رواية ناب الافعي الفصل السابع
عاد عمران وترتيل بعد ساعتين في الخارج. فتوقفت سيارته أمام القصر الذي تزيّنه اللافتة الذهبية بخط عريض: _"عائلة الألفي"_.
دلفا من السيارة ثم أعطى للخادم المفتاح ليركنها ضمن صف سياراته السوداء المميزة.
فتفاجأ بذلك الذي ينتظره في غرفة الاستقبال. فابتسم بغموض ثم أشار لترتيل لتصعد إلى غرفتها.
اتجه ناحيته بابتسامة وهو يضع يديه الاثنتين في جيب بنطاله.
_عمران:_ "ما لسه بدري يا حضرة الضابط."
التفت له بعينيه الفيروزيتين مع ابتسامة جميلة زادت من وسامته. وقف ليقابل عمران وكأنه يتحداه، واضعاً يده في جيب بنطاله ومازالت الابتسامة الباردة تعلو وجهه.
_زين:_ "هتفضل واقف بعيد كده؟"
اتجه إليه عمران فضمه إلى صدره بحرارة.
_عمران:_ "وحشتني يا زوز."
_زين بدلال وهو يبتسم:_ "وانت كمان يا عمراني."
قاطع حديثهم دخوله المرح كعادته وهو يتصنع الصدمة.
_أسامة:_ "عمران وزين؟ قلبي الصغير لا يحتمل هذه الخيانة."
اتجه أسامة ليحتضن زين وعمران معاً ثم قال:
_أسامة:_ "شكل كده الأيام الجاية هتبقى سواد برجوعك يا زوزو."
_عمران وهو يبعده:_ "ابعد ياض يا ملزق. هي ناقصة؟ الجو حر."
_زين:_ "عامل إيه يا أوس أوس؟"
_أسامة:_ "فل الفل يا صاحبي. مش مسرور خالص بلقائك."
لكمه زين لكمة خفيفة على كتفه فنظر له الآخر بغضب.
_أسامة:_ "طب لما أقوم أكسرلك وشك ده دلوقتي هتبقى مبسوط؟"
تجاهله ونظر إلى عمران متسائلاً:
_زين:_ "أومال سولى فين؟ مش شايفه يعني."
ارتبكت ملامح أسامة فرد سريعاً يدمج حديثه بالمزاح حتى لا يلحظ عمران شيئاً.
_أسامة:_ "بايت عندي النهاردة. كنت عازمه على الغدا فكل من هنا وطردني زي ما انتو شايفين كده ونام في أوضتي الندل."
_عمران:_ "تستاهل عشان تبقى تعزمه من غيري تاني."
_أسامة:_ "ما انت اللي ملكش في الطيب نصيب. كل ما أكلمك تقولي مشغول."
_عمران:_ "ملحوقة عادي. بس قولي... جاي عشان اطردت ولا عشان تشوف خطيبتك؟ أنا عارفك واطي ومبتسألش."
_أسامة:_ "بتلمحها وهي طايرة يا عمراني."
_زين:_ "بس يلا أنا بس اللي أقوله كده."
نظر إليه أسامة بقرف. بعث رسالة لها يخبرها أنه ينتظرها في الحديقة ليحدثها بأمر ما. ثم اعتدل في وقفته ونظر لهم بقرف مشيراً بيده في الهواء وهو يتجه للخارج.
_أسامة:_ "يا عم بلاش قرف. دانتو عيال ملزقة."
ما إن غادر حتى ارتسمت على ملامح عمران المكر. فتحدث لذلك الذي ترجم ملامحه على الفور فابتسم هو الآخر ابتسامة تملأها الغموض.
_عمران:_ "جبت الملف؟"
_زين:_ "طبعاً. أومال أكيد مش جاي عشان أتأمل عيونك."
ألقى له الملف على الطاولة ثم استعد للرحيل وهو يحذره.
_زين:_ "خليك عاقل يا عمران. ما تخلنيش أندم إني دخلتك في الموضوع ده."
ابتسم له بهدوء ثم قال بجدية تامة:
_عمران:_ "ما تقلقش يا حضرة الضابط. عمران عند وعده وكلمته سيف."
