رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل التسعون 90 والاخير بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل التسعون والاخير 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" 

مــن بــعــد كُــل مــا انــكــســر... يــأتــي الــجــبــر عــوضًــا.

ربما لم يكن الطريق الذي قطعناه سهلًا... وربما تركت الأيام في أرواحنا من الندوب ما ظننا يومًا أنها لن تلتئم.

لكن الحياة، حين تمهلنا قليلًا، ترينا أن بعض النهايات لم تكن خسارة... بل كانت بداية لشيء أجمل مما تمنيناه.

وهكذا، بعد كل ما حدث، وبعد كل ما انكسر في الطريق... جاء الوقت الذي لم نعد فيه نبحث عن إجابات، ولا نلتفت خلفنا بحسرة.

جاء الوقت الذي هدأت فيه أرواحنا...

وكأن الله جمع شتاتنا برفق، ووضع في أيدينا عوضًا يليق بكل لحظة صبر، وكل دمعة أخفيناها، وكل دعاء ظنناه تأخر.

لم تكن الحياة كما أردنا... لكنها في النهاية منحتنا ما كنا نحتاجه.

وفــي الــفــصــل الــأخــيــر مــن الــحــكــايــة...

لم نعد أولئك الذين بدأوها.

أصبحنا أكثر هدوءًا، وأشد إيمانًا بأن ما كتب لنا سيصل إلينا، ولو بعد حين.

وأن الجبر الحقيقي ليس أن تعود الأشياء كما كانت... بل أن يأتيك ما يجعلك لا تتمنى عودتها أصلًا.

ربما كانت هذه هي الحياة التي ظننا أننا فقدناها طويلًا... وربما كان هذا العوض هو الفصل الذي استحق كل ما سبقه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
اولا كل عام وحضراتكم بخير بمناسبة مولد سيد الخلق أجمعين 
ثانيًا 
الفصل السابق مشهد حمل ضي كان فيه غلطة، بعتذر عنها 
مشهد حمل ضي بعد سنة من خطف يوسف، انما مشهد اسر وعمران بعد شهر 
اتمنى الأحداث تكون مفهومة بعد الغلطة الغير مقصودة طبعا.. ولاز يكون فيه سنة
قبل حمل ضي، ترتيب احداث فيما بعد
علشان اللخبطة
اعتبره اقتباس، متقدم
ثالثا بقى 
الفصل دا مش مدقق، يعني مش متراجع 
للاسف عندي شوية ظروف خاصة ملخبطة الدنيا معايا 
ورغم كدا نزلت الفصل لان البنات المتفاعلة مالهم دعوة بظروفي 
بحاول والله اكون متواجدة معاكم، سواء، هنا أو في الجروب 
ونوهت ان فيه نوفيلا اسمها قدرا لايشبه 
بطولة عمران وليلى بتنزل يوميا على صفحة روايات سيلا وليد. 
غير يوم نزول الفصل طبعًا، اتمنى تتابعوها 
اسفة طولت عليكم واتمنى أحداث الفصل تعجبكم، وبالمناسبة، مش معنى دا الفصل الاخير إن الرواية خلصت 
لا لسة معانا 3 خاتمات، يعني 3 فصول 
وكل مااشوف التفاعل، كل مالحماس يزيد 

ندخل بقى على أحداثنا 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"
قبل سنة...من حمل ضي
وخاصَّة بعد عودة يوسف.
في منزل آسر، خرج آسر من الحمَّام، وشعره لا يزال يقطر بالماء، والمنشفة ملتفَّة حول خصره، في تلك اللحظة..دلفت آسيا إلى المنزل، وما إن رأته حتى توقَّفت مكانها، تتفحَّص وجهه والآثار الواضحة على ملامحه.
اقتربت منه بقلق: 
_آسر...إيه اللي عمل فيك كده؟
لم يجبها.
ألقى المنشفة جانبًا، واتَّجه إلى غرفة الملابس بخطواتٍ ثقيلة، وصوت معتز مازال يتردَّد داخل رأسه كأنَّه لم يغادره منذ اللحظة التي سمع فيها كلماته.
جلست آسيا تنتظره في الخارج، وعيناها معلَّقتان بباب الغرفة.
خرج بعد دقائق، مرتديًا ملابسه، واتَّجه مباشرةً إلى هاتف المنزل، رفع السمَّاعة واتَّصل بالخادمة:
_ اعملي قهوتي وطلَّعيها.
أغلق الخط، فوجد آسيا لا تزال تراقبه.
نهضت من مكانها واقتربت منه، وحين انحنى ليلتقط علبة سجائره من فوق الطاولة، خطفتها من يده وألقتها بعيدًا.
_ ممكن أعرف إيه اللي حصل؟ بقالي ساعة بكلِّمك وإنتَ مبتردش.
رفع عينيه إليها للحظات...
صمت طويلًا.
كان بداخله كلام كثير، أكثر ممَّا يحتمل صدره، لكنَّه لم يكن يعرف من أين يبدأ..كل كلمة سمعها اليوم كانت تهدم شيئًا داخله، وكلَّما حاول أن يتحدَّث، شعر أنَّ اعترافه قد يصنع بينه وبينها مسافة لن يستطيع عبورها.
اتَّجه إلى الفراش وجلس عليه، ثم قال بصوتٍ خافت:
_ آسيا...سيبيني دلوقتي.
اقتربت منه بدلًا من أن تبتعد:
_ لأ.
رفعت يدها إلى وجهه، تمرِّر أصابعها بحذر فوق الجرح القريب من حاجبه.
نهضت فجأةً واتَّجهت إلى الخزانة، أخرجت علبة الإسعافات الأوليَّة، ثم عادت وجلست أمامه.
فتحت العلبة، وبدأت تنظِّف جروحه بهدوء.
أغمض آسر عينيه.
لم يكن يريد أن يقترب منه أحد الآن... لكنَّه، في الحقيقة، كان يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.
رفعت المطهِّر ولمست به الجرح.
تأوَّه دون قصد..توقَّفت فورًا:
_ آسفة...
فتح عينيه.
تقابلت عيناهما.
كانت تنظر إليه بخوف وحنان، بينما كان هو يحدِّق فيها كأنَّه يبحث عن ملجأ من كل ما سمعه اليوم.
كان يريد أن يخرج كل شيء.
أن يخبرها بما يؤلمه، عن ما استمع إليه عن أخته، ومحاولة ذاك القبيح بتدنيسها.
إذا هو لم يتحمَّل، فكيف حال بلال الآن. 
مسح على وجهه بعنف.

همست وهي لا تزال تنظِّف جرحه و تحدِّق في عينيه:
_أنا سامعاك...لو عايز تقول إيه؟
ظلَّ صامتًا للحظات.
ثم مدَّ يده وسحبها نحوه، وقبَّلها قبلة خاطفة محمَّلة بكل ما عجز عن قوله.
سقط ما كان بيدها على الأرض، وتجمَّدت للحظة من مفاجأته.
ابتعد قليلًا، يبحث في عينيها عن ردِّ فعلها، ثم اقترب منها مجدَّدًا، وكأنَّه يحاول أن ينسى ما سمعه، أن يهرب من رأسه، من غضبه، ولو للحظات.. سحبها مرَّةً أخرى قبل ان تتراجع، وبدأ يقبِّلها حتى تمادى وأصبح كل ما بينهما بدأ يتساقط شيئًا فشيئًا. 
لكن طرقًا على الباب قطع اللحظة.
ابتعدت آسيا عنه سريعًا، تعدِّل ثيابها وخصلات شعرها المرتبكة، بينما جاء صوته من الداخل:
- ادخلي.
التفتت إليه بدهشة، وقبل أن تتمكَّن من ترتيب نفسها تمامًا، دلفت الخادمة حاملةً القهوة.
وضعتها على الطاولة، ثم خرجت.
رمقته آسيا بغضبٍ واضح:
_ إزاي تخلِّيها تدخل كده؟ أنا حتى مكنتش ظبَّطت هدومي!
رفع آسر حاجبه، ونظر إليها بهدوء مستفز رغم كل ما يعتمل داخله:
_ هدومك!...إنتِ نسيتي إنِّك مراتي؟
اتَّسعت عيناها لحظة، ثم استدارت عنه وهي تخفي ارتباكها خلف غضبها:
_مش هتكلِّم معاك.
اتَّجهت إلى الباب.
_آسيا...
لم تتوقَّف.
_ آسيا، استنِّي.
لكنَّها خرجت وأغلقت الباب خلفها، وتركته وحده.
نظر إلى الباب طويلًا.
ثم انخفضت ملامحه شيئًا فشيئًا، وعاد كل ما حاول أن يهرب منه، تمدَّد على ظهره كما هو، بينما هي اتَّجهت لغرفتها بأنفاسٍ مرتفعة، توقَّفت سريعًا أمام المرآة تنظر لهيأتها، ملابسها، شعرها وشفتاها، كل شيء بعثره بطريقة جعلتها تنظر لنفسها، هل ضعفها اليوم بين يده كان سيصل بهم لعلاقةٍ مرَّةً أخرى؟!
تراجعت تجلس على الفراش، تحاول أن تتذكَّر ما حدث في تلك الليلة، ولكنَّها لم تتذكَّر شيئًا، سوى أخدها حبوب الصداع ونومها. 
عادت إلى فراشها، وجلست عليه، تحاول أن تسيطر على ارتعاش جسدها. 

بمنزل يزن..
جلس أمام المسبح، يحدِّق في المياه الساكنة أمامه، بينما رأسه يموج بالأحداث.
وصل طارق إليه بخطواتٍ هادئة، ثم وضع كفَّيه على كتفيه:
_سألت عليك عند إلياس...قالوا إنَّك جيت.
التفت يزن إليه ببطء:
_عرفت اللي حصل؟
سحب طارق المقعد القريب وجلس بجواره:
_أيوة...عرفت من مالك.
أطلق يزن زفرة طويلة، ثم مرَّر يده على وجهه بعنف، وكأنَّه يحاول أن يمحو ما يدور في رأسه:
_الراجل ده...مش عارف هعمل فيه إيه.
سكت للحظة، ثم انخفض صوته:
_ أنا خايف على آسر وبلال غضبهم يعميهم، وممكن يعملوا حاجة يندموا عليها طول عمرهم.
نظر إليه طارق طويلًا، ثم قال بهدوء:
_من رأيي...إلياس غلط لمَّا ما سلِّموش للشرطة.
ظلَّ يزن صامتًا، يحدِّق في نقطة وهمية أمامه:
_إلياس هيسلِّمه...بس أنا مش فاهم بيفكَّر في إيه، والغريب إنِّ إسحاق هوَّ اللي بلَّغ الشرطة، وبعدها أرسلان بنفسه سحب الشكوى.
عقد طارق حاجبيه:
_طيب ليه ما اتكلِّمتش معاهم؟ يمكن تفهم همَّا بيفكَّروا في إيه.
رفع يزن عينيه إليه، وقال بمرارة:
_لأنِّي عارف تفكيرهم غير تفكيري. حساباتهم غير حساباتنا.
توقَّف لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أثقل:
_وفي الأوَّل والآخر...يوسف هوَّ اللي كان مخطوف.
هزَّ طارق رأسه، باعتراض: 
_لا يا يزن...الموضوع يخص العيلة كلَّها، مش يوسف بس.
اقترب منه قليلًا، ونبرته أصبحت أكثر حدَّة:
_بلال النهاردة كان ممكن يبقى مجرم...وآسر كمان، الاتنين كانوا على بعد خطوة من إنِّ غضبهم يضيَّع مستقبلهم بإيديهم.
خفض يزن رأسه، ومسح وجهه مرَّةً أخرى، ثم نفخ بضيق:
_عارف...
خرجت منه الكلمة مثقلة بالعجز:
_وعشان كده هتكلِّم.
رفع عينيه إلى طارق، ثم قال بحسم ممزوج بالتعب:
_بس مستنِّي الناس تمشي من عندهم.

بالداخل...
كانت رحيل تقف أمام الموقد، شاردة تمامًا، تحدِّق في النار أمامها دون أن تراها حقًّا..فكان عقلها لا يزال عالقًا فيما حدث اليوم، يعيد التفاصيل واحدة تلوَ الأخرى، وكأنَّها تحاول أن تستوعب كيف عاد الماضي ليقتحم حياتهم من جديد.
دلفت إيمان إلى المطبخ، وسألت الخادمة عنها، فأجابتها: 
_الهانم في المطبخ.
اتَّجهت إليها، وما إن وجدتها حتى اقتربت منها:
_رحيل...
لكنَّها لم تجب، ولم تنتبه حتى إلى ندائها.
ربتت إيمان على ظهرها، فانتفضت رحيل والتفتت إليها:
_إيمان...
في تلك اللحظة نفسها، فارت القهوة فجأة، وانسكبت.. 
_آآآه!
أسرعت إيمان تمسك يديها وتسحبها بعيدًا عن الموقد، ثم التفتت إلى الخادمة:
_نضَّفي يا بنتي، واعملي قهوة تانية.
ثم أخذت رحيل معها إلى الخارج، وجلست بجوارها، تتأمَّل وجهها القلق:
_أنا بنادي عليكي وإنتي مش سامعة... مالك يا رحيل؟
رفرفت رحيل بأهدابها،، ثم أطلقت زفرة طويلة خرجت معها كل مخاوفها:
_مخنوقة أوي يا إيمان...مخنوقة كأنِّي مش عارفة آخد نفسي، كأن الماضي حالف ما يسيبناش في حالنا.
اقتربت إيمان منها، وقالت بقلق:
_ليه حبيبتي، إيه اللي حصل؟
نظرت رحيل إليها للحظات، ثم قصَّت عليها ما حدث، وما عرفته عن الرجل، وما فعله، وكيف انكشف كل شيء.
شهقت إيمان، ووضعت كفَّها على فمها:
_الحيوان...يعني هوَّ اللي كان ورا ده كلُّه؟
أومأت رحيل، وقد انطفأت ملامحها أكثر:
_أيوه...
_طيب...هوَّ في السجن دلوقتي؟
هزَّت رحيل رأسها نفيًا:
_اللي عرفته إنِّ الياس حبسه عنده... بس أنا خايفة على آسر وبلال أوي يا إيمان، من ساعة ما يزن قالِّي اللي حصل وأنا حاسَّة إنِّ قلبي هيقف من الخوف.
ربتت إيمان على كتفها محاولةً تهدئتها:
_اهدي...الولاد عاقلين، ومش هيعملوا حاجة تخلِّيهم يندموا.
ضحكت رحيل ضحكة مكسورة، وانزلقت دمعة ساخنة على خدِّها:
_كانوا هيقتلوه يا إيمان...
توقَّفت أنفاسها للحظة، ثم تابعت بصوتٍ مرتجف:
_وبلال...بلال ضربه بالنار.
اتَّسعت عينا إيمان في صدمة:
_طيب ليه بلال يعمل كده؟!
مسحت رحيل دمعتها:
_بقولِّك عرف إنُّه هوَّ اللي حاول يغتصب رولا...طبيعي يتجنِّن، دي مراته، يا إيمان... 
صمتت إيمان، عاجزة عن إيجاد كلمة واحدة تخفِّف عنها.
أمَّا رحيل فخفضت عينيها، وقالت بصوتٍ اختنق بالخوف:
_أنا مش خايفة عليه عشان اللي عمله...أنا خايفة عليه عشان اللي ممكن يحصل بعد كده، خايفة أخسر ابني بسبب واحد زي ده... بعد ما قضينا عمرنا كلُّه بنهرب من الماضي.
وضعت إيمان يدها فوق يدها وضغطت عليها بحنان:
_والله ما عارفة أقولِّك إيه يا رحيل... ربِّنا يسترها عليهم، ويعدِّي اللي جاي على خير.
بس متأكِّدة إلياس وأرسلان هيتعاملوا كويس، مستحيل يضحِّوا بالولاد.
تنهَّدت تزيل دموعها، اقتربت الخادمة تضع القهوة، ثم عادت للمطبخ، بينما التفتت إيمان إلى رحيل: 
_انا كنت جاية علشان نروح لميرال، علشان يوسف رجع وكدا. 
نهضت رحيل وهي تقول:
_خلاص، هغيَّر هدومي ونروح. 

بمنزل بلال..
خرج بلال من الحمَّام، واتجه إلى غرفة الملابس بخطواتٍ هادئة، لكنَّه ما إن دلف حتى تجمَّد في مكانه.
كانت رولا أمامه، تبدِّل ثيابها.
توقَّفت أنفاسه للحظة، وارتجف جسده بعنف، كأنَّ شيئًا بداخله تلقَّى ضربة مفاجئة.
لم يرَ أمامه سوى رولا...لكن عقله لم يتركه يراها كما اعتاد.
تردَّدت كلمات معتز في رأسه من جديد، صوته وهو يصف جسدها بأدقِّ التفاصيل، تفاصيل لم يكن يحتمل أن يتخيَّل أنَّ رجلًا آخر رآها بهذه الطريقة.
ضغط على فكِّه، واشتدَّت قبضتاه حتى ابيضَّت مفاصلهما.
رفعت رولا شعرها عن كتفها، فظهرت تلك الشامة الصغيرة التي يعرفها جيِّدًا.
توقَّف قلبه للحظة.
انقبض صدره، واشتعلت عيناه بألمٍ ممزوجٍ بغضب لا يعرف أين يوجِّهه؛ غضب من معتز، ومن نفسه، ومن كل كلمة سمعها ولم يستطع محوها من رأسه.
تراجع خطوةً إلى الخلف، ثم أخرى، وأنفاسه تتسارع بصورةٍ خانقة:
_لا...
خرجت منه همسة مبحوحة، قبل أن يستدير فجأة ويخرج من الغرفة.
التفتت رولا إليه على الفور، وقد شعرت بخطواته المرتبكة:
_بلال؟
لكنَّه لم يجب.
خرج مسرعًا، وكأنَّه يهرب من شيء يطارده، لا من غرفة تجمعه بزوجته.
قطبت رولا جبينها، وظلَّت تحدِّق في الباب بعد اختفائه.
لم تفهم ما حدث.
في البداية ظنَّت أنَّه لا يزال متأثِّرًا بما حدث اليوم، وأنَّ رؤيتها ربَّما زادت من إرهاقه...لكنَّها لم تستطع تفسير تلك النظرة التي لمحتها في عينيه قبل أن يهرب.
همست بحيرة:
_هوَّ خرج كده ليه؟
في الخارج، أسند بلال ظهره إلى الحائط، وأغمض عينيه بقوَّة.
حاول أن يأخذ نفسًا...فلم يستطع.
كلَّما حاول أن يهدأ، عاد صوت معتز إلى رأسه.
فتح عينيه بعنف، وضرب قبضته في الحائط:
_آااه ؟!
صرخ بها، ثم خفض رأسه، ومرَّر كفَّه على وجهه بعنف.
لم يكن غاضبًا من رولا...
كان يتألَّم لأنَّها أصبحت في ذاكرة رجل آخر، بصورة لم يستطع بلال، مهما حاول، أن ينتزعها من رأسه.

استمعت رولا إلى ثورته من الداخل، فخرجت على الفور، لتجده جالسًا في الصالة، منكِّس الرأس، يحتضنه بين كفَّيه، وأنفاسه متقطِّعة. 
اقتربت منه بقلق:
_بلال...فيه إيه، ممكن تفهِّمني؟
رفع عينيه إليها، لكنَّه لم يجد الكلمات.
وفي اللحظة نفسها، دوّى جرس الباب.
التفتت رولا، وما هي إلَّا لحظات حتى فُتح الباب، ودلف أرسلان.
ابتسم لها ابتسامة باهتة، ثمَّ قال بحنان:
_عاملة إيه يا بنتي؟ حبيت آجي وأشكرك على اللي عملتيه النهاردة.
بادلته رولا ابتسامة صغيرة:
_لا طبعًا، تشكرني على إيه؟ يوسف أخويا، ولو اتطَّلب منِّي أكتر من كده، مكنتش هتأخَّر.
توقَّفت ملامح بلال عند الجملة الأخيرة.
رفع رأسه ببطء، ثم هبَّ من مكانه:
_يعني إيه "لو اتطَّلب منك أكتر من كده"؟
التفتت إليه رولا بصدمة:
_بلال...
لكنَّه لم يسمعها.
كان الغضب قد أعمى عينيه، وصوته خرج حادًّا، محمَّلًا بوجع لم يفهمه أحد سواه:
_ده بدل ما تعتذري! بدل ما تقولي إنِّك خرجتي من ورا جوزك من غير ما تعرَّفيني!
اتَّسعت عيناها:
_إنتَ اتجنِّنت؟! إحنا كان لازم نتصرَّف، يوسف كان في خطر!
ضحك بلال بسخرية موجوعة، ثم التفت إلى أرسلان وكأنَّه يبحث عن شخص يبرِّر له حقَّه:
_أنا اتجنِّنت علشان بسأل عن حقِّي! أنا جوزها يا بابا...سمعتني؟! أنا جوزها، ومحدش له كلام عليها غيري!
تجمَّدت رولا في مكانها.
لم تعرف كيف تحوَّل خوفه عليها إلى غضبٍ منها بهذه السرعة.
اقتربت منه خطوة:
_بلال، اهدى...
لكنَّه اندفع نحوها، وأمسك ذراعها بعصبية:
_عارفة بعد كده لو خرجتي من الباب ده من غير علمي هعمل إيه؟
ارتجفت رولا تحت قبضته.
ثم انخفض صوته، لكنَّه صار أشدَّ قسوة:
_إيَّاكي تعمليها تاني...إيَّاكي.
تدخَّل أرسلان فورًا، ودفع يده بعيدًا عنها:
_بلال! إنتَ اتجنِّنت؟! ابعد عنها.
استدار إليه بلال، وعيناه محمرَّتان من الغضب والانفعال:
_أيوه...اتجنِّنت، اتجنِّنت ومحدش له دعوة بيها بعد كده!
ثم عاد ببصره إلى رولا:
_سمعتي؟! حتى أبويا نفسه...لو طلب منك حاجة، متوافقيش إلَّا لمَّا أعرف.
حدَّق أرسلان فيه طويلًا، ثم قال بهدوء متعمَّد:
_رولا...روحي شوفي ابنك، كان بيعيَّط مع جدِّته.
جُنَّ جنون بلال من الجملة:
_هوَّ حضرتك ليه مصر تعمل فجوة بينا؟!
نظر إليه أرسلان بثبات:
_أنا مش بعمل فجوة بينكم يا بلال... أنا بحاول أهدِّيك.
ثم التفت إلى رولا:
_رولا، روحي شوفي ابنك.
لكنَّها لم تتحرَّك.
ظلَّت واقفة أمام بلال، وعيناها تبحثان في وجهه عن الرجل الذي تعرفه، عن زوجها ولكنَّها..لم تجد سوى غضب غريب يثير داخلها الخوف.
اقتربت منه بحذر:
_ممكن أعرف إيه اللي حصل، ومالك مجنون كده؟
كانت الجملة هي الشرارة الأخيرة.
تغيَّرت ملامحه تمامًا.
أمسك يدها وسحبها خلفه بعنف، متَّجهًا إلى غرفته.
_بلال!
ناداه أرسلان، لكنَّه لم يلتفت.
لم يعد يرى أمامه سوى صورتها تلك الليلة..
وصوت معتز الذي ما زال ينهش رأسه، يصفها أمامه بتلك الطريقة التي جعلت الدم يغلي في عروقه.
فتح باب الغرفة، وأدخلها، ثم ترك يدها ودفع الباب خلفهما.
التفت إليها، وعيناه تشتعلان بغضبٍ لم تفهم مصدره.
أشار إليها بيده محذِّرًا:
_إيَّاكي تخرجي بره الأوضة دي... سمعتي؟
وقفت رولا مكانها، مذهولة، تحاول استيعاب ما يحدث.
وصل أرسلان إلى الباب، ونظر إلى ابنه بعتابٍ شديد، ثم إلى رولا، محاولًا طمأنتها:
_رولا...هوَّ زعلان علشان ساعدتينا...ادخلي دلوقتي، وأنا هخلِّي حد يجيب يوسف.
ظلَّ بلال واقفًا أمامها، صدره يعلو ويهبط بعنف.
أمَّا رولا، فلم يكن يؤلمها ذراعها بقدر ما كان يؤلمها ذلك السؤال الذي بدأ يكبر داخلها:
ماذا حدث لبلال حتى صار يخاف عليها إلى هذا الحد...ويؤذيها بهذا الغضب؟
ابتعدت واتَّجهت إلى غرفتها، بينما نظر بلال إلى والده: 
_كنت تعرف إنِّ الحقير، هوَّ اللي حاول يغت...لم يقوَ على تكملتها، ظلَّ ينظر لوالده، الذي سحب عيناه من نظراته المصوَّبة، تراجع وجلس بلال يحتضن رأسه: 
_معقول تعمل فيَّ كدا، تبقى عارف ومخبِّي عليَّ، لا وكمان باعتها له، أنا من الأوَّل مكنتش مرتاح لنظراته، وياما حذَّرتها تبعد عنه، ضحكت عليَّ وقولت شغله شمال وهوَّ اللي حاول يدنِّسها.
رفع رأسه وتجمَّعت الدموع بعينيه:
_ليه يا بابا تعمل كدا؟. 
_أنا هسيبك تهدى، ضيوف عمَّك تمشي ونقعد نتكلِّم. 
أومأ رأسه بسخرية، ودمعت عيناه
_نتكلم.. نتكلم في ايه، هو لسة فيه حاجة نتكلم فيها 
نهض بلال من مكانه وتحرَّك متَّجهًا إلى غرفة مكتبه، دلف للداخل وأغلق الباب خلفه بهدوءٍ مرعب، ظلَّ أرسلان يراقبه بصمت، للحظات ثم غادر المنزل
بمنزل يوسف.. 
اتَّجهت إلى المطبخ بعدما أنهت استحمامها، دلفت للداخل وطلبت من الخادمة:
_جهِّزي الغدا وطلَّعيه فوق، ولو فيه عصير حضَّري كوباية وطلَّعيها. 
_تحت أمرك يا مدام. 
جلست على المقعد بعدما خانها جسدها، لاتصدِّق أنَّه عاد مرَّةً أخرى لأحضانها، أسبوع كامل كانت تشعر أنَّها دُفنت من غيره. 
نزلت دموعها رغمًا عنها، حتى تحوَّل بكاؤها الى شهقاتٍ متقطِّعة، وضعت كفَّيها على فمها تمنع بكاؤها.

خرج يوسف من الحمَّام يبحث عنها بعينيه، لكنَّه لم يجدها..اتَّجه إلى الخزانة، ارتدى ملابسه على عجل، وما إن انتهى حتى استمع إلى طرقاتٍ هادئة على باب الغرفة:
_ ادخل.
دلفت الخادمة وهي تسحب عربة الطعام، فتوقَّفت أمامه.
ألقى يوسف نظرة سريعة على الطعام، ثم رفع عينيه إليها:
_ المدام فين؟
_ تحت يا دكتور.
_ ابعتيها.
_ تحت أمرك.
قالتها ثم غادرت، بعدما وضعت عربة الطعام في مكانها.
التقط يوسف هاتفه، واتَّصل ببلال..
مرَّة...وثانية...وثالثة...
ولكن لا إجابة.
ظلَّ ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم ألقاه على الفراش بعصبية، وجلس على حافَّته يمسح وجهه بكفَّيه.
كلَّما تذكَّر كلمات معتز، شعر بدمائه تغلي في عروقه.
ذلك الغضب الذي يكاد يمزِّقه من الداخل...
وإذا كان هو يشعر بكل هذا الاختناق لمجرَّد سماع ما حدث، فكيف حال بلال؟
كيف يحتمل رجل أن يسمع كلماتٍ كهذه عن زوجته؟
فُتح الباب بهدوء، فرفع يوسف عينيه.
دلفت للداخل وخطواتها هادئة على غير عادتها، وملامحها مرهقة.
رسمت ابتسامة صغيرة واقتربت منه:
- يلَّا علشان تتغدَّى وتنام..أكيد بقالك كتير منمتش.
نظر إلى الطعام دون شهية:
_ ماليش نفس، مش هنام..هنزل شوية عند بابا، وبعدين أعدِّي على بلال.
هزَّت رأسها برفض، ثم اقتربت منه وجلست أمامه على ركبتيها، رفعت يدها إلى وجهه، تمرِّر أطراف أصابعها على ملامحه وكأنَّها تتأكَّد للمرَّة الألف أنَّه أمامها حقًّا:
_ارتاح شوية يا يوسف...كده كده الكل عارف إنَّك راجع تعبان وعايز ترتاح.
ثبَّت عينيه عليها طويلًا..
وفجأة، عادت إليه صورتها وهي تخاطر بنفسها من أجله..ذلك التهوُّر الذي كاد يفقده إياها.
قال بصوتٍ منخفض، لكنَّه كان يحمل عتابًا ثقيلاً:
_ أنا زعلان منك أوي.
توقَّفت يدها.
_ يمكن معرفتش أحاسبك على اللي عملتيه وقتها...بس أنا دلوقتي مضَّايق منك.
انخفضت عيناها، وانسابت دموعها بصمت.
هزَّت رأسها، وقالت بصوتٍ مرتجف:
_ مش مهم تضَّايق منِّي...المهم إنَّك قدَّامي وكويس.
ابتلعت غصَّتها:
_ ولو عايز تخاصمني، برده مش هزعل...أهون مليون مرَّة وأنا شايفاك قدَّامي، عن إنِّي أفضل مغمَّضة عيني وأنا معرفش إنتَ عايش ولَّا...
اختنق صوتها..ثم شهقت، وانفجرت في البكاء.
تراجعت بجسدها إلى الخلف، وكأنَّ الكلمات نفسها أرهقتها.
ظلَّ يوسف ينظر إليها وقلبه يعتصر..
كان يعرف أنَّها أخطأت.
بل كاد جنونها أن يدفع ثمنه الجميع.
وكان يريد أن يعاقبها على تهوُّرها، أن يجعلها تفهم كم كانت قريبة من أن تفقد حياتها..أن يضعفوه بسببها.
لكن أمام دموعها...انهار غضبه شيئًا فشيئًا.
اقترب منها حتى أصبح في مستواها، ونظر إلى عينيها:
_ بتعملي كده علشان ما خدش موقف من اللي عملتيه؟
سكت لحظة، ثم قال بعتابٍ موجوع:
_ عارفة إنِّك غلطانة، فبتحاولي تخلِّي قلبي يتعاطف معاكي يا ضي؟
هزَّت رأسها سريعًا، وانهمرت دموعها أكثر:
_ أبدًا والله...
مدَّت يديها تمسك كفَّيه:
_ يوسف، أنا كنت بموت...مكنتش بقدر أتنفِّس، عارفة إنِّي غلطت، بس غصب عني.
سحبت كفَّيه، ووضعت إحداهما فوق صدرها، حيث يخفق قلبها بعنف:
_ فاكر الإحساس ده؟ ده مكنش بينبض وقتها...كنت بموت كل ثانية وأنا معرفش عنك حاجة.
رفعت عينيها إليه:
_وعلى فكرة...لو رجع بيَّا الزمن، هعمل كده مرَّة واتنين وعشرة.
اتَّسعت عيناه بصدمة:
_ ليه؟
ابتسمت وسط دموعها ابتسامة مكسورة:
_ لأنِّي مكنتش مهتمَّة بحياتي أصلًا... كل اللي كان يهمِّني إنَّك ترجع..حياتي تسوى إيه وإنتَ مش فيها، ما لهاش لازمة
لم يحتمل أكثر.
سحبها إليه، وضمَّ رأسها إلى صدره:
_ اهدي خلاص...
مرَّر يده على شعرها:
_ إنتِ متعرفيش كنتِ بتعملي إيه في نفسك..دول ناس مجرمين يا ضي... الدم عندهم زي الميَّة، كان ممكن يحصل لك حاجة.
رفعت وجهها إليه، وراحت يدها تسبح فوق ملامحه، كأنَّها تحفظها من جديد:
_ مش مهم.
_ مش مهم؟!
_ لو موِّتوني...مش مهم.
ثم همست:
_ المهم قلبي يطمِّن عليك، وتبقى كويس.
قبَّل كفَّيها، ثم ضمَّهما إلى صدره:
_ مش كده يا غبية...كانوا ممكن يستغلُّوكي بأبشع طريقة..يضغطوا عليَّا بيكي، أو على أبوكي...كان ممكن أضيع بسببك، وإنتِ نفسك تضيعِي.
ثم هزَّ رأسه بيأس:
_ إزاي واحدة عاقلة تعمل في نفسها كده؟
لفَّت ذراعيها حول عنقه، ودفنت وجهها في صدره:
_ يوسف...لو سمحت كفاية.
شهقت:
_ خلِّيني أعرف أتنفِّس.
تشبَّثت به أكثر:
_ المهم إنَّك رجعت...المهم إنِّي في حضنك دلوقتي.
أبعدها قليلًا لينظر إلى وجهها، وكانت عيناه تحملان غضبًا ممزوجًا بخوفٍ لم يستطع إخفائه:
_ بس كان ممكن متكونيش كده...كان ممكن...
وضعت كفَّيها على شفتيه:
_ لو سمحت...كفاية.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت متهدِّج:
_ صدَّقني أنا بنهار...وبحاول أسند نفسي بالعافية.
أغمضت عينيها:
_ أنا عشت أسوأ أسبوع في حياتي كلَّها يا يوسف...حتى بعد طلاقنا، معشتش الوجع ده.
فتحت عينيها ونظرت إليه برجاء:
_ أرجوك...بلاش تعاتبني دلوقتي، أنا كنت بموت...ويا دوب بتنفِّس دلوقتي.
ظلَّ صامتًا لثوانٍ..ثم تنهَّد.
مدَّ ذراعيه وحملها بينهما، فشهقت بخفَّة وتعلَّقت بعنقه دون اعتراض.
اتَّجه بها إلى الفراش، ووضعها عليه برفق، ثم جذب الغطاء ودثَّرها جيدًا.
وما إن همَّ بالابتعاد حتى أمسكت بكفِّه:
_ متـمشيش...لو سمحت.
توقَّف.
نظر إليها طويلًا، ولم يجد في عينيها أي طلب سوى الأمان.
تنهَّد، ثم استسلم:
_ حاضر..تمدَّد بجوارها، فسارعت إلى الاقتراب منه، سحب رأسها إلى أحضانه.
دفنت وجهها في صدره، واستنشقت رائحته بعمق، وكأنَّها للمرَّة الأولى منذ أيام تستطيع أن تتنفَّس حقًّا.
مرَّر أنامله بين خصلات شعرها ببطء، ثم أخذ يتأمَّل ملامحها المتعبة.
مرَّر أصابعه على جبينها، ثم وجنتها، حتى استقرَّت يده فوق شعرها.
شيئًا فشيئًا هدأت أنفاسها..وأغمضت عينيها، نامت...نومًا عميقًا، كأنَّها أخيرًا وجدت المكان الوحيد الذي تشعر فيه أنَّها آمنة.
ظلَّ يوسف يراقبها طويلًا.
تلك المرأة التي أغضبته حتى كاد يجن
انحنى وقبَّل جبينها قبلة طويلة، ثم رفع رأسها بحذر ووضعه فوق الوسادة.
وقف للحظات ينظر إليها..وعيناه تفترس ملامحها بحبٍّ عميق:
_ بحبِّك يا بنت عمِّي. 
همس بها، ثم استدار وغادر الغرفة، متَّجهًا إلى منزل بلال.

بمنزل بلال..
دلفت الخادمة إلى غرفة المكتب، حيث كان جالسًا، شاردًا بعينينِ خاليتين من الحياة:
- دكتور يوسف برَّه يا دكتور.
أومأ لها دون حديث، وما إن خرجت حتى دلف يوسف إلى الغرفة، يتلفَّت حوله قبل أن يقترب منه:
_ فين يوسف يا ابني؟ وحشني أوي.
استدعى بلال الخادمة بإشارة من يده، وما إن ظهرت حتى سبقها يوسف بالسؤال:
_ قولي لمدام رولا تنزل بيوسف...عايز أشوفه.
خفضت الخادمة عينيها وقالت بهدوء:
_ مدام رولا فوق، بس يوسف جونيور مش موجود.
تعلَّقت عينا يوسف بملامح بلال لثوانٍ، ثم عاد ببصره إلى الخادمة:
_خلاص...
خرجت الخادمة، واقترب يوسف ليجلس بجواره.
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل، كأنَّ الكلمات نفسها عجزت عن عبور الحناجر.
ظلَّ يوسف ينظر إلى صديقه، لا يعرف من أين يبدأ، حتى تنفَّس ببطء وقال:
_ أنا مش عارف أقولَّك إيه، بس...
رفع بلال عينيه إليه.
وليتـه لم يفعل.
كانت عيناه تحملان وجعًا يفوق قدرة رجلٍ على احتماله، وحين التقت عيناهما، شعر يوسف بشيءٍ ينكسر داخله.
لم يقل شيئًا...فقط فتح ذراعيه وسحبه إليه.
ضمَّه يوسف بين ذراعيه، انهار وبكى بصوتٍ مرتفع، بكاءُ رجلٍ ظلَّ يقاوم طويلًا حتى انتهت كل قدرته على التماسك، تشبَّث بقميص يوسف كالغريق، وانطلقت شهقاته متقطِّعة، عنيفة، خارجة من أعماق صدره.
ربت يوسف على ظهره، عاجزًا عن إيجاد كلمة واحدة تستطيع أن تخفِّف عنه:
_بلال...اهدى، لكن بلال لم يستطع.
كان جسده يرتجف بالكامل:
_ أنا مش قادر يا يوسف...
شهقة أخرى مزَّقت صوته:
_ مش قادر...
في الخارج، كانت رولا تهبط الدرج بعدما أخبرتها الخادمة بوجود يوسف بالأسفل.
لكنَّها توقَّفت فجأة.
تجمَّدت قدماها فوق آخر درجات السلَّم حين وصل إلى مسامعها بكاء بلال.
بكاء زوجها..هنا شعرت بدقَّات قلبها تتسارع.
اقتربت من باب المكتب، ومدَّت يدها لتفتحه، لكنَّها توقَّفت حين سمعت صوته:
_ عايز أنسى يا يوسف...عايز أمسح كلام الحقير ده من دماغي...مش قادر!
ارتفع صوته فجأة:
_ صوته بيرن في ودني!
دفع بلال كل ما فوق مكتبه بعنف، فسقطت على الأرض، ثم أخذ يدور حول نفسه كوحشٍ حبيس، يمرِّر أصابعه بين شعره بعنف:
_ الحيوان...حيوان!
نهض يوسف سريعًا، أمسك بذراعه محاولًا تهدئته:
_ بلال، اهدى...علشان مراتك..بلاش تخلِّيها تحس إنَّك بتنهار بسبب اللي حصل.
انتزع بلال ذراعه منه، ثم هوى على الأرض، وأسند ظهره إلى المكتب:
_ أنا مش قادر.
ارتفع صوته بالبكاء:
_ كل ما أبص في وشَّها...بفتكر كلام الحيوان ده!
رفع عينيه إلى يوسف، والغضب يشتعل فيهما كالنار:
_ إنتَ مش فاهم أنا حاسس بإيه..إنتَ ما سمعتش قال إيه!
صمت لحظة، وكأنَّ الكلمات نفسها كانت تخنقه:
_ رغم إنِّي شوفتها في الليلة دي... وشوفت حالتها...وكنت متأكِّد إنُّه حاول...
انقطع صوته.
أغمض عينيه بقوة، ثم ضرب كفَّيه على وجهه:
_ بس وصفه ليها...وصفه لجسمها...
اختنق صوته.
_ قذر...قذر أوي يا يوسف.
دفن وجهه بين كفَّيه، وانحنى جسده بالكامل:
_ صعب...صعب على أي راجل يسمع واحد زبالة يوصف جسم مراته بالطريقة دي.
شهق بقوَّة، ثم ضرب صدره بقبضته:
_كتير عليَّا...والله كتير.
اقترب يوسف وجلس أمامه، أمسك كتفيه بثبات:
_بلال...بصِّلي.
رفع بلال عينيه بصعوبة.
_عارف إنِّ اللي سمعته صعب، بس احمد ربنا إنَّك لحقتها...وإنُّه ما قدرش يقرَّب منها.
انتفض بلال من مكانه:
_ ما قربش منها؟!
ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، سرعان ما تحوَّلت إلى بكاء:
_ إنتَ مسمعتش اللي أنا سمعته يا يوسف!
ثم وضع يده على قلبه:
_ أنا كلِّ كلمة قالها لسه هنا...جوَّه دماغي...جوَّه قلبي.
ارتجفت شفتا يوسف وقال:
_إنتَ اتجوزت رولا وإنتَ عارف اللي حصلَّها.
نظر إليه بعينينِ ممتلئتينِ بالدموع:
_علشان بحبَّها، مقدرتش يا يوسف أشوف غيرها، ورغم اللي حصل، كمِّلت جوازي منها...أنا كمِّلت وأنا معرفش، وكنت راضي، والله كنت راضي.
ابتلع غصَّة مؤلمة:
_ رولا مش واحدة اتجوزتها وخلاص... دي النفس اللي بتنفِّسه.
اقترب منه يوسف، وضغط على كتفه:
_ عشان كده لازم تعدِّي المحنة دي... لازم تفضل النفس اللي بتتنفِّسه، مش تخلِّي كلام واحد حقير يهدمكم.
ظلَّ بلال صامتًا.
فجلس يوسف بجواره وربت على كتفه:
_ الحب اللي بينكم أقوى من اللي حصل..صدَّقني.
هزَّ بلال رأسه، والدموع تنساب على وجهه دون توقُّف:
_ أنا خايف يا يوسف...
_ من إيه؟
وضع يده فوق قلبه:
_ خايف لمَّا أبص لها...أشوف اللي حصل بدل ما أشوف رولا.
ثم انحنى فجأة، ودفن وجهه بين يديه:
_ قلبي بيوجعني أوي...
رفع عينيه إلى يوسف:
_ بيوجعني عليها...وعلى نفسي.
كانت خلف الباب واقفة كتمثالٍ من الصدمة.. لا تعلم عن ماذا يتحدث
انسابت دموعها بصمت..كانت تظنُّ أنَّ بلال ربَّما نسي.
أو أنَّ حبِّه لها كان أقوى من كل ما حدث.
هل ما زال يخوض حربًا وحده، كلَّما نظر إلى وجهها تذكَّر الرجل الذي حاول إيذاءها،
وضعت رولا كفَّها فوق فمها، تمنع شهقة كادت تفضح وجودها..ولكنَّها استمعت إلى اسم معتز.
شهقت تضع كفَّيها على فمها:
كيف نسيت معتز؟
كيف أبعدت عن عقلها احتمالية أن يدين نفسه، ويقول الحقيقة؟.
كيف سيتحمَّل بلال، الذي يحبُّها حدِّ الموت، كل هذا الألم بداخله؟
أغمضت رولا عينيها، وانهمرت دموعها بغزارة، بينما ظلَّت كلمات بلال تتردَّد في رأسها، تضرب قلبها في كل مرَّة:
_ هل يوجد رجل بهذه الخِسَّة..حتى يصف زوجة رجلٍ بهذه الطريقة؟!
لم تكن تبكي فقط من أجل نفسها...
كانت تبكي من أجله.
من أجل الرجل الذي لم يحتمل أن يسمع عنها كلمة، فانهار أمام يوسف كأنَّ الوجع كان أكبر من قلبه.
وضعت رولا كفَّها على فمها تكتم شهقتها، ثم ابتعدت عن باب الغرفة بخطواتٍ متثاقلة.
عادت متَّجهة إلى غرفتها، وما إن وصلت الدرج، حتى دلفت المربية تحمل طفلها الصغير، ثم أنزلته برفق إلى الأرض.
تحرَّك الصغير بخطواته المتعثِّرة نحوها، يرفع وجهه إليها ببراءة.
نظرت إليه رولا طويلًا.
كان وجهه الصغير يحمل ملامح أبيه...
انحنت سريعًا، وحملته بين ذراعيها، وضمَّت جسده الصغير إلى صدرها بقوة، ثم طبعت قبلة طويلة فوق رأسه، وانهمرت دموعها دون توقُّف.. لم تنطق بكلمة.
استدارت وصعدت به الدرج، بينما كان الصغير يتشبَّث بعنقها ويتمتم بصوته البريء:
_ بابا...بابا.
توقَّفت للحظة.
أغمضت عينيها، وكأنَّ الكلمة أصابت جرحًا مفتوحًا داخلها..ضمَّته إليها أكثر:
_ بابا تحت يا حبيبي...
خرج صوتها مرتجفًا، بالكاد يُسمع.
ثم تابعت صعودها.
درجة تلوَ الأخرى...
ودموعها تنساب على وجنتيها كأنَّها نار، بينما ظلَّ صغيرها يردِّد:
_ بابا...بابا...عايز بابا. 
قالها وهو يضربها على وجهها. 
نظرت لكلمات الطفل فكانت كل مرَّة ينطق فيها كلمة بابا، تشعر بأنَّ قلبها ينقبض أكثر.
وصلت إلى أعلى الدرج، دفنت وجه طفلها في عنقها، وأجهشت بالبكاء.. 

دلفت غرفتها وأنزلت طفلها، الذي تحرَّك بالغرفة يصفِّق بطفولة، بينما جلست هي على الأرضية تتابعه بصمتٍ موجع.
وصل يوسف الصغير وتشبَّث بصورة والديه فوق الكمودينو، إلى أن سقطت متناثرة على الأرضية. 
نظرت للصورة التي تحوَّلت لشظايا، هي حياتها الآن أصبحت مثل هذه الصورة.
وضعت ذقنها فوق ركبتيها، تتجوَّل بعينيها بالغرفة، ودموعها تتدحرج من عينيها. 
شعرت بانسحاب روحها، كلَّما تخيَّلت كيف ستصبح حياتها.
بعد فترة بالأسفل..
طرقات خفيفة فوق الباب، ولكن لا يوجد رد، دلف أرسلان إلى الغرفة، وجده جالسًا بشرفة غرفته شاردًا، لا يشعر بما حوله، خطا بخطواتٍ ثقيلة، الى أن توقَّف خلفه، ثم اتَّجه يسحب المقعد وجلس ينظر إليه بصمتٍ مُوجع: 
_أوَّل مرَّة أحس إنَّك ضعيف أوي كدا، وحاجة تهزَّك. 
التفت برأسه لوالده، نظر إليه بصمت، ثم عاد ينظر بالأفق مرَّةً أخرى. 
_عارف إنِّ الموضوع صعب، بس شوف الإيجابيات. 
_إيجابيات...همس بها بخفوت قا. تل.. 
ودمعة تدحرجت عبر وجنتيه فشل في كبحها، نهض أرسلان من مكانه وجلس بجواره وضمَّه لأحضانه:
_آااه...خرجت من جوفه تصرخ بما يشعر به. 
ربت أرسلان على ظهره بحنانٍ أبوي.
_حاسس بنار بتحر ق صدري يا بابا، نار جوَّايا ومش قادر أطفِّيها. 
_بلال..احمد ربِّنا، إنُّه مفيش حاجة حصلت، ولحقتها. 
اعتدل ينظر لوالده ودموع القهر تصف معاناة رجلٍ طُعنَ في أقرب ما لديه. 
_حبيبي دا واحد مجر م، حد يصدَّق كلامه، بيقول كدا علشان يوصَّلك للمرحلة دي، وشوف نجح إزاي، كنت حطّ عينك في عينه بكلِّ جبروت، ورد عليه، مش تبقى عا يز تقـ تله وتبقى مجر م زيُّه. 
_الحيوا. ن بيوصفلي جسم مراتي يا بابا وكأنُّه هوَّ... 
آاااه.. 
تمتم بها بتقطُّع ونبرة متقطِّعة، حتى شعر بانسحاب أنفاسه، وهو يضع كفِّه على صدره.
توقَّفت يد أرسلان فوق ظهر ابنه بعجز ولم يتحمَّل انهياره، فلقد نجح بوصوله لتلك المرحلة. 
اعتدل أرسلان ينظر إليه بغضب:
_ارفع راسك، مش عايز أشوفك مكسور كدا، إنتَ ابن أرسلان الشافعي يلا، واللي يحاول يقرَّب منك أدهسه بجز. متي، فوق كدا واصلب نفسك، علشان مراتك وابنك، سمعتني مراتك وابنك. 
قالها أرسلان وخرج بخطواتٍ تهزُّ الأرض من تحت قدميه، بينما ظلَّ الآخر لدقائق ينظر أمامه بصمت، ثم نهض سريعًا واتَّجه إلى خزانته، سحب سلاحه وتحرَّك للخارج، قابلته رولا تحمل قهوته: 
_بلال عملت قهوة، تعال نشربها في الجنينة من زمان مقعدناش مع بعض.
تجمَّد بحركته، ثم توقَّف للحظات ينظر إليها بصمت، اقتربت منه تنظر لعينيه:
_معرفش حصل معاك إيه، بس أنا مضَّايقة، تعال نتكلِّم مع بعض شوية. 
هنا تذكَّر تلك الليلة المشؤومة وحالتها وانهيارها، وجسدها الذي كُشف أمامه، كل هذا امتزج مع ضحكات معتز، وكلماته عن جسد. ها، كوَّر قبضته وزاغت عيناه باحمرار، دنت رولا منه، رفعت كفَّيها على وجهه: 
_بلال...أغمض عيناه وانسابت دموعه دون أن يشعر، لتهوى من يدها فناجين القهوة، بعدما.....

اعتدل ارسلان ينظر اليه بغضب
_ارفع راسك، مش عايز اشوفك مكسور كدا، انت ابن ارسلان الشافعي يلا، واللي يحاول يقرب منك ادهسه بجذ. متي، فوق كدا واصلب نفسك، علشان مراتك وابنك، سمعتني مراتك وابنك 
قالها ارسلان وخرج بخطوات تهز الأرض من تحت قدميه، بينما ظل الاخر لدقائق ينظر أمامه بصمت، ثم نهض سريعًا واتجه الى خزانته، وسحب سلاحه وتحرك للخارج، قابلته رولا تحمل قهوته 
_بلال عملت قهوة، تعالى نشربها في الجنينة من زمان مقعدناش مع بعض
تجمد بحركته، ثم توقف للحظات ينظر اليها بصمت، اقتربت منه تنظر لعيناه
_معرفش حصل معاك ايه، بس أنا مضايقة، تعالى نتكلم مع بعض شوية 
هنا تذكر تلك الليلة المشؤمة وحالتها وانهيارها، وجسدها الذي كشف أمامه، كل هذا امتزج مع ضحكات معتز، وكلماته عن جسد. ها، كور قبضته وزاغت عيناه باحمرار، دنت رولا منه، رفعت كفيها على وجهه 
_بلال...ابتعد كالملسوع، اغمض عيناه وانسابت دموعه دون أن يشعر، فسقط سلاحه من يده، لتهوى من يدها فنجاين القهوة، وانتفض جسدها من رد فعله، نظرت للسلاح، ثم اليه، نظراته كانت تؤلمها، نعم كانت تعلم ماسيحدث، ولكن قلبها كذب كل شي، وقعت عيناها على الجروح المغطية يده بالدماء، انحنت تسحب السلاح، ثم نظرت إليه
_عايز تبقى مجرم، هي حصلت انك تبقى زي المجرمين 
والها ظهره، ولم يقو على النظر الى عينيها، كل مايشعر به، انه يريد ان يمحو اثار ذلك الرجل من الحياة
_عارف لو عملت كدا، هتخسرني طول حياتك، فلو عايز تخسرني اعملها يابلال 
تراجعت لدقائق، ثم عادت، وجدته يجلس بالارضية يحتضن 

توقفت تراقبه للحظات بصمت موجع، ثم اتجهت واحضرت علبة الأسعافات الأولية، وخطت إلى جلوسه 
جلست بجواره على الأرضية دون حديث، ثم فتحت العلبة، وسحبت كفيه المجروح، وقامت بتضميدها، التفت إليها بعينيه التي فقدت بريقها، ظل يراقب ماتفعله بصمت، إلى أن انتهت، جمعت مااخرجته ووضعته، واستعدت للنهوض، إلا أنه تمدد يضع رأسها بحجرها

دمعت عيناها وهي ترى حالته، ومدّت يدها ببطء، تغرس أصابعها بين خصلات شعره، . انهمرت دموعها قبل أن تستطيع منعها، وضاق صدرها بأنفاسها، حتى اختنقت بغصتها، ثم ابتلعت ألمها وهمست بصوت متقطع:
- بلال... طلقني.
تجمّد للحظة، وكأن كلماتها اخترقت صدره دون رحمة.
رفع رأسه إليها سريعًا، والتقت عيناه بعينيها؛ عينان لم تستطيعا إخفاء كمّ الألم الذي ينهشه من الداخل.
اعتدل أمامها، ومدّ يديه المرتجفتين، يحاوط بهما وجهها برفق، . مسح دموعها بإبهاميه،، بينما كانت عيناه تلمعان بعجزٍ لم يعرفه طوال حياته.
هو الطبيب الذي اعتاد أن يهدّئ ارتجاف الأجساد، ويقرأ أدق الإشارات العصبية، ويُعيد للمرضى شيئًا من السيطرة على أجسادهم حين تفلت منهم...
لكن أمامها، لم يستطع السيطرة على شيء.
لا على ارتجاف يديه، ولا على انكسار صوته، ولا حتى على قلبه الذي كان يصرخ داخله بأن يخسر أي شيء... إلا هي.
اقترب منها أكثر، ثم جذب رأسها إلى صدره، وضمّها بقوة، كأن ذراعيه آخر ما تبقى له من أمل في ألا ترحل.
لم ينطق.
فماذا يمكن أن يقول أمام كلمة كهذه؟
أغمض عينيه، وانحنى برأسه فوق رأسها، بينما تساقطت دموعها على صدره، واختلطت بأنفاسه الثقيلة.
أما هي، فبكت بين ذراعيه، ويدها ما زالت عالقة في شعره، وكأنها للمرة الأخيرة تشبث بها وكأنها ان تركها ستنفلت منه
_رولا أنا بحبك... سامحيني، عارف الأيام دي مضغوط شوية 
ابعدت رأسها عنه ونظرت لداخل عيناه 
_معتز قالك ايه يابلال
ضغط على فكيها بقوة دون أن يشعر، من مجرد ذكرها اسمه، وتخيل صورته وهو ينهش بجسدها باستمتاع، ضحكاته تخترق روحه، هب فزعا من مكانه، وصعد الى غرفته دون ان ينطق بحرف واحد 

في الجامعة...
كان عمران يقف أمام طلابه، يشرح المحاضرة بسلاسة وثقة، صوته هادئ ومتمكن، وحضوره يفرض نفسه على القاعة دون أن يبذل جهدًا. الجميع ينصت إليه باهتمام، بينما كانت هي الوحيدة التي لم تستطع أن تمنح المحاضرة كامل تركيزها.
كانت عيناها تتبعان كل حركة منه دون وعي، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرفه.
وفجأة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، حين قفزت إلى ذاكرتها تفاصيل الأمس...
صوته وهو يقول لها بصرامة مصطنعة:
_ اعدلي حجابك، بدل ما إنتِ بتجادلي كده.
تذكرت كيف عقدت حاجبيها وردت بعناد:
_ لو سمحت نزلني، أنا مش هكمل معاك.
التفت إليها، مبتسمًا:
_ هو إنتِ مراتي؟ إيه "مش هكمل معاك" دي؟
توسعت عيناها من كلامه، ثم رفعت ذقنها بعناد طفولي:
_ لا، مش عايزة أكون مراتك يا سيدي.
توقف لحظة، ثم نظر إليها بابتسامة مستفزة:
_ إنتِ تطولي أصلًا؟
جالت عيناها عليه من رأسه حتى قدميه، ثم تمتمت بصدق:
_ الصراحة... هيكون صعب.
ضيق عينيه متسائلًا:
_ إيه هو ده؟
أشارت إليه بعفوية:
_ طولك... صعب أطولك.
انفجر ضاحكًا، ثم اقترب منها بجرأة، واستدار بجسده كاملًا نحوها، حتى اضطرت أن ترفع رأسها لتنظر إليه.
قال بثقة:
_ على فكرة... الطول حلو.
هزت رأسها موافقة، وقالت دون وعي:
- أيوة... وطولك مناسب جدًا عليك، مديك كاريزما كده.
وما إن خرجت الكلمات من فمها حتى اتسعت عيناها... استوعبت ما قالته.
فأدارت وجهها سريعًا نحو النافذة، وكأنها تستطيع الهرب من نظراته بمجرد أن تخفي وجهها.
أما هو...
فاكتفى بابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي لم تستطع تفسيرها حتى الآن، ثم عاد إلى قيادة السيارة، وكأن شيئًا لم يحدث.
عادت إلى الحاضر، فوجدت نفسها تبتسم من جديد على أحداث الأمس
ابتسامة هادئة، دافئة، لم تستطع منعها.
ولم تكن تعلم أن هناك عينين تراقبانها.
توقف عمران عن الشرح للحظات، وانقطعت الكلمات عن لسانه دون سبب واضح.. كانت عيناه معلقتين بها.
بابتسامتها.. بذلك الشرود الذي جعل ملامحها أكثر رقة، وكأنها لا ترى القاعة من حولها، ولا تسمع شيئًا سوى ذكرى تخصهما وحدهما.
وللحظات...فقد عمران اتزانه، وتوقفت نظراته عليها، لاحظت صديقتها الأمر، فلكزتها بخفة، ثم مالت نحوها وهمست:
_ فرح...
لم تنتبه.
لكزتها مرة أخرى، وقالت وهي تشير بعينيها ناحية عمران:
_ إنتِ سرحانة... الدوك.
انتفضت فرح، ورفعت عينيها إليه سريعًا.
وفي اللحظة نفسها...التقت عيناهما.
توقفت أنفاسها.
لم تكن النظرة طويلة، لكنها كانت كافية لتربك قلبها.
عيناه كانتا تقولان شيئًا لم يجرؤ على قوله بصوته، وهي لم تكن مستعدة لسماع ما تخبئه تلك النظرة.
شعرت بحرارة تزحف إلى وجنتيها، فتورد وجهها خجلًا، وسحبت عينيها سريعًا من عينيه، وانشغلت بدفترها وكأنها تدرس أهم سطر في حياتها.
أما عمران...فابتسم.
ابتسامة رجل اكتشف، للمرة الأولى، أن تلك الصغيرة لم تعد مجرد فتاة تستفزه بعنادها...بل أصبحت ذكرى الأمس قادرة على أن تسرق منه تركيزه، وابتسامتها وحدها قادرة على أن تربك قلبه أمام طلابه.. ظل يشرح لبعض الوقت، ثم توقف مع دخول المسؤل عن مكتبه
_الأمتحان يادكتور
اشار اليه بالدخول، اقترب منه، ثم تلقى منه ورق الأمتحان، ورفع نظره لطلابه 
_نقفل اللي قدامنا ياشباب، يلا دخلنا في المهم 

بعد قليل... 
صمتٌ تام بالقاعة، وهو يتجوَّل بين الطلَّاب، إلى أن وصل إلى جلوسها، توقَّف يعقد ذراعيها يتابع حلَّها، ثم جالت عينيه بالقاعة بأكملها، وأردف:
_طبعًا أنتوا واعيين، ومش صغيرين لأسلوب الغش، هزعل جدًّا لو نظام الجهلة دا اشتغل في مادتي. 
قالها ثم جلس بجوارها. 
شهقت من فعلته...التفتت إليه:
_فيه حاجة يا دكتور؟. 
_أه...جاي أغش منك.
ارتفعت ضحكات الجميع.
وضعت قلمها فوق الورقة: 
_لو سمحت مش هعرف أحل كدا، يا أمَّا حضرتك عايز تسقَّطني. 
استدار على الهمس حوله:
_كل واحد يبص في ورقته، قالها ثم التفت للأخرى: 
_وإنتِ حلِّي، أنا بعيد عنك، بتلكِّكي ليه.
تطلَّعت إليه بصمت، ثم سحبت قلمها وعادت لورقتها وهو يتابعها بهدوء. 
دقائق حتى تناست وجوده، إلى أن أوشكت على الإنتهاء. 
_البلوزة ضيَّقة وقصيرة ليه كدا، يعني إمبارح نتكلِّم على الحجاب، والنهاردة على البلوزة.
التفتت إليه سريعًا: 
_نعم...دنا برأسه منها ثم قال بصوتٍ خافت:
_خدي بالك من لبسك، يا أمَّا بلاها الحجاب، إزاي خرجتي بالطريقة دي أصلًا، مش هقبل بكدا.
لحظات تنظر إليه بذهول علهَّا تستوعب ما يقوله، هزَّ رأسه وقال بمغزى:
_هطولي متخافيش، ثم أشار بعينه على الورقة: 
_حلِّي يا أستاذة الوقت هيخلص وترجعي تعيَّطي. 
ثم سقطت عيناه على كنزتها التي ترتفع مع حركات يدها ليكشف ما أسفل كنزتها.
نظرت للذي ينظر إليه، فاستدار يواليها ظهره وأخرج هاتفه يقلِّب فيه مرَّة ويراقب الطلبة مرَّة، أمَّا هي فعلمت لما أتى وجلس بجوارها، لاحت ابتسامة على وجهها فجأة وهي تراقبه، ثم عادت لورقتها لدقائق أخرى، ثم مدَّت يدها:
_خلَّصت، أمشي ولَّا إيه؟.
نظر ليدها وهي تمدُّها بورقة الإجابة، ثم نظر بساعته وقال:
_لسة نصِّ ساعة، راجعي. 
_راجعت وخلَّصت وعايزة أمشي. 
_لا...مفيش خروج.
تمتم بها مع وصول إحدى الطالبات وقامت بتسليم إجابتها، فأخذها دون اعتراض.
قطَّبت فرح جبينها تشير لما استلمه:
_حضرتك استلمت الإجابة، والأستاذة مشيت، أنا كمان عايزة أمشي.
لم يرد عليها ظلَّ كما هو. 
نهضت تجمع أشياءها، وتركت ورقة الإجابة أمامه، واستدارت للمغادرة.
أخرج مفتاح سيَّارته: 
_اقعدي فيها لمَّا أخلص.
نظرت للمفتاح ثم إليه..ماذا يفعل ذلك المجنون؟! 
_ودا ليه مش فاهمة حضرتك؟
_ماهو لو بطَّلتي أسئلة هتفهمي، استنِّيني في العربية، سوَّاقك مش جاي. 
_نعم؟! 
نظر حوله وأعين الجميع عليهم.
ارتفع صوته بالغضب:
_كلِّ واحد يبص في ورقته، ثم التفت إلى الأخرى وقال:
_استنيني. 
_لسة عندي سكشن، وكمان حضرتك لسة عندنا تاني الساعة تلاتة، شكل حضرتك نسيت الجدول. 

بمنزل إلياس.. 
دلفت الى غرفة مكتبه، وجدته يتحدَّث بالهاتف، خطت إلى جلوسه، وجلست تنتظر إنهاء مكالمته، دقائق معدودة حتى انتهى.
رفع نظره إليها: 
_فيه حاجة ولَّا إيه؟. 
طالعته بصمت دون أن تنطق، وضع الهاتف على المكتب، ثم نهض من مكانه، واتَّجه يجلس فوق الأريكة، نهضت هي الأخرى وجلست بجواره: 
_عارفة إنِّي ضغطت عليك في موضوع يوسف، بس أنا أم يا إلياس. 
أومأ لها دون رد..دنت إلى أن التصقت بجلوسه، وسحبت كفِّه تربت عليه وتنظر لعينيه:
_متزعلش مني، غصب عنِّي.
نظر إليها وقال: 
_ميرال...يوسف حتَّة مني، دا روحي وسندي بعد ربِّنا، أوعي عقلك يوزلك لو لحظة إنِّي ممكن أفرَّط فيه، أفديه بروحي يا ميرال، عارفة يعني إيه أفديه بروحي، ولادي لو طلبوا حياتي مش هتأخَّر.
ابتسمت من بين دموعها وتمتمت: 
_وميرال يا إلياس، تفديها بإيه؟.
روحك مش ملكك علشان تقول أفديهم بيها، روحك وحياتك وإنتَ على بعضك ملكي أنا، حقِّي أنا...محدش له في الحق دا غيري يا إلياس.
زمَّ شفتيه بابتسامة ساخرة، عانقت ذراعيه وغرست عيناها بعينيه: 
_لا مش تضحك كدا، ممكن أعدِّي أي حاجة منك، إلَّا إنَّك تستهزئ بمشاعري. 
ضمَّ رأسها لأحضانه، وقبلة مطوَّلة فوق رأسها ثم قال: 
_قومي ارتاحي، منمتيش إمبارح، أنا كنت حاسس بيكي. 
دلف يزن في تلك اللحظة: 
_عايز أتكلِّم معاك. 
أومأ له، نهضت ميرال مقتربة من أخيها:
_فيه حاجة ولّّا إيه؟. 
_لا...مفييش، كنت عايز أكلِّمه عن حاجة في الشغل. 
دنت أكثر وهي تقول:
_ولَّا بنت راجح، جاية وعايزة تضحك علينا زي اللي قبلها؟.
_ميرال ادخلي دلوقتي. 
أسبوعًا آخر والوضع كما هو..ما زال بلال متأرجح بين آلامه وعشقه، ويوسف الذي لم يمر أمر ذهاب ضي إلى معتز دون تفكير.
وكذلك آسر، الذي لم يفكِّر سوى الانتقام لشرف أخته. 
طرقات على باب مكتب مالك، رفع نظره وجد بلال، لم يعرفه في بداية الأمر، ذقنًا نامية وملابس غير مهندمة، من يراه يقسم أنَّه خسر أعز ما يملك. 
ظلَّ يتابعه بصمت، جلس بلال بمقابلته، ونظر بنقطة بعيدة: 
_فين الحيوان اللي دنَّس مراتي يا عمُّو؟. 
صمت مالك يتفحَّص ملامحه بحزن: 
_ليه يا بلال؟.
رفع بلال نظره، وتجمَّعت الدموع بعينيه: 
_عايز أسمع صراخه، عايز أندِّمه على كلِّ لحظة عيَّشنا فيه، عايز أحرق لسانه النجس اللي اتكلِّم بعرضي، عايز أعرَّفه يعني إيه راجل. 
رجع مالك بجسده، وظلَّت عيناه عليه، ثم قال: 
_يعني عايز تبقى زيُّه؟ 
ضرب بكلتا يده فوق مكتبه: 
_عمُّو مالك، ما تختبرش رجولتي، لأنِّي عايش ومش عايش، يعني مش هيفرق معايا صدَّقني، حتى لو قطَّعت من جسمي، مش هسيبه غير لمَّا يترجَّاني أرحمه ومش هينول الرحمة. 

بمنزل يوسف.. 
بعد عقاب أسبوع، دون الحديث معها أو مشاركتها الغرفة، دلف ذات مساء غرفته. 
أحزنه وجهها الشاحب، ساعدها على نزع ثيابها، وقام بإحمامها، ظلَّت لدقائق تحت المياة الدافئة بمساعدته، ثم أخرجها بهدوء بروب الحمَّام، حاولت تجفيف خصلاتها، ولكنَّها لم تقدر، سحب منها المجفِّف الكهربائي، وقام بتجفيفه بعدما ألقى المنشفة بعيدًا. 
نهض متَّجهًا إلى الخزانة وأحضر ثوبًا فضفاضًا مريحًا للنوم، ثم قال:
_قومي علشان تغيَّري، هتاخدي برد. 
رفعت عيناها إليه ثم قالت:
_لسة زعلان منِّي؟.
أوقفها وفكَّ حزام روبها: 
_لا..ياله غيَّري، الجوِّ برد، أوقفته بعدما وضعت كفَّها فوق كفِّه:
_يوسف...أنا عملت كدا علشان بحبِّك. 
ساعدها في النوم، أمسكت كفِّه:
_كفاية...متبقاش قاسي عليَّ يا بن عمِّي.
نظر ليديها، ثم لعينيها الذابلة، ووجهها الذي انطفأ بالكامل.
نزع كنزته الصوفية، وتمدَّد بجوارها:
_هتنام كدا؟ الجو برد.
سحبها لأحضانه، وسحب فوقهما الغطاء وهو يