وجهه..
كان غضبه منذ دقائق قد اختفى تمامًا، وحل مكانه قلق واضح لم تستطع تجاهله.
قالت بهدوء:
إنت كنت بتتخانق معايا من شوية.
اقترب منها، ثم جلس بجوارها قائلًا:
كنت متعصب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة قائلة:
علشان ريان.
نظر إليها مباشرة...
اتسعت عيناها،..
ساد الصمت بينهما للحظات.
خفضت ميراچ عينيها، بينما ظل أديم يتأملها، وكأنه للمرة الأولى لم يعد يحاول إخفاء ما يشعر به من قلق اتجاهها...
بقي أديم صامتًا لثواني، وعيناه معلقتان بملامحها، حتى تأكد أن الدوار بدأ يزول...
نهض ببطء، وأدار ظهره لها، وكأن قربه منها أصبح فجأة أمرًا لا يستطيع السيطرة عليه...
ضغط على فكه بضيق، ومرر يده في شعره.
ماذا يحدث له معها..
كيف فقد أعصابه لمجرد أن وجدها تجلس مع ريان؟ وكيف تحولت ذلك الشعور بالغضب إلى خوف بمجرد أن شحب وجهها أمامه..
أغمض عينيه للحظة، يلوم نفسه على ذلك الضعف الذي يظهر أمامها دون إرادته...
هو لم يعتد أن يقلق على أحد بهذا الشكل، ولم يسمح يومًا لمشاعره أن تتحكم في قراراته.
أما معها...
فكل قواعده تنهار...
استدار إليها، فوجدها تنظر إليه في صمت.
قال بنبرة حاول أن يجعلها قاسية:
متحاوليش تفهمي من اللي حصل إنك تقدري تعملي فيا اللي إنتِ عايزاه.
رفعت حاجبها باستغراب سائلة:
أنا عملت إيه؟
أشاح بنظره عنها وقال بضيق:
ولا حاجة... المشكلة فيا أنا.
اقترب من النافذة، ثم تمتم وكأنه يخاطب نفسه
كل مرة بقول هبعد، ألاقي نفسي أول واحد بيجري عليكِ.
نظرت إليه ميراچ بدهشة، بينما تابع بصوت خافت:
وده أكتر شيء مستفزني في نفسي.
استدار إليها، وكانت عيناه تحملان صراعًا واضحًا بين كبريائه ومشاعره... هامسً:
إنتِ نقطة ضعفي يا ميراچ... وأنا مش متقبل ده.
ارتسمت على شفتي أديم ابتسامة ساخرة، وكأنه فجأة تراجع عن كل ما كشفته عيناه منذ دقائق.
قال باستهزاء:
إنتِ صدقتي نفسك أوي يا ميراچ.
نظرت إليه باستغراب، بينما تابع بنبرة باردة:
غيرة أنا أغير عليكِ.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من الدفء قائلًا:
مستحيل.
تجمدت ملامحها، فاقترب منها خطوة وقال
إنتِ بالنسبة لي إيه أصلًا علشان أغير عليكِ.
لم تُجيبه...
فأكمل، متعمدًا أن يجعل كلماته أكثر قسوة
إنتِ مجرد وصية يا ميراچ... وصية لازم أنفذها، مش أكتر...
شعرت كأن الكلمات صفعتها، لكنها أخفت ألمها خلف ابتسامة باهتة...
قالت بهدوء حاولت أن تجمع به ما تبقى من كرامتها:
اطمن... أنا عمري ما فكرت إنك ممكن تغِير عليا.
نظر إليها، فرأى في عينيها شيئًا لم يعجبه، لكنه أصر على قسوته...
قال ببرود:
يبقى متفسريش كل تصرف مني على إنه مشاعر.
أومأت ببطء قائلة:
عندك حق.
ثم نهضت من مكانها، ووضعت الكوب على المكتب أمامه.
قالت دون أن تنظر إليه:
وأنا كمان هتعامل معاك على الأساس ده... أديم، صاحب الوصية اللي جمعتني بيه الظروف، لا أكتر.
ثم اتجهت نحو الباب...
ظل أديم مكانه، يتابع خطواتها بصمت.
وحين أُغلق الباب خلفها، اختفت سخريته تمامًا.
قبض يده بقوة، وتمتم بضيق
كاذب...
لكن هذه المرة لم يكن يقصدها هي.
كان يقصد نفسه.
ظل أديم واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالباب الذي خرجت منه ميراچ.
ساد الصمت داخل المكتب، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا.
