رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل التاسع والثمانون 89 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل التاسع والثمانون 

الفصل التاســــــــــع والثمانـــــــون
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

مِــن رَحــمِ الــغِــيــابِ تَــولــدُ الــقُــوة... وَفِــي أَعــمَــاقِ الــعــتــمــة ثَــمَّــةَ رُوحٍ تُــوشــك أن تُــزهــر
الــتــاســعُ والــثــمــانــون

لم تكن القرابةُ يومًا في الأسماء...

فكم من قريبٍ أبعدته الأيام، وكم من غريبٍ جعلته المواقفُ أهلًا.

لكنهم كانوا شيئًا آخر... شيئًا لا يحتاجُ إلى اسم.

إذا مال أحدُهم، امتدّت إليه أيدي الباقين قبل أن يسقط، بينهم عهدٌ خفيّ، وُلد معهم قبل أن يعرفوا معنى العهود.

ولعلَّ أجملَ ما فيهم... أنهم لم يكونوا متشابهين.

اختلفت طباعُهم، وتباينت طرقُهم، وكثرت بينهم المشاكسات... 

لكن حين يأتي الأمرُ إلى أحدهم، تسقطُ كلُّ الفوارق.

يعودون كما كانوا دائمًا... قلبًا واحدًا، وإن كثرت الأسماء.

وفي زاوية أخرى...

ثمّة حكايةٌ لا يعرفُ أحدٌ كم مرّةٍ انكسرت قبل أن تصلَ إلى هذه اللحظة.

حكايةُ أمنيةٍ طال انتظارُها، حتى صار انتظارُها أشبهَ بالاعتياد.

فبعضُ الأمنيات، حين يطولُ غيابُها، يتحوّلُ الأملُ فيها إلى وجع.

ثمّ يصيرُ الوجعُ صمتًا... ويصيرُ الصمتُ إيمانًا بأنَّ بعضَ الأبوابِ لا تُفتح، مهما طال الوقوفُ أمامها.

لكن...
ماذا لو أخطأ اليأسُ هذه المرّة؟

ماذا لو كان ما ظنّته مستحيلًا، يخبّئ لها القدرُ طريقًا لم تره من قبل؟

فالمستحيلُ ليس دائمًا نهايةَ الحكاية... أحيانًا، يكون مجرّد اسمٍ أطلقناه على أمنيةٍ تأخّرت.

وربما... كان عليها أن تتعبَ من الانتظار، فقط...

لتكتشفَ أنَّ بعضَ الأشياءِ تأتي حين نفقدُ آخرَ أسبابِ الرجاء.

وأنَّ ما ظنّت يومًا أنَّه لن يكون... لم يكن بعيدًا كما أقنعتها الأيام.

وصلت ضي إلى المكان الذي أُرسلت إليه الرسالة، فتوقَّفت في منتصف الطريق، وأخذت تتلفَّت حولها بقلقٍ شديد.
لم يكن هناك أحد.
سيَّارات متوقِّفة، طريق شبه خالٍ، وصمتٌ ثقيلٌ جعل قلبها يخفق بعنف.
وفجأة، ارتفع رنين هاتفها.
نظرت إلى الشاشة، فوجدت اسم بلال يضيء أمام عينيها، لم تجب..لم تستطع حتى أن تتنفَّس بصورة طبيعية، واكتفت بأن تتحرَّك بين السيَّارات، تبحث بعينيها في كلِّ اتجاه، لعلَّها تلمح أحدًا يوصلها إلى زوجها.
لكن لا شيء..ارتعشت شفتاها، وانهمرت دموعها دون أن تشعر.
رفعت الهاتف إلى أذنها، وما إن جاءها صوته حتى انهارت:
_بابا...
قالتها ببكاءٍ مكتوم، كأنَّها طفلة تبحث عن الأمان وسط كابوس لا تعرف كيف تستيقظ منه.
ابتعد أرسلان عن رجاله فور سماع صوتها:
_إيه يا حبيبة بابا؟ أنا معاكي.
شهقت وهي تحاول السيطرة على بكائها:
_أنا...أنا خرجت أدوَّر على يوسف..فيه حد بعت لرولا رسالة وقال لها تيجي هنا...بس مفيش حد، مفيش..مفيش حد!
تغيَّرت ملامح أرسلان، وأشار سريعًا إلى أحد رجاله:
_هات الجهاز.
أمسك الهاتف، وعيناه تتابعان الرجل وهو يفحص البيانات المرتبطة بالرقم.
_شوف لي التليفون ده...الرسالة جت له إمتى، ومنين بالظبط.
مرَّت لحظات بدت لأرسلان كأنَّها دهر.
ثم جاءه الرد..تجمَّدت ملامحه.
أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما وقد أدرك.. 
الرسالة لم تكن إلَّا طُعمًا.
اعتدل في وقفته، ومسح على رأسه بعنف، ثم عاد إليها بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا:
_ضي...ارجعي حبيبتي، ارجعي دلوقتي. أنا خلاص عرفت مكان يوسف.
سكتت.
ثم جاء صوت شهقتها من الطرف الآخر:
_هوَّ هيموِّته...
انكسر صوتها تمامًا.
_قالِّي هيموِّته يا بابا...قالِّي مش هيرجَّعوه...مش هيرجَّعوه ليَّا!
جلست على الرصيف، عاجزة عن حمل جسدها، وضمَّت الهاتف إلى صدرها وكأنَّها تتشبَّث بآخر خيطٍ يربطها بالأمان.
_يوسف...يا بابا، يوسف...
ثم أغلقت الهاتف، وغطَّت وجهها بكفَّيها، وانفجرت في بكاءٍ صامت، كان أشدُّ قسوة من الصراخ.
على بُعدٍ غير بعيد، كان أحد رجال معتز يراقب المشهد من زاوية مخفيَّة.
رفع هاتفه واتَّصل:
_باشا...مفيش غير البنت اللي بعتنا لك صورتها، التانية مجتش، وقاعدة عمَّالة تعيَّط.
ساد الصمت لحظات.
ثم جاء صوت معتز باردًا:
_فيه حد مراقبها؟
_لا يا باشا...بقالها نصِّ ساعة لوحدها، وفي الآخر قعدت تعيّّط.
ابتسم معتز ابتسامة ساخرة، وأراح ظهره إلى مقعده:
_طيب اعمل زي ما اتَّفقنا...وهاتها.
توقَّف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ تحمل شيئًا من الشفقة المريضة:
_مش مشكلة...ممكن تطلع ورقة مهمَّة.
ثم ابتسم وهو يضيف:
_أصلها صعبت عليَّ.
أغلق الهاتف، وألقى به فوق المكتب، ثم حدَّق في الشاشة أمامه.
كانت صورة إلياس تظهر أمامه، جالسًا في مكتبه برفقة فريدة.
اعتدل معتز في جلسته، ووضع ساقيه فوق المكتب، واتَّسعت ابتسامته شيئًا فشيئًا:
_إلياس...
خرج الاسم من بين أسنانه كأنَّه وعدٌ بالانتقام.
_وحياة أيَّامي السودة...لأعيِّشك إنتَ وعيلتك كلِّ أيامي اللي عشتها.
ثم ضحك ضحكة قصيرة باردة، بينما كانت عيناه لا تفارقان صورة إلياس:
_لسه اللعبة في أوِّلها...يا باشا.
عند ضي..
نهضت ضي من مكانها، بعدما خذلها الانتظار وفقدت آخر خيطٍ من الأمل. اتَّجهت نحو سيَّارتها بخطواتٍ مثقلة، وعيناها لا تزالان تبحثان في المكان، لعلَّها تجد أي أثرٍ يقودها إلى يوسف.
وقبل أن تصل إلى السيارة، اقترب منها رجلٌ غريب، مرَّ بجوارها متصنِّعًا اللامبالاة، ثم قال بصوتٍ خافت دون أن ينظر إليها:
_ لو عايزة جوزك...اركبي التوكتوك اللي واقف قدَّام الكشك، أي حركة أو غدر منك...هيموت.
تجمَّدت قدماها في الأرض.
لم تستطع حتى أن تلتفت إليه، توقَّفت تلتفت فوجدته ابتعد واختفى بين المارَّة وكأنَّه لم يكن.
جالت عيناها بالمكان في ارتباك، وقلبها يضرب بعنفٍ داخل صدرها، ثم ارتفع رنين هاتفها.
أخرجته بيدٍ مرتعشة، وما إن رأت اسم والدها حتى أغلقت عينيها لحظة.
فتحت الاتِّصال:
_ بابا...أنا عرفت مكان يوسف، هروح له.
جاءها صوته سريعًا، يحمل خوفًا حاول عبثًا أن يخفيه:
_ ضي، ارجعي البيت فورًا، متروحيش لأي مكان، فاهمة؟
ابتسمت رغم الدموع التي بدأت تتجمَّع بعينيها:
_ متقلقش عليَّا يا بابا...أنا لابسة السلسلة اللي حضرتك جبتهالي وأنا صغيرة، فاكرها؟
صمتت لحظة، وضمَّت كفَّها حول السلسلة الموضوعة فوق عنقها:
_ هدية منَّك...وأنا بحبَّها أوي.
اختنق صوتها، ثم همست:
_ بحبَّك أوي يا بابا.
وقبل أن يمنعها، أغلقت الهاتف.
ظلَّت للحظات تحدِّق في الشاشة، ثم رفعت عينيها نحو التوكتوك.
كانت تعرف أنَّها قد تكون ذاهبة إلى فخ.
لكنَّها لم تكن مستعدَّة لأن تخسر يوسف.
تحرَّكت نحوه.
ومن بعيد، كان الرجل الذي هدَّدها يراقبها بعينينِ باردتين..رفع هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا:
_ البنت اللي هتركب معاك خد تليفونها وارميه وقت ما تركب، امشِ من الطريق الزراعي، وبعدها غيَّر التوكتوك واركب عربية من أوَّل طريق الأسفلت...وبعد ما تخدَّرها، بلَّغني.
جاءه الرد:
_ تمام.
أغلق الهاتف، وعيناه لا تفارقان ضي.
توقَّفت أمام التوكتوك.
نظرت إليه طويلًا، ثم رفعت عينيها إلى سائقه.
أشار إليها بيده:
_ توكتوك يا مدام؟
أومأت.
صعدت، وجلست في الخلف، وجسدها يرتجف رغم محاولتها إخفاء خوفها.
رفع السائق عينيه إلى المرآة، بينما كانت ضي تحدِّق فيه بقوة، وكأنَّها تتحدَّاه ألَّا يحاول خداعها.
قالت بصوتٍ ثابت رغم ارتجاف أنفاسها:
_ ودِّيني عند جوزي.
لم يجب...تحرَّك التوكتوك، أخرج زجاجة صغيرة، ورفعها نحوها.
لم تفهم ما يحدث إلا بعد فوات الأوان.
تبدَّلت ملامحها، وحاولت الابتعاد، لكن فجأة رجلين كانا يجلسان إلى جوارها، أحدهما أمسك بها بقوَّة.
ارتفعت صرخاتها:
_ سيبوني! يوسف فين؟!
تعلَّقت أصابعها بمقبض التوكتوك، تقاوم بكل ما أوتيت من قوَّة..
قاومت حتى آخر لحظة...
حتى خذلتها عيناها، وبدأ العالم من حولها يتلاشى شيئًا فشيئًا.
آخر ما شعرت به كان يدها وهي تقبض على السلسلة حول عنقها.
وكأنَّها تتمسَّك بآخر شيءٍ يربطها بأبيها...
ثم غاب كل شيء.
هوى أرسلان يمسح على وجهه، فلقد أبعد ضي بسبب انهيارها، كيف خرجت رغم المراقبة؟ فتح شاشة المراقبة، وجد خروجها من منزل إلياس، ثم اتِّجاهها نحو سيَّارتها، ولكنَّها توقَّفت مستديرة إلى سيَّارة والدها. 
كوَّر قبضته وارتفعت أنفاسه، رفع هاتفه سريعًا:
_بلال...كلِّم آسر واعمل زي مقولت لك بالظبط.
عند أرسلان..
 قبل ساعات…
منذ عودتهم من رحلة الحج، لم يعرف أرسلان معنى الراحة.
جلس داخل غرفة المراقبة إلى جوار مالك، وأمامه عشرات الشاشات التي تعرض كل زاوية في الكمبوند.
من منذ أسبوعٍ كامل، وهو يتابع كل حركة.
كل سيَّارة تدخل..كل شخص يخرج.
كل تفصيلة صغيرة كان يمكن أن تقوده إلى معتز.
مرَّت الساعات، وهو في مكانه لا يتحرَّك إلَّا للضرورة، حتى بدت ملامح الإرهاق واضحة على وجهه.
قال دون أن يرفع عينيه عن الشاشات:
_ راقب تليفونات العيلة كلَّها، عايز كل تليفون تحت المراقبة...حتى تليفون والدتي.
نظر إليه مالك طويلًا:
_ بتفكَّر في إيه؟
أسند أرسلان ظهره إلى المقعد، ثم مرَّر كفِّه على وجهه بإرهاق، قبل أن يلتفت إليه:
_ رجَّع التلاتة اللي حقَّقت معاهم.
قطب مالك جبينه:
_ رجَّعهم؟
_ آه. اعتذر لهم بحجِّة إنِّنا حقَّقنا مع الكل، وإنِّ الموضوع كان إجراء احترازي.
ظلَّ مالك ينظر إليه للحظات، ثم فهم:
_ عايز تسيبهم يمشوا علشان يوصَّلونا لمعتز؟
هزَّ أرسلان رأسه ببطء:
_ لأ.
اقترب بجسده من المكتب، وقال بنبرة أكثر حدَّة:
_ عايز أعرف بيتعاملوا مع مين من الخدم الداخلي...وخاصَّةً خدم بيت إلياس.
صمت مالك.
تابع أرسلان:
_ مكتبه فيه جهاز مراقبة اتحط وقت انقطاع الكهربا، يعني اللي حطُّه كان عارف المكان كويس، وعارف إمتى يقدر يدخل من غير ما حد يشوفه.
رفع عينيه إليه:
_ أكيد حد من جوَّا.
تغيَّرت ملامح مالك:
_ قصدك إنِّ الياس متراقب؟
_ مش إلياس بس...
سكت لحظة، ثم قال:
_ معتز شخص أذكى ممَّا تخيلَّنا يا مالك، بيحسب كلِّ خطوة قبل ما يعملها.
وقف من مكانه، واتجه نحو إحدى الشاشات:
_ واللي يفكَّر إنُّه يخطف ابن الياس من بيته، وسط الحراسة دي كلَّها...مش هدفه الخطف وبس.
نظر إليه مالك بتركيز.
_ فهمتني؟
_ متوقَّع ده...خصوصًا إنُّه عايز يزن، زي ما كلِّنا فكَّرنا.
استدار أرسلان إليه:
_ الفكرة مش في يزن.
ثم ضرب بإصبعه على المكتب:
_ الفكرة إنِّ ده ابن كبير العيلة..شركة أمن، حراسة، شوشرة، وإصابة الياس نفسه...
صمت لحظة، ثم قال:
_ معتز عايز يضرب ثباته، عايز يخلِّيه يفقد اتِّزانه...وبعدها يبدأ يحرَّك كل حاجة زي ما هوَّ عايز.
ظلَّ مالك صامتًا، وكأنَّه يستوعب الصورة كاملة للمرَّة الأولى..
ثم قال:
_ عندي حل يا أرسلان...بس معرفش هتوافق عليه ولَّا لأ.
التفت إليه أرسلان:
_ قول.
أخذ مالك نفسًا عميقًا:
_ آخر فترة وإحنا بنراقبه، شفنا مكتبه ومكانه السرِّي، وشفنا صور للعيلة كلَّها.
توقَّف قليلًا:
_ بس كان فيه صورة لرولا هناك.
تجمَّدت ملامح أرسلان:
_ رولا؟!
_ أيوه.
اقترب مالك منه، وعيناه تراقبان ردَّ فعله:
_ الصورة كانت عليها علامات استفهام كتير...وإنتَ وقتها شفتها، وما ردِّيتش عليَّا.
صمت أرسلان.
قال مالك ببطء:
_ يمكن لو فهمت ليه معتز كان محتفظ بصورة رولا...أعرف أفكَّر هوَّ ناوي على إيه.
ظلَّ أرسلان ينظر إليه دون كلمة.
وفي تلك اللحظة، بدأ شيءٌ ما يتشكَّل داخل عقله...
_ تقصد إيه؟
قالها أرسلان، وعيناه لا تفارقانِ مالك.
تنفَّس مالك ببطء، وكأنَّه يعرف أنَّ ما سيقوله لن يعجب أرسلان:
_ ممكن أقولَّك كلام يزعَّلك...بس ده اللي حسِّيته..الراجل ده مهووس برولا.
تغيَّرت ملامح أرسلان في لحظة:
_ مهووس برولا؟!
_ أيوه، وإيه رأيك نوصل له عن طريقها؟
انتفض أرسلان من مكانه، وحدَّق فيه بغضب:
_ إنتَ اتجنِّنت يا مالك! عايز أودِّي رولا لمجرم؟! ده مجنون، وممكن يعمل فيها أي حاجة!
_ أنا متفهِّم خوفك...
قاطعه أرسلان بحدَّة:
_ ده مش خوف يا مالك! دي رولا! فاهم يعني إيه رولا بالنسبة لبلال؟ غير إنَّها بنت، أيوة ساعات تصرُّفاتها بضَّايقني، بس مستحيل أخلِّيها طعم، دي بنتي مهما كان.
أومأ مالك، ثم قال بهدوء:
_ بس إحنا مش هنرميها لوحدها.. هنكون معاها.
_ حتى لو!
اقترب منه مالك خطوة:
_ وبعدين...مفيش بنات بتشتغل في المخابرات يا أرسلان؟
رمقه أرسلان بنظرة ساخرة.
قال مالك: 
_ اعتبره وظيفة؟ أيوه..إنتَ لمَّا كنت شغَّال في المخابرات، البنات اللي كانت بتخرج معاك في المهمَّات...دول ما كانوش متجوزين؟
سكت أرسلان لحظة:
_ آه...بس دول كانوا مدرَّبين، وشغلهم أصلًا.
ابتسم مالك ابتسامة خفيفة:
_ بالعكس، أنا شايف رولا جريئة، وعندها ثبات، وهتقدر تنفِّذ...خصوصًا لو رمينا بلال كمان في الصورة.
عاد أرسلان بجسده إلى الخلف، ورمقه باستخفاف:
_ شكل الشغل وحشك يا مالك.
ثم أضاف بحدَّة:
_ بس إنتَ من كتر اشتياقك له نسيت إن في إيده يوسف، وعايز تبعت له رولا كمان؟
رفع مالك يده سريعًا:
_ لا، إنتَ فهمتني غلط..أنا مش بقول نبعت رولا.
توقَّف لحظة، ثم تابع:
_ أنا بقول نكون جاهزين...لأنِّي متأكِّد إنُّه هوَّ اللي هيستخدم رولا.
ساد الصمت.
اقترب مالك من شاشة المراقبة، وعيناه تتابعان حركة السيَّارات عند البوَّابات.
_ ركِّز في أفعاله واتِّصالاته..معتز مش بيعمل حاجة عشوائي، لو حط صورة رولا في مكانه السرِّي، يبقى وجودها هناك له سبب.
شرد أرسلان في كلماته.
ظلَّ صامتًا لثوانٍ، ثم أومأ ببطء:
_ هفكَّر في الموضوع وأردِّ عليك.
رفع عينيه إليه:
_ بس برضه لازم نفكَّر في حاجة... افرض إنُّه ما اتَّصلش برولا؟
_ تمام، هتواصل مع إسحاق، ومتقلقش..نشوف كلِّ الاحتمالات.
ظلَّ أرسلان بمكانه لفترة وهو يتابع كل ما حدث، ثم أخرج هاتفه واتَّصل ببلال:
_ بلال.
جاءه صوت بلال:
_ أيوه يا بابا؟
_ تعال غرفة المراقبة.
_ بابا، بس...
قاطعه أرسلان بنبرة لا تقبل نقاشًا:
_ تعال لي من غير ولا كلمة... 
وقف أرسلان أمام الشاشات، يراقب جميع مخارج الكمبوند.

