رواية عناد الصقر الجزء الثاني الفصل الثامن 8 بقلم نون


 رواية عناد الصقر الجزء الثاني الفصل الثامن 

سمعتوا يا ناس؟ سمعتوا ولا أعيد؟ كارما بتحبني حطوا ده في الجورنال وفي النشرة اوفي البيان الرئاسي كارما المهندسة اللي كانت بتعاملني كعفريت اعترفت إنها بتحبني


رجال زين تحركوا بتكتيك محكم فريقين من الجانبين وفريق من الخلف. الأضواء الكاشفة المثبتة على أسطح السيارات انبثقت فجأة لتكشف كل شبر حول المصنع، وصوت مكبر الصوت دوى بصوت رئيس الحرس
المبنى محاصر ارمو أسلحتكم وانبطحوا أرضاً! أمامكم ثلاثون ثانية 

لكن جابر لم يكن غبياً. كان يعلم أن زين سيأتي، بل كان يريده أن يأتي.  داخل المصنع، صرخ بصوته الأجش 

قولوا للصقر الصغير، لو راجل يدخل لوحده من غير سلاح! وإلا جدو الغالي هيرجعله في تابوت

أحد رجال جابر وضع فوهة مسدسه على صدغ عثمان والعجوز لم يرمش. فقط نظر للسقف المتهالك، وحرك شفتيه بدعاء صامت.

خارج المصنع، زين سمع الرسالة  رئيس الحرس أمسك ذراعه بقوة
زين بيه! ده فخ واضح! لو دخلت لوحدك من غير سلاح هيقتلوك

زين نظر له نظرة جعلت يد الرجل تسقط من تلقاء نفسها. كان في عينيه شيء يتجاوز الشجاعة.. كان فيهما يقين رجل مستعد يموت عشان اللي بيحبهم.

وضع المسدس على غطاء محرك السيارة. خلع حتى ساعته ووضعها فوقهم. ثم أخرج هاتفه.. وطلب رقم أيسل.

رنة.. رنتان.. 
ألو؟ زين؟! إنت كويس؟! سمعت صوت رصاص... زين

صوتها المرعوب المحشو بالحب جعل قلبه ينقبض انقباضة مؤلمة. أغمض عينيه وتنفس صوتها كمن يتنفس آخر نسمة هواء
 أيسل.. اسمعيني كويس.. أنا داخل أجيب جدي.. ومهما حصل جوه.. لو تأخرت.. أو لو.. لو محصلش ورجعت..

أيسل صرخت وهي تبكي
لا لا لا متقولش كده يا زين متكملش الجملة دي

زين بصوت مبحوح مليء بالعشق
خليني أكملها يا حبيبتي.. لو محصلش ورجعت.. ابننا يتسمى على اسم جدي "عثمان".. ويتربى على إيدين ست هي أقوى وأجمل وأعند واحدة في الدنيا.. إنتي غيرتي حياتي يا أيسل.. إنتي رجعتيلي الروح اللي كانت ميتة وأنا بحبك لآخر نفس فيا

أيسل انهارت تماماً على الأرض ومروان أخذ منها الهاتف بسرعة
يا ابن المجنونة... يا زين ...لو مت هنزل أقتلك تانى أنا كمان في قبرك ترجع سالم يا وحش ولا والله العظيم هخرب الدنيا انت فاهم

زين ابتسم ابتسامة حزينة أخيرة
خلي بالك من عيلتي يا مروان إنت أخويا

أغلق الهاتف.
وضعه فوق السلاح.
وتقدم وحيداً نحو باب المصنع الضخم.. أعزل.. بلا درع ولا سلاح.. فقط بجسده وروحه وكبرياء عائلة الرضوان.

فى نفس اللحظة
أيسل كانت على الأرض، تبكي بهيستريا، ونيرمين تحاول تحتويها لكنها هي نفسها تبكي. كارما كانت واقفة بجوار مروان، وجهها شاحب  ويدها تمسك ذراعه بقوة.

مروان بعد ما أغلق الهاتف، ملامحه تحولت كانت عيناه محمرتين وفكه مشدود بقسوة، والسلاح في يده يرتجف من شدة الغضب المكبوت.