كان يشعر أن كلماته الأخيرة ارتدت إليه كطعنة.
هو من قال لها إنها لا تعني له شيئًا...
هو من سخر من فكرة غيرته عليها...
وهو نفسه الذي قبل دقائق كان يكاد يفقد أعصابه لمجرد معرفته أنها تجلس مع ريان...
جلس خلف مكتبه بعنف، وأسند رأسه إلى ظهر المقعد، ثم أغمض عينيه.
تذكر نظرتها حين أخبرها أنها مجرد وصية...
لم تكن غاضبة هذه المرة.
كانت ضائعة...
وهذا تحديدًا ما عجز عن تحمله...
فتح عينيه، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
قال لنفسه بصرامة:
هي اللي طلبت تعرف الحقيقة... وأنا قولت لها الحقيقة.
لكن صوتًا داخله سخر منه:
أي حقيقة؟
لو كانت مجرد وصية، فلماذا شعرت بالغيرة حين اقتربت كارلا منه...
ولماذا شعر هو بالاختناق حين وجدها مع ريان..
ولماذا ركض إليها فور أن شعر أنها ستسقط
ضرب سطح المكتب بكفه... قائلًا:
كفاية.
لن يسمح لنفسه بالتورط أكثر... كلما اقترب منها، أصبح أضعف... هو يكره الضعف.. بالاخص أمامها.
في الخارج، كانت ميراچ تسير بخطوات سريعة، تحاول ألا تسمح لدموعها بالنزول...
وصلت إلى المصعد، وضغطت الزر، ثم أغمضت عينيها لحظة.
قالت لنفسها:
كان عنده حق... أنا اللي فهمت غلط.
لكن قلبها لم يصدق عقلها.
فلو كانت حقًا لا تعني له شيئًا...
فلماذا كانت عيناه تقولان عكس ذلك تمامًا..
خرجت ميراچ من المصعد، وسارت في الممر بخطوات بطيئة، بعدما خفتت مقاومتها تمامًا.
كانت كلماته تتردد داخل رأسها بلا رحمة.
«إنتِ مجرد وصية... مش أكتر.»
أغمضت عينيها للحظات، وكأنها تحاول إيقاف تلك الجملة عن الدوران داخل عقلها، ثم أخذت نفسًا عميقًا...
لقد صدقته...
أو ربما أرغمت نفسها على تصديقه...
نعم... زواجهما لم يكن سوى تنفيذ لوصية، عام واحد فقط، ثم ينتهي كل شيء.
همست لنفسها بحسرة:
إزاي هقدر أعيش معاه سنة كاملة.
فتحت عينيها، لكنها شعرت بأن الطريق أمامها أصبح أثقل...
هي التي كانت تظن أن تناقضه يعني وجود شيء في قلبه تجاهها، أدركت الآن أنها ربما كانت تخدع نفسها...
ربما اهتمامه لم يكن سوى مسؤولية فرضتها الوصية...
وربما غيرته لم تكن غيرة أصلًا، وإنما مجرد رغبة في السيطرة على الأمور...
وضعت يدها فوق صدرها، محاولة تهدئة الخفقان المؤلم...
قالت لنفسها:
سنة واحدة يا ميراچ... سنة وتخلص الحكاية.
لكن صوتًا آخر داخلها سألها بمرارة:
ولو قلبك اتعلق بيه خلال السنة دي.
فتحت عينيها سريعًا، وكأنها ترفض حتى التفكير في الاحتمال...
لا.
لن تسمح لنفسها بذلك...
هو قالها بوضوح...
هي بالنسبة له مجرد وصية...
إذًا ستعامله بالطريقة نفسها.
لكنها لم تكن تعرف أن أصعب شيء في تنفيذ الوصية، لن يكون العيش تحت سقف واحد معه...
بل محاولة إقناع قلبها طوال عام كامل بأنه لا يعني لها شيئًا...
سئمت ملامحها حين رأت كارلا تسير بالممر القريب، تنفست بقوة لا تود الجدال معها... توجهت ناحية أحد الممرات بعيدًا عنها.
بينما بمكتب أديم، شعر بضيق من فحاجته فى التعامل معها، بنفس الوقت صدح رنين هاتفه جذبه بعصبية وقام بالرد يسمع الآخر الى أن قال:
تمام أنا جاي سفاجا المسا وهشوف حل للمشكلة.
اغلق الهاتف وتنهد ربما الافضل الابتعاد، وذلك فرصة مناسبة... ولا داعي ليخبرها أنه مُسافر.. فلا شأن لها بذلك.