تنهد ونظر له نظرة أخيرة ثم رحل. تحت عيني عمران الرماديتين اللتين تتبعان أثر رحيله.
توجهت نظراته إلى ذلك الاسم الذي يتوسط الملف بخط واضح: _"سليم الجبالي"_
ابتسم عمران بتسلية ثم قال بمرح:
_عمران:_ "مصيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة."
*_**_**_**_**_**_*
كانت تنتظره في الحديقة كما طلب. الهوا بيحرك أطراف نقابها وصوت خرير النافورة لا يستطيع أن يخفي صوت دقات قلبها
وقف على بعد خطوتين منها. غض بصره للأرض فور أن شعرت به فالتفتت له ... يداه كانت ترتعش في جيبه كسر حاجز الصمت الطويل بصوته الهادئ قائلاً
_أسامة بصوت واطي:_ "إزيك يا ترتيل؟"
_ترتيل:_ "الحمدلله... انت؟"
صمت ثانية ثم نظرت له من تحت نقابها فأكملت حديثها قائلة "صوتك... فيه حاجة."
بلع ريقه بتوتر يحاول أن يخفي ذلك الخوف الذي يسيطر على قلبه..يريد أن يحدثها في أمر سالم ولكنه لا يريد أن ينكس وعده لصديقه يخشى أن تهلع هي وتخبر عمران فتنهد وخرج منه الموضوع بشكل آخر
_أسامة وهو بيرفع عينه ليها ثانية واحدة:_ "ترتيل... أنا مش عارف بكره فيه إيه. والدنيا حوالينا كلها قلق بس الحاجة الوحيدة اللي متأكد منها... إني عايزك تبقي في حضني. في بيتي. في أماني.
إيه رأيك... نسرع الفرح؟"
نزلت كلماته عليها كالصاعقة ارتبكت وهي تفرك أطراف فستانها بتوتر قلبها كاد أن يخرج من بين أضلعه ردت عليه بصوتها الهادئ الرزين
_ترتيل:_ "انت... متأكد؟"
_أسامة بوجع:_ "عمري ما كنت متأكد من حاجة قد كده. بس خايف... خايف أتأخر وتضيعي مني."
صمت والدموع تلمع في عينيها هي تشعر بوجعه وهي أيضاً تخشى أن تفقده كما فقدت والدتها من قبل تشعر بوجع قلبه على فراق أخته سهيلة كم أرادت أن تخف عنه ألم ما حدث ابتسمت ابتسامة هادئة وأجابت بحب
_ترتيل:_ "اللي تشوفه يا أسامة... وأنا معاك وهفضل دائماً معاك "
أدار وجهه حتى لا ترى تلك الدمعة التي خانته وقال وهو يفتح باب القصر ليغادر
_أسامة:_ "طيب... هكلم عمران بكره."
وهربت هي للداخل تجري ووجنتاها مولعتين ليس من الخجل بل من الخوف والفرحة معاً
راقبها من بعيد يطمئن هل دخلت أم لا وهو يردد بشيء واحد. "يارب احفظها... احفظها مني ومن الدنيا كلها."
________________________________
كان يجلس بكل وقار وهيبة ينظر إلى ذلك الملقى على الأرض والدماء تعرف طريقها لوجهه من أثر الضرب.
رفع وجه الذي يميل على الأرض بطرف قدمه وهو ينظر له بشر كبير وتوعد وهو يكز على أسنانه.
_سليم الجبالي:_ "لو ما قولتش مين اللي باعتك... اعتبر نفسك في عداد الموتى. ولا هيعرفوا يلاقوا ليك جثة."
تحدث ذلك المسكين بصعوبة بسبب ما تعرض له من ضرب على يد هؤلاء وهو يبكي ويصرخ بفزع:
_الفتى:_ "أنا ما عملتش حاجة صدقني... مش أنا... هما عايزين يوقعوك... أنا ما عملتش حاجة."
لكمه في وجهه لكمة أطاحت به بعيداً. ثم اقترب منه وشده من شعره حتى كاد أن يقتلعه بين يديه.
_سليم:_ "مين هما؟"
قال الفتى وهو يحاول إزاحة يده عن شعره بعناد:
_الفتى:_ "مش هقولك. لازم تتعاقب على عمايلك. الناس بتموت كل يوم بسببك."
تركه ثم جلس على الأريكة التي تتوسط الغرفة واضعاً رجل فوق الأخرى، فارداً ذراعيه كملك. ابتسم ابتسامة صغيرة ثم أشار لحارسه بأصبعه.
فأخرج الحارس مسدسه من جيبه وأعطاه لهذا الذي بلا رحمة.
_سليم بهدوء مخيف:_ "أعتقد إن وقتك خلص خلاص... ومبقاش ليك لازمة."
فرغ محتويات المسدس من رصاص في جسد هذا المسكين حتى فارق الحياة.
اعتدل بوقفته وهو يزرر أزرار بدلته السوداء كسواد عينيه. يزيح بقايا شعره المتناثرة عن عينيه لتظهر مكره وخبثه.
قدم له الحارس منديلاً فأخذه يمسح به يديه مزيلاً أثر الدماء عنها وهو يتحدث لحارسه:
_سليم:_ "شوفلي مين ورا الكلب ده يا أياد... وهاتهولي من رقبته حي أو ميت."
_أياد بانحناءة رسمية:_ علم وينفذ يا سليم باشا
________________________________
"بيقول ناسي عنيها... وعنيه بتقول شاريها..."
ألقت بهاتفها بجانبها بضيق وهي تشعر بسم هذه الكلمات البسيطة يتخلل إلى قلبها ليذكرها بما عانت مرة أخرى ارتدت حجابها وخرجت إلى البراندا تستند على الحاجز الحديدي وتنظر إلى السماء كان الجو بارداً وهذا ما كانت تحتاجه لعله يبرد نيران الحب المشتعلة بداخلها نظرت إلى النجوم البعيدة كبعد المسافات بينهم
_سيلا بهمس:_ "يارب...
فكرت إني خلاص نسيت. بطلت أحبه بس كل مرة بكتشف إني محبتش غيره."
دمعة نزلت على خدها والهوا نشفها قبل التانية.
"طول السنين دي... كان نفسي في نظرة واحدة بس.
نظرة تقولي بحبك. نظرة تحسسني إني متشافة.
بس اللي خدته كان نظرات أخ.
وكل نظرة منه ليها... كانت سكينة بتتغرس في قلبي."
ضحكة مكسورة خرجت منها.
"عارف يا رب؟ اليوم اللي لبست فيه الأبيض... مكنش عشان فرحي لا.. كان عشان هو طلب من الكل يلبس أبيض في فرحهم وكأنه مصر يكسرني من غير ما يعرف من غير قصد"
مسحت وشها بعصبية.
"وماشي مكمل. حتى بعد ما ماتت... لسه بيدوس عليا.
كان هو السبب اللي مخليني ما أروحش بيت أختي.
عشان ما أشوفش الحلم اللي ضاع مني قاعد بيضحك معاها."
شهقت بوجع وهي تكمل حديثها
"على الأقل كنت بقول... حد فينا فرحان.
بس القدر... القدر وجعنا كلنا."
وفي عز انهيارها وكالعاده حين تشعر بالحزن أو التعب كان أول شخص يشعر بها فرن هاتفها برسالة نصية باسمها
هاشم: سيلا انتى كويسه عامله ايه
تشعر بألم لكونه يكن لها الحب وهي تحب شخصاً آخر تشعر بالذنب هي لا تريد أن تؤذيه لانها تحبه كأخ لها هي حتى أصبحت لا تعرف ما الذي تشعر به أحياناً تحبه وتنظر له نظرة انه المنقذ الحامي لها وأحياناً أخرى يعود لها الحنين لذلك الذي سكن قلبها من قبل رن الهاتف مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت الرسالة محتواها
"أبعدى عن أدهم وسالم يا سيلا.. وإلا مش هتشوفى منى خير ."
_________________________________