كارما بصوت مرتجف
 مروان.. هو هيموت؟ 

مروان بلع الغصة في حلقه، ونظر لها بعيون لامعة
زين مش هيموت يا كارما.. زين بيرجع.. دايماً بيرجع.

كارما لم تتمالك نفسها.. أمسكت وجهه بيديها، ونظرت في عينيه بحب وخوف ورعب
أنا مش قادرة أخسر حد تاني في حياتي يا مروان.. وأنا مش قادرة أخسرك إنت.. سامعني؟ إنت

مروان نظر لها بذهول.. ثم فهم.. فهم أن كارما في لحظة الخوف والحقيقة، اعترفت بما كانت تهرب منه شهوراً.

أمسك يديها، وقبّل جبهتها بعمق
مش هتخسريني.. إنتي أصلاً لسه بتقوليلي انى بره السور.

كارما ابتسمت رغم دموعها
السور وقع يا مروان.. وقع من زمان.. بس أنا كنت بكابر

ضمها لصدره بقوة.. وللمرة الأولى كارما لم تقاوم.

فى روما - فندق "جراند بلازا"  الساعة 1:00 صباحاً بتوقيت إيطاليا

فريدة كانت نائمة في غرفتها ملتحفة بمعطف يوسف الذي لم تقدر على خلعه.. رائحته كانت تعطيها أماناً غريباً لا تفهمه.

رن هاتفها فجأة. فتحت عينيها بصعوبة ونظرت للشاشة: "مروان"
ردت بصوت ناعس

 مروان؟ الساعة كام عندكم دلوقتي..

مروان قاطعها بصوت حاد
فريدة! جدك عثمان اتخطف! وزين دخل المصنع لوحده من غير سلاح عشان ينقذه

فريدة قفزت من السرير كأن البرق ضربها. ركبتاها خارت تحتها ووقعت على الأرض، والهاتف سقط من يدها.
صرخت صرخة مكتومة خنقتها بيدها لكن الصرخة كانت أقوى من إرادتها.

باب الغرفة المجاورة انفتح بعنف
يوسف دخل وهو شبة نائم، شعره مبعثر، يرتدي فقط بنطال رياضي وصدره العريض مكشوف. لما شاف فريدة على الأرض بتبكي، قلبه وقف.

نزل على ركبتيه أمامها بسرعة
 فريدة مالك؟ حصلك حاجة؟

فريدة بالكاد تتنفس بين الشهقات
 زين! أخويا زين! جدي اتخطف وزين دخل لوحده! هيموت يا يوسف 

للحظة، تجمد يوسف 
يوسف أمسكها من كتفيها ورفعها عن الأرض بقوة، وأجلسها على السرير، وقال بصوت حاسم
اسمعيني! أخوكي واحد من أقوى رجالة مصر! لو كان رايح يموت مكنش هيخاطر ويدخل ده راجل عنده خطة متقلليش من أخوكي يا فريدة

نظرت له بعيون دامعة مذهولة
يوسف أمسك الهاتف ونظر فيه وبدأ يتصل بأرقام
أنا عندي ناس في مصر أقوياء ممكن يوصلوا الأقصر في ساعتين. هبعت تعزيزات لزين من طرفي أنا شخصياً.

فريدة نظرت له بذهول
إنت.. ليه هتعمل كده؟ إنت ملكش دعوة بعيلتنا

يوسف وقف ونظر لها بعيون سوداء تشتعل بعزيمة ونار

مليش دعوة؟ أنا من ساعة ما عرفتك وأنا ليا دعوة بكل حاجة تخصك يا فريدة.. عيلتك عيلتي وأخوكي أخويا..... وإنتي.

توقف فجأة.. كأنه أدرك أنه تجاوز الخط الذي رسمه لنفسه.

فريدة بصوت خافت بين الشهقات
وأنا إيه يا يوسف؟

يوسف ابتلع ريقه بصعوبة، وأدار وجهه

وإنتي.. اللوحة الوحيدة اللي مش قادر أفهمها.. بس مستعد أقضي عمري كله أحاول.

خرج من الغرفة وهو يتصل بأرقامه، تاركاً فريدة تحتضن ركبتيها وتبكي.. لكن هذه المرة، لم تكن تبكي من الخوف فقط.. كانت تبكي لأن رجلاً غريباً كسر كل أسوارها في لحظة واحدة.

فى المصنع
دخل زين من الباب الرئيسي وحيداً. خطواته ترددت صداها في المكان الفارغ. ضوء المصابيح الخافتة كان يرسم ظلالاً مشوهة على الجدران. 

عشرون مسلحاً صوبوا أسلحتهم نحوه. لكنه لم يتوقف. لم يرفع يديه. لم يظهر أي علامة خوف. مشى بنفس خطوته الواثقة التي يمشي بها في مقر شركته، كأنه يدخل اجتماع وليس عرين الموت.

جابر وقف أمامه مبتسماً ابتسامة انتصار كاذبة

أخيراً ...الصقر نزل من عشه من غير سلاح كمان شجاعة ولا غباء يا ابن كمال؟

زين وقف على بعد ثلاثة أمتار من جابر، ونظر خلفه ليرى جده مقيداً على الكرسي. التقت عيناه بعيني عثمان، وتبادلا نظرة واحدة.. نظرة فيها كل الكلام الذي لا تتسع له كل لغات الأرض.

ثم التفت زين لجابر ببطء، وقال بصوت هادئ 
هبدأ بسؤال بسيط يا جابر.. إنت عديت ولادي كام؟

جابر عقد حاجبيه باستغراب
إيه العبط ده؟

زين ابتسم ابتسامة ثعلبية
الرجالة اللي كانوا بره.. العشرين اللي كانوا بيحرسوا المصنع من الخارج.. روح شوفهم.

جابر أشار لأحد رجاله بعصبية. الرجل خرج، ولم يمر سوى دقيقة حتى عاد وجهه اصفر
يا باشا.. الرجالة بره.. كلهم على الأرض اتمسكوا.... مفيش حد فاضل

عيون جابر اتسعت بصدمة
إيه؟

زين تقدم خطوة أخرى، ابتسامته اتسعت
العشرين اللي جوه هنا دول بقى.. اللي فاكر إنهم بتوعك.. نصهم ناسي انا اللى بدفعلهم

بدأت الأسلحة تسقط من أيدي بعض الرجال.. عشرة منهم بالتحديد.. تراجعوا للخلف ورفعوا أيديهم
كان زين قد اشتراهم مسبقاً منذ يومين عندما علم بخطة جابر

جابر تراجع بخوف حقيقي لأول مرة
إنت.. إنت لعبت عليا من البداية

زين تقدم حتى أصبح على بعد ذراع من جابر، ونظر في عينيه بعيون كالجحيم المتجمد
أنا مالعبتش يا جابر.. أنا "الصقر" والصقر مش بيلعب.. الصقر بيصطاد. وإنت كنت الفريسة من أول يوم اتصلت فيه بيا.

ضرب زين يد الرجل الذي كان يصوب مسدسه على عثمان بحركة سريعة و التقط المسدس  بيد واحدة، ووجهه لوجه جابر.

قول الشهادة يا جابر.. مش عشان هقتلك.. لا.. أنا مش هلوث إيدي بدمك. قولها عشان حياتك القديمة خلصت. الإنتربول زمانهم على الباب، والتسجيلات الحقيقية بتاعت غسيل الأموال مع بنوك إيطاليا اتبعتت ليهم من ساعة

جابر نظر خلفه ليجد رجاله المتبقين يلقون أسلحتهم استسلاماً..

وفي تلك اللحظة بالذات.. أضواء سيارات الشرطة الدولية أنارت المكان من الخارج، وصوت مكبرات الصوت
المبنى محاصر! ألقوا أسلحتكم فوراً

زين وضع المسدس على الأرض ببطء، وتوجه نحو جده. قطع القيود وأمسك بالرجل العجوز بحنان مطلق.

عثمان نظر لحفيده بعيون تفيض بالدموع والفخر
قولتلك.. الصقر لما بينزل.. بينهش.

زين ضم جده لصدره بقوة، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة.. سمح لدموعه أن تسقط

مش هيقربلك حد تاني يا جدي.. ولا لأي حد من عيلتي.. طول ما أنا عايش.

فيلا طارق الرضوان بالقاهرة  الفجر

الهاتف رن.
أيسل التقطته بيدين مرتجفتين.. الرقم كان زين.

- ز.. زين؟

صوته جاءها هادئاً و مرهقاً، لكن حياً

جدي معايا يا أيسل.. وجابر في إيد الإنتربول. والصقر راجعلك.. زي ما وعدتك.

أيسل انهارت.. لكن هذه المرة من الفرحة.
صرخت بأعلى صوتها
رجع....زين رجع....جدو كويس

الفيلا كلها ارتجت....

 نيرمين صرخت "الحمدلله!" وسقطت على ركبتيها تركع شكراًلله... طارق ضم زوجته وبكى بحرقة الرجل الذي كاد يفقد كل شيء. مروان ضرب كف على كف وصرخ بكل قوته

انا قولت.. قولت الوحش ده مش بيموت.... يا كبير يا زين..

والتفت لكارما التي كانت تبكي وتضحك في نفس الوقت
شوفتي؟ قولتلك مبيموتش

كارما ضحكت ومسحت دموعها
يا اهبل.. يا مجنون.. أنا بحبك يا مروان 

مروان فتح فمه بذهول.. ثم صرخ بفرحة طفولية
سمعتوا يا ناس؟! سمعتوا ولا أعيد؟! كارما بتحبني..... حطوا ده في الجورنال..... في النشرة.....في البيان الرئاسي.... كارما المهندسة اللي كانت بتعاملني كعفريت اعترفت إنها بتحبني 😂

كارما ضربته على كتفه بضحك
هتفضحني يا حيوان

مروان ضمها لصدره بقوة وقبّل جبهتها
هفضحك في الدنيا كلها يا كارما عشان أنا مستني الجملة دي من يوم ما شوفتك 

وفى روما بقي
فريدة سمعت صوت خبط خفيف على باب غرفتها. فتحت لتجد يوسف واقفاً في بدلته الرسمية حليقاً ومرتباً، ويحمل صينية عليها إفطار  كامل وفنجان قهوة.

فريدة بعيون منتفخة من البكاء
إنت.. جبتلي فطار؟

يوسف بابتسامة هادئة
والأخبار الحلوة كمان. اتصلت بناسي في مصر.. أخوكي نقذ جدك، وجابر اتقبض عليه. عيلتك كلها بخير.

فريدة حطت إيدها على فمها بصدمة الفرحة، دموعها نزلت من جديد لكن هذه المرة كانت دموع ارتياح خالص. وبدون أي تفكير.. ارتمت في صدر يوسف 

يوسف اتصلب لحظة من المفاجأة.. ثم أغمض عينيه وضمها بذراعيه ببطء.. بحنان لم يعرف أنه يملكه.

فريدة فاقت على نفسها بعد ثوانٍ وابتعدت بخجل
- أنا.. أنا آسفة.. مكنش قصدي..

يوسف نظر لها بعيون مشتعلة بعشق قاتل
بس أنا قصدي.

وتركها واقفة مذهولة، ثم استدار ومشى وهو يقول دون أن يلتفت
المعرض بيفتح الساعة عشرة يا بنت الرضوان.. روما مستنياكي.. وأنا كمان

مطار الأقصر - بعد ساعتين

الطائرة الخاصة بعائلة الرضوان كانت تنتظر على المدرج. زين يحمل جده عثمان بنفسه من السيارة للطائرة، رافضاً أن يلمسه أي أحد آخر.

عثمان بصوت ضعيف لكن مبتسم
 نزلني يا ولد، أنا لسه رجل قوي

زين بابتسامة الحب اللامنتاهي
إنت بابا التاني يا جدي.. أنا مش هنزلك غير في السرايا، على سريرك، في أمان.

وبعد  أن صعد للطائرة.. أخرج هاتفه، واتصل بأيسل
جهزيلي فنجان قهوة....بفلفل أسود.

أيسل ضحكت وسط دموعها
يا مجنون.. يا حبيبي يا مجنون.


تعليقات