رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثامن 8 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثامن 

"قد يكون الزواج بالإكراه مأساويًا؛ فهو يحرم الفرد من حقه في اختيار شريك حياته، ويجعل العلاقة غير مبنية على الحب والاحترام، بل على القسوة والظلم. والظلم الأكبر يأتي من الآباء والأمهات الذين يزوجون أبناءهم دون موافقتهم ورغمًا عنهم، مثل صفوت وزوجته.
ظلت المسكينة رباب تصرخ في غرفتها، وتكاد أن تموت قهرًا عندما علمت بموافقتهم على عزت. فكاد أن يُجنَّ جنونها، وتزاحمت الأسئلة داخل رأسها، سؤالًا تلو الآخر، وكان أهمها: لماذا وافقوا عليه؟ وهو يعمل حدادًا مثل رضوان، وظروفه أشبه بظروفه... فلماذا الظلم إذن؟ ولماذا كان رضوان مرفوضًا، بينما عزت مقبولًا؟
همّت واقفة، ولم يهدأ لها بال. كانت بحاجة إلى مواجهة أهلها، تريد إجابات عن كل ما يدور داخلها، تريد أن تفهم هذا التناقض الذي يكاد يمزقها من الداخل. غادرت غرفتها واتجهت إليهما، وهما جالسان في غرفتهما يتناولان العشاء.
دخلت دون استئذان؛ فنار قلبها كانت أكبر من أي قوانين تربت عليها، وأقوى من قدرتها على التزام الهدوء. وقفت أمامهما، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الغضب، ثم سألتهما بصوت مبحوح وغاضب قائلة:
ـ أنا عايزة أعرف... هو اللي أنا سمعته ده صح؟ انتوا بجد وافقتوا على اللي اسمه عزت ده؟

لم يُحدث سؤالها فارقًا كبيرًا عند أمها، التي كانت منشغلة بطبق الطعام أمامها، فأمسكت بالدجاجة لتقسيمها نصفين، وتضع نصفًا أمام زوجها ونصفًا أمامها، ثم قالت ببرودة تتملكها، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الغضب:
ـ وطي صوتك يا بت يا رباب، ومالك داخلة كده من غير ما تخبطي على الباب! هو ده اللي ربيتك عليه!
ثم رفعت عينيها إليها، ونظرت لها بسخرية واضحة، وأردفت:
ـ وبعدين ياختي، ماله عزت؟ لا ناقصه إيد ولا رجل، واه وافقنا عليه، واللي ما تعرفيهوش بقى يا قلب أمك إنك هتشتري شبكتك وتختاريها بعينيك الحلوين دول آخر الأسبوع.

كادت رباب أن تصرخ من أعماق قلبها، إلا أنها كتمت غيظها بصعوبة، وراحت تصر على أسنانها حتى شعرت بألم في فكها، بينما كان القهر ينهش صدرها. سألتهما من بين أسنانها، وكأن كل كلمة تخرج منها انتزاعًا:
ـ ليه! ليه وافقتوا على عزت ومن غير ما تاخدوا رأيي وتسألوني؟ واشمعنى عزت بالذات؟ وهو يفرق إيه عن رضوان اللي بهدلتوه وعايرتوه بأبوه وسبتوه يمشي مقهور من أفعالكم؟

لم يُجبها أحد.
ظل الصمت معلقًا بينهم، وهي تنتظر جوابًا واحدًا يفسر لها ما يحدث، لكن صمتهما لم يمنحها شيئًا سوى المزيد من الغضب. كان كل ثانية تمر دون إجابة تزيد النار في صدرها، حتى انفجر ما تبقى من صبرها، وصرخت عليهما بصوت عالٍ:
ـ ما تردوا عليا! هو أنا مش بنتكم؟ أنا مش موافقة على الجوازة دي. وعزت ده مش حتة حداد فقير زي رضوان ومش متعلم ومحليتوش اللضى! هيجيب منين شقة في الزمالك ولا المعادي والشبكة اللي بالشيء الفلاني؟ هتقطموا ضهره إزاي وبأي طريقة زي ما عملتوا مع رضوان! انتوا بتعملوا معايا كده ليه؟ حرام عليكوا! رد عليا يا بابا.

أجابها الأب، محاولًا تهدئة الموقف قبل أن يزداد اشتعالًا:
ـ اهدي يا بت يا رباب، هيجرالك حاجة. أنا هفهمك على كل حاجة.

ردت رباب بعصبية، وقد كانت في أمسّ الحاجة إلى أن تفهم، لا أن تُطلب منها التهدئة:
ـ أيوه، أنا عايزة أفهم، أنا محتاجة أفهم! ده أنا لما برفض العرسان اللي معاهم فلوس متلتلة ومتريشين بتبهدلوني، ولما بيجي لي عريس على قد حاله انتوا بترفضوه، ولما جالي رضوان اللي أنا عايزاه قطمتوا ضهري وكسرتم قلبي بيه، جايين دلوقتي توافقوا على عزت؟ أنا عايزة أفهم إيه اللي بيحصل بالظبط!

رد الأب قائلًا:
ـ يا بت ما تصبري، ما أنا هتكلم اهو واحكيلك الخلاصة يا ستي.

قطعت حديثه زوجته، وأردفت بمكر وشماتة، وقد بدا على ملامحها أنها استمتعت بامتلاك الإجابة التي تنتظرها ابنتها:
ـ استنى أنت يا معلم، أنا هقول لبنتك كل حاجة، وكمان هريح قلبها وهجاوبها على سؤالها اللي محيرها. أصل بعيد عنك بنتك دي غبية وغشيمة، مش عارفة مصلحة نفسها.

ثم مسحت يدها بمحرمة من القماش، ورفعت عينيها إلى ابنتها، وقالت بتهكم، وكأنها تشرح لها أمرًا بديهيًا:
ـ عايزة تعرفي إيه الفرق يا بنت بطني؟ أنا هقولك الفرق. إن عزت يفرق عن رضوان. رضوان ياختي في رقبته اتنين، أمه وأخته، وبيصرف عليهم من وهو عيل صغير، وكفاية طالع بأخته السما ويصرف عليها كل مليم، قال إيه! عايزها دكتورة! يبقى يقابلني لو فلحت.

ثم توقفت لحظة، وكأنها تعترف على مضض ببعض ما لا تستطيع إنكاره، وقالت:
ـ هو إن جيتي للحق، رضوان واد شقيان وراجل جدع، مش هنقدر نقول حاجة، بس فوق كل ده رافع راسه لفوق ومعاند، وعنده كِبَر أعوذ بالله! مش عند حد، بس على إيه يا حسرة؟ أمال يا بت لو ما كانش أبوه حرامي وسوابق ومات بفضيحة في الشارع وسط أهل الحتة كلها، كان عمل فينا إيه!

ثم مالت قليلًا إلى الأمام، واسترسلت في شرحها، وكأنها وجدت أخيرًا الحجة التي تبرر بها ما فعلوه:
ـ أما عزت بقى، واد فرداني وبطوله، لا ليه أب ولا أم ولا حتى أخت تقرفه في الرايحة والجايّة. يعني هناخده بطوله تحت جناحنا، ونربيه من جديد، ونشكله على إيدينا براحتنا. وإن كان على الشقة، محلولة! أبوكي المعلم هيسكنوا في العمارة بتاعتنا هنا، يعني هيبقى تحت عينينا ليل ونهار. لا في يوم يقدر يرفع صوته عليك ولا يزعلك، ولو فكر يعملها، هنرميه رمية الكلاب في أقرب خرابة.

ثم ران عليها صمت قصير، وهي تبتسم بدهاء يتملكها، وكأنها راضية تمامًا عن خطتها. تنهدت، ثم قالت لابنتها بنبرة حاولت أن تجعلها حنونة، بينما كانت كلماتها تحمل في طياتها مزيدًا من القسوة:
ـ شوفتي يا رباب؟ شوفتي يا نور عين أمك؟ إحنا بنفكر في مصلحتك قد إيه! إحنا عايزينك تعيشي مبسوطة ومرتاحة، وكلمتك في البيت هي تكون الأولى والأخيرة. يا بت، ده إحنا بنشتري مصلحتك! هتعوزي أكتر من كده إيه؟ وإن كان على الحب ياختي، فعزت بكره تحبيه وتدوبي كده في دباديبه دوب، وبكره أفكرك.

لم يكن ما سمعته رباب مجرد كلمات عابرة؛ كان صدمة كاملة سقطت فوق قلبها دفعة واحدة.
هكذا تفكر أمها في مصير ابنتها؟
هكذا بكل بساطة رسمت لها مستقبلها، وحددت الرجل الذي ستتزوجه، وحتى تفاصيل حياتها القادمة، دون أن تسألها عما تريد أو تمنحها حق الرفض؟
ظلت واقفة مكانها للحظات، تنظر إليهما وكأنها تراهما للمرة الأولى. كانت الصدمة قد جمدت ملامحها، بينما اعتلت الحسرة قلبها، وغَطّى الحزن وجهها حتى بدا واضحًا في عينيها قبل أن تنطق به شفتاها.
راودها سؤال موجع: هل يُعقل أن يكون هذان الاثنان حقًا من أفراد عائلتها؟
فهم لم يتركوا لها حتى حق أن تختار حياتها، بل جعلوا من عمرها مزحة، ومن مستقبلها صفقة، ومن قلبها شيئًا يمكن أن يدخل في حسابات البيع والشراء. لم تكن لها قيمة في قراراتهم، ولا لرأيها مكان، وكأنها مجرد شيء يقررون أين يضعونه ومتى.
لم تستطع أن تقول شيئًا آخر.
استدارت وعادت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة، مكسورة الخاطر والقلب، وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الخذلان. وما إن أغلقت باب غرفتها خلفها حتى خانتها قدماها، فجلست أرضًا، وأسندت ظهرها إلى جانب الفراش، وانفجرت في البكاء والنواح.
كانت دموعها تنزل دون توقف، وكلما حاولت أن تهدأ عادت صورة رضوان إلى رأسها.
رضوان...
هل انتهى كل شيء حلمت به؟
هل انتهى الحلم قبل أن يبدأ؟
وهل علم رضوان بهذا الخبر أم لا؟
وعندما يعلم بهذا الأمر... ماذا سيفكر بها؟ هل سيظن أنها وافقت؟ هل سيظن أنها تركته بهذه السهولة؟ وهل سيعرف يومًا أن قلبها لم يختر سواه؟
كانت الأسئلة تنهال عليها بلا رحمة، وكل إجابة تتخيلها كانت تزيد وجعها بدلًا من أن تطفئه.
وفي ناحية أخرى، كان هناك قلب آخر يتلقى صدمة لا تقل قسوة...

لحظة من السكون، اندلعت عواصف الحياة في داخله، وبينما تتلاشى آماله، ألقى نظرة شجية، قائلًا: "لكن الأمل لا ينكسر، سأبني حلمًا جديدًا بقلبٍ قوي."
عندما عاد رضوان إلى منزله، ولج في صمت تام، متجهًا مباشرة إلى غرفته. أغلق عليه بابه، وجلس على فراشه، وظل ينظر أمامه في صمت، وكأن عينيه معلقتان بشيء لا يراه أحد سواه.
لم يكن الصمت حوله هو الهدوء الذي يحتاجه، بل كان صمتًا مثقلًا بما حدث. ظل جالسًا في مكانه، شاردًا، وكلمات عزت تعود إلى رأسه مرة تلو الأخرى، تطرق أفكاره بلا رحمة، وكلما حاول أن يدفعها بعيدًا عادت أشد وضوحًا.
وعندما تحدثت إليه والدته من خارج الغرفة، لم يجبها.
انتظرت لحظات، ثم أعادت النداء، لكن الصمت كان إجابته الوحيدة.
علمت أن هناك خطبًا ما، وأن ابنها الذي اعتاد أن يحمل همومه وحده هذه المرة يحمل شيئًا أثقل من أن يخفيه بسهولة، فاتجهت إلى ابنتها التي كانت تجلس على فراشها، تحدث صديقتها عبر الهاتف وتستفسر في أي وقت ستظهر نتيجة الامتحان.
لكن ما إن رأت أمها أمامها حتى أغلقت الهاتف سريعًا، ورفعت عينيها إليها تستمع لما تريد.
سردت لها أمها ما حدث، وما إن انتهت حتى ألقت حبيبة الهاتف على فراشها مسرعة، وقامت على عجل، واتجهت إلى أخيها.
طرقت الباب مرة، ثم مرتين، ولم يجبها رضوان.
بات القلق يعتلي قلبها، ووقفت للحظات أمام الباب تفكر. كانت تعرف أخاها جيدًا، وتعرف أن صمته بهذا الشكل ليس طبيعيًا، وأن هناك شيئًا يوجعه، لكنه لن يخبرها به بسهولة.
فكرت سريعًا في أن تجلب إليه شيئًا يحبه.
ذهبت إلى المطبخ، وأعدت له كوبًا من القهوة، وبجانبه بعض الحلوى التي يحبها، ثم عادت إليه بخطوات أسرع، وكأنها تخشى أن يزداد حزنه إذا تركته وحده طويلًا.
فتحت الباب، فوجدته جالسًا في مكانه كما تركته، بنفس السكون، وبنفس النظرة الشاردة.
وضعت ما تحمله بين يديها بجانب الفراش، ثم جلست أمامه، وأخذت تتأمل وجهه في صمت.
رأت الحزن في عينيه.
ولم يكن حزنًا عابرًا.
كان شيئًا أعمق، شيئًا لمس قلبه وأوجعه، حتى ترك أثره واضحًا على ملامحه.
حينها علمت أن أمرًا ما حدث له.
فكرت سريعًا في أن تخرجه من هذه الحال. لم تهتم الآن بما يفكر فيه، ولا أرادت أن تضغط عليه ليحكي، كل ما كانت تهتم به هو أن تعود الابتسامة إلى وجه أخيها مرة أخرى، ولو لدقائق.
مدت يديها، ووضعت إحداهما فوق يديه، ثم قالت بمزاح، محاولة أن تنتشل منه أي رد فعل:
ـ إيه يا عم رضوان؟ إيه يا عم الأسمر؟ داخل كده البيت من غير ما تعدي عليا ولا تسأل عن نتيجة أختك اللي كانت طالع عينيها ليل ونهار في دراستها؟ هو أنت مش عايزني أجيب درجات حلوة؟ مش دي آخر سنة في ثانوي، وحلم عمرك أدخل الطب؟ غيرت رأيك بقى ولا إيه؟

انتبه لها رضوان، وكأنه عاد من مكان بعيد، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
ـ معلش يا حبيبة، أنا كنت هعدي عليكِ، بس رجعت تعبان من الشغل ونفسي أنام.

حكت أنفها بتفكير، وكأنها ترفض حجته تمامًا، وقالت:
ـ لا نوم إيه ده بقى إن شاء الله؟ أنا مش هسيبك النهارده. أنت ناسي يا أستاذ ولا إيه؟

تنهد رضوان، وكبح ألمه؛ فهو يعلم أنها لن تتركه، وفي الوقت نفسه لم يكن يعلم ماذا نسي أصلًا. نظر إليها بحيرة وسألها:
ـ ناسي إيه أنتِ كمان! مش عارف بتتكلمي عن إيه؟
شهقت واتسعت عيناها، وضربت صدرها بيدها قائلة:
ـ يلهوي يا نهار أزرق! وكمان مش فاكر! لا يا رضوان، أبوس إيدك ركز معايا. أنت لو نسيت اليوم ده هتبقى مشكلة كبيرة بيني وبينك، وفيها حق عرب كمان!

نظر إليها مرة ثانية، وهو لا يعلم حقًا بماذا تقصد. ظل يفكر قليلًا، ثم قال:
ـ أنا عارف إن مفيش راحة! يكونش عيد ميلادك وأنا ما أعرفش! بس لا، أنا فاكر يوم عيد ميلادك كويس ولسه عليه بدري. طيب عيد ميلاد ماما؟ برضه لا... ولا حتى عيد ميلادي. ولسه أسبوع على ظهور النتيجة بتاعتك. إيه يا مجنونة أنتِ؟ هيكون في إيه يعني النهارده وأنا مش فاكره؟

وقفت على الفراش، ووضعت يديها في جنبيها، وقالت بزعل مصطنع:
ـ هي الحكاية بقت كده يا رضوان؟ هو أنا بيربطني بيك عيد ميلاد وبس! أنت بجد ناسي النهارده إيه؟ لا، حقيقي أنا مصدومة فيك! والله العظيم بجد مصدومة. أنا مش عارفة أعمل إيه! ألم هدومي وأروح عند مرات خالي العقربة، ولا مرات عمي الحرباية؟ أنا مش عارفة أروح فين! تروحي فين يا بت يا بيبو؟ آه يا أنا على حظي!

أغلق رضوان أذنيه بيديه من صوتها العالي، وزفر يأسًا من أفعالها، بينما عادت حبيبة وجلست مرة أخرى، ثم سألته:
ـ قولي يا رضوان، أروح فين وأجي منين لما أخويا مش فاكر النهارده إيه؟

ابتسم رغمًا عنه، وأردف إليها بلطف:
ـ يا بت، أعقلي واكبري بقى وانجزي وقولي النهارده إيه، وبعدين يا ستي هسيبك تروحي زي ما أنتِ عايزة.

رجعت إلى الخلف لتبتعد عنه بمسافة، خوفًا من رد فعله. كانت تعرف أن اليوم ليس بمهم، وأنه يوم عادي، لكنها ابتكرت هذه الفكرة فقط حتى تخرجه من بحر أفكاره، ولو للحظات.
ابتلعت لعابها، ثم أطلقت ضحكاتها العالية، وقالت:
ـ النهارده ماتش الأهلي والزمالك يا رضوان، وده يوم مش عادي!

ضحك رضوان، لكنه لم يكن يضحك على حديثها المراوغ، بل كان يضحك حبًا بأخته التي تهون عليه الصعاب. كانت نظرة واحدة إلى وجهها البشوش تعادل ألف نظرة من غيرها، فهي تعرف أنه ليس متابعًا جيدًا للكرة، ومع ذلك لم يرد أن يفسد محاولتها.
تنهد وقال:
ـ يا بنتي، خفة الدم مش بالعافية، دمك يلطش.

رفعت حاجبها معترضة على حديثه إليها، وأردفت بكبر مزيف:
ـ والله أنا واثقة في نفسي، وخفة دمي معروفة، وبشهادة المدرسين قبل صحابي. وبعدين أنا بس بفكرك، لا تكون نسيت ولا حاجة.

حل الصمت بينهما.
وللمرة الأولى منذ دخل رضوان إلى الغرفة، لم يكن الصمت ثقيلًا كما كان من قبل. أخذت حبيبة نفسًا عميقًا، ثم نظرت إليه مباشرة، وتخلت عن مزاحها حين شعرت أن الوقت حان لمواجهته بما تخفيه عيونه.
قالت بصوت أكثر هدوءًا:
ـ رضوان! أنت مش بس أخويا، أنت أبويا وصاحبي وكل دنيتي. فتحت عينيا ملقتش ولا شوفتش غيرك. بكبر على إيدك وحنيتك يوم بيوم، حفظتني وحفظتك. بتعرف إيه اللي عايزاه قبل ما أنطق بيه، وأنا كمان إحساسي بيك مش أقل من إحساسك بيا. يعني من رمشة عين أعرف إن كنت مضايق ولا لأ!

توقفت لحظة، وكأنها تحاول أن تنتزع منه الحقيقة دون أن تؤلمه، ثم أكملت:
ـ مالك يا رضوان؟ راجع ليه زعلان؟ وإيه اللي حصل مخليك مهموم كده؟ وحياة حبيبة عندك، ما تخبي عليا.
جاءت مواساتها في الوقت المناسب لدى رضوان.

كان يشعر أن الكون يضيق عليه، وأن صدره لم يعد يتسع لكل ما يحمله، وما إن سمع كلماتها حتى تذكر ما قاله عزت.
ارتسم الألم على ملامحه من جديد.
هو لن يقدر أن يخبر عزت أنه أحبها قبله.
ولن يقدر أن يفهم كيف وافقوا عليه، وهو لديه نفس ظروف رضوان.
ضاعت منه حبيبته إلى الأبد، ولم يكن يعرف كيف يتعامل مع تلك الحقيقة التي اجتمعت فوق قلبه في يوم واحد.
نظر إلى أخته، ثم أردف يقول بضياع:
ـ مش عارف يا حبيبة إيه اللي بيجرالي. حاسس إني في كابوس... كابوس مخيف مالوش ملامح ولا تفسير. عارفة! الدنيا دي الظلم فيها أكبر من العدل. ما تعرفيش مين الصح ومن الغلط، مين اللي ليه حق يزعل واللي يفرح. تحسي كده إن الدنيا دي بتستكثر الفرحة على الغلبان، واللي ماشي جنب الحيط تديله على قفاه، ولا يفرق معاها ده مكسور ولا مظلوم. ده معاه ولا مش لاقي... حاجة تخلي راحة البال مستحيلة.

لمست الحزن قلب أخيها، واغرورقت عيناها ألمًا عليه. كانت ترى أمامها رضوان الذي اعتاد أن يكون سند الجميع، وقد أصبح هو نفسه بحاجة إلى من يسنده.
تحدثت مواسية، وقالت:
ـ ومن إمتى رضوان أخويا بيكون باليأس والضياع ده؟ ومن إمتى بيهمه شيء في الدنيا دي غير أمه وأخته، وبعد كده اللي يجري يجري؟ المهم ضحكة أمه وأخته منورة عليه حياته. أنت على طول تقولي: ونزعل ليه والدنيا فيها حبيبة، مش ده كلامك؟ أنا بقى بقولك: وتزعل ليه والدنيا فيها رضوان؟

ثم ران عليها صمت قصير، وكأنها كانت تبحث عن طريقة أخرى تصل بها إلى قلبه، ثم أكملت:
ـ أنت مش رضوان أخويا. أنت واحد تاني بتحاول تأثر وتسيطر عليه وتبعده عننا، وتدخل اليأس قلبه واحدة واحدة. بس أنا مش هسمحلك تسيطر عليه؛ علشان أنا هَتبت في أخويا وأخليه معانا هنا، بحضوره وروحه وقلبه الأبيض. من إمتى! من إمتى يا رضوان وأنت شايل هم للدنيا دي أوي كده؟ أنت بتعمل اللي على كيفك واللي بييجي على بالك.

مسحت دموعها، ونظرت إليه، لكنه ظل صافنًا، غارقًا في أفكاره.
لم تستسلم.
كانت تعرف أن أخاها يحتاج الآن إلى شيء يخرجه من تلك الدائرة التي يدور فيها، فأرادت أن تداعبه مرة أخرى، وقالت بمرح:
ـ إحنا يا رضوان اللي بنضحك للدنيا حتى لو هي ادتنا ضهرها. هاكونا ماتاتا يا رضوان!

خرج عن صمته بعد تأثره بحديثها له، ونظر إليها متعجبًا مما تقوله تلك الشقية، وكيف أنها قادرة على تحويل المشاعر بهذه الطريقة!
ردد كلمتها بتعجب وقال:
ـ هاكونا إيه ياختي؟

حركت كتفيها وهي تقول بنبرة طفولية:
ـ هاكونا ماتاتا! أنا أفتكر مقولة قالها الشاعر الكبير تيمون ابن تايسون لـ سيمبا ابن موفاسا، وهو بيقول: لما الدنيا تديك ضهرها، أدي ضهرك للدنيا وقول: هاكونا ماتاتا.

مسح وجهه وهو يضحك، وشعر أن مزاجه تحسن قليلًا بفضل أخته الثرثارة التي نجحت، كعادتها، في انتشاله من حزنه ولو للحظات.
قال:
ـ طيب يا شاعرة هاكونا ماتاتا، وارتاحي، أنا بقيت كويس. المهم طمنيني عليكي، عاملة إيه في حياتك؟ وصحابك أخبارهم إيه معاكي؟
حملت حبيبة الصينية على حجرها، واحتست هي القهوة، وتناولت الحلوى بدلًا منه، وراحت تلوك الطعام وهي تقول:
ـ كل حاجة زي الفل وماشية عشرة على عشرة، وصحابي دول مفيش منهم؛ لأنهم أغبى مني، ودي حاجة كويسة؛ لأن كده مؤشر بيقول إني إن شاء الله هجيب درجات أعلى منهم.

رفع حاجبه متعجبًا، وأخذ منها قهوته، وقال محذرًا:
ـ والله أغبى ولا أذكى، مش هتنازل عن طب. فاهمة يا حبيبة؟

ابتلعت لعابها، ونظرت إليه وهي ترسم ابتسامة خائفة من تحذيره، وأرادت أن تغير الموضوع سريعًا، فقالت:
ـ اسكت يا رضوان، بمناسبة الطب افتكرت حاجة.

ـ حاجة إيه؟

ـ البت سجدة بتقولي: ما ينفعش أدخل طب من أدبي يا حبيبة؟ قلتلها: وماله ينفع، ولما تيجي تفتحي بطن العيان افتحيه بسيف الدين قطز!

ضحكا سويًا بصوت عالٍ، وشاركتهم زهرة ضحكتهم، فهي تعلم أن حبيبة هي الوحيدة التي تستطيع تعديل مزاج أخيها في وقت قصير.

في منتصف الليل، وفي غرفة السيد حسين الخاصة، كان يجلس على فراشه، وأمامه جهاز الحاسوب. ظل للحظات غارقًا في التفكير، وعيناه معلقتان بالشاشة دون أن يرى ما عليها، وكأن عقله كان منشغلًا بأمر آخر تمامًا. وبعد لحظات من الصمت، اعتدل في جلسته، ومد يده إلى هاتفه، ثم أجرى مكالمة هاتفية، وما إن جاءه الرد حتى قال بلهجة تحذيرية حازمة:
ـ اسمعني كويس يا علام، وتفهم اللي هقولك عليه. هبعتلك صورة واحد، واسمه. عايزك تقب وتغتطس وتجبلي كل كبيرة وصغيرة عن الشخص ده، فاهم؟

أنهى المكالمة دون أن يضيف كلمة أخرى، ثم ظل ينظر إلى الهاتف للحظات قبل أن يضعه جانبًا. بعدها أغلق حاسوبه ببطء، وأسند ظهره إلى الفراش، وظل ينظر أمامه في صمت وتفكير عميق، وكأن شيئًا ما بدأ يتحرك في الخفاء، شيئًا لم يحن وقت ظهوره بعد.

أشرقت شمس يوم جديد، وبدأت الحياة تعود إلى ضجيجها المعتاد، فكلٌّ ذهب إلى عمله، وانشغل الناس بأمورهم اليومية، بينما كان خبر واحد قد سبق الجميع وانتشر بينهم بسرعة البرق.
وأثناء مرور حبيبة في إحدى الزوايا برفقة صديقتها، التقطت أذناها حديثًا عابرًا من بعض المارة، وما إن فهمت ما يتحدثون عنه حتى تجمدت خطواتها في مكانها.
عزت ورباب!
سقطت حقيبتها من يدها دون أن تشعر، واتسعت عيناها في صدمة، وكأن الكلمات التي سمعتها لم تجد طريقها إلى عقلها بعد. ظلت تحدق أمامها للحظات، ثم هزت رأسها عدة مرات، وكأنها تحاول نفي ما وصل إلى مسامعها، وتمتمت ببعض الكلمات التي عكست صدمتها وعدم تصديقها:
ـ مستحيل... عزت ورباب!
أسرعت صديقتها إلى التقاط حقيبتها، بينما ظلت حبيبة واقفة للحظات عاجزة عن استيعاب الأمر. ثم حملت قدميها بصعوبة، وعادت إلى منزلها وهي لا تكاد ترى الطريق أمامها من شدة اضطرابها.
وما إن وصلت حتى ركضت وهي تبكي، واتجهت إلى أمها، وسردت لها ما سمعته. صُدمت زهرة هي الأخرى، لكن صدمتها لم تكن في رباب؛ فهي، في النهاية، كانت تعلم أن ابنتها ستتزوج من شخص آخر يومًا ما.
أما الذي أصابها في مقتل، فهو عزت.
عزت، صديق رضوان، ذلك الشاب الذي يكاد يكون أخًا مقربًا إليه، والذي لم تتخيل يومًا أن يكون هو تحديدًا الشخص الذي سيصبح زوج رباب.
وفي تلك اللحظة فقط، بدأت حبيبة تفهم سبب حالة أخيها بالأمس. فهمت ذلك الحزن الذي رأته في عينيه، والصمت الذي أحاط به، والكلمات التي عجز عن تفسيرها.
لقد كان رضوان يعرف.

انتظرت الأم وابنتها عودة رضوان من العمل، وحذرت زهرة ابنتها بشدة من أن تفعل أي شيء دون علم أخيها، مؤكدة لها أنها ستبرحها ضربًا ولن تسامحها إن تدخلت في الأمر من تلقاء نفسها، فهذا الأمر يخص رضوان وحده، وهي لا تريد أن تزيد وجعه أو تضع فوق قلبه ما لا يحتمل.
وعندما عاد رضوان إلى المنزل، حاولت زهرة أن تتحدث معه، لكنها توقفت. كان قلبها أضعف من أن يجرح ابنها بسؤال قد يعيد فتح جرحه من جديد، بينما لم تستطع حبيبة أن تتحمل الصمت أكثر من ذلك.
فجاءت بكل قوة وحسمت الأمر، وواجهته مباشرة، وسألته:
ـ إنت كنت عارف باللي حصل ده يا رضوان؟ عارف إن عزت اتقدم لرباب ووافقت عليه؟

تبدلت ملامح رضوان للحظة، وكأن السؤال أصاب موضع الألم مباشرة. حاول جاهدًا أن يحافظ على هدوئه، وألا يسمح لشيء مما بداخله أن يظهر أمامهم، ثم أخبرها:
ـ أيوه يا حبيبة، عارف.

اغتاظت حبيبة من هدوئه، وشعرت أن الأمر أكبر من أن يمر بهذه البساطة، فقالت بانفعال:
ـ عارف وسكت يا رضوان؟ يعني عزت صاحبك بكل دم بارد وبجاحة راح يطلب رباب اللي إنت كنت عايزها؟

رفع رضوان عينيه إليها، وكان واضحًا أن السؤال أشعل شيئًا بداخله، لكنه حاول السيطرة عليه، وأجابها بحدة:
ـ عزت ما يعرفش بأي حاجة من اللي حصل يا حبيبة، والموضوع ده اتقفل عليه خلاص. وسواء رباب هتتجوز عزت ولا غيره، الموضوع ما بقاش فارق لي.

ثم نظر إليهما، وابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الكلمات التالية كانت أثقل من أن تخرج من حلقه، وقال:
ـ وكمان الأسبوع الجاي هنزل مع عزت وهو بيشتري شبكة عروسته.
قالها وكأنه يعلن أمرًا عاديًا، لكن قلبه في الداخل كان يرفض كل حرف نطق به.
كان يعلم كل شيء، ويعرف أن عليه الوقوف بجوار صديقه في ترتيبات زواجه، حتى لو كان ذلك يعني أن يقف بقدميه أمام الشيء الوحيد الذي تمناه يومًا.
صُدمت زهرة وحبيبة مما سمعته، ولم تستطع حبيبة تحديد ما إذا كان ما تشعر به غضبًا أم خوفًا على أخيها. لكنها لم تصدق ما تفوه به، وكاد جنونها أن يسبقها عندما استوعبت أنه ينوي بالفعل الذهاب مع عزت لشراء شبكة عروسه.
اقتربت منه بغضب شديد بدا واضحًا على ملامحها، وقبل أن تتحدث، أشار رضوان إليهما محذرًا، وقال بحزم:
ـ ومش هنبه عليكِ يا حبيبة، لا إنتِ ولا ماما تفتحوا الموضوع ده قدامي تاني. حياتي مع رباب انتهت، وعزت ما يعرفش بأي حاجة حصلت، زائد إنه بيحب رباب من زمان، وهي من نصيبه. قُضي الأمر يا حبيبة، فاهماني؟

لم ينتظر ردًا منهما، واستدار وغادر المنزل، تاركًا خلفه أمًا وابنة عاجزتين عن إيجاد كلمة واحدة توقفه.
صعد رضوان إلى سطح البناية، وكأنه يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يختلي بألمه بعيدًا عن عيون الجميع. جلس هناك، ورفع بصره إلى السماء، وظل ينظر إليها في صمت، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه، وكل واحدة منها تحمل وجعًا جديدًا.
أما حبيبة، فلم تستطع أن تهدأ.
ظلت تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا، والغضب يشتعل في صدرها. كانت تريد أن تخرج عن صمتها، وتلقن عزت ورباب درسًا قاسيًا، فالغضب تجاههما كان يملأ قلبها، لكنها في الوقت نفسه كانت عاجزة عن اتخاذ أي خطوة، لأنها تعرف أن رضوان لن يسامحها إن تدخلت في الأمر دون رغبته.
ـ رضوان!
كان هذا نداء رباب.
كانت قد بحثت عنه ولم تجده، لكنها تعرفه جيدًا، وتعرف أن هناك مكانًا واحدًا يلجأ إليه حين تضيق به الدنيا ويحتاج إلى أن يختلي بروحه بعيدًا عن الجميع.
سطح البناية.
صعدت إليه بخطوات مترددة، وقلبها يخفق بعنف، وهي لا تعرف كيف سيكون لقاؤهما، لكنها كانت تعلم أنها لا تستطيع ترك الأمر معلقًا بينهما.
وما إن رأته جالسًا وحده حتى توقفت للحظات.
اغرورقت عيناها، واعتصر قلبها ألمًا، وهي تنطق حروف اسمه من بين دموعها:
ـ رضوان!
نظر إليها.
لم يتعجب من وجودها؛ فهي مجنونة ومتهورة، وتفعل أي شيء حين يتعلق الأمر به. لكنه أشاح بنظره بعيدًا عنها، مجاهدًا بكل ما يملك ألا ينفطر قلبه أكثر.
ثم قال بانزعاج من وجودها:
ـ مكانك مش هنا يا رباب، إنتِ في المكان الغلط، ولا عايزة الناس تجيب في سيرتك قبل خطوبتك يا... يا عروسة.

صر على أسنانه وهو ينطق كلمته الأخيرة.
عروسة.

كانت الكلمة وحدها كافية لتعيد فتح جرح حاول طوال الوقت أن يغلقه.
لم يكن يريد أن يحدث كل هذا. لم يكن يريد أن تتخبط حياته بهذا الشكل، ولا أن يشعر بهذا القدر من الألم، لكنه وجد نفسه واقفًا أمام حقيقة لا يستطيع تغييرها.
أما رباب، فلم تستطع السيطرة على دموعها أكثر، فسالت على وجنتيها بمرارة، واقتربت منه وهي تقول بصوت يقطعه الألم:
ـ حتى وأنا مش هبقى ملكك، لسه خايف عليا يا رضوان!

نظر إليها مغتاظًا، وقال بصوت جهوري:
ـ دي الأصول يا بنت المعلم صفوت.

وأكمل ساخرًا، محاولًا أن يخفي وجعه خلف سخريته:
ـ ولا يمكن جاية تعزميني على خطوبتك!

حركت رأسها نافية، بينما كانت دموعها تزداد، لكنه لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، وأكمل وهو منفعل:
ـ جاية ليه يا رباب؟ جاية تشوفيني وأنا مكسور؟ فاكراني إني هقع بعد ما عرفت إنك وافقتي على صاحبي! ومش بس صاحبي، ده يعتبر أخويا. وافقتي عليه علشان توجعيني يا رباب؟

بترت حديثه، واندفعت تبرئ نفسها وهي تقسم، وقالت بانفعال:
ـ أقسم بالله ما حصل، ولا وافقت ولا عمري هوافق، دانا مشوفتش راجل في حياتي غيرك. أهلي هما اللي غصبوا عليا ووافقوا على عزت من غير ما أعرف، وحياة ربنا، صدقني يا رضوان، أنا لسه زي ما أنا، مش عايزة غيرك.

أشار إليها بالتوقف عن الحديث، فهو لا يريد سماع كلمات تمنحه أملًا في أمر يعرف أنه لن يحدث، وقال:
ـ مش عايز أسمع منك كلمة تانية. خلاص، كل حاجة انتهت من يوم ما خرجت من بيتكوا. بس عندي سؤال واحد بس! سؤال مخلي دماغي هتتفرتك. وافقتوا عليه ليه وازاي؟ ده محلتوش حاجة زيي، ومش معاه حتى الابتدائية، ولا معاه يجيب أوضة واحدة ملك في الحارة هنا، وكان شرط أمك وأبوكي شقة في الزمالك والدهب شيء وشويات، لأ وكمان عايزين فرح محصلش، وكل ده ما يملكهوش عزت ولا أنا، بس هو اتوافق عليه وأنا اللي اترفضت. مش غريبة دي يا رباب؟

لم تجد رباب إجابة.
وقفت أمامه عاجزة عن تفسير ما حدث، بينما ظل السؤال نفسه يطارد رضوان. سكت لبرهة، وكأن عقله يحاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا لهذا الأمر، ثم رفع عينيه إليها، وأكمل حديثه بنبرة تحمل الشك والألم معًا:
ـ معقولة! معقولة تكونوا وافقتوا بعزت علشان تكسروني! لأنه صاحبي وحبيبي، وبيكون معايا اليوم بيومه، وبكره تتجوزوا وأنا لازم أحضر فرحكوا وأبارك وأهني صاحبي وأخويا، وأدخل بيته علشان أباركله هو ومرات أخويا!

ثم صرخ فيها عاليًا، فانتفضت من مكانها وفزعت من شدة انفعاله:
ـ مش كده يا رباب! مش ده اللي إنتِ وأهلك عايزينه! بتكسريني بيكِ ليه!

ركضت إليه لتبرئ نفسها، وقالت بصوت مرتجف:
ـ أبدًا والله العظيم أبدًا يا رضوان، وإنت عارف إني عمري ما أفكر في عزت ولا غيره. أقسم بالله ما طايقة أبص في وشه، صدقني، وحياة غلاوتك عندي، اللي قلتلك عليه هو اللي تم وحصل، غير كده لا.

أعطاها ظهره، وهو يتنفس بعنف.
لم يرد عليها.
كان غاضبًا حقًا، والغضب هذه المرة لم يكن منها وحدها، بل من نفسه، ومن الظروف، ومن كل شيء قاده إلى هذه اللحظة.
مسحت رباب دموعها، وحاولت أن تستجمع شجاعتها، ثم وقفت أمامه مرة أخرى، وقالت:
ـ أنا عندي حل هيريحنا كلنا يا رضوان.

نظر إليها مكشرًا ما بين عينيه، وانتظرها حتى تكمل.
ألقت ما في جعبتها، وقالت متوجسة:
ـ أنا وإنت نهرب من هنا ونتجوز.

اتسعت عيناه في صدمة، ولم يجبها.
فأكملت هي مترجية، وأمسكت بذراعه:
ـ أيوه يا رضوان، اسمع مني، مفيش غير الحل ده قدامنا. أنا فكرت كتير، والنتيجة إني بحبك وإنت بتحبني، وأنا وإنت كُبار مش صغيرين، يعني عارفين بنعمل إيه كويس. مادام أهلي مايهمهمش راحتي، يبقى أفكر فيها أنا، وأنا راحتي معاك إنت يا رضوان.

أزاح يدها بقوة، وأردف مندهشًا:
ـ إنت بتقولي إيه يا رباب! إنت اتجننتي؟ عايزاني أهـرب زي الحرامية وأتجوزك! ده اللي إنت بتفكري فيه وبس؟

واجهته دون خوف، وقالت:
ـ أنا مايهمنيش أي حاجة غير إني أبقى معاك.
رد عليها بحدة بالغة:
ـ طيب وعيلتك وسمعتك وأهل الحي كله هيقولوا عليكي إيه!

ـ يقولوا اللي يقولوه، أنا مايهمنيش حد غيرك. يلا يا رضوان، يلا نمشي ونهرب من هنا ونعيش مع بعض زي ما إحنا عايزين وحابين. مفيش وقت.

أنهت حديثها، وأمسكت يده محاولة جذبه معها، وقالت:
ـ يلا يا رضوان.
نظر إليها رضوان في صدمة.
في تلك اللحظة، أدرك إلى أي مدى كانت رباب مستعدة للذهاب من أجل رغبتها. لم تكن تهتم لأحد سوى راحتها، ولا تفكر في سمعة عائلتها، ولا في سمعة رضوان الذي حتمًا سيقول عنه الجميع إنه قد سرق، مثلما فعل أبوه.
لكن هذه المرة، لن تكون السرقة شيئًا ماديًا.
سيقولون إنه سرق فتاة، وسرق سمعتها، وجلب العار إلى عائلتها.
وهذه التصرفات لم تكن من شيم رضوان.
سحب يده ببطء من يدها، وقال بوضوح:
ـ مش أنا اللي آخد حاجة بالغصب وبالطريقة دي يا رباب.

نظرت إليه بصدمة، وسألته:
ـ قصدك إيه؟ إنت مش هتيجي معايا؟ إحنا لازم نتجوز ونحطهم قدام الأمر الواقع يا رضوان.

توهجت عيناه بالألم، وأجابها:
ـ قولتلك مش أنا اللي هاخدك غصب عن أهلك، وأكسر فرحة عزت وأصدم ناس كتير فيا. ولولا إني عارف إنك مش واعية للي بتعمليه وبتقوليه دلوقتي ده، كنت قلت عنك إنك ولا فارق معاكي حياة الناس اللي عايشة حواليكي.

نظر إلى عينيها بقوة، وكأنه يحاول أن يهزها من غفلتها، وأن يجعلها ترى الصورة التي لم ترها هي من شدة تعلقها به، وقال:
ـ خلاص يا رباب، كل حاجة انتهت وخلصت من زمان، وعمرك ما هتكوني ليا، ولا أنا هكون ليكي. خلصت يا بنت الناس.

نظرت إليه بمقلتيها الدامعتين، وهي تسأله بصوت مكسور:
ـ يعني إيه يا رضوان!

قبض على يديه محاولًا كبح ألمه، وقال:
ـ يعني تمشي من هنا ومترجعيش تاني. رضوان لما يحب ياخد حاجة، بياخدها بالأصول وبالتراضي، مش بلوي الدراع والفضايح وكسر العين.

حركت رباب رأسها ببطء، محاولة استيعاب ما قاله رضوان وفهمه.
لكن الكلمات كانت أثقل من قدرتها على الاحتمال.
أعطاها ظهره، مشيرًا لها بأن ترحل.
وقفت للحظات خلفه، تحدق في ظهره وكأنها تنتظر أن يلتفت إليها، أن يتراجع، أن يقول كلمة واحدة تنقذ ما تبقى منها.
لكنه لم يفعل.
فهبطت دموعها غيظًا وقهرًا؛ لأنها، للمرة التي لا تعرف كم عددها، تخسر كبرياءها أمامه، وتشعر بالإهانة على الرغم من أنها جاءت إليه بقلبها كله.
صرت على أسنانها غضبًا منه، ثم تركته وذهبت من حيث أتت.
كيف يمكن للزمان أن ينسيني لحظاتنا الجميلة؟ أين ذهبت تلك الوعود والعهود؟ كيف استطعت أن تتركني أرحل هكذا، وكأن كل ما كان بيننا لم يكن؟ لقد خذلتني، وتركت في قلبي وجعًا لن تنساه الأيام.
هبطت رباب من سطح البناية وقلبها مثقل بما لا تستطيع الكلمات حمله، بينما ظل رضوان في مكانه.
جلس بتهالك، وبدا جليًا أنه متعب ومحطم.
أسند جسده إلى المكان من خلفه، ورفع عينيه مرة أخرى إلى السماء، وظل ينظر إليها في صمت طويل.
لم يبكِ.
ربما لأن كل الدموع التي كان يستطيع ذرفها قد ذُرفت في داخله.
ظل قلبه وحده يتحدث، ويقول ما عجز لسانه عن قوله:
أحبك... لكنك لستِ لي.

مرَّ يومان، وأغمض الليل جفونه، ثم فتحت الشمس بريق عينيها لتنسدل أشعتها على الأرض معلنةً عن يوم جديد. كانت الحياة تستعيد حركتها شيئًا فشيئًا، وتنساب ساعات الصباح بهدوء، حتى دقّت الساعة العاشرة صباحًا.
استيقظت زاد من نومها على صوت سيارة في حديقة المنزل، ففتحت عينيها بتثاقل، وما زالت آثار النوم عالقة بملامحها. اعتدلت في فراشها، ثم وقفت في شرفتها تتطلع إلى الخارج، فرأت والدها يستقل سيارته ويغادر المنزل برفقة سائقه الخاص.
راقبته بعينيها حتى اختفت السيارة عن ناظريها، ثم تسلّل إلى قلبها شعور غريب بالاستفهام؛ فقد كان الأمر غير معتاد بالنسبة إليها، خاصةً بعدما أخبرها بالأمس أنه لن يذهب إلى العمل اليوم.
هبطت إلى الأسفل، واتجهت إلى أحد العاملين في المنزل، وسألته عن وجهة والدها، فأجابها الحارس بأنه ذهب إلى عمل خاص آخر، ولم يبلغ أحدًا منهم عنه.
ازدادت حيرة زاد.
وقفت للحظات تستعيد تصرفات والدها في الفترة الأخيرة، وتحاول أن تجد تفسيرًا لتلك التحركات الغامضة التي لم تعد تفهمها، لكن كلما حاولت أن تصل إلى إجابة، وجدت أمامها أسئلة أكثر.
عادت إلى غرفتها، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى تذكرت رسالة باسل منذ الأمس؛ فقد أخبرها أنه سيصل إلى القاهرة اليوم، واتفقا على أن يلتقيا غصون الساعة الرابعة عصرًا في أحد النوادي، ليتناولا وجبة الغداء سويًا.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، وكأن مجرد تذكر اللقاء بدّل شيئًا في ملامحها، وألقى في صباحها لمسة من البهجة.
ذهبت لتكمل نومها، لكن النوم لم يعد كما كان.
فقد استبدلت أفكارها هدوء الصباح، وبدأ عقلها ينشغل بسؤال واحد لا يتوقف:
ماذا سترتدي في هذه المقابلة؟
وعلى جانب آخر، أمام البحر والمياه العذبة، حيث يستمتع عصام وزوجته هالة بشهر عسلهما وبأوقاتهما معًا، بعيدًا عن ضغوطات الحياة اليومية التي اعتادا أن يحملاها فوق أكتافهما، بدت الحياة هناك أقل تعقيدًا وأكثر هدوءًا واسترخاءً.
كانا يحاولان أن يعيشا أيامهما الجديدة كما ينبغي، أن يستمتعا بكل لحظة دون أن يسمحا لمتاعب الحياة أن تتسلل إلى تلك المساحة الصغيرة التي صنعها شهر عسلهما لهما.
لكن الهدوء لا يدوم طويلًا دائمًا.
صدح هاتف عصام عاليًا، فالتفت إليه، وما إن رأى اسم المتصل حتى أمسك به ورد على الفور، مجيبًا بابتسامة اشتياق لأصدقائه.
وبعد أن اطمأنّا على بعضهما، بدأ صوت كريم يشوبه الضجر والاستياء، فشعر عصام أن هناك أمرًا أثقل مزاج صديقه، وسأله عما به.
لم يحتج كريم إلى كثير من الوقت ليسرد عليه ما أخبرته به زوجته إيمان بشأن عزت ورباب.
وما إن وصلت الكلمات إلى مسامع عصام حتى تبدلت ملامحه.
صُدم كريم حينها، أما عصام فشعر وكأن دلوًا من الماء البارد سُكب فوق رأسه، فلم يكن يتوقع أن يسمع خبرًا كهذا، ولا أن يكون عزت تحديدًا هو الطرف الآخر في الحكاية.
أكمل كريم حديثه، موضحًا أنه تواصل مع رضوان، محاولًا أن يتحدث معه عن عزت، وأن يخبره كيف أتته تلك الجرأة ليفكر في الزواج من حبيبة صديقه، إلا أن رضوان منعه، وأخبره بأن عزت ليس على علم بحبه لرباب، وطلب منهم جميعًا ألا يتحدثوا عن هذا الأمر مرة أخرى، وأن يفرحوا لصديقهم عزت.

ساد الصمت للحظات بين كريم وعصام.
كان القرار ثقيلًا عليهما، لكنهما يعرفان رضوان جيدًا، ويعرفان أنه حين يتخذ قرارًا كهذا، لا يترك لأحد مساحة للجدال معه.
كانت الحيرة تنتاب كريم وعصام، فلو أخبرا عزت بالأمر، فبالتأكيد سيخسران رضوان إلى الأبد.
كيف يمكن لهما أن يقفا بين صديقين، أحدهما لا يعرف الحقيقة، والآخر اختار أن يخفيها حفاظًا على صديقه؟

وفي النهاية، استسلما لقرار رضوان رغمًا عنهما، واختارا أن يلتزما الصمت، حتى لو كان ذلك الصمت يثقل صدريهما ويضعهما في موقف لم يتمنيا يومًا أن يكونا فيه.
أما رضوان، فكان في ورشة الحدادة، غارقًا في عمله بتركيز شديد، وكأن الحديد أمامه لم يكن مجرد مادة يشكلها بيديه، بل مساحة يفرغ فيها كل ما عجز عن إخراجه بالكلمات.
كان يجسد قدرته على تشكيل الحديد بمهارة وإبداع، يطرق عليه بقوة، ثم يتوقف للحظات، يعيد النظر فيما بين يديه، قبل أن يعاود عمله من جديد.
وفي أعماق عمله، كان يجد ذاته مغمورًا في بحر من الأفكار والتحديات، ينسج خيوط الحديد بأنامله بأسلوب يكشف عن عمق إبداعه وتفانيه في فن الحدادة.
لكن خلف كل ضربة من ضربات المطرقة، كان هناك وجع.
وخلف كل قطعة حديد ينحني لتشكيلها، كان هناك شيء آخر يحاول تشكيله داخل نفسه؛ قلبه الذي يحاول إجباره على تقبّل ما حدث، وعقله الذي يطالبه بأن يظل ثابتًا كما اعتاد أن يكون.
أتاه عزت ليخبره أنه سيذهب لشراء بعض الملابس التي سيذهب بها لشراء الحلي.
لم يجبه رضوان، واكتفى بحركة من رأسه تدل على موافقته، ثم عاد إلى عمله من جديد، وكأنه لا يريد أن يمنح نفسه فرصة للتفكير فيما سمعه.
كان يعرف أن عزت لا يعلم شيئًا.
يعرف أن صديقه جاء إليه بحماس رجل مقبل على الزواج، بينما هو يقف أمامه يخفي خلف صمته قلبًا مكسورًا.
لذلك لم يجد أمامه سوى الحديد.
طرق عليه بكل قوته، وكأنه يحاول أن يخرج من داخله كل ما كبته.
ذهب عزت، وبقي رضوان في الورشة برفقة الصبي.
ومرت دقائق قليلة، كان خلالها صوت المطرقة يتردد في المكان، حتى ولج عليهم رجل ذو شأن وهيبة.
دخل بخطوات ثابتة، وأخذ ينظر حوله بعينين مليئتين بالتعجب، وكأنه لم يكن يتوقع أن يجد ما يبحث عنه في هذا المكان.
ثم وقعت عيناه على رضوان، فوجده منهمكًا في عمله، غارقًا في شرف مهنته، لا يلتفت إلى ما حوله، ولا يبدو عليه أنه ينتظر أحدًا.
اقترب الرجل منه، وألقى عليه التحية.

توقف رضوان عن عمله، ورفع رأسه إليه، ثم رد التحية باحترام، وسأله عما يريده. ظل يراقب الرجل للحظات في هدوء، محاولًا أن يستشف سبب مجيئه إلى الورشه بنفسه، فملامحه لم تكن مألوفة له، وهيئته كانت تحمل من الوقار والثراء ما يجعله مختلفًا عن أغلب من اعتادوا التردد على المكان.
أما الرجل، فابتسم ابتسامة هادئة، وكأن لحظة تعريفه بنفسه كانت تحمل خلفها أمرًا أكبر مما يبدو، ثم قال معلنًا عن نفسه:
ـ أنا حسين المالكي، صاحب مجموعة شركات المالكي للتجارة والمقاولات، وكمان عندي مزارع لتربية المواشي وتصديرها خارج وداخل مصر.

فتح الصبي ممس فاه، وظل ينظر إليه في دهشة، فلم يفهم تمامًا ما قاله هذا الرجل الذي يبدو عليه الثراء والجاه، بينما اكتفى رضوان بابتسامة بسيطة لا تحمل أي انبهار، ورد عليه بلباقة قائلًا:
ـ أهلًا وسهلًا، وبسم الله ما شاء الله، ربنا يزيد ويبارك ويحسن ما بين إيديك يا باشا.

رد عليه حسين مبتسمًا، وقد بدا عليه أنه أعجب بطريقة رضوان البسيطة والمحترمة في التعامل:
ـ متشكر يا رضوان، مش ده اسمك برضه؟

تعجب رضوان، وانعقد حاجباه قليلًا، ثم أجابه على الفور، وقد بدأ الفضول يتسلل إلى نفسه:
ـ أيوه يا باشا، ده اسمي، بس متاخذنيش، يعني عرفت اسمي إزاي ودي أول مرة نتقابل فيها؟

وقبل أن يجيب حسين، تدخل الصبي ممس بفخر، وكأنه وجد الفرصة المناسبة ليظهر مدى معرفته بصديقه، وقال:
ـ عيب عليك يا أسطى رضوان، ده أنت باب وشباك، يعني أشهر من النار على العلم.

ضحك حسين من حديثه، بينما التفت إليه رضوان بنظرة تجمع بين الرضا والابتسام، ثم أردف إليه قائلًا:
ـ بطل غلبة يا ممس، واجري هات حاجة ساقعة منتج بلدنا للبيه، فاهم؟ وتكون متبرشمة.

ركض ممس لينفذ ما أمره به، بينما عاد رضوان بنظره إلى حسين، فما زال السؤال يشغله، وظل يبحث في ملامحه عن إجابة لم يجدها.
جلس حسين على الكرسي الذي جلبه له رضوان، ثم أجابه بهدوء:
ـ لو ركزت شوية في اسمي هتعرف أنا عرفتك إزاي؟

أمسك رضوان ذقنه، وأخذ يفكر، وعيناه تضيقان قليلًا وهو يحاول أن يسترجع أين سمع هذا الاسم من قبل، ثم قال غير مؤكد:
ـ والله أنا بتهيالي سمعت اسم المالكي ده قبل كده وكتير كمان، بس مش عارف سمعته قريب فين؟

ضحك حسين، وكأنه كان ينتظر منه أن يصل إلى الإجابة بنفسه، ثم سأله:
ـ طيب استسلم بقى وأنا أقولك على الخلاصة.
ارتسمت على وجه رضوان ابتسامة خفيفة، وهز رأسه نافيًا، ثم رد بثقة:
ـ الاستسلام ده للناس الضعيفة يا باشا، محسوبك غير أي حد، وبعون الله هفتكر، بس حضرتك اؤمرني، طلباتك إيه؟

زاد إعجاب حسين به، فقد بدا له أن هذا الشاب لا يستسلم بسهولة، ولا يسمح للظروف أو للمواقف أن تنتقص من ثقته بنفسه. لذلك ابتسم وقال:
ـ أنا عندي الشركة الأم مبنية من سنين طويلة، وعايز أعمل فيها شوية تغييرات في الديكور والشبابيك والبوابات والأشياء اللي تخص شغل الحدادة، فأنا جاي بنفسي علشان عايزك تمسك أنت الشغل ده وتسلمهولي في أقرب وقت.

رفع رضوان عينيه إليه باهتمام أكبر، وكأنه بدأ يدرك أن زيارة الرجل ليست عابرة، ثم نظر إليه جيدًا. وفي تلك اللحظة، لاحظ شبهًا ليس بكبير بينه وبين شخص يعرفه، فظل يحدق في ملامحه لثوانٍ، قبل أن يكشر عينيه ويسأله بشك:
ـ حسين المالكي، يكونش حضرتك تقرب للسيد نجيب المالكي؟ فيكوا شبه من بعض!
ابتسم حسين لفطنته، وأومأ برأسه بإعجاب، ثم قال:
ـ برافو عليك، أنا كنت فاكرك مش هتعرف توصل للإجابة بسرعة.

وما إن سمع رضوان الاسم حتى عادت إلى ذاكرته تلك الليلة بكل تفاصيلها؛ الفتاة التي أنقذها، وتهديد نجيب له، وإهانته، والمبلغ الذي حاول أن يعطيه إياه وكأنه يظن أن كرامة رضوان يمكن شراؤها بالمال.
تغيرت ملامح رضوان للحظات، وخفتت ابتسامته، وكأن ذكرى ذلك الموقف مرّت أمام عينيه من جديد، ثم قال بقسوة واضحة:
ـ يفتح الله يا بيه، شوفلك ورشة حدادة تانية تخلصلك شغلك.
تعجب حسين من رد فعله، فلم يكن يتوقع أن يرفض رضوان بهذه السرعة، فسأله:
ـ ليه بس يا رضوان؟
أجابه مقتضبًا، وقد عاد إلى هدوئه الظاهري:
ـ أنا معنديش وقت ومشغول.
فهم حسين ما يعنيه من تعابير وجهه، وأدرك أن رفضه لا علاقة له بالعمل نفسه، وإنما بما حدث في ذلك اليوم، لذلك لم يضغط عليه، بل حاول أن يلتف على رفضه بمراوغة لطيفة، وقال:
ـ وماله، شوف الوقت اللي تكون فاضي فيه وأنا معاك. أنا طبعًا لما روحت لنجيب أخويا زيارة وشوفت تحفتك الفنية في رسم البوابة للفيلا، أعجبت جدًا بيها، وجبت عنوانك وأصريت إن اللي هيجددلي الشركة هو أنت، مش حد غيرك يا سيد رضوان، ولو عاوز تخليني ماشي من هنا وواخد على خاطري منك، خلاص قولي: اطلع بره ورشتي يا حسين.

شعر رضوان بالضيق من نفسه، وأدرك في الوقت ذاته أن الرجل يفصل بين العمل والأمور الشخصية، وأن طلبه لا يحمل أي إساءة إليه. ظل صامتًا لحظات، ثم تنفس بعمق، وكأنه يحاول أن يضع ما حدث في الماضي جانبًا، ووافق معتذرًا للسيد حسين، واتفقا على أن يبدأ العمل من الشهر القادم.
أخرج حسين مبلغًا من المال كعربون، ومد يده به إليه، لكن رضوان نظر إلى المال ثم أعاده إليه دون تردد، وكأن الأمر بالنسبة له لم يكن بحاجة إلى إثبات بالمال، ثم قال مبتسمًا:
ـ مادام قولت لحضرتك إني هاجي، يبقى خدها مني كلمة وعهد إني هكون قدامك بالساعة والثانية زي ما اتفقنا، إن شاء الله.

توقف حسين للحظة أمام ذلك التصرف، ثم ابتسم بإعجاب صادق. لم يكن يتوقع أن يجد في هذا الشاب كل هذا القدر من الأمانة والاعتزاز بالكلمة، فمد يده وربت على كتفه، وكأنه يحيي فيه خُلقًا نادرًا قلّ أن يجده في هذه الأيام.

أعطاه بطاقة التعريف الخاصة به، مودعًا إياه، ثم غادر الورشة، تاركًا خلفه أفكارًا كثيرة تدور في عقل هذا الرجل؛ حسين يفكر في رضوان أكثر، وفي ذلك الشاب الذي أثار إعجابه منذ اللحظة الأولى.

وما إن ابتعد حسين حتى سمع رضوان صوت هاتفه داخل الورشة، فأخرجه سريعًا، وما إن رأى اسم أخته حبيبة حتى تبدلت ملامحه دون إرادة منه، وظهر على وجهه شيء من اللهفة؛ فربما كانت تحمل له خبرًا يسر قلبه، خبرًا انتظره طويلًا.
رد عليها مسرعًا، وقبل أن يسألها، جاءه صوتها صارخًا من شدة الفرح:
ـ نجحت يا رضوان؛ نجحت بتقدير ٩٧٪.

تجمد رضوان لثانية واحدة، وكأنه لم يستوعب الخبر من شدة فرحته، ثم اتسعت عيناه، وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه، وخرجت ضحكته من قلبه دون حساب.
يا له من يوم سعيد!
ويا لها من أخبار مبهجة جاءت في وقت كان قلبه في أمسّ الحاجة إلى شيء يفرحه.
شعر رضوان وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره، وكأن تعب الأيام كلها اختفى في لحظة واحدة أمام نجاح أخته التي لم تكن بالنسبة له مجرد شقيقة، بل كانت حلمًا يحمله على كتفيه منذ سنوات.
لم يكتفِ بالفرحة وحده، بل التفت إلى الصبي ممس، وما زالت السعادة تملأ وجهه، وأمره أن يقوم بتوزيع المشروبات على جميع أهل الحي، وكأن نجاح حبيبة لم يكن خبرًا يخص بيتهم وحده، بل فرحة أراد أن يشارك بها الجميع.
لقد نجحت حبيبة...
ونجح رضوان معها؛ لأنه لم يكن يرى نجاحها مجرد درجة على ورقة، بل كان يرى فيه ثمرة كل ما بذله من أجلها، وتحقيقًا لحلمها وحلمه الذي عاش يحمله في قلبه منذ أن قرر أن يجعلها تصل إلى ما تريده مهما كانت الظروف.
وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك في الدنيا كلها ما يستطيع أن ينتزع من قلب رضوان فرحته بأخته الغالية.


تعليقات