بعد دقائق، دلف بلال وآسر إلى الغرفة، وجلسا أمامه بصمت.
كانت الدقائق تمرُّ ثقيلة.
كل دقيقة كان بلال ينظر إلى ساعته، حتى لم يعد يحتمل.
_ بابا...فيه حاجة؟
قبل أن يجيبه، فُتح الباب.
دخل الياس، وعيناه تدوران بين الثلاثة في تساؤل.
ظلَّ واقفًا لحظة، حتى قال أرسلان:
_ اقعد يا إلياس.
جلس إلياس ببطء.
كانت ملامح أرسلان هادئة على نحوٍ مريب.
ثم قال:
_ عرفت مكان يوسف.
تجمَّد بلال.
أمَّا إلياس فلم يتحرَّك.
فقط ثبَّت عيناه على أرسلان، وكأنَّه يعرف أنَّ العثور على يوسف لم يكن هو الجزء الأخطر.
_ فين؟
صمت أرسلان لحظة:
_ بلال وآسر همَّا اللي هيروحوا ينقذوه.
نظر بلال متسائلًا:
_ يعني إيه يا بابا؟
_ يعني إن معتز موجود في مكان ما يخطرش على بال حدّ فينا.
تبادل بلال وآسر النظرات.
تابع أرسلان:
_ المكان متأمِّن كويس...ومتَلغَّم كمان، الشرطة تقدر توصلُّه آه، بس لو دخلنا بالطريقة دي، أرواح كتير هتروح.
خفض صوته:
_ معتز مش عايز يهرب.
ثم رفع عينيه إليهم:
_ هوَّ عايز ينتقم، ياخد حقُّه بالطريقة اللي هوَّ شايفها.
قال آسر بقلق:
_ مش فاهم يا عمُّو.
_ عشان كده هنرمي له طُعم.
قطب آسر حاجبيه:
_ طُعم؟
نظر أرسلان إلى بلال:
_ محامي كارما..هوَّ نفس المحامي اللي بيتعامل معاه معتز.
اتَّسعت عينا بلال:
_ تقصد إيه يا بابا! إنِّ هوَّ السبب في موضوع كارما؟
_ بالضبط.
التفت أرسلان إلى إلياس:
_ دلوقتي فهمت ليه عملوا قضية كارما وبلال بالشكل ده.
صمت لحظة، ثم تابع:
_ أسامة مخُّه على قدُّه، لكن محاميه لعب بعقله وأوهمه بحاجات تخلِّيه يتحرَّك بالطريقة دي.
رفع إصبعه:
_ من ناحية...فضيحة لبلال وعيلة الشافعي..
 ومن ناحية تانية، يفهِّم أسامة إنِّ اللي بيحصل ده ممكن يكون طريق يرجَّع بيه مراته.
ثم نظر إلى بلال:
_ ومن ناحية تالتة...يعمل مشكلة بينك وبين رولا.
تغيَّر وجه بلال:
_ أنا ورولا؟
ثم نظر إليه بدهشة:
_ طيب رولا مالها بالموضوع؟
نهض إلياس فجأة، مقاطعًا أرسلان:
_ لأن رولا بنت يزن.
سكت الجميع:
تابع إلياس بصوتٍ أثقل:
_ ويزن هوَّ الشخص اللي معتز فاكره سرق فلوسه.
اتَّسعت عينا آسر..
_ ولمَّا مقدرش يوصل ليزن...كمِّل على آسر.
ثم نظر إلى أرسلان:
_ والباقي إنتَ عارفه...قالها إلياس بمغذى حتى لا ينتبه بلال وآسر لما يقصده
قال بلال، وقد بدأ الارتباك يتسلَّل إلى صوته:
_ طيب إيه الحل دلوقتي؟ أنا مش فاهم...
اقترب من أرسلان:
_ وإزاي هنوصل ليوسف، ما دام الموضوع بالصعوبة دي؟
صمت إلياس، منتظرًا الإجابة.
أمَّا أرسلان، فظلَّ واقفًا أمامهم، ثم قال ببطء:
_ مكتب عمَّك متراقب.
تجمَّد الجميع.
_ فيه جهاز تنصُّت.
شهق بلال:
_ إيه؟!
_ لقيناه...وسبناه مكانه.
_ ليه؟
_ علشان نعرف نوصل للمكان اللي بيتبعت له منه الكلام.
ثم أضاف:
_ لأن اللي حطّ الجهاز...موجود.
ردَّ  بلال بعدم تصديق:
_ يعني فيه خاين؟
رفع أرسلان عينيه إليه:
_ أمَّال الكمبوند كان هيخترق من غير خاين يا دكتور؟
ابتلع بلال ريقه:
_ لحظة بس...علشان أنا مبقتش فاهم حاجة.
تنفَّس أرسلان بعمق، ثم قال:
_ مش شغل قديم يا بلال.
نظر إليه بلال:
_ أمَّال إيه؟

اقترب أرسلان منهما بخطواتٍ هادئة، توقَّف أمام آسر، ثم قال ببطء، وكأنَّه ينتقي كلماته بعناية:
_ معتز...اسمه الحقيقي مايكل.
تجمَّد آسر لثوانٍ، ثم اتَّسعت عيناه وهو يسترجع حادثة رولا، وربط الخيوط ببعضها دفعةً واحدة..فهم الآن ما الذي كان أرسلان يلمِّح إليه، بينما انعقد حاجبا بلال، وظلَّت ملامحه عالقة بين الصدمة وعدم التصديق.
_ أنا مبقتش فاهم حاجة!
خرجت منه بعجزٍ واضح، فهزَّ آسر رأسه وهو يتمتم:
_ وأنا...والله ما بقيت فاهم حاجة.
أخذ أرسلان نفسًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ منخفض:
_ راجح هوَّ اللي فهِّمه إنِّ أبوك سرق منه كل اللي كان يملكه...وطبعًا هوَّ مشي ورا كلام راجح، وبدأ يخطَّط. 
يعني كل اللي حصل من البداية...مش حوادث منفصلة..
 هوَّ بقاله وقت طويل جدَّا بيحرَّك خيوطها من جوَّه بيتنا...مستنِّي اللحظة اللي يضرب فيها ضربته.
صمت لحظة، ثم أردف:
_ وصدَّقوني...الراجل ده أخطر بكتير من اللي متخيلينه.
ظلَّ الحديث مستمرًّا وقتًا طويلًا، تتكشَّف خلاله الخيوط واحدة تلوَ الأخرى، حتى بدأ كل شيء يبدو كأنَّه أجزاء من مخطَّط واحد مُحكم.
وبعد وقت، نهض إلياس من مكانه، وأسند كفَّيه إلى سطح المكتب، ثم نظر إليهم بنظرة صارمة:
_ عايز كلِّ واحد فيكم ما يتحرَّكش بتهوُّر مهما حصل.
تعلَّقت أعينهم به:
_ ومالك هيكون معاكم خطوة بخطوة. أنا مش عايز الشرطة تدَّخل مهما حصل، عايز اللي يرجَّع يوسف إخواته... أنتوا.
اشتدَّ صوته قليلًا:
_ عايز قوِّتكم تظهر..إحنا مش هنفضل موجودين طول العمر، وزي ما معتز ظهر مرَّة واحدة من غير سابق إنذار... محدش فينا عارف إيه اللي ممكن يحصل بعد كده.
ثم أشار إلى الأوراق أمامهم:
_ اسمعوني كويس وركِّزوا في كلِّ كلمة هقولها.
ظلَّ يشرح لهم الخطَّة لبعض الوقت، يضع الاحتمالات أمامهم، ويحدِّد لكلِّ واحد منهم دوره، حتى بدا على آسر أنَّه فقد القدرة على استيعاب المزيد.
قطب جبينه، ثم مرَّر يده فوق وجهه وقال بضيق:
_ أنا دماغي لفِّت، والمصحف ما فاهم حاجة.
ألقى أرسلان القلم فوق المكتب بعصبية.
أشار بلال إلى الأوراق وقال ساخرًا:
_ بالرَّاحة علينا يا باشا...أنا واخد الإعدادية المخابراتية بعلبة سجاير.
التفت إليه أرسلان بحدَّة:
_ إنتَ هتهزَّر يا حيوان؟
رفع بلال يديه باستسلام، بينما قال آسر وهو ينظر إلى أرسلان بجديَّة:
_ تمام...إحنا بنحاول نستوعب 
خلاص يا عمُّو...فهمت..وإن شاء الله هنكون عند حسن ظنِّ حضرتك.
نهض إلياس من مكانه، واتجه نحو الباب، وضع يده على المقبض، لكنَّه توقَّف قبل أن يخرج، واستدار إليهم:
_ أنا معاك يا أرسلان.
ثم التفت إلى بلال وآسر:
_ بس عندي تعقيب بسيط.
سكت لحظة، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:
_ أنا مش هقوله...بس مش عايز بكرة خبر ينزل غير إنِّ اللي أنقذ الدكتور وإخواته...إحنا، مش الشرطة.
اقترب بلال منه، وابتلع توتُّره قبل أن يقول:
_ أنا طبعًا تفكيري مش زي حضرتك إنتَ وبابا...بس بوعدك هنعمل كلِّ جهدنا.
رفع إلياس رأسه نحو أرسلان:
_ الغلطة فيها حياة ابني يا أرسلان... وأنا واثق في ذكاءك.
ثبَّت أرسلان عينيه عليه:
_ سيبها على الله...تابع أرسلان حديثه: 
_ بس زي ما قلت لك...لازم تاخد بالك، وتعمل اللي قولته بالظبط.
أومأ إلياس، وقال: 
_ اتأكِّد الأوَّل.
توقَّف إلياس، فنظر إليه أرسلان بثبات:
_ إلياس...إنتَ لسه قايل إنِّ الغلطة قصاد حياة ابنك..وحياة يوسف لازم تعدِّي المرَّة دي...لحد ما نرجَّعه.
ظلَّ إلياس ينظر إليه للحظات، ثم أومأ بعجز.
تحرَّك نحو الخارج، لكن قبل أن يغادر قال دون أن يلتفت:
_ ومش موافق على البنات...خلِّيك فاكر إنِّي قلت لك بلاش تدخَّل البنات.
قالها ثم خرج.
ظلَّ بلال واقفًا مكانه للحظات، ينظر إلى الباب المغلق، قبل أن يلتفت إلى والده:
_ عمُّو قصده إيه يا بابا؟
رفع أرسلان عينيه إليه، وظلَّت ملامحه جامدة، كأنَّها تُخفي خلفها شيئًا لم يحن وقت كشفه بعد.
_ ولا حاجة...

عند معتز..
كان يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا...فجأة دلف الرجل إليه: 
_مرات الدكتور جت، فاقت ومش مبطَّلة صريخ وحركة برَّة. 
_دخَّلوها بعد شوية...قالها واتَّجه إلى مقعده، رفع هاتفه:
_البنت وصلت المكان ولَّا لسة؟.
_وصلت يا باشا، ومعاها بنت تانية.

بعد دقائق معدودة، دخلت ضي.
توقَّفت عند العتبة للحظات، وأخذت تتفحَّص المكان بعينينِ ثابتتين، حتى استقرَّت نظراتها عليه..لم تستطع إخفاء اشمئزازها، فقالت ببرودٍ لاذع:
_زي ما توقَّعت...واحد مفكَّر نفسه حاجة، وهوَّ في الحقيقة ما يساويش حاجة.
ظلَّ معتز جالسًا، ينفث دخان سيجارته ببطء، قبل أن يرفع عينيه إليها:
_صوتك يا بت...هقصِّلك لسانك.
ابتسمت باستخفاف:
_طب لو راجل...تعال اعملها.
ضمَّ شفتاه بضيق، وتذكَّر للحظة مواجهته السابقة مع يوسف، ثم نهض من مكانه ببطء:
_عايزاني أعرَّفك أنا راجل ولَّا لأ؟
قالها وهو يمرِّر نظراته عليها بوقاحة، فاقتربت منه ضي دون أن ترمش، حتى وقفت أمامه مباشرة:
_لو فاكر إنِّ الرجولة بالقذارة اللي بتعملها، يبقى إنتَ عمرك ما عرفت يعني إيه رجولة..الرجولة مش إنَّك تخطف واحد وتهدِّد، تتخبَّى ورا ستَّات ورجَّالة وسلاح..عايز ايه من جوزي وبنت عمِّي يا حيوان؟. 

اشتعلت عيناه:
_اخرسي يا بت!
صاح بها وهو يقترب منها، لكن ضي لم تتراجع خطوة واحدة:
_ليه..كلامي وجعك؟ الحقيقة بتوجع اللي معندوش غير البلطجة يستر بيها ضعفه.
توقَّف أمامها، والغضب يأكل ملامحه، لكنَّها أكملت بثبات:
_أوعى تفكَّر إنِّي هخاف منك، ولا من رجالتك الصراصير دول..أنا بنت أرسلان الشافعي...وأبويا علِّمني إنِّ اللي يخاف من مجرم يبقى إدَّاله قيمة هوَّ ما يستحقَّهاش، علِّمني أقف في وش اللي قدَّامي، حتى لو الدنيا كلَّها واقفة وراه.
قهقه معتز محاولًا كسر ثباتها، لكنَّها عقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت باحتقار:
_اضحك بصوت واطي...علشان أعرف أفرَّق بينك وبين الكلب. 
انطفأت ضحكته دفعةً واحدة.
هبَّ من مكانه، وقبل أن يقترب منها، التقطت ضي آلة حادَّة من فوق مكتبه ورفعتها في وجهه:
_قرَّب خطوة واحدة...وهغرسها في قلبك أوعى تفكَّرني ضعيفة وجاية هنا أركع تحت رجلك..أنا ضي أرسلان الشافعي...وأنا لو خفت، مش هكون بنت الراجل اللي ربَّاني.
ثبَّتت عينيها في عينيه، ثم قالت ببطء:
_واسم أبويا مش تهديد...ده تحذير. لأنَّك لو لمستني، مش هتلاقي نفسك بتواجهني أنا بس.
ابتسم معتز بسخرية، وأخذ خطوة إلى الخلف:
_لا برافو...كلُّكم ناصحين، ونفس البوقِّين دول، هنشوف بقى الدنيا اللي بتوقف باسم أبوكي دي هتعمل إيه، لمَّا أجيبه هنا وأذلُّه قدَّامك.
ضحكت ضي بسخرية:
_أنا مستنية اللحظة دي، عايزة أشوفك واقف قدَّام أبويا، من غير رجَّالتك ولا سلاحك ولا المكان اللي مستخبِّي فيه، ساعتها بس هنعرف قيمتك، خايفة تتقلب فار.
ضرب معتز بيده على المكتب:
_طيب يا حرم الدكتور المصون، أنا معنديش وقت للستَّات التافهة..ووعد مني..هجيب أبوكي هنا، وهتشوفي مين اللي هيطلع فار.
ثم اقترب منها قليلًا وأضاف:
_ومش يمكن يكون له رأي تاني؟
رفعت ضي ذقنها، وقالت بثقة:
_تعرف إيه اللي هيحصل؟ 
 هيدوسوا عليك بجزمهم، ما هو دا قدرك.
وصل إليها بخطوة واحدة ولم يشعر سوى وهو يصفعها، وهي تغرس بجنبه الألة الحادَّة التي التقطتها، تصرخ بسبِّه: 
_حيوان. 
عادت للخلف بعدما غرسته، تنظر إلى ما فعلته بجسدٍ منتفض.
سحب الألة من جنبه، وألقاها على الأرض وتراجع يهوي على المقعد، يرمقها بغضب:
_هدفَّعك تمن دا غالي، متفكَّريش خفت منك ومن لسانك الطويل، محتاجك لسة إنتي وجوزك، علشان أذلُّهم بيكي. 
_والله إنتَ واحد مريض صعبان عليَّ، واللي مضايقني إنِّ أبويا أو عمِّي يقتلوك، دي تبقى خسارة ليهم... لأنُّهم لوِّثوا إيدهم بدم واحد مجرم زيَّك. 
رغم خوفها منه، ورغم ارتجاف جسدها، اقتربت خطوة وغرست عيناها بمقلتيه:
_بس أنا ممكن أبعدهم عن قتلك، لو سبتني أنا وجوزي. 
قهقه بصوتٍ مرتفع:
_يقتلوني...لا شاطرة.
صمت للحظات ينظر إليها ثم قال: موافق.
اعتدلت بوقفتها: 
_لا ما هو خسارة تاريخهم يبقى فيه دمَّك. 
رفع حاجبه بسخرية: 

_وإنتِ بقى اللي هتقتليني يا حلوة؟
اقتربت منه، ونظرت مباشرةً إلى عينيه:
_حلوة دي تقولها لبنت من اللي بتسهر معاهم..أنا مش واحدة من الستَّات اللي تقدر تخوِّفها بكلمتين. إنتَ مجرم، والمجرم مهما طال بيه الزمن، نهايته واحدة. 
ثم ابتسمت ابتسامة باردة:
_وياريت نهايتك تشرَّف...لا هتموت زي الكلب اللي مالوش صاحب.
انتفض غضبًا..وهو يمسك جنبه:
_بت...لسانك هقصُّه لك! ما بقاش غير الستَّات اللي ياخدوا معايا في الكلام! 
هقطع لك إيدك اللي حاولت تتمد عليَّ، على آخر زمني ست تضربني!.
_هعرَّفك إنِّ الستِّ اللي قدَّامك دي هتعمل فيك إيه. 
صاح معتز على رجاله، دلف الرجل الضخم أشار إليه بعنف:
_خدوها من هنا، خلِّيها تشوف جوزها...أهي تودَّعه.
استدارت ضي إليه قبل أن يتحرَّك الرجال نحوها، وقالت:
_الكلب اللي هيقرَّب مني هموِّته.
اقترب الرجال منها..فصاح  معتز:
_خدوها!
تحرَّكت معهم، لكن قبل أن تغادر، ألقت على معتز نظرة أخيرة:
_استمتع بوقتك...لأن الوقت اللي إنتَ فاكره في صالحك، هوَّ نفسه اللي بيقرَّب نهايتك.

خرجت ضي من الغرفة، بينما ظلَّ معتز جالسًا للحظات، يمسح وجهه بضيق، وهو يضغط على جنبه، ثم تمتم ساخطًا:
_إيه البتِّ دي؟!
في تلك اللحظة، دلف أحد رجاله، تبدو على ملامحه علامات التوتُّر:
_باشا...فيه حاجة غريبة لاحظناها في المراقبة.
رفع معتز عينيه إليه بحدَّة:
_إيه؟
تردَّد الرجل لحظة، ثم قال:
_البنت اللي جاية...مش مريَّحاني. عمَّالين يهزَّروا ويتصرَّفوا كأنُّهم رايحين رحلة، ولا كأنُّهم داخلين على مكان مليان رجَّالة مسلَّحين..البنتين دول مش طبيعيين.
انفجر معتز بضحكة قصيرة ساخرة:
_هيَّ دي رولي..شفت روحها حلوة إزاي؟
هزَّ الرجل رأسه بإصرار:
_باشا، أنا بقولَّك إحساسي مش مريَّحني من البنتين دول.
نهض معتز بغضب، وما إن استقام حتى وضع يده على جانبه، وقد انقبض وجهه فجأة من الألم:
_شوف لي دكتور...الحيوانة غزِّتني.
اقترب الرجل منه بقلق، محاولًا تفقُّد موضع الألم:
_الدكتور صعب نجيبه، هوَّ في الساحل، وأكيد العين عليه.
جلس معتز من جديد، وقد بدأ العرق يتصبَّب على جبينه، وأنفاسه تخرج ثقيلة.
_ما تشوف الدكتور اللي هنا ده.
ابتلع معتز ريقه:
_ده ممكن يموِّتني..
رفع الرجل عينيه إليه، وقال:
_نهدِّده بمراته..لو حصلك حاجة، هيَّ كمان هتدفع التمن.
أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى الخلف، محاولًا مقاومة الألم:
_ماشي...هاته، وجهِّز له الحاجة اللي هيطلبها، وخلِّي رجَّالتنا عينهم على مراته.
في الجهة الأخرى...
وصلت ضي إلى الغرفة التي يُحتجز فيها يوسف.
كانت الغرفة مطلَّة على مساحة واسعة من المزرعة، ويحاصرها عدد من الرجال المنتشرين حولها، يراقبون المكان بيقظة.
دفعها أحدهم إلى الداخل بعنف، فكادت أن تسقط على وجهها، لولا أن امتدَّت يدها سريعًا تستند إلى الجدار.
لكنَّها لم تهتم..لم تشعر بالدفع، ولا بالألم، ولا حتى بالخوف.
حين وقعت عيناها على زوجها، فهمست اسمه:
_ يوسف.
كان يجلس على أحد الأرائك الخشبية، يوليها ظهره، غارقًا في صمتٍ ثقيل، وعيناه معلَّقتان بشيءٍ بعيد. 
توقَّفت مكانها.
ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع.
خرج اسمه منها مرَّةً أخرى كأنها تستعيد به أنفاسها:
_يوسف...
تجمَّد جسدها للحظة..خطت نحوه خطوة.
ثم أخرى..
إلى أن أصبح  قريبًا منها إلى حدٍّ جعل قلبها يؤلمها.
وقفت خلفه تمامًا، لكن يوسف لم يشعر بها.
همست من جديد، بصوتٍ مكسور:
_يوسف...
تصلَّب جسده..أغمض عينيه بقوَّة.. خيِّل له صوتها...
كأنَّ عقله يعبث به..ربَّما من شدِّة الاشتياق، بدأ يسمعها حتى وهي ليست هنا.
لم يرد أن يلتفت.
لم يرد أن يسمح لنفسه بضعفٍ كهذا أمام رجالٍ يراقبونه، خصوصًا وهو يعلم أنَّ معتز قد يكون يتابعه عبر الكاميرات.
لكن شيئًا آخر سبق عقله.
رائحتها.
تسلَّلت إليه رائحتها التي يعرفها أكثر ممَّا يعرف نفسه.
فتح عينيه ببطء، وكأنَّ قلبه سبقه إلى وجودها..دنت أكثر الى أن وضعت كفَّيها فوق كتفيه، تهس اسمه مرَّةً أخرى.
هنا انهار كل شيء بداخله.
استدار بسرعة..تقابلت عيناه بعينيها الباكية حتى توقَّفت أنفاسه..يهمس: 
_ضي!..
خرج اسمها منه كأنَّه صرخة مكتومة من رجلٍ ظلَّ يقاوم الانهيار طويلًا.
لم تتحمَّل أكثر.
أطلقت شهقة ممزَّقة، ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه:
_يوسف!
ضمَّها إليه بقوة، قوَّةِ رجلٍ كاد يفقد عقله من شدَّة الخوف والاشتياق.
دفن وجهه في حجابها وأغمض عينيه، بينما ارتجفت ذراعاه حولها كأنَّه يخشى أن تكون مجرَّد حلم، وأن يفتح عينيه فلا يجدها.
بكت  في صدره بانهيار، تتشبَّث بقميصه بأصابع مرتجفة، وتستنشق رائحته بجوعٍ موجع، كأنَّها لا تعانقه فقط...
كأنَّها تستعيد روحها التي تركتها معه.
وهو أيضًا لم يكن أقل احتياجًا.
مرَّر كفِّه على ظهرها، يضمُّها إليه أكثر، ثم أبعدها قليلًا، وأمسك وجهها بين كفَّيه، يتفحَّص ملامحها بعينينِ امتلأتا بالقلق:
_إنتِ جيتي إزاي؟!
شهقت وهي تبكي.
اقترب منها أكثر، وصوته خرج غاضبًا رغم ارتجافه:
_الحيوان خطفك، صح..عمل فيكي حاجة، لمسِك؟!
هزَّت رأسها سريعًا، والدموع تنساب على وجنتيها:
_لا...
_أمَّال إزاي وصلتي هنا؟!
نظرت إليه وسط بكاءها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مرتجفة، كأنَّها لا تصدِّق أنَّها أخيرًا بين ذراعيه:
_أنا اللي جيت.
ظلَّ ينظر إليها لثوانٍ، عاجزًا عن استيعاب ما فعلته:
_مش فاهم 
قصَّت له ماصار.
 ثار عقله بالجنون، ليفقد عقله ويقترب منها، يطبق على ذراعيها صارخًا بها:
_إنتِ اتجنِّنتي، إزاي تعملي كدا؟!.
بكت من شدِّة ألمها من قبضته المؤلمة. 
_يوسف بتوحعني.
ابتعد يدور بالغرفة حول نفسه كالمجنون:
_أعمل فيكي إيه، متجوز واحدة غبية متخلِّفة. 
ازداد بكاؤها، فصاح غاضبًا:
_اخرسي...مش عايز أسمع صوتك، واحدة بلا عقل. 
صاحت ببكاء: 
كنت عايزني أعمل إيه، أنا كنت بموت، مش قادرة أتنفِّس، إيه هيموتِّوني، أنا بموت وإنتَ بعيد عني أصلًا...كدا كدا ميِّتة. 
وصل إليها بخطوة واحدة، وقبض على فكِّها بعنف، فلقد أفقدته عقله: 
_اخرسي يا غبية، إيه اللي بتقوليه دا!.
أغمضت عيناها من شدَّة آلامها، وانهارت دموعها..حتى انتفض قلبه عليها. 
ضمَّها فانهارت باكية أكثر بين ذراعيه وهوى جسدها تنزل بالأرض.. 
رفعها، وعاد بها إلى الفراش، جلس وأجلسها بجواره، ضمَّ وجهها يزيل دموعها بإبهامه وتبحَّر بعينيها: 
_بطَّلي عياط...فيه واحدة عاقلة تعمل اللي عملتيه؟.
_أنا مجنونة، وغبية قول زي ما تقول، المهم أكون معاك..
 يوسف مش قاردة أتنفِّس وإنتَ بعيد عني.

 أغمض عينيه، وأسند جبينه إلى جبينها، وكأنَّ قربها وحده قادر على إخماد ذلك الرعب الذي ظلَّ ينهش قلبه، خرجت منه زفرة طويلة، مثقلة بكلِّ لحظة عاشها:
_أقول إيه غير إنِّك مجنونة؟
ارتعشت ابتسامتها وسط دموعها، وهمست بصوتٍ خافتٍ يحمل حبًّا لا يعرف التراجع:
_بيك يا يوسف...ولو هياخدوا عمري، مش مهم.
فتح عينيه ببطء، ونظر إليها بألم، لم يكن غاضبًا منها بقدر ما كان خائفًا عليها...خائفًا من أن تصبح نقطة ضعفه التي يستطيع أعدائه النفاذ منها إليه.
_هيضعفوني بيكي يا ضي...ليه تعملي كده؟

اندفعت إلى أحضانه، فضمَّها إليه فورًا، وأحاطها بذراعيه كأنَّه يحاول أن يخفيها عن العالم بأكمله، ربت على ظهرها محاولًا تهدئة ارتجافها، حتى دُفع باب الغرفة فجأة.
انتفض يوسف، واستدار، ثم وقف أمامها بجسده، حاجزًا إيَّاها:
_إنتَ إزاي تدخل كده! أنا بكلِّم مين، واحد مجرم؟!
أشار الرجل بيده ببرود:
_مش عايز دوشة...الباشا عايزك.
ضحك يوسف بسخرية خالية من أي خوف:
_أنا ما بروحش لحد...اللي عايزني يجيلي.
اقترب الرجل خطوة، ثم قال ببرود أشد:
_هتمشي معايا...ولَّا ناخد مراتك ونتسلَّى بيها؟
تجمَّد يوسف..كأنَّ الكلمات لم تمر عبر أذنيه، بل اخترقت صدره مباشرة.
اشتعلت عيناه، وتيبس فكَّه، وشعر بنيرانٍ حارقة تلتهم أحشائه، للحظة..لم يعد يرى أمامه سوى ذلك الرجل...ولم يعد يسمع سوى جملته وهي تتردَّد داخل رأسه.
تقدَّم نحوه خطوة، وقال من بين أسنانه:
_طب قرَّب...وشوف هعمل فيك إيه.
ابتسم الرجل باستخفاف:
_ما بلاش...وترجع تعيَّط.
_عجبك كده؟
خرجت الكلمات من بين أسنانه كأنَّها تهديد أخير قبل أن ينفجر.
ثم استدار إليها، وعيناه تحملان عجزًا موجع: 
_من أوَّل ما جيت، ومحدش اتجرَّأ يقرَّب مني...شوفتِ كسرتيني إزاي؟
انخفضت عيناها، وارتجف صوتها:
_آسفة...مكنش قصدي.
ظلَّ ينظر إليها للحظات، وكأنَّه عاجز عن لومها رغم كل ما يعتمل داخله.
جاء صوت الرجل من خلفه:
_هفضل مستني جنابك قدِّ إيه؟
أخذ يوسف نفسًا عميقًا، ثم اتَّجه إليها. أجلسها برفق على المقعد، وعدَّل وضع حجابها بيدٍ مرتعشة، قبل أن ينحني ويطبع قبلة طويلة فوق رأسها:
_خلاص...بطَّلي عياط، هشوف الحيوان ده عايز إيه.
أمسكت كفَّيه سريعًا:
_ما تسبنيش.
نظر إلى أصابعها المتشبِّثة بيده، ثم رفع عينيه إليها.
ربت على كتفها بحنان، وقال بثبات يخفي خلفه خوفًا هائلًا:
_ما تقلقيش...شوية وراجع.
ترك يدها ببطء، وكأنَّ انتزاع كفَّها من كفِّه كان أصعب عليه من مواجهة أي رجل ينتظره بالخارج.
بقصر الجارحي..
اقتربت دينا من عمران تحمل فنجان قهوته، وضعته أمامه بهدوء:
_عملت لك قهوة...لو فاضي ندردش شوية.
رفع عمران عينيه إليها، ثم اعتدل في جلسته وأومأ:
_اتفضلي يا ماما.
طالعته للحظات، ثم تنهَّدت:
_هتفضل زعلان لحدِّ إمتى؟
عقد حاجبيه:
_أنا مش زعلان...مين قال لحضرتك؟
_عمران، إنتَ تقريبًا مبقتش تقعد معانا.
ابتسم ابتسامة باهتة:
_ماما، لو سمحتي...أنا كويس، ومش زعلان.
وقبل أن تكمل حديثها، شقَّ سكون المكان صوت بكاء.
التفت الاثنان في اللحظة نفسها.
كانت شمس تقترب منهما بخطواتٍ غير مستقرَّة، تبكي بحرقة، وتنادي باسم أخيها، وهيأتها يُرثى لها..خصلاتها مبعثرة، وثيابها المنزلية كما هي، ووجهها غارق في الدموع.
نهضت دينا مسرعة:
_شمس! حبيبتي...مالك؟
لكن شمس لم تجبها، وكأنَّها لم تسمع سوى صدى الخوف داخل رأسها.
_عايزة أروح بيت بابا دلوقتي!
توقَّفت دينا أمامها، أمسكت بكتفيها:
_طيب اهدي يا حبيبتي...
هزَّت شمس رأسها بعنف، وانفجرت باكية:
_أخويا مخطوف! مخطوف من مجرمين...ليه خبِّيتوا عليَّا، ليه محدش قالِّي؟!
تجمَّد عمران مكانه.
لم يكن منظر شمس وحده هو ما هزَّه، بل الطريقة التي نطقت بها كلمة مخطوف...وكأنَّها نطقتها لتوِّها وهي تستوعب أنَّ شقيقها أصبح في قبضة من لا يرحم.
اقترب منها:
_شمس...
التفتت إليه بعينينِ غارقتينِ في الرعب.
_أنا عايزة أروح دلوقتي يا عمران... عايزة أروح لأخويا.
_طيب، اهدي الأوَّل..جوزك زمانه جاي.
صرخت من بين دموعها:
_لا! أنا عايزة أروح دلوقتي!
نظر عمران إلى أمِّه:
_ماما...ساعديها تغيَّر، وأنا هوصَّلها.
أومأت دينا، وضمَّت شمس إلى صدرها، تربت على ظهرها بحنان: 
_طيب يا حبيبتي...تعالي معايا..ينفع تخرجي كده؟
أمسكت شمس بيدها، لكنَّها قبل أن تتحرَّك التفتت إلى عمران:
_مش هتأخَّر..

بعد ساعتين عند معتز..
_البنتين وصلوا يا باشا، بس خايف يكونوا متراقبين.
_متقلقش..كلِّ حاجة متراقبة ومحسوبة، هم مش مخطِّطين لحاجة.
ثم أشار إلى الشاشة:
_وعلشان تطَّمن...شوف ده.
فتح الفيديو.
ظلَّ الرجل يحدِّق في الشَّاشة لثوانٍ، ثمَّ رفع رأسه بذهول:
_معقول...دول يبقوا مجانين!
ابتسم معتز ببرود:
_المهم...هتاخد الدكتور ومراته، وتودِّيهم المكان التاني، أمان برضه. والبنت الهبلة اللي جايَّة مع رولا، خلِّيكوا وراها.
تردَّد الرجل قبل أن يسأل:
_طيب والمتر والدكتور اللي بيدوَّروا على البنت اللي هنا؟
حكَّ معتز ذقنه، ثم قال:
_كده آل الشافعي هيصعبوا عليَّا... عايزين نموِّت شباب العيلة كلَّها؟
صمت لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة:
_ولَّا أقولَّك..موِّت الدكتور، وهاتلي المتر هنا، نتسلَّى بيه مع يزن شوية.

بالخارج، كان بلال يتحدَّث عبر جهاز الاتِّصال، بينما عيناه لا تفارقان المكان.
_بلال...متأكِّد إنُّهم لقطونا بالكاميرات؟
قالها آسر وهو يتفحَّص المكان بعينيه.
جاءه صوت مالك: 
_متأكِّد إنِّ مفيش حد وراكم..اتعاملوا على الأساس ده، حاولوا تدخلوا كأنُّكم رايحين ورا ضي، ولا حد فيكم يبيِّن إنُّه عارف حاجة.
أومأ بلال وهو يشير الى آسر بالدخول نحو البوَّابة وقال:
_تمام.
تواصل  مالك مع أرسلان:
_المكان فيه حراسة كتير...فوق وتحت، وحول المزرعة كلَّها.
_عارف..المهم المخرج منين، الولاد لازم يدخلوا ويتصرَّفوا، وإنتَ أكيد عارف هتعمل إيه.
توقَّف لحظة، ثم أردف بلهجةٍ حازمة:
_مالك...البنات جوّّا، مش عايز أذى يحصل لهم.
_إن شاء الله خير.
_وأنا هبلّّغ الشرطة، لكن أوّّل ما معتز يخرج...مش عايز الشرطة تمسكه، لازم إنتَ تجيبه.

_سيبها على الله.
في الداخل، دلفت رولا برفقة آسيا.
كانت تحاول أن تبدو ثابتة، رغم أنَّ قلبها كان يضرب بعنف داخل صدرها.
توقَّفت أمام أحد الرجال، وقالت بنبرةٍ متماسكة:
_جالي رسالة إنِّ ابن عمِّتي اتخطف هنا، وإنِّ بنت عمِّي جت قبلي..صاحب الرسالة قالِّي آجي وأنا هلاقيه هنا.
حدَّق بها الرجل لثوانٍ، ثم أشار إلى الباب:
_أنتِ ستدخلين...أمَّا هي فستبقى هنا.
التفتت رولا إلى آسيا، ثم عادت بعينيها إليه:
_أنا مش هدخل غير بيها.
أشار الرجل إلى أحد الواقفين:
_ستبقى معك حتى أعود.
_أنا قولتلك...هيَّ هتدخل معايا.
اقترب الرجل منها محاولًا الإمساك بذراعها:
_لا تعطيني أوامرك، أيُّتها الفتاة الغبية.
في لحظة، ركلته رولا بقوة، فترنَّح إلى الخلف.
اندفعت آسيا تدفعه بعيدًا عنها، لكن رجلًا آخر أمسك بها من ذراعها وجذبها بعنف.
_آسيا!
اندفعت رولا نحوه، لكن الرجل الأوَّل دفعها بقوَّة، فتراجعت خطوات وهي تصرخ باسم ابنة عمَّتها:
_آسيا!
لكن الباب أُغلق أمامها.
حاولت الاندفاع نحوه، قبل أن يمسك بها رجلان ويقتاداها إلى الداخل.
دقائق معدودة مرَّت قبل أن يُفتح باب المكتب.
دفعها الرجل إلى الداخل.
خطت رولا خطوة واحدة...
ثم توقَّفت.
تجمَّد جسدها بالكامل.
لم تحتج إلى أكثر من ثانية واحدة لتعرفه.
كان واقفًا خلف مكتبه.
معتز..همست بها بتقطُّع.

الرجل الذي لمجرَّد رؤيته انتفض جسدها برعب، وعاد معها إحساس الاختناق والخوف.
خرج صوتها بالكاد مسموع:
_إنتَ...
رفع معتز عينيه إليها.
ظهرت ابتسامة بطيئة على وجهه:
_إيه رأيك في المفاجأة دي؟
لم تجبه.
كانت تنظر إليه وكأنَّ عقلها يحاول استيعاب وجوده أمامها.
تذكَّرت كلمات أرسلان قبل دخولها:
"إنتِ مش ضعيفة...أوعي تخلِّيه يشك للحظة إنِّك خايفة منه."
أغمضت عينيها لثانية، وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم فتحتهما:
_يوسف وضي فين؟
رفع معتز يده إلى جانبه، وقد بدا عليه الألم للحظة، ثم أخفى أثره سريعًا:
_اقعدي يا رولا...خلِّينا نتكلِّم.
تراجعت خطوة:
_مفيش بينَّا كلام.
حاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، لكن ارتعاشه الخفيف خانها:
_أنا عايزة أمشي حالًا. فين ولاد عمِّي؟
ابتسم:
_لسه زي ما أنتِ...بتسألي وبتؤمري.
_جاوبني.
تقدَّم خطوة.
تراجعت هي في اللحظة نفسها، دون أن تشعر.
توقَّفت أنفاسها.. لاحظ معتز ذلك:
_ إنتِ خايفة منِّي؟
تغيَّر وجهها:
_متقرَّبش.
قالتها هذه المرَّة بوضوح.
رفع حاجبه:
_عايز أتكلِّم معاكي.
_قولت متقرَّبش!
ارتفع صوتها فجأة، وانسابت دمعة رغمًا عنها.
مسحتها بعنف، وكأنَّها غاضبة من نفسها أكثر منه.
_أنا مش جاية هنا علشانك...أنا جاية علشان ولاد عمِّي، هاتهم وخلِّيني أمشي.
اقترب خطوةً أخرى.
تراجعت حتى اصطدم ظهرها بحافَّة المكتب.
وفي اللحظة التي حاول فيها الاقتراب أكثر، انتفض جسدها بعنف.
أطبقت جفنيها، وضمَّت ذراعيها إلى جسدها كأنَّها تحاول أن تحمي نفسها:
_ابعد عنِّي...
خرج صوتها مكسورًا.
ثم فتحت عينيها ونظرت إليه، والغضب يختلط بالدموع:
_إياك تقرَّب منِّي.
توقَّف معتز:
_رولا...
_متقولشِ اسمي!
صرخت بها، ثم شهقت وهي تحاول استعادة أنفاسها:
_أنا مش خايفة منَّك، لكن قرفانة، إزاي إنتَ كدا.
كانت كلماتها تخرج متقطِّعة، لكنّّها كانت تحاول بكلِّ قوَّتها ألّّا تضعف..
 تهمس لنفسها بقوّّة، رولا اللي حصل زمان مش هيتكرَّر..أغمضت عيناها وصورة زوجها مرَّت أمام عينيها. 
_رولا. 
فتحت عيناها وصرخت:
_متقولش اسمي على لسانك القذر دا.. 
حقير...تمتمت بها وهي تدفع كل ما فوق المكتب، لمحت السلاح بطرف المكتب.. 
ارتفع تنفُّسها، وحاولت الوصول إليه. 
 
دار أرسلان بالمكتب وهو يستمع إلى صراخها:
_مالك...اسحب بلال وآسر، معتز شافهم، ودا المطلوب. 
_طيب رولا...ممكن متقدرش تكمِّل. 
_لا هتكمِّل...المهم متخليش الولاد يدخلوا،  قبل ما رولا تبعت الاشارة. 
_تمام...تمام. 
بداخل مكتب معتز.. 
_عندي ديل، ممكن تقعدي وتسمعيني؟ 
_مش عايزة أسمعك ولا أشوفك، إنتَ مبتفهمش.

نظر إليها طويلًا، ثم قال ببرودٍ مستفز:
_واضح إنِّك مضَّايقة مني أوي.
رفعت رولا ذقنها رغم الدموع العالقة بعينيها، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:
_اللي بينَّا قتلك يا معتز، بس دا مش موضوعنا دلوقتي، ولاد عمِّي فين؟
اقترب منها معتز خطوة أخرى، وانخفض صوته:
_طيب لو قولت لك مش هتشوفيهم غير لمَّا نتكلِّم ونتِّفق.
 رولا...أنا عايزك إنتي، وجبت يوسف علشان تبقي قدَّامي دلوقتي، أنا بحبِّك. 
توسَّعت عيناها للحظة، وانتفض جسدها فجأة، هل جُنَّ هذا الرجل، ماذا يقول؟!. 
تجمّّدت وكأنَّ جسدها شُلَّ بالكامل. 
اقترب معتز منها: 
_مستعد أخلِّيهم يمشوا حالًا، ومش بس كدا، هوصَّلهم للبيت، بس كلمة واحدة منك.. 
تطلبي الطلاق من بلال، ولو خايفة من أبوكي وعمِّك، متخافيش، أنا مستعد أحميكي، لا مش أحميكي بس، مستعد أولَّع في الدنيا كلَّها، متعرفيش عملت إيه علشانك.
كانت تستمع إليه بذهول، ودموعًا تجمَّدت في عينيها.
_أنا اللي رميت كارما قدَّام بلال، وأنا اللي صوَّرتهم، وأنا اللي هدَّدته وأجبرته يتجوِّزها، وأنا اللي بعت لك الصور، علشان تكرهيه ويطلَّقك. 
ارتفعت أنفاسها مع دقَّات قلبها الصاخبة، ابتلعت غصَّتها: 
_كنت متِّفق مع كارما على جوزي؟! 
صاح بغضبٍ كالمجنون:
_متقوليش جوزي، دا ميستهلش يكون جوزك، حيوان بكرهه، أكتر راجل كرهته، يمكن كرهته أكتر من راجح نفسه.
أفلت ضحكة صاخبة حتى أدمعت عيناه:
_لا...أنا كنت بكره راجح أوي، بس حبِّيته عارفة ليه، لأنُّه السبب إنِّي أشوفك وأحبِّك.
أنا محبِّتش في حياتي غير مرِّتين.. 
خطيبتي اللي راجح رماها في البحر قدَّام عيوني علشان أفضل أشتغل معاه، أصلها كانت جميلة زيِّك ومجنونة، بس مكنتش عايزة أشتغل مع راجح.
وإنتي، أنا حبِّيتك أوي، ودفعت علشانك كتير أوي، صفِّيت كل شغلي بالخارج واستقرِّيت هنا علشانك وبس، وكلِّ حاجة كانت ماشية كويس، لولا الحيوان اللي اسمه بلال، لو مجاش في الليلة إيَّاها، كان زمانك دلوقتي جوَّا حضني مكنش حد هيقدر يبعدك عنِّي، كنت هموِّت الكل لو حد أخدك مني
إنت أكيد شخص مجنون، مش طبيعي.

ثارت عينيه بنيران جحيمية:

الحيوان اللي اسمه بلال برة هجيبه تحت رجلك، يطلقك، وها خدك وتهرب من هناء سمعتيني

ولا لاي

هنا شعرت بانسحاب الأرض من تحت قدميها، ولم تشعر سوى بارتفاع نبضها.

اقترب منها، فتعلقت عيناها للحظة بالسلاح الموضوع فوق مكتبه.

ارتجف قلبها من اقترابه، ولكنها

لم تكن ساعة عادية، أرسلان أعطاها لها قبل أن تدخل، وكانت مرتبطة بفريقهم، تنقل موقعها

تذكرت الساعة في معصمها.

وتسمح لمالك بسماع ما يدور حولها، بينما كان أرسلان يتابع إشارتها من مكان قريب.

هي لم تدخل هذا المكان وحدها.

كانوا معها ... حتى وإن لم ترهم.

أخذت نفسا عميقا، ثم تحركت فجأة، وخطفت السلاح من فوق المكتب قبل أن يستوعب معتز

ما فعلته.

وجهته إليه بكلتا يديها:

لو قربت مني ... هقتلك.

تجمدت ملامحه للحظة.

صرخت وهي تكافح ارتجاف صوتها :

فين يوسف وضي؟!

اهدي يا رولا.

متقزيش

رفع معتز كفيه ببطء:

خلاص... مش هقلب اهدي.

كانت رولا تتحرك بعينيها في أرجاء المكتب، تتظاهر بالبحث عن مخرج، بينما أصابعها تحركت

فوق الساعة بحركة محسوبة.

في الخارج، أضاءت شاشة صغيرة أمام مالك:

الإشارة مستقرة, الصوت واضح.

رفع عينيه إلى ارسلان

وصلت.

أوما أرسلان، بينما قال مالك وهو يتابع الصورة القادمة من جهاز الاستطلاع:

عاد معتز إلى رولا:

خليها تفضل متحركة ... كده إحنا شايفين جزء كبير من المكتب.

طيب ... ارمي المسدس يا رولا.

وديني ليوسف.

رولا مش هينفع وإنت ماسكة سلاح.

اقتربت خطوة نحو الباب، دون أن تخفضه

وذيني ليوسف .... بقولك.

ظل معتز ينظر إليها للحظات، ثم ضغط زرا في مكتبه.

دلف أحد رجاله سريعا.

خدها الدكتور.

أشار الرجل إلى رولا كي تتحرك.

تراجعت فوزا، ورفعت السلاح نحوه

محدش يقرب مني .... معتز اللي هيوديني.

ابتسم معتز من نطقها اسمه، أشار للرجل بالمغادرة... توقف الرجل في مكانه غير مستوعب ما

يحدث

باشا دي معاها المسدس.

أشار إليه بالابتعاد.. ثم اقترب منها:

تمام حبيبتي، أنا هوتيكي، ولو عايزة أجيبهم، ابعت لهم.

لا... إنت هتوديني.

معتز باشا، دي ممكن تطلق.

اللي هيقرب... هقتله.

قالها الرجل واقترب منها، فصاحت:

اشار معتز للرجل بالحركة

قولت لك امشي خلاص يا رولا هوتيكي، نزلي السلاح.

خرجت رولا من المكتب، والسلاح ما زال ثابتا في يدها، والرجل أمامها يفتح الطريق.

زفر معتز بغضب، ثم مسح وجهه بعنف:

وبعدها لك .....

ضرب كفه فوق المكتب:

وبعدهالك مفكرة إنك هتقدري على معتز؟

صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة ضيقة رغم غضبه
شكل بنات العيلة دي أقوى مما توقعت.

قالها وتحرك خلفها :

مجنونة يا رولي وبعشقك.

في الخارج....

كان مالك واقفا أمام شاشة المراقبة، يتابع تحركات رولا لحظة بلحظة.

إلى جواره كان أحد أفراد الفريق يراجع مخطط المكان، بينما كان أرسلان يتابع الإشارة القادمة

من الساعة.

الصورة وضحت عندك؟

قال مالك دون أن يرفع عينيه

جاءه صوت ارسلان عبر جهاز الاتصال:

أيوه... رولا زرعت وحدة التتبع في المكان، والإشارة مستفزة، بقينا شايفين الحركة حواليها

بشكل أوضح.

تنفس مالك ببطء:

تمام كده تقدر تتحرك.

ثم ظهرت أمامه صورة أخرى من كاميرا الاستطلاع التي كانت تراقب محيط المزرعة .. تغيرت

ملامحه

استنی...

اقترب من الشاشة:

قال ارسلان

المداخل أكثر مما توقعنا، والحراسة متوزعة على أكثر من نقطة.

يوسف وضي فين؟

لسه يتحدد مكانهم بالضبط.

ثم انتقل مالك إلى قناة أخرى :

آمر وبلال رجعوا ولا لسة ؟

جاءه الرد:

أيوه بيتحركوا ناحية الجهة الخلفية.

خليهم حذرين .. مش عايز اشتباك قبل ما تعرف مكان يوسف وضي

كلام معتز خطير، أوعى تغامر بيهم كفاية رولا واللي جوا.

صمت لحظة، ثم أضاف:

رولا ظهرت ؟

أيوة خرجت من المكتب.

أغمض مالك عينيه الثانية:

تمام... أهم حاجة تفضل بعيدة عن أي مواجهة.

ثم عاد يحدق في الخريطة

أنا هدخل مع المجموعة من هنا هنقسم الفريق، وتأمن الأولاد قبل أي حاجة .. لو حصلت

مواجهة، الأولوية إخراجهم سالمين.

ساله ارسلان

والمتفجرات ؟

توقف مالك لحظة:

لسه ما عندناش تأكيد إنها موجودة فريق الكشف هيفحص المسار قبل ما حد يتحرك فيه.

محدش يلمس أي جسم مشبوه ومحدش يتصرف من نفسه.

ثم رفع عينيه إلى الشاشة، وقال بحزم:

مفيش حاجة الساعة ما لقطتش حاجة...

ابدؤوا التحرك.. بهدوء، وكل واحد يلتزم بموقعه.

بالداخل.. 
وصل معتز خلف رولا الى المكان الذي يوجد به يوسف وضي، كانت تتلفَّت حولها، مع التقاط صور كثيرة للمكان، حتى تصل لمالك... 
_رولا ممكن تهدي بقى، يوسف جوَّا هنا هوَّ والبنت ومراته. 
_خرَّجهم. 
زمَّ شفتيه ساخرًا: 
_ودا مين هيعمله، أوعي تفكَّري إنِّي هسمع كلامك، لا..فوقي أنا جبتك هنا لأهدافي، ودلوقتي ارمي السلاح من إيدك وإلَّا هقتل الكل. 
تسمَّرت بمكانها وعقلها يعمل في كافِّة الاتِّجاهات، لحظة واحدة، وقامت بإطلاق رصاصة بإحدى النوافذ المحيطة بالغرف الرئيسية، ليرتفع جهاز الإنذار، ركض الجميع.. 
التفت معتز إلى ما فعلته: 
_إيه اللي إنتِ عملتيه دا! أشار للرجل:
_خدوها من هنا.
أطلقت رصاصتها الأخرى دون تفكير لتصيب الرجل، مع اقتراب البعض منها. 
توقَّف معتز يصيح بهم:
_محدش يقرَّب منها، مع صراخها:
_اللي يقرَّب هقتله، إيَّاكم حد يقرَّب مني..
افتح الباب دا.
قالتها وهي تشير بالسلاح ناحية معتز.
رفع الرجل سلاحه ناحيتها.
_نزِّل سلاحك.
تمتم بها معتز، ثم التفت الى رولا:
_إنتي اللي بدأتي، متزعليش في اللي هعمله، وأوَّلها في جوزك اللي برَّا..
 افتح الباب دا.

فتح أحد الرجال الباب الفاصل بينهم وبين يوسف.
في الداخل، كان يوسف قد توقَّف خلف الباب بعدما أخبرته آسيا بما حدث..وما إن وقعت عيناه على رولا حتى تجمَّدت ملامحه للحظة.
كانت واقفة أمام معتز، تمسك السلاح بكلِّ ثبات، وفوهته مُصوَّبة نحوه.
ابتسمت رولا ما إن رأته، وكأنَّ وجوده وحده أعاد إليها شيئًا من الأمان..أمَّا يوسف، فظهرت على شفتيه ابتسامة رغما عنه، رغم أنّّ قلبه كان يرتجف من رؤيتها في هذا المكان، تحمل سلاحًا وتواجه رجلًا مثل معتز.
رفع يده سريعًا نحو ضي، مشيرًا إليها ألاَّ تتحرَّك، ثم اتَّجه بخطواتٍ ثابتة نحو رولا.
وقف بجوارها، وألقى عليها نظرة طويلة قبل أن يقول بنبرةٍ ساخرة:
_بنت خالي الـ
‏Independent woman.
ضحكت رولا وسط توتُّرها، ثم رفعت حاجبها وهي تنظر إليه:
_ابن عمِّتي المخطوف... الـKidnapped.
جزَّ معتز على أسنانه، وقال بغيظ:
_شوفتيه واطمِّنتي؟ ارمي السلاح من إيدك بقى.
نظرت إليه رولا ببرود، ثم قالت:
_ماليش..مزاج.
ضحك يوسف بخفّّة، واقترب منها أكثر، ثم نظر إلى أصابعها التي تضغط على الزناد:
_بالراحة يا روليتا..عليه، لتصبيه في قلبه. الراجل لسه واخد طعنة من ضي.
انفلتت من رولا ضحكة قصيرة، ثم غمزت لمعتز:
_أخيييه...اتعلِّم عليك من واحدة ست.
اشتعلت عينا معتز، وكاد يرد، لكن صوت أحد رجاله قطع الحديث وهو يقتحم المكان لاهثًا:
_باشا! فيه هجوم برّّة!
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
توالت أصوات الرصاص من الخارج، واهتزَّ المكان على وقع إطلاق النار.
دون تفكير، دفع يوسف رولا إلى الداخل وأغلق الباب خلفهم:
_أكيد عمُّو أرسلان برَّة...لازم نحمي نفسنا.
أمسك يوسف بذراعها وأبعدها عن الباب، بينما ارتفع صوت معتز من الخارج بجنون:
_هقتلك يا رولا! سمعتي؟! هقتلك!
ثم صاح بأحد رجاله:
_اكسروا الباب ده! العيال دي لازم نخرَّجهم من هنا!
جاءه صوت آخر مرتبكًا:
_باشا...المقر كلُّه اقتِحم! وصلوا للمكتب، وجايين على هنا...كأنُّهم حافظين الممرَّات!
استدار معتز بعصبية، ثم اندفع في الاتِّجاه الآخر، متَّجهًا إلى الجهة اليسرى بحثًا عن مخرج.
في الداخل، لم تعد رولا قادرة على التماسك.
انهارت على الأرض، وارتجف جسدها بعنف، بينما أسرعت ضي نحوها وانحنت ترفعها:
_رولا...رولا، بصيلي.
لكن رولا لم تستطع إلَّا أن تتشبَّث بها وهي تهمس بصوتٍ مكسور:
_الحيوان...بيقول بلال برَّة.
تجمَّدت ضي.
أمَّا يوسف كان واقفًا خلف الباب، ممسكًا بسلاحه ومستعدًّا لأي شخص يحاول اقتحامه، التفت إليها فور سماعه الاسم:
_بلال؟!
هزَّت رولا رأسها، وامتلأت عيناها بالخوف:
_ممكن ياخده...هوَّ عايز يقتله، كان بيهدِّدني بيه.
تغيَّر وجه يوسف تمامًا:
_بلال...إيه اللي جابه هنا؟!
_معرفش...
شهقت رولا، ووضعت يدها على صدرها:
_بس أنا خايفة يوصلُّه يا يوسف.
اشتدَّ صوت الرصاص في الخارج، واختلط بصيحات الرجال ووقع الأقدام.
قالت آسيا بسرعة:
_لازم نشوف تليفون...نعرف إيه اللي بيحصل برَّة.
استدار يوسف نحوهنّ، ثم أشار إلى الجهة الأخرى من المكان:
_تعالوا ورايا..متخافوش الأمن برَّة. 
نظر إليهنَّ جميعًا بصرامة:
_محدش فيكم يتصرّّف من دماغه.. لازم نخرج من هنا، مش عايزين نكون نقطة ضعفهم.
أومأن جميعًا.
فتح يوسف الباب بحذر، وأطلّّ برأسه للحظات، ثم خرج.
لم يكد يخطو عدَّة أمتار حتى ظهر أمامهم عدد من رجال معتز.
رفع أحدهم سلاحه، لكن يوسف كان أسرع.
دوى صوت الرصاص في الممر.
سقط أوَّل رجل، ثمَّ الثاني، بينما تحرَّك يوسف أمام الفتيات، يفتح لهنَّ الطريق بلا تردُّد.
كان وجهه جامدًا، لكن عينيه كانتا تحملان خوفًا واحدًا فقط...أن يصيب الفتيات مكروه.

واصلوا التحرُّك حتى لمح يوسف أحد رجال والده.
توقَّف الرجل فور رؤيته، ورفع جهاز اللاسلكي إلى فمه:
_الدكتور هنا يا مالك باشا.
جاء صوت مالك سريعًا وحاسمًا:
_خرَّجهم من عندك بسرعة.
أشار الرجل إلى رفاقه، فحاصروهم من الجانبين، وأخذوا يفتحون لهم الطريق وسط الفوضى، حتى خرجوا من المبنى بالكامل.
بعد دقائق، وصلوا إلى السيَّارة.
فتح أحد الرجال الباب وأشار إليهم:
_اركبوا...السوَّاق هيوصَّلكم لمكان آمن.
توقَّفت رولا مكانها:
_بلال فين؟
لم يجبها الرجل مباشرة، بل قال بإلحاح:
_مدام رولا...لازم تتحرَّكوا من هنا، رجاءً.
نظر يوسف إليه، ثم إلى رولا:
_اركبي...وأنا هشوف.
رفع الرجل حاجبه بقلق:
_آسف يا دكتور، حضرتك لازم تمشي معاهم.
اقترب يوسف من السيارة، وفتح الباب لرولا:
_اركبي.
نظرت إليه رولا بعينينِ ممتلئتينِ بالدموع:
_هتجيبه؟
أجابها دون تردُّد:
_إن شاء الله.
تعلَّقت عيناها بعينيه:
_أوعدني إنَّك هترجع.
ابتسم ابتسامة صغيرة رغم كل شيء:
_أوعدك...يلَّا، لازم تمشوا.
تدخَّل الرجل مرَّةً أخرى:
_دكتور يوسف، لو سمحت، الوقت مش في صالحنا.
رفع يوسف يده، وأسكت الرجل بنظرةٍ حاسمة، ثم أشار إلى السائق أن يتحرَّك.
تحرَّكت السيارة ببطء.
لكن ضي لم تستطع أن تبعد عينيها عنه.
كان واقفًا أمامهم، وسط أصوات الرصاص والفوضى، وكأنَّه اختار أن يعود وحده إلى قلب الخطر.
همست بصوتٍ مرتجف:
_يوسف...
رفع عينيه إليها.
كانت الدموع متحجِّرة في عينيها، والخوف يأكل قلبها.
_خلِّي بالك من نفسك.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت مرتعش:
_لا إله إلا الله...
أجابها من مكانه، وعيناه لا تفارقانها:
_محمد رسول الله.
تحرَّكت السيارة..
وظلَّت عينا يوسف معلَّقتينِ بها حتى اختفت من أمامه.
عندها فقط تبدَّلت ملامحه.
مسح وجهه بيده، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم استدار نحو المبنى الذي ما زالت أصوات الرصاص تتصاعد منه... وخلفه أحد الرجال وهو يتحدَّث مع مالك:
_دكتور...الدكتور بلال في الجهة التانية هوَّ والآستاذ آسر.
أومأ وتحرَّك خلفه.

عند بلال وآسر، قبل قليل...
جلس بلال خلف مقود السيارة، يراقب المكان بعينينِ متوتِّرتين، بينما كانت أصابعه تضرب فوق المقود في نفاذ صبر، لم تصله إشارة من مالك حتى الآن.
التفت إليه آسر بضيق:
_ لحدِّ دلوقتي مفهمتش حاجة...ليه جينا هنا أصلًا؟
أجابه بلال دون أن يرفع عينيه عن المكان:
_ معرفش...كل اللي فهمته إنِّ دخولنا ورا ضي، والساعة اللي في إيدنا دي، هيَّ المغزى كلُّه.
التقطت أذنيهم صوت طلقاتٍ نارية من الداخل.
انتفض بلال، وهمس وقد شحب وجهه:
_ يوسف...وضي.
فتح باب السيارة سريعًا، لكنَّه لم يخطُ خطوة واحدة، حتى أمسك آسر بذراعه وجذبه إلى الداخل:
_ إنتَ اتجنِّنت! مسمعتش تحذيرات عمُّو أرسلان؟ مينفعشِ ننزل!
حدَّق به بلال بعصبية، فقال آسر سريعًا، وكأنَّ الصورة اكتملت في رأسه فجأة:
_ أنا دلوقتي فهمت...كانوا عايزين يوصلوا للمكان، وبعد ما فهِّموهم إنِّنا ماشيين ورا ضي، قدرنا ندخل من غير ما يضربوا علينا نار...والساعة دي كانت بتدِّي الإشارة.
صمت لحظة، ثم أكمل:
_عرفوا المكان؟.
هزَّ بلال رأسه نافيًا، وعيناه لا تفارقان البوَّابة:
_ لا...حاسس إنِّ فيه حاجة تانية.
مرَّت دقائق ثقيلة، قبل أن تنفتح البوَّابة الحديدية الضخمة فجأة.
خرجت منها سيَّارة معتز.
لم يحتج بلال إلى أكثر من ثانية:
_ هوَّ!
قفز هو وآسر إلى السيَّارة، وانطلقا بها ليقطعا الطريق أمام سيَّارة معتز.
_ طلَّع سلاحك يا بلال..بسرعة! أكيد معتز بيهرب!
أمسك بلال سلاحه، ثم صاح:
_ اقفل إزاز العربية كويس!
انحرفت سيَّارة معتز لتتفاداهم، لكن السيارة المصفَّحة قطعت عليها الطريق..وفي اللحظة التالية، انطلقت الرصاصات من سيَّارة معتز، ترتطم بالمعدن مصدرةً دويًا متتابعًا.
ظلَّ آسر ثابتًا في مكانه، لا يتحرَّك قيد أنملة.
نظر إلى بلال وقال بهدوءٍ غريب وسط الفوضى:
_ رصاصه هيخلص...بعدها هنزل، إنتَ خلِّيك في العربية، للأمان..هوَّ لوحده.
أومأ بلال، وأمسك هاتفه سريعًا، وأبلغ مالك بما حدث.
وفجأة...
توقَّف إطلاق النار..فتح آسر الباب بحذر، وترجَّل.
ما إن ظهر حتى أطلق معتز رصاصة أخيرة.
انحنى آسر سريعًا خلف الباب، فمرَّت الرصاصة فوقه، بينما فتح بلال الباب الآخر، وخرج من الجهة المقابلة، مستغلًّا السيارة ساترًا له.
تحرَّك ببطء، دار حول السيَّارة من الخلف...
وفي لحظة خاطفة، ظهر خلف معتز، ووضع فوهة سلاحه عند رأسه:
_ ارمي سلاحك...يا إمَّا أموِّتك.
ابتسم معتز ببرود، والتفت بعينيه إليه:
_ دكتور بلال...
لم يمنحه آسر فرصةً أخرى.
اندفع نحوه، أمسكه من ملابسه وسحبه بعنف، فسقط معتز أرضًا.
انقضَّ عليه آسر كالإعصار، وصوته يخرج محمَّلًا بكلِّ الغضب الذي ظلَّ مكبوتًا داخله:
_ بقى كلب زيَّك يخطف واحدة من عيلة الشافعي؟! دا أنا هقطَّعك!
انهالت قبضته على وجه معتز.
لكمة...ثمَّ أخرى...وأخرى أشد.
كان آسر لا يرى أمامه سوى كلِّ لحظة خوف عاشتها أخته بسببه.
أمَّا بلال، فظلَّ واقفًا إلى جوار السيارة، عاقدًا ذراعيه، يراقب المعركة للحظات، حتى قال بنبرةٍ ساخرة رغم غضبه:
_ لا، لياقتك حلوة يا ابن عمِّي...سبلي شوية.
قهقه معتز رغم الدم الذي بدأ يظهر عند طرف فمه:
_ دا كلُّه علشان علِّمت عليكم مرِّتين؟
تجمَّدت ملامح بلال.
أمَّا آسر، فأمسكه من ياقة قميصه ودفعه بعنف إلى الأرض.
ومع ذلك...ضحك معتز..
ضحكة باردة، مستفزَّة، كأنَّ الضربات لا تعنيه.
اقترب بلال من آسر، وأمسك بذراعه:
_ سيبه...متوسَّخش إيدك، خلِّيه لمالك...هوَّ يعلِّمه الأدب.
ابتعد آسر بصعوبة، وأنفاسه متلاحقة.
استند معتز إلى السيَّارة، يمسح الدم عن جانب فمه، ثم رفع عينيه إلى بلال باستهزاء:
_ اسمع كلام الدكتور...بلاش توسَّخوا إيدكم.
ثم ثبَّت عينيه في عيني بلال، وقال ببطء:
_ مهما تعملوا فيَّا...مش هتقدروا تعملوا اللي أنا عملته.
قطَّب بلال جبينه..
اقترب معتز منه خطوة، متَّكئًا على السيَّارة، وابتسامته المريضة لم تفارقه:
_كفاية إنِّي علِّمت عليكم...
ثم مال نحوه، وخفض صوته عمدًا:
_ عرفت ألفُّكم كلُّكم ورا بعض.
توقَّف قلب بلال للحظة.
_ ولولا إنَّك جيت...كان زماني عملت كلِّ حاجة.
ابتعد قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة أكثر استفزازًا:
_ بس مش مهم...
رفع عينيه إليه:
_ المهم إنِّي دوقت كلِّ حاجة.
ضاقت عينا بلال، وكأنَّه لم يستوعب ما تتفوه به تلك الحثالة.
_ إنتَ بتقول إيه؟
لكن آسر رفع سلاحه نحوه فورًا:
_ أي كلمة تاني...هموِّتك.
وفي تلك اللحظة، وصل يوسف: 
_ بلال!
استدار بلال بسرعة.
توقَّفت أنفاسه للحظة:
_ يوسف...
ترك كل شيء واتَّجه إليه، احتضنه بقوَّة، كأنَّ عناقه وحده يؤكِّد له أنَّه عاد حيًّا.
_ حمد لله على السلامة يا دوك... خرجت من قطيع الكلاب.
ربت يوسف على ظهره، ثم ابتعد قليلًا.
لكن عينيه وقعتا على معتز.
ابتسم معتز، وأطلق صفيرًا ساخرًا:
_ الضيافة حلوة يا دوك...
تغيَّر وجه يوسف.
تابع معتز، مستمتعًا بكل كلمة يلقيها:
_ عرفت أنا جبتكم كلُّكم إزاي؟
ثم نظر إلى يوسف مباشرة:
_ وقبلها...علِّمت على بنت خالك.
تجمَّد بلال..ثم التفت إليه ببطء، وكأنَّ الكلمات احتاجت إلى لحظات حتى تصل إلى عقله.
أمَّا آسر، فلم يحتمل.
اندفع نحوه مجدَّدًا، وأمسكه من ملابسه وانهال عليه بالضرب.
_ آسر!
حاول يوسف إبعاده:
_ آسر...يلَّا نمشي، هيتحاكم ما تخافش.
لكن آسر كان يغلي من الغضب أكثر ممَّا كان يضربه بكل جبروته.
 نظر إلى معتز بعينينِ مشتعلتين:
_ هموِّتك يا حيوان.
قهقه معتز، حتى وهو يتلقَّى الضربات:
_ وحتى لو اتعدمت...ولا يهمِّني.
رفع رأسه بصعوبة، ونظر إلى بلال:
_ المهم إنِّي علِّمت عليكم يا ولاد الشافعي...
ثم ابتسم ابتسامة قذرة، كأنَّه يتعمَّد أن يطعنهم في أكثر نقطة تؤلمهم:
_ وأخدت جزء من حقِّي.
تجمَّدت ملامح الجميع.
أمَّا معتز، فكان يتلذَّذ بكل ثانية من صمتهم، كأنَّه وجد أخيرًا الموضع الذي يستطيع أن يغرس فيه سكِّينه دون رحمة.
ابتسم ابتسامة باردة، وقال متعمِّدًا أن يزيد الجرح عمقًا:
_ ومنكرش..إنِّي حبِّيتها...رولا.
اتَّسعت عينا بلال.
كأنَّ الاسم وحده كان كافيًا ليهدم شيئًا داخله.
لكن معتز لم يتوقَّف.
_ بس يكفيني...اللحظات اللي كانت فيها في حضني.
توقَّف الزمن..لم يعد بلال يسمع شيئًا.
اختفت الأصوات من حوله، واختفى المكان، ولم يبقَ في رأسه سوى جملة واحدة تتردَّد كالرصاص:
في حضني.
رولا...زوجته.
رولا التي كانت ترتجف بين ذراعيه في تلك الليلة..رولا التي انهارت وهو عاجز..
ارتعشت أصابعه بعنف، وانخفض رأسه للحظة، كأنَّه يحاول أن يقنع عقله بأنَّ ما سمعه مجرَّد كذبة من رجلٍ مريض.
لكن معتز اقترب خطوة، وأطلق ضحكة خافتة:
_ ماهو حضنها يستاهل الإعدام...
رفع عينيه إليه:
_ مش كده يا دكتور؟
لم يجبه بلال.
كان واقفًا كجسدٍ بلا روح، بينما عيناه امتلأتا بدموعٍ لم تكن دموع ضعف، بل دموعُ رجلٍ يشعر أنَّ أحدهم انتزع منه شيئًا مقدَّسًا وداس عليه أمام عينيه.
ثم جاء الصوت الذي حطَّم آخر ذرَّة من سيطرته:
_ النوم في حضن رولا...يدِّفع له مال الدنيا، مش كده؟
اندفع بلال نحوه.
في لحظة واحدة، سقط الطبيب الهادئ.
وسقط معه كل عقل، وكل منطق، وكل محاولة للسيطرة.
كان زوجًا جُرح في أعمق مكان يمكن أن يُجرح فيه رجل.

_ومستعد أوصف كلِّ حاجة، زي مثلًا... نطقها ذاك الحقير..
كلمات، رغم أنَّها كلمات، إلَّا أنَّها خنا جر مسـ مومة 
_«آآآه...»
خرجت صرخته من أعماق جوفه، لا من شفتيه، كأنَّها انتُزعت انتزاعًا من بين أضلعه..لم تكن صرخةُ ألمٍ من كسر ساقه، بل صرخةُ رجلٍ اشتـ علت النــ يران في صدره وهو يسمع كلماتٍ تُد نِّس حُرمة زوجته أمامه، عاجزًا عن إسكات صاحبها.
كان الغضب يحرقه من الداخل، حتى بدا وكأنَّ النار لا تشتعل في جسده فقط...بل في روحه كلِّها.
فهل تعلم يا صديقي... 
أنَّ بعض الكسور لا تصيب الجسد وحده؛ هناك كسرٌ يمسُّ كرامة الرجل ورجولته، ويترك في داخله وجعًا لا تراه العين.
حاول يوسف الإمساك به من الخلف.
_ بلال! لا!
لكن بلال كان قد فقد نفسه:
_ سيبني يا يوسف!
_ بلال، علشان رولا!
كانت الكلمة الأخيرة وحدها كفيلة بأن تجعله يتوقَّف...
لكنَّه لم يتوقَّف.
استدار نحوه، وعيناه تشتعلان بالدموع:
_ رولا؟!
خرج الاسم من فمه مكسورًا.
 اندفع من جديد.
انهال على معتز باللكمات، ضربة تلوَ الأخرى، حتى سقط الأخير أرضًا.
لم يكن بلال يضربه فقط...
كان يضرب كل صورة زرعها معتز في رأسه...كل كلمة...كل إيحاء.
كل لحظة تذكَّر فيها ما عانته.
كل دمعة رآها في عينيها.
_انطق اسمها تاني!
فانهار الآخر... 
كأنَّ صوته يتحوَّل إلى صرخة مبحوحة.
لكن معتز، حتى وهو ينزف، ضحك.
ثم تمتم بكلماتٍ أخرى، متعمِّدًا أن يصف ما حدث بطريقة أشعلت جنون بلال.
توقَّف بلال لثانية.
حدَّق فيه...وكأنَّ عقله رفض أن يستوعب ما سمعه.
ثم انهار تمامًا.
صرخ صرخة خرجت من أعماق صدره، وانقضَّ عليه من جديد.
حاول يوسف سحبه:
_ بلال! كفاية!
لكن بلال دفعه بعنف:
_ ابعد عنِّي!
اقترب يوسف منه مجدَّدًا:
_ هتضيَّع نفسك!
صرخ بلال، والدموع تنهمر من عينيه دون أن يشعر:
_ ده...ده لو فضل يتنفِّس ثانية واحدة بعد اللي قاله...
لم يستطع إكمال الجملة.
اختنق صوته.
وفي تلك اللحظة، حاول يوسف أن يرفعه من فوق معتز بصعوبة:
_ آسر، خده من هنا!
أمسك آسر ببلال، وساعد يوسف في إبعاده.
لكن معتز، وكأنَّه لا يعرف معنى النجاة، رفع رأسه بصعوبة، ثم أطلق ضحكة صاخبة:
_ حلوة أوي...أوي...يا خسارة.
التفت يوسف إليه.
وللمرَّة الأولى، فقد يوسف نفسه أيضًا.
اقترب منه وصفعه بقوَّة:
_ اخرس.
لكن الضحكة لم تتوقَّف.
بل تمتم معتز باستهزاء:
_ رولا...
انتفض بلال بين يدي آسر:
_ والله لأموِّتك يا كلب!
وفجأة، ظهر أرسلان.
توقَّفت عيناه عند المشهد، ثم وقعتا على ابنه.
كان بلال واقفًا، صدره يعلو ويهبط بعنف، ووجهه غارقًا في الدموع والغضب.
نظر إليه أرسلان طويلًا:
_بلال...امشي مع ولاد عمَّك. 
ارتجفت شفتيه ينظر لوالده بقهر:
_كنت عارف؟ 
_يوسف...خد بلال، لازم نمشي قبل الشرطة ما توصل. 
لم يحتج إلى تفسير.
فقط نظر إلى أبيه، وانسابت دموعه، فابتعد يركض كالجاني وليس المجني عليه.
تحرَّك أرسلان خلفه، بعدما قال لرجاله:
_خدوا الحشرة دا على المكان، لكنَّه توقَّف حين رأى معتز يضحك مجدَّدًا.
اقترب منه..
انحنى حتى أصبح وجهه مقابل وجهه:
_ شوفت...بنات الشافعي عملوا فيك إيه يا ميزو؟
رفع معتز عينيه إليه، وابتسامته المريضة لم تفارقه:
_ آه...عارفهم واحدة واحدة.
ثم ضحك:
_ لذاذ أوي...وحلوين... دُقت منهم.
لم يحتمل بلال كلماته، فعاد مرَّةً أخرى. 
اندفع نحوه، ورفع سلاحه.
دوى صوت الرصاصة.
استقرَّت في كتف معتز، فانفلتت منه صرخة ألم.
وقبل أن يستوعب أحد ما حدث، انطلقت رصاصة أخرى.
صرخ معتز وسقط، بينما اندفع يوسف وآسر نحوهما.. 
توقَّف أرسلان أمام ابنه حين وجد انهياره.
لكن بلال كان قد تجمَّد.
حدَّق في معتز..ثمَّ إلى والده 
ثمَّ في السلاح الذي بيده.
ثم انخفضت عيناه إلى الأرض.
ارتعشت شفتاه..وفجأة، لم يعد يبدو غاضبًا...بل محطَّمًا.
جلس على الأرض كأنَّ ساقيه لم تعودا تحملانه:
_ رولا...
خرج اسمها كأنَّ قلبه يُنتزع من صدره.
أشار أرسلان إلى يوسف الذي اقترب منه..
لكن بلال أبعده بيده.
رفع عينيه إلى يوسف، وكانت الدموع تملأهما:
_مش قادر أتحرَّك.
بعد فترة، وصل الجميع..
وما إن توقَّفت السيارة، حتى اندفعت شمس نحوها..
ترجَّل يوسف سريعًا، وما كاد يخطو خطوتين حتى ألقت شمس نفسها بين ذراعيه، وانفجرت بالبكاء.
ضمَّها إليه بقوَّة، يربت على ظهرها:
_اهدي يا حبيبتي...بالراحة، أنا جيت خلاص.
وكأنَّ جملة واحدة منه كانت كافية لتسقط. 
رفع عينيه، فرأى فريدة تقترب منه بخطواتٍ مرتجفة.
ابتسم لها رغم إرهاقه، واتَّجه إليها، ثم انحنى يقبِّل رأسها:
_وحشتيني يا تيتا.
وضعت كفَّها على وجهه، وعيناها تلمعان بالدموع:
_حبيب تيتا...يا ابني، حمد لله إنَّك رجعتلي.
_حمد لله على سلامتك يا دكتور.
التفت إلى عمران وأومأ له، ثم أخذ يبحث بعينيه عن وجه أبيه.
لكن إلياس لم يكن بينهم.
وقبل أن يسأل، خرجت ميرال بخطواتٍ ثقيلة.
_يوسف...
ما إن رأته حتى أسرعت نحوه، وما إن وصلت إليه حتى هوت بين ذراعيه:
_حبيبي...عمل معاك حاجة؟
راحت تتفحَّص وجهه وكتفيه وذراعيه، تلمسه كأم تتفحَّص رضيعها بأن لم يمسسه سوء، وكأنَّ عينيها لا تصدِّقان أن ابنها عاد إليها حيًّا.
ابتسم يوسف رغم الألم الذي يسكنه:
_ماما...أنا كويس.
ثم سألها بصوتٍ خافت:
_بابا فين؟
لم تجبه.
فقط ظلَّت تنظر إليه، ثم احتضنته من جديد.
ضمَّها يوسف تحت ذراعه، واقتربت شمس، فاحتواها بذراعه الأخرى.
وفي تلك اللحظة، قال عمران:
_شمس...
رفعت عينيها إليه.
_همشي.
أومأت له بابتسامة، اتَّجه هو إلى سيَّارته.
وفي تلك اللحظة، وصل آدم وزوجته وأولاده، ترجَّل آدم من سيَّارته، بينما نزل رائد وفرح.
_دكتور آدم...إزي حضرتك؟
اقترب منه آدم، وابتسم:
_أهلًا يا عمران...دكتور يوسف رجع الحمد لله؟.
_آه...الحمد لله.
_حمد لله على سلامته.
_الله يسلِّم حضرتك.
اقتربت إيلين وفرح.
_إزي حضرتك يا دكتورة؟
_إزيك يا دكتور...عامل إيه؟
_الحمد لله.
ثم التفت إلى فرح:
_عاملة إيه يا فرح؟
_الحمد لله.
قالتها بهدوء، ثم تحرَّكت إلى الداخل خلف والدتها.
أمَّا عمران، فظلَّ لدقائق مع آدم بالخارج.
في مكتب الياس...قبل قليل.
كان الياس جالسًا وحده.
لم يكن يفعل شيئًا سوى الانتظار.
ينظر إلى الساعة...ثمَّ إلى الباب...
ثم يعود بعينيه إلى الساعة من جديد.
كانت الدقائق تمرُّ ببطءٍ قاتل.
كل ثانية كانت تمرُّ فوق قلبه كأنَّها سنة.
منذ اختُطف ابنه، لم يعد إلياس ذلك الرجل الذي اعتاد الجميع أن يروه.
ذلك الرجل الذي لا يهتز..الذي لا ينحني.
الذي يواجه أصعب الرجال دون أن ترتجف له عين.
كان أبًا فقط..أبًا اختُطف ابنه من قلب بيته، وذُبح قلبه ألف مرَّة وهو يسمع التهديدات التي تطال حياته.
لم يكن المال يعني له شيئًا.
ولا نفوذه...ولا سلطته.
كان مستعدًّا أن يدفع العالم كلَّه...
فقط ليعود يوسف..ولم يكن يريد ابنًا منتصرًا..ولا رجلًا قويًّا.
كان يريد يوسف فقط.
ابنه..فلذة كبده.
فجأة...وصل إلى أذنه صوت شمس من الخارج:
_يوسف!
توقَّف قلبه للحظة.
اتَّسعت عيناه..كأنَّه لم يصدِّق ما سمعه.
حاول النهوض.
لكنَّه شعر بدوارٍ عنيف اجتاح رأسه، وخذله جسده..عاد ليسقط على المقعد.
ارتجفت يداه.
فتح زرَّ قميصه بصعوبة، يحاول التقاط أنفاسه.
لم يعد يستطيع التنفُّس كما ينبغي.
_ياالله...
خرجت منه كأنَّها استغاثة.
نعم عزيزي القارئ..
فكم كان هذا الشعور ثقيلًا على قلب أبٍ لم يعرف يومًا كيف يكون ضعيفًا.
ثم...انفتح الباب.
ودخل يوسف، كان يحاوط ميرال بذراعه من ناحية، وشمس من الناحية الأخرى.
توقَّف عند الباب..لم يتحرَّك.
لم يقل شيئًا..فقط نظر إلى أبيه.
رفع إلياس عينيه إليه، وفي لحظة...
لم تعد هناك كلمات..لم تعد هناك أسئلة.
لم يعد هناك خوف..فقط عينان تلتقيان بعد فراقٍ كاد أن يقتلهما معًا.
تدحرجت دمعة من عين إلياس.
ارتعشت شفتاه.. وحاول أن ينطق...
لكن صوته خانه.
_يو... سف.
ارتجف قلب يوسف.
لأوَّل مرَّة يرى أباه بهذه الصورة.
إلياس الشافعي...
الرجل الذي كان الجميع يهابه.
الرجل الذي لم يسمح لأحد أن يرى انكساره.
كان الآن جالسًا أمام ابنه، ويداه ترتجفان كطفلٍ خائف..اقترب يوسف منه.
خطوة...ثمَّ أخرى...
حتى جلس أمامه على عقبيه.
رفع إلياس كفَّيه المرتجفتين، ووضعهما على رأس ابنه، يتحسَّس شعره ووجهه، كأنَّه يريد أن يتأكَّد أنَّه حقيقي.
أنَّه ليس حلمًا.
_حمد لله على سلامتك...يا حبيبي.
لم يستطع يوسف الرد.
أمسك كفَّ أبيه، قبَّله طويلًا، ثم رفع عينيه إليه:
_وحشتني يا أبو يوسف.
كانت الجملة بسيطة...
لكنَّها هدمت آخر جدارٍ بقي بينهما.
انحنى يوسف واندسَّ في حضن أبيه.
احتضنه إلياس بكلِّ ما أوتي من قوَّة، وضمَّه إلى صدره كأنَّه يستعيد روحه التي سُرقت منه.
دفن وجهه في كتف ابنه..
وانفجرت دموعه.
دموع رجلٍ ظلَّ ساعاتٍ يقاتل كي لا يسقط...
فلم يسقط إلَّا حين عاد ابنه.
شدَّ إلياس على يوسف أكثر، وكأنَّ ذراعيه تقولان ما عجز لسانه عن قوله:
كنت أخاف ألَّا أراك مرَّةً أخرى.
أمَّا يوسف، فظلَّ بين ذراعيه، يغمض عينيه، ويستنشق رائحة أبيه التي اشتاق إليها.
لم يكن هناك شيء في العالم أهم من تلك اللحظة..لا الخطف...ولا التهديد...
ولا الرعب الذي عاشوه.
فقط أبٌ استعاد ابنه.
وابنٌ عاد إلى حضن أبيه.
ظلَّ الجميع صامتين.
فريدة عند الباب، وبجوارها ضي، تضع يدها على فمها كي لا تبكي بصوت.
وشمس تبكي وهي ترى أباها الذي لطالما عرفته قويًّا، منكسرًا أمام أخيها.
وميرال تقف خلفهما، وقلبها ينزف على الاثنين...
على ابنٍ عاد إليها حيًّا...
وعلى زوجٍ كاد يفقد ابنه، ففقد معه كل صلابته.
في تلك اللحظة، لم يكن إلياس باشا...
ولا الرجل الذي يخشاه الجميع.
كان فقط...
أبًا احتضن ابنه بعد أن ظنَّ للحظات أنَّه قد يُحرم منه إلى الأبد.
وربَّما لهذا كانت دموعه أصدق من كلِّ الكلمات.
لأن بعض الأحضان لا تكون مجرَّد احتضان...تكون نجاة.

اقتربت ضي، محاولةً أن تنتزعهم من ثقل اللحظة، وقالت وهي تتصنَّع الاعتراض:
_لا بقى...أنا بعترض، إنتَ حضنتهم كلُّهم ونسيت مراتك!
ابتعد إلياس قليلًا عن يوسف، وكأنَّه عاد فجأةً إلى وعيه، مسح دموعه سريعًا، ثم رفع عينيه إليها:
_قوم احضن البت دي...معندهاش حيا ولا خِشا، ممكن تفضحنا.
اقتربت ضي منه ضاحكة، رغم الألم الذي ما زال يعتصر قلبها:
_الله! مش جوزي برضه، هتشاركوني فيه؟
دخلت  الخادمة:
_دكتور آدم وولاده برَّة يا باشا.
قالت فريدة سريعًا:
_قدِّمي لهم حاجة يا بنتي.
ثم التفتت إلى ميرال:
_اطلعي لضيوفك...جوزك شوية وهيلحقك.
تحرَّكت ميرال، لكنَّها توقَّفت أمام إلياس، واقتربت منه:
_إنتَ كويس؟
أومأ دون أن يتحدَّث، وظلَّت عيناه معلَّقتين بيوسف:
_الحمد لله.
كان صوته هادئًا، لكن يوسف لم تفته تلك الرجفة الخافتة التي اختبأت خلف الكلمة.
ابتعد يوسف عن المكتب قليلًا، ثم اقترب من والده:
_بعد إذنك يا باشا...هنقيس الضغط بس، دقَّات قلبك سريعة، والضغط مش مظبوط، وده مش آمن على صحِّتك.
نظر إليه إلياس في صمت.
كان يتابعه بعينينِ مختلفتين.
لم يره كطبيبٍ هذه المرَّة...
رآه ابنه.
ذلك الطفل الذي كان يحمله بين ذراعيه منذ سنوات.
طفله الذي كاد أن يفقده.
 مرَّت في رأسه كلمات معتز كالسوط:
"هبعتلك جثِّة ابنك."
أغمض عينيه.
ارتفعت أنفاسه من جديد.
اقترب يوسف أكثر، وقد بدأ القلق يظهر على وجهه:
_بابا...نبضك سريع كده ليه؟ والضغط مش مظبوط.
فتح إلياس عينيه، وأدار وجهه إلى ميرال:
_أنا كويس.
ثم قال، بصوتٍ يحمل شيئًا أكبر بكثير من الكلمات:
_حمد لله على سلامة يوسف...يا أم يوسف.
تجمَّعت الدموع في عيني ميرال.
فهمت العتاب المختبئ خلف الجملة.
لم يكن يعاتبها على شيء...سوى على اتِّهامه، ولم تشعر بحالته. 
في تلك الساعات التي عاشاها وهما لا يعرفان إن كان ابنهما سيعود إليهما أم لا.
ابتسمت وسط دموعها:
_ربِّنا ما يحرمنيش من يوسف...ولا أبو يوسف.
هنا ارتفع صوت ضي:
_يوسف!
التفت إليها.
اقتربت منه، أمسكت كفِّه وسحبته نحوها:
_أمَّك وأبوك بيتنحنحوا...وأنا هموت بالسكتة القلبية هنا!
ضحك يوسف رغماً عنه.
رمقها إلياس بنظرةٍ ساخرة:
_ما تحترمي نفسك يا بت.
عانقت ضي ذراع يوسف، وقالت ببراءة مصطنعة:
_مش هرد عليك، لأنِّي تعبانة ومبقاش فيَّا حيل.
ضحك يوسف، ثم حاوط خصرها بذراعه.
وقبل أن يخرجا، أومأ له إلياس:
_اطلع ارتاح يا حبيبي. شوية وعمَّك أرسلان وإسحاق هييجوا، ولازم تكون موجود.
_حاضر يا بابا.
خرج يوسف مع ضي.
وبقي إلياس للحظات ينظر إلى الباب الذي اختفيا خلفه.
ثم أخذ نفسًا طويلًا...
كأنَّ خروجه من الغرفة أعاد إليه جزءًا من الخوف الذي حاول أن ينساه.
بالخارج، بدأ المنزل يمتلئ من جديد.
وصل يزن، وطارق، وغادة، وإسلام، وتوالى أفراد العائلة والمعارف، حتى ضجَّ المنزل بالأصوات والوجوه التي جاءت للاطمئنان على يوسف.
كان الجميع يريد أن يراه...
أن يتأكَّد بعينه أنَّه عاد.
لكن بعيدًا عن كل تلك الضوضاء...
كان هناك قلب آخر يختنق في صمت.
عند بلال...
اتَّجه إلى منزله دون أن ينطق بكلمة.
رأته رولا، فظنَّت أنه سيصعد للاستحمام ويعود بعد قليل.
لم تسأله..لم تكن تعرف ما مرَّ به 
عند آسر...
ركضت آسيا نحوه فور رؤيته:
_إنتَ كويس، إيه اللي عامل في وشَّك كده؟
اقترب كريم منهما، وعيناه تتفحَّصان آسر بقلق:
_إيه اللي حصل، وليه بلال متبهدل كده؟
خفض  عينيه:
_بعدين...أنا هروح البيت.
أمسكته آسيا من ذراعه، تتفحَّص جسده:
_إنتَ مصاب!
ثم رفعت عينيها إليه:
_إنتَ كويس؟
انحنى وقبَّل رأسها، وربت على ظهرها:
_كويس.
قالها، ثم تحرَّك.
ظلَّت آسيا تتابعه بعينيها حتى اختفى.
بعد لحظات، وصلت رولا:
_هروح أشوف بلال، خلِّي بالك من يوسف مع النانا.
قاطعتها آسيا بقلق:
_أنا كمان...آسر وشُّه متبهدل..قولي لمامتك.
بعد قليل...
دلفت رولا إلى منزلها..خطت خطوتين فقط...ثم توقَّفت على صوت تحطُّم عنيف جاء من الداخل.
شهقت..لم تفكِّر..اندفعت نحو الصوت.
_بلال؟!
لم يجبها أحد.
تقدَّمت سريعًا حتى وصلت إلى الحمَّام.
توقَّفت أنفاسها.
شظايا الزجاج متناثرة على الأرض.
وبقع دماء.
_يا نهار أبيض...
بحثت عنه بجنون.
حتى دفعت باب كابينة الاستحمام..
وجدته واقفًا تحت المياه.
والماء ينساب فوق وجهه وجسده، بينما صوت بكائه يخترق جدران المكان.
شهقت رولا:
_بلال!
التفت إليها.
تجمَّدت في مكانها..
لأوَّل مرَّة...
ترى زوجها بهذه الصورة...عينان حمراوان منتفختان.
وجه متورِّم من الغضب والألم.
وجسدُ رجلٍ يبدو كأنَّه خاض حربًا ولم يخرج منها منتصرًا.
اقتربت منه دون أن تشعر بالمياه التي ابتلَّت ملابسها:
_إيه اللي حصل؟
ارتجف صوتها:
_مين عمل فيك كده؟
أغلق بلال المياه بعنف.
ثم نظر إليها.
_إنتِ إزاي روحتي من غير ما أعرف؟
تجمَّدت.
_رحت فين؟
اقترب منها، وقال بصوتٍ مخنوق بالغضب والخوف:
_عند الحيوان اللي اسمه معتز!
ثم صرخ:
_إيه، مش شايفاني راجل؟!
هزَّت رأسها سريعًا.
مدَّت يدها نحو ذراعه.
لكنَّه انتفض بعيدًا عنها، ودفع يدها:
_ابعدي عنِّي!
ثم حدَّق بها بعينينِ ممتلئتينِ بالخوف أكثر من الغضب:
_قوليلي...إزاي رحتي عند الحيوان ده؟!
تلعثمت:
_باباك هوَّ اللي...
لم تكمل.
قبض على ذراعيها بقوَّة، وكأنَّ أعصابه لم تعد تحتمل كلمة واحدة.
_أنا جوزك!
خرجت منه كصرخة موجوعة:
_سمعتي؟! أنا جوزك! المفروض ما تتحرَّكيش خطوة من غير ما أعرف!
ارتعشت عيناها:
_ما هو علشان نعرف مكان يوسف...
ضرب الحائط بقبضته:
_بااااس!
ارتجَّ الحمَّام من صوته:
_مش عايز مبرِّرات!
سكتت لحظة.
ثم اقتربت منه..لم تجادله، لم تدافع عن نفسها، فقط احتضنته:
_طب ممكن تهدى؟
وضعت يدها على يده.
كانت تنزف..ثم مرَّرت أصابعها على وجهه:
_إيدك بتنزف...ووشَّك كمان.
رفعت عينيها إليه:
_علشان خاطري يا حبيبي...اهدى.
قاومها للحظات.
ثم انهارت مقاومته، ضمَّها إليه 
بقوَّة.
كأنَّها آخر شيء بقي له في هذا العالم.
دفن وجهه في كتفها، وخرج صوته متقطِّعًا:
_آسف...
لفَّت ذراعيها حوله، ودفنت وجهها في صدره العاري:
_ما تتأسِّفش...
رفعت يدها إلى ظهره:
_حقَّك...متزعلش منِّي.
أغمض بلال عينيه.
كان يحاول أن يدفن في صمته ذلك الصوت الذي ما زال يطارده.
صوت معتز..كلماته..وصفه لرولا.
كل كلمة كانت تعيد أمام عينيه شعور العجز، كان يريد أن ينسى.
أن يغسل صوته من رأسه.
أن يغسل كل ما سمعه...
لكن بعض الكلمات لا تغسلها المياه.
حتى لو وقف الرجل تحتها حتى يفنى.
ابتعدت رولا قليلًا، ورفعت وجهها إليه..
ابتسمت رغم دموعها:
_وحشتني على فكرة.
نظر إليها دون كلام.
فأضافت بنبرةٍ حاولت أن تخفِّف عنه:
_مش واخد بالك إنِّنا تحت الميَّه؟
نظرت إلى عينيه مباشرة:
_كنت خايفة عليك أوي النهاردة.
مرَّرت كفَّاها على وجهه برفق:
_لازم بقى تريَّح قلبي من الخوف.
توقَّفت عيناه عليها لحظة...
ثم ابتعد عنها فجأة، كأنَّ لمستها أيقظت شيئًا لم يعد قادرًا على مواجهته.
خفض عينيه:
_عايز ألبس...
ثم رفع عينيه إليها، بصوتٍ خافت لكنه حاسم:
_اطلعي برَّة.
توقَّفت رولا مكانها.
نظرت إليه طويلًا.
ثم أدركت أنَّ الذي أمامها ليس غضب زوجها...
بل رجل يحاول بكل ما بقي لديه من قوَّة أن يخفي انهياره..خرجت ببطء.
وبقي بلال وحده.
أسند كفَّيه إلى الحائط..
وأغمض عينيه.
وانهارت دمعة أخرى من عينيه...
لكن هذه المرَّة لم يحاول إخفاءها.
فبعض الرجال لا يبكون لأنَّهم ضعفاء...
يبكون لأنَّهم ظلُّوا أقوياء أكثر ممَّا تحتمل أرواحهم.

بعد شهر..
بمنزل آسر.. 
دلفت للمنزل، ثم قامت بنزع حذائها متأوِّهة:
_آااه..مالي ومال شغل المباني أنا.
وقعت عيناها على الخادمة تحمل فنجان قهوته تتحرَّك الى المكتب، اقتربت منها:
_هوَّ المتر هنا؟. 
_أيوة يا مدام. 
خرج من المكتب بعدما استمع إلى صوت سيَّارتها:
_ما لسة بدري يا مدام.
التفتت إليه:
_أهلًا سبع البرومبة، شرَّفت. 
 أشار للخادمة بالانصراف:
_جهِّزي العشا، المدام وصلت خلاص. 
_مدام في عينك، هيَّ مين دي اللي مدام. 
تجوَّل ببصره على جسدها ثم قال:
_عندك حق، هتكوني مدام إزاي ومفيش أي اغراءت فيكِ..
لا حاجات فوق ولا حاجات تحت، أنا لازم أرجع لقانون الأسرة مش يجوِّزوا أي بنت مفيهاش حاجات.
توسَّعت عيناها بذهول من كلماته الوقحة، فاقتربت منه حافية القدمين: 
_يعني علشان فيك عيب، تطلَّعني معيوبة، أنا واثقة من نفسي، جميلة وحلوة وخلِّيت الكل يجري ورايا حتى إنتَ يا مترين على بعض..
بس يا خسارة اسمي متجوِّزة راجل. 
شهق: 
_يالهوي...إنتِ بتقوليلي الكلام دا؟!.
_لا..بقول للِّي متجوِّزاه.
قالتها واستدارت متحرِّكة تنادي على الخادمة: 
_جهزيلي الحمَّام، جسمي قافش وعايزة أرتاح من تعب اليوم.
قالتها وهي تبتسم، وصعدت سريعًا، تتذكَّر منذ عدِّة أيَّام حين شعرت بألم في معدتها، وسخر منها قائلًا:
_مبروك يا حبيبتي، هيجيلنا بيبي. 
لقد صدَّقته وذهبت للطبيبة للاطمئنان، وهناك علمت كل شيء، عادت إليه: 
_مبروك يا حبيبي، هيجيلك توأم، 
جلست جواره على الفراش بكلِّ جرأة، وأخرجت ورقة لصورة جنينين:
_حلوين أوي يا أسورتي، تفتكر هيبقى شبهي ولَّا شبهك؟. 
بصق العصير من فمه، ينظر للورقة التي بيدها:
_عيال مين دول يا بت؟! 
_عيالنا يا حبيبي...تؤ تؤ، إيه نسيت لمَّا خدَّرتني؟. 
هبَّ من مكانه، وبلحظة واحدة كان يعتليها:
_إنتِ أكيد اتجنِّنتي، أنا مقرَّبتش منك، ولا لمستك، دا أنا هشرب من دمِّك. 
دفعته، واعتدلت، ثم ألقت الورقة بوجهه: 
_اثبت بقى.
شهق ينظر لتلك الورقة التي سقطت تحت قدميه:
_يا بنت المجنونة، جايبة عيال هيتولدوا بكرة، وإحنا لسة متجوِّزين، والله لاأفخك. 
أغلقت الباب خلفها، وشعرت بالسعادة، وضعت كفَّيها على صدرها:
_كنت متأكِّدة إنَّك مش تعملها.
جلست خلف الباب وضمّّت ساقيها وما زالت الابتسامة تنير وجهها، استندت على الباب وهي تستمع إلى ركله بالباب:
_افتحي يا بت، بدل ما أدخل وأخلِّيكي تولديهم دلوقتي. 
أفلتت ضحكة وقالت: 
_عايز تقتل ولادك يا مجرم، هشكيك للمجتمع الأسري. 
لم تعلم لماذا تشعر بكم هذه السعادة، حتى همست: 
_بحبَّك أوي يا بن خالي. 
خرجت من شرودها وهي تفتح باب الغرفة، ألقت حقيبتها، ونزعت ثيابها متّّجهة إلى الحمَّام، خرجت الخادمة منه وهي تقول: 
_كلُّه تمام يا هانم...محتاجة حاجة تانية؟. 
_لا...قالتها، ونزعت آخر قطعة لملابسها، واتَّجهت للمياه، جلست بها تستمتع بعد يومٍ شاق، وأغلقت عيناها.. 
دقائق قليلة، حتى شعرت بمن يضع الروائح لها بالمياه، وهو يهمس:
_بحبِّ الريحة دي أوي. 
فتحت عيناها وارتجفت شفتيها تنطق اسمه بتقطُّع:
_آسر.
_أه يا روحي، جاي أحمِّي عيالي. 

بالجامعة وخاصَّةً بكلية الإعلام.. 
خرجت من الكليَّة، ورفعت الهاتف:
_ماما، عمُّو السوَّاق مجاش. 
_ابنه عمل حادثة، وراح له، هتِّصل ببابا يبعت لك أوبر. 
_تمام. 
خرج عمران من القاعة، واتَّجه إلى سيَّارته.
وجدها تقف تنظر بساعتها، اتجه إليها: 
_واقفة كدا ليه؟
دارت بعينيها بالمكان وقالت:
_مستنية أوبر.
_أوبر!
أومأت له وهي تنظر له:
_تعالي هوصَّلك. 
_لا طبعًا...أركب معاك إزاي؟. 
توقَّف واستدار ينظر إليها: 
_مش عايز كلام كتير، حوالينا طلبة، اركبي مش عايز أعيد كلامي. 
قطع حديثهم صوت بالخلف: 
_دكتور عمران. 
التفت إليها.. 
_كنت محتاجة حضرتك في حاجة، أنا عندي شوية حاجات في المادَّة، ومش قادرة أجمَّعهم، بقول لحضرتك يعني لو فاضي ساعة. 
نظر بساعته ثم إليها:
_هكلِّمك بالليل دلوقتي مشغول. 
تحرَّكت فرح متَّجهة إلى سيَّارة الأجرة.
استقلَّ سيَّارته وهو يشير إلى جنات: 
_هكلِّمك بعدين. 
قاد السيارة قبل أن ترد عليه، وتحرَّك خلفها.
وصل إلى وقوفها وهي بانتظار سيارة الأجرة، فتح الباب يشير إليها: 
_اركبي.
نظرت إليه ثم عادت تنظر للطريق..
أمال برأسه واقترب منها.
_اركبي، بدل ما أنزل وأركَّبك بطريقتي. 
قالها ورفع هاتفه وقام بمهاتفة والدها:
_دكتور آدم، فرح واقفة منتظرة عربية
هوصَّلها لحدِّ البيت. 
أغلق الهاتف بعد موافقته، ليرتفع رنين هاتفها، ردَّت للحظات، ثمَّ استقلَّت السيارة بجواره. 
مضت دقائق والصمت هو السائد، فتح كاسيت السيَّارة، وراقب طريقه دون حديث. 
_مكنش فيه داعي، كنت هاخد تاكسي. 
استدار برأسه إليها: 
_اعتبري نفسك راكبة تاكسي مش هتفرق. 
تأفَّفت على ردِّه البارد، فقالت بنبرة ممزوجة بالغيرة:
_لا مكنش فيه داعيأاعطَّل حضرتك على مواعيدك. 
_معلش...إيه يعني لمَّا أتعطَّل شوية. 
تجمَّعت الدموع في عينيها:
_دا الرد يعني. 
توقَّف على جانب الطريق: 
_برد زي ما إنتي بتردِّي، نظر إلى حجابها الذي كشف بعضًا من خصلاتها:
_وبعدين لمِّي شعرك، بتتباهي بيه، مالوش لازمة الحجاب، لابساه منظرة. 
ابتلعت غصَّتها، تتمتم: 
_إيه اللي بتقوله حضرتك دا؟!.
_إيه، مش بقول الحق، شايف ما لوش لازمة الحجاب، وكمان البلوزة المفتوحة من فوق دي.
اتَّجهت تفتح باب السيارة ولكنَّه كان أسرع في إغلاقها. 
_افتح الباب عايزة أنزل. 
قاد السيارة دون أن يردَّ عليها. 
صرخت بأعلى صوتها: 
_عمران بقولَّك افتح الباب.
فجأة أوقف السيارة على نطقها تلك الكلمات وردَّد كلماتها. 
_عمران!.. 

بمنزل يوسف.. 
فتحت عيناها تشعر بألم يفتك بمعدتها، اعتدلت سريعًا، وتحرَّكت بضعف إلى الحمَّام، ارتجف جسدها، حتى هوت وأخرجت ما في جوفها. 
شعر بها، واستمع إلى أنينها، هبَّ من نومه يبحث عنها، تسمَّر بمكانه وهو يجدها بتلك الحالة:
_ضي...مالك؟!.
رفعت رأسها بضعف، والعرق يغزو وجهها:
_معدتي، شكلي أخدت برد من التكييف. 
انحنى وساعدها بالوقوف، واتجه للمياه يغسل وجهها، تعلَّقت به:
_مش قادرة ياي وسف، آاااه.
تمتمت بها وهي تحتضن معدتها وتستفرغ مرَّةً أخرى مافي جوفها. 
ضمَّها من الخلف حتى انتهت. 
أشارت للمياه:
_عايزة آخد شاور، جسمي عرقان. 
ساعدها في نزع ملابسها وقام باإمامها، ثم ألبسها ملابس مريحة، وتحرَّك بها إلى الفراش، دثَّرها وأغلق المكيِّف، جلس جوارها يداعب شعرها:
_حبيبتي...حاسة بإيه؟. 
_أنا كويسة، شوية برد. 
انحنى وقبَّل جبينها، ابتسمت وأغلقت عيناها تهمس له:
_بحبَّك أوي. 
مساء اليوم التالي.. 
كانت تجلس تقصُّ لرولا مادحدث معها:
_هقولِّك حاجة، مش عايزة أعشِّمك، بس شوفي اختبار حمل، يمكن تكوني حامل. 
لمعت عيناها وارتجف قلبها، وحاوطت بطنها لا إراديًّا: 
_تفتكري يا رولا؟.
_يمكن حبيبتي، مش هنخسر حاجة. 
نهضت متَّجهة إلى منزلها، وطلبت اختبار حمل: 
حامل!!..معقول أنا حامل؟!
خرجت الكلمة منها مرتجفة، كأنَّها لا تصدِّق أنَّ الحلم الذي دُفن عاد ينبض أمامها من جديد.
ظلَّت تردِّدها بجنون، تضحك وسط بكائها، تبكي وهي تضحك، كأنَّ قلبها لا يعرف كيف يحتوي كل تلك الفرحة. 
ارتعشت أناملها وهي تضع كفَّيها فوق أحشائها، بحذرٍ شديد…كأنَّها تخشى أنَّها تحلم..
نظرت للطبيبة: 
_اتأكِّدي تاني يا دكتورة، لا تاني وتالت وعاشر.
قالتها ببكاء، ثم نظرت للطبيبة 
تترجَّاها بعينيها ألَّا تقتـ. ل حلمها حتى لو كذبًا.
_مدام ضي..حامل والله، التحاليل بتقول كدا، والسونار كمان. 
وضعت كفَّيها على بطنها، تهمس بخفوت:
_ابني…!!
خرجت من عيادة الطبيبة تشعر بالسعادة، وكأنَّها لمست النجوم، ياالله، ما أجمل هذا الشعور، رفعت هاتفها وقامت بالاتصال به:
_إنتَ فين 
_مستنيكي، عندنا سفرية. 
_فين؟ 
_شرم الشيخ، بكرة فيه مؤتمر طبي، إيه رأيك تيجي نقضِّي يومين، أنا مش باخد رأيك، على فكرة الشنطة في العربية، توصلي بالسلامة بس.
_جاية حالًا. 
بشرم الشيخ وخاصَّةً على ذاك اليخت. 
استيقظت على خيوط صباحٍ دافئ تتسلَّل إلى روحها قبل عينيها، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة خجولة تشي بسرٍّ جميل..فتحت عينيها ببطء، تتلمَّس المكان من حولها، حتى داهمتها ذكرى ليلة أمس بكلِّ دفئها وهمسها، فاشتعلت وجنتاها بحمرةٍ رقيقة، وكأنَّ قلبها يعيد نبض تلك اللحظات من جديد.
اعتدلت، تلملم خصلات شعرها المبعثرة ثم سحبت روبها الحريري فوق منامتها الحمراء،  نادت اسمه بصوتٍ رقيق، ولم تجد إجابة..
خرجت إلى سطح اليخت، فوجدته واقفًا عند الحافَّة، مغمض العينين،  يستنشق نسيم الصباح الذي يلامس وجهه برفق، وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيه…ابتسامة رجلٍ ما زال غارقًا في عشقٍ لم ينتهِ.
توقَّفت للحظات تتأمَّله…الهدوء الذي يميِّزه، حتى في أكثر لحظاته غضبًا،  دقَّ قلبها بقوَّة وهي تهمس باسمه، بصوتٍ ناعم. 
استدار إليها، وعيناه التهمتها ببطءٍ مُسكر، من خصلات شعرها الفوضوية التي زادتها سحرًا، إلى ملامحها التي تشعُّ وهجًا ودفئًا، مرورًا بجسدها الذي يزيِّنه تلك المنامة الحمراء، وصولًا إلى عنقها الذي ما زال يحمل آثار ليلتهما…كوشمٍ من عشق.
مدَّ يده إليها، دون كلمات، اندفعت نحوه، وارتمت بين ذراعيه.
احتضنها بقوةٍ أذابت عظامها بين ذراعيه، دفن وجهه في عنقها، يستنشقها كأنَّها أنفاسه، وهمس بصوتٍ مبحوح، يحمل كل ما فيه من حب:
— "بحبِّك يا وهج روحي…يا قدري اللي اختارني قبل ما أختاره."
ارتجفت بين ذراعيه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تغوص أكثر في دفئه، وهمست بصوتٍ ذائب:
— "وأنا بعشقك يا سلطان قلبي…يا ملاذي الوحيد،.
رفعت رأسها إليه وقالت:
_كنت عايزة أقولَّك خبر حلو، بس حضرتك ما تدنيش فرصة.
تراجع يستند على حافَّة اليخت:
_إيه هيكون أحسن من إنِّك بين أحضاني.
سحبت كفَّيه، ووضعتها على بطنها تهمس بالقرب من شفتيه وعيناها تخترق عيناه:
_جايلنا أجمل هدية حبيبي.. 
بعد ستِّ شهور هتبقى أجمل أب في الدنيا. 
لحظة اثنان ثلاثة يستوعب ما نطقته تلك الشفاة، ينظر إليها بتيه، أومأت له مع دموعها: 
_أنا حامل في الشهر التالت.

تعليقات