رواية فوق جبال الهوان الفصل الثمانون
في وقتٍ سابق، وقبل زيارتها للمشفى، كانت "وجدان" منزوية في غرفتها، رافضة الخروج منها، جلست على أريكتها المملوءة بالوسائد المريحة، تثني ركبتها إلى صدرها، وتتكئ بطرف ذقنها على يدها، ظلت عيناها الباكيتان معلقتان بنقطة وهمية في الفراغ، شردت في حياتها التعيسة، وفيما تعانيه من وجع قلبها. لم تدر وجهها نحو الباب عندما فُتح ليطل عليها "محروس" ومن خلفه "تفيدة".
تقدم ناحيتها يخاطبها في رنة من الاستعتاب الرقيق:
-مش عتجوليلي أخش؟
نظرت من طرف عينها تجاهه، وردت بصوتٍ حزين:
-دِه مُطرحك.
تكلمت "تفيدة" تستحثها على التخلي عن عنادها:
-خلاص بجى يا "وجدان"، سي "محروس" جاي بنفسه حداكي يراضيكي.
رد وهو يلتفت للحظةٍ ناحيتها:
-جوليلها يا "أم البنات"!
ثم عاود التحديق في وجه "وجدان"، ومـد يده ليمسك بذقنها ليجبرها على الاستدارة تجاهه، وسألها بنفس الصوت المعاتب:
-أهون عليكي؟
نفضت يده بعيدًا، كأنما تنبذها، وتحاملت عليه في لوعةٍ:
-ما احنا هونا عليك من زمن يا سيد الرجالة.
وكزها بخفةٍ في جانبها موضحًا:
-يا بـــه شغلي مخك الجِفل ده وافهمي، أني بعمل ده لأجل ما أنتقم من اللي لبستني العِمة وأني زي الدغوف مش دريان.
لم تشفع له مبرراتها، بل زادت من شعور الغضب لديها، فارتفع هدير صوتها وهي تلومه بلا مهابةٍ:
-تجوم تتجوز الخدامة يا سي "محروس"؟ خلاص الروس اتساوت!!!
جلس مجاورًا لها، وعلل أسبابه بصوته الجاد:
-جوازي من البت دي لأجل ما أكسر مناخير "أحلام"، دِه مالوش صالح بيكم.
هتفت في استنكارٍ حانق:
-وأهل البلد عيجولوا إيه؟ احنا إكده هنتفضحوا وسط الخلايج.
خاطبها بشيءٍ من الحدة:
-نتفضحوا ليه عاد؟ كني بعمل حاجة في الحـــرام؟ دِه جواز شرعي!
صاحت هازئة من تعليقه المستفز لمشاعرها كأنثى:
-وجايلي ليه يا عريس؟ مش الأولى توضبوا حالك.
وضع يديه على كتفيها، وشدد من قبضتيه لتشعر بقوتهما على لحم كتفها، قبل أن يميل نحو أذنها ليُحادثها عن قربٍ:
-ما جولتلك، جاي أخد بخاطرك يا بت الناس.
تمنعت عليه بانزعاجٍ واضح، إلا أنه رفض تركها، واستمر في تأثيره عليها بقوله:
-ما يهونش عليا أشوفك إكده، اطلبي مني أيتها حاجة وأني عنفذهالك فوريرة.
اشترطت عليه بتهكمٍ وهي لا تتوقع استجابته لمطلبها:
-رايدة رجبة مَرَتك "أحلام" تكون في يدي.
لكنها تفاجأت بقبوله عندما أعلمها:
-اعتبريها من النهاردة خدامتك، أبوها فاتها ليا، وماريدهاش ترجع داره.
سألته في تشككٍ:
-عتتحدت جد؟
مال نحو منحنى عنقها ليطبع قبلها صغيرة عليه وصوته الخافت يداعب أذنها:
-جد الجد يا مَرَتي الغالية.
لتعلق "تفيدة" على ما تشاهده من تجاذب بينهما بدعاءٍ:
-ربنا يهديكي يا "وجدان"!
كاد يتمادى "محروس" في تدليل زوجته الثانية أمام الأولى لولا أن لفتت انتباهه بوجودها، فصرفها متحججًا:
-بجولك إيه يا "أم البنات" روحي حضري الوكل لأجل ما أصالح "أم بوز" دي.
ردت بترحابٍ:
-عينيا يا سي "محروس".
فيما عاتبت "وجدان" زوجها على نعتها بهذا اللقب السخيف:
-عتتمألس علي؟ طب بَعد إكده!
قال وهو يمسد على جانبي ذراعيها بحنوٍ:
-بجلعك يا بــه!
بقليلٍ من المجهود استرد مكانته المحببة لديها، ليجذبها إليه مرددًا في تشوقٍ:
-تعالي في حضني، ده أني اتوحشتك جوي!
لبت دعوته بلا معارضة، فراح يمطرها بوافـــر قبـــلاته الطامعة الراغبة في قضاء ليلة عاصفة تهتاج فيها المشاعر وتبلغ أوج ذروتها.
.................................................
عودة للوقت الحالي، برزت عينا "أحلام" باتساعٍ مرتاع عندما سمعت اعتراف "وجدان" الخـــطير، ناظرتها عن هذا القربِ فوجدت شماتة منقطعة النظير، لتبتسم الأخيرة لها في خباثةٍ وهي تفصح عن خباياها:
-كل وَكلِك كان فيه ســم، وأني بنفسي اللي دستهولك، لأجل ما شوفك مَيتة...
تقوست شفتاها عن ابتسامة أكثر شرًا وهي تتابع مشيرة بسبابتها نحو بدنها العليل:
-بس رجدتك وإنتي عاجزة إكده أبرك بكتير، لأنك وَجَعتي إمعاي أني بالذات.
ارتعدت فرائصها من اللهجة المخيفة التي تتحدث بها، وسألتها بصوتٍ مرتعش رغم جهدها لتبدو متماسكة أمام تهديداتها السافرة:
-إنتي عتجولي إيه؟
وضعت "وجدان" يدها أعلى منتصف خصرها، وتغنجت في وقفتها قائلة بتفاخرٍ:
-سي "محروس" فاتك ليا، أعمل فيكي ما بدالي، وشوفي بجى أني عروق عليكي كيف.
ومدت يدها نحو ذراعها لتقبض عليها منه، فانتفضت "أحلام" صارخة في فـــزعٍ:
-بَعدي عني.
ظلت تجذبها بشــراسةٍ خارج الفراش، غير عابئة بالإبر الطبية الموصولة برسغها، ولا بمدى الألم الذي تعانيه، فقط توعدتها بما لا يبشر بأي خيرٍ:
-محدش هيرحمك من اللي عتشوفيه على يدي يا بت الـ....!!
تصارعت "أحلام" معها؛ لكنها في قمة ضعفها، وبالتالي استفزت قواها في وقتٍ وجيز، لتنجح في طرحها أرضًا، لحظتها صرخت من موجة الآلام الشديدة التي اجتاحت كل ذرة في جسدها الواهن، لتستمر "وجدان" في معاملتها بقســوةٍ وهي تدفعها لتنهض صائحة:
-اجفي على حيلك.
إلا أن "أحلام" قاومتها حتى الرمق الأخير، وصوتها الجريح يعلو:
-شيلي يدك من علي يا ملعونة إنتي.
كورت "وجدان" قبضتها وسددت لها ضربة قاســية على ظهرها جعلتها تنبطح من جديد على وجهها، لتتبع ذلك بركــلة أعـــنــف في معدتها، جعلت عصارتها تتقافز إلى جوفها، وهي لا تزال تتوعدها بتذوق المزيد من صنـوف العـــذاب:
-لساتك ماشوفتيش حاجة.
هي الآن تختبر -وبوحــشــيةٍ- الوجه القبيح لشخصية ضرتها اللئيمة، وعليها أن تصمد في مواجهتها. تركتها "وجدان" تتلوى على الأرضية، وخرجت لاستدعاء الغفير الذي تولى إنهاء المعاملات الرسمية بالمشفى، أحضرته إلى داخل الغرفة وهي تأمره:
-ساعدني يا واد أحط سِتك على الكرسي لأجل ما نخرجوها.
أدركت "أحلام" أن خروجها من هنا يعني ببساطةٍ هلاكها، فتشبثت بكلتا يديها بقائم الفراش المعدني، ونبرتها الصارخة تحذر:
-إياك تجربلي.
تردد في الاقتراب منها، ونظر بتحيرٍ إلى "وجدان" التي أمرته:
-اخلص يا واد، سيدك استعوأنا.
حتى لا تثير الجلبة في الأرجاء، وتنفيذًا لأوامر سيدته، تحرك الغفير نحو "أحلام"، حاصر رأسها بين كفيه القويتين الخشنين، وسدد لها ضربة عــنيفة بجبهته أفقدتها الوعي على الفور، ليقوم مضطرًا بحملها بعدئذ على كتفه، ووضعها بالمقعد المدولب، لتتولى "وجدان" دفعه نحو الردهة، ومنها إلى خارج المشفى، وداخلها مبتهج للغاية، لأنها تمكنت من الإيقاع بها بين براثنها.
........................................................
فور أن وصل إلى محيط المنطقة، استدل "غيث" على عنوان مسكن العمة تحديدًا من خلال بعض الإرشادات البسيطة من قاطنيها، ليتمكن من دخول الزقــاق الذي تعيش فيه وقد أبطأ من سرعة السيارة نظرًا لضيق المساحة وتزاحمها بالمارة والبضائع المعروضة أمام المحال التجارية، ليمـر من أمام واجهة محل كماليات السيارات، فانتبه "زهير" لتواجد تلك المركبة الغريبة بالأرجاء.
ما لبث أن تحفز في جلسته عندما كانت على مسافة قريبة منه، وحين توقفت أمعن النظر جيدًا فيمن يقودها، وجهه لم يكن بالغريب عنه، لقد رآه في وقت سابق، إلا أن النظرة العابرة التي طاف بها بشكلٍ تلقائي لمن تجلس بالمقعد الخلفي جعلت بدنه ينتفض، وقلبه يدق في عنفٍ، إنها هي .. ضالته المنشودة .. تبتسم في نعومة وهي متأنقة بحجابها الرقيق.
افتر ثغره عن صدمةٍ لحظية ليستوعب حقيقة وجودها بالفعل في محيطه، لكن تكشيرة عظيمة مصحوبة بنظرة مغلولة غطت كامل قسماته حينما وجد ذلك الغريب يبادلها الضحكات المستمتعة.
كاد يفقد رصانته، ويهب مندفعًا نحوها ليختطفها قســـرا، وتحت أعين الجميع. بأعجوبةٍ كبح جماح نفسه، وسيطر على أعصابه، ليدير جسده للجانب قاصدًا إخفاء وجهه المحتقن غضبًا عنها.
أمسك بهاتفه المحمول ليعبث بقائمة الاتصال بعجالةٍ، ثم وضعه على أذنه، واستطرد حين أجابه الطرف الآخر دون مقدماتٍ توضيحية:
-هننفذ دلوقت يا "خولي".
ليأتيه صوته مرددًا في امتثالٍ كامل:
-دقايق وهكون عندك يا كبيرنا.
حذره "زهير" مشددًا:
-مش عايز غلطة واحدة.
سمعه يقول:
-اطمن يا ريسنا، كله هيتم زي ما إنت عايز.
بحيطةٍ ملحوظة، التفت "زهير" ناظرًا نحو مدخل البناية، كان الأربعة في طريقهم للصعود إلى الأعلى بعدما اصطفت السيارة على بعد عدة أمتار منه. لم يضع في الحسبان مجيء ذلك الغريب معهن، لهذا أعمل عقله ليفكر في حيلة سريعة تدفعه لإزاحته عن طريقه ريثما ينتهي من تنفيذ خطته، فأخبر تابعه بغموضٍ:
-بس في حاجة زيادة هنعملها.
أكد له "خولي" بثقةٍ كبيرة اكتسبها من تجاربه العدائية في عالم الإجــــرام:
-وأنا جاهز للي تؤمرني بيه.
.......................................................
الحفاوة التي استقبلتهم بها كانت لا تقارن أبدًا بما يختلج صدرها حقًا من مشاعر الفرحة والسرور، خاصة وهي ترى ابنتي شقيقها الراحل في أحسن حال. ملأت "رضا" صحن "غيث" بالمزيد من الطعام الشهي، ودعته لتناوله بوديةٍ وألفة:
-دوق بقى عمايل إيدي وقولي رأيك.
قال ممتدحًا ما طهته من أجله:
-دِه كتير
أضافت بحماسٍ وهي تشير بيدها:
-والله لو بصحتي لأعملكم المحمر والمشمر.
ليرد في تشوقٍ:
-"دليلة" تبجى تدوجني وَكلكم.
نظرت تجاهه، وأردفت مازحة:
-ما تحطش أمل كبير.
غمز لها بطرف عينه معقبًا في عبثيةٍ:
-أني راضي بجليلي طالما منيكي.
تورد وجهها بإشراقةٍ نضرة من إطرائه الذي أخجلها إلى حدٍ ما، لتشيح بعينيه متطلعة إلى شقيقتها التي سألتها عمتها مستفهمة:
-وإنتي عاملة إيه يا "إيمان"؟ أمك حكيتلي على اللي عمله فيكي "راغب"...
خيم الصمت للحظاتٍ لمجرد الإتيان على اسمه، فما خاضته من معارك قضائية لتحصل على كامل حقوقها قد تركت آثارها المؤلمة في نفسها. قطعت "رضا" حاجز السكوت تنعته في سخطٍ:
-قليل الأصل، خسارتك فيه وآ...
غالبت "إيمان" الغصة التي تصيبها كلما تذكرت ماضيها المؤسف معه، وهتفت في شيءٍ من الحسم:
-مالوش لازمة نتكلم عنه، خلاص موضوعه اتقفل، مافيش داعي نفتحه.
استحسنت "عيشة" رد ابنتها قائلة:
-ربنا يكملك بعقلك يا بنتي ويعوضك بالأحسن.
لتتوجه "رضا" بكلامها إليها:
-وإنتي يا "عيشة" من هنا ورايح لازمًا تزوريني، أنا أعدة لواحدي ومافيش حد ياخد بحسي.
أومأت برأسها هاتفة:
-حاضر يا حبيبتي.
................................................
في تلك الأثناء، صعد أتباع "خولي" إلى العمارة، وقاموا بإنزال الصندوق الخشبي للطابق الذي يعلو منزل "رضا"، ليكونوا على أهبة الاستعداد لاقتــحام المكان حين يتم إخراج ذلك الرجل منه. اتخذ الجميع مواقعهم، وتواروا عن الأنظار، وكان من بينهم "زهير"، ليعطي إشارة البدء لأحدهم، فهبط درجات السلم متجهًا نحو باب شقتها. سحب نفسًا عميقًا، حبسته لهنيهة حتى أوشك على الاختناق، ثم لفظه دفعة واحدة ليبدو وكأنه يلهث. قرع الجرس، ودق على الكتلة الخشبية بقوةٍ وتعجل، فيوحي بذلك لوجود خطب ما.
حين فتحت "رضا" له الباب حتى بادر الفتى بسؤالها:
-حاجة "رضا" هي العربية المركونة قريب من العمارة تبعكم؟
لم يكن لديها أدنى فكرة عما يقول، فاستدارت تتساءل في تحيرٍ:
-إنتو جايين في عربية يا بنات؟
نهضت "دليلة" عن مائدة الطعام، وتحركت ناحيتها وهي تجيبها باسترابةٍ:
-أيوه بتاعة "غيث".
ليضيف الفتى في صوتٍ شبه لاهث متعمدًا إشعال الأجواء:
-أصل في عيال شُضلية ضاربين بودرة كسروا الإزاز والفوانيس اللي قدام.
سمع "غيث" ما تفوه به عن إلحاق الضرر بسيارته، فدفع مقعده صائحًا في زمجرةٍ غاضبة:
-نهار أبوهم أَسود!
حاولت "دليلة" اعتراض طريقه وإيقافه قبل القيام بشيء متهور:
-بالراحة يا "غيث"، بيقولك شاربين ومش في وعيهم.
لم يصغِ لتحذيراتها الخائفة عليه، وزعق في حدةٍ متوعدًا إياهم:
-دول لو أبالسة حتى، أني هطلع عينهم
عجزت "دليلة" عن منعه من الذهاب، وانتابها الخوف من تبعات صدامه مع هؤلاء المغيبين عن الوعي، فيما هتفت "عيشة" في توترٍ:
-استر يا رب.
لتضيف "إيمان" هي الأخرى باستنكارٍ:
-بجد اللي بيحصل ده كتير، مش معقول كده!
رددت "رضا" ويدها تشير نحو الشرفة:
-تعالوا نبص من البلكونة نشوف في إيه.
وكأن المشاكل تأبى ألا تتركهم، فكان ينقصهم هذا أيضًا! هرع الجميع نحو الشرفة، بينما تعرقلت "دليلة" أثناء ركضها في طرف السجادة، لتتعثر أرضًا، وتسقط المقعد معها، فتأوهت من الألم الذي أصاب ركبتها، وأخذت تفركها بيدها لتخفف من حدة الوجع.
..................................................،
من موضع اختبائه بالأعلى، تمكن "زهير" من رؤية ذلك الغريب يغادر المنزل مسرعًا، فانتصب في وقفته، وأرسل إشارته الأخرى لبقية رجاله باستدراجه بعيدًا عن المدخل، وتوريطه في شجار مفتعل لإلهائه لأطول فترة ممكنة، ثم هبط للطابق السفلي ووقف أمام الباب متحفزًا. طرق عليه بقبضته المتكورة، وتأهب للانقضاض عليها إن بادرت بفتحه.
وكأن كل الأسباب اجتمعت معًا وتهيأت لأجل تنفيذ خطته بحذافيرها، لحسن حظه لم تحاذر "دليلة" من المخاطر المتربصة بها، لتقوم بشكل بديهي بفتح الباب، فوجدها "زهير" تطل عليه بوجهها القلق ونظراتها المتوترة، فقد افترضت لوهلة أن "غيث" تراجع عن شجاره، لكن حينما التقت عيناها المضطربتين بصاحب زوج الأعين الخبيثة حلت بها صدمة عظيمة.
عرفته على الفور رغم هيئته المغايرة، وكيف لها أن تنسى من حول حياتها إلى جحيم وجعلها تسافر لأقاصي الأرض اتقاءً لشروره؟!
جمدت المفاجأة قدميها، وشلت تفكيرها كليًا، ظلت محدقة فيه بهذا التعبير المذعور المرسوم على وجهها والمعكوس أيضًا في عينيها، فقد كانت تلك الثواني التي مرت عليها هي الأكثر رعبًا في حياتها، لتجده يخاطبها في صوتٍ هادئ، إلا أنه دب الرجفة في أطرافها:
-أخيرًا وصلتلك.
قبل أن تستفيق من هول الصدمة، وتدفع الباب بيديها لتغلقه وهي تصرخ مستغيثة، كان "زهير" قد اندفع بكل قوته -وفي لمح البصر- تجاهها، ليكمم فمها بهذا المنديل الغارق في المخدر، ويده الأخرى قد التفت حول رأسها لتطبق عليها بإحكامٍ شديد.
لم تستطع الإفلات منه، وعجزت تمامًا عن صده ورده، بل إنها شعرت بقواها تخور، وبوعيها يغلفه الظلام، ليرتخي جسدها كليًا، فيتلقفها بذراعيه ويحملها خارج المنزل، حيث كان في انتظاره أتباعه بالصندوق الخشبي.
مددها بحذرٍ داخله، ووضع الغطاء فوقه، ليقوم الرجال بلف الحبال المتينة حوله فيضمن بقائها حبيسة به، وجه أمره النافذ إليهم:
-انزلوا أوام لتحت، مش عايز حد يحس بحاجة.
رد عليه "خولي" مومئًا برأسه:
-تمام يا ريس، بينا يا رجالة.
حملوا الصندوق على أكتافهم بانتباهٍ وتحركوا بخطواتٍ سريعة هابطين الدرجات، فيما أعاد "زهير" غلق باب المنزل بهدوءٍ، وانطلق في إثر البقية الذين سارعوا لوضعه بداخل عربة الربع نقل التي كانت بانتظارهم أمام المدخل.
استقل السيارة بجوار السائق، ودق على الكتلة المعدنية يأمره:
-اتحرك يالا.
استجاب لأمره غير المردود ليشق طريقه وسط الزحام السائد جراء المشاحنة المدبرة، ليلقي "زهير" بنظرته النــارية نحو "غيث" الذي كان مشغولًا بتسديد اللكمات لأحد المتطاولين عليه، لذا لم يره بطبيعة الحال.
أبقى عينيه عليه لأطول مدةٍ ممكنة حتى ابتعد عن مرماه، لحظتها فقط صــاح عاليًا، وموجات النشوة قد غمرته بعدما نجح في اختــطاف طريدته تحت أعين زوجها، فبدا وكأنه هزمه هزيمة ساحقة، ولا يزال ينتظرها الأســــوأ:
-الله ينـــور يا رجـــالة، هو ده الشغل ................................................ !!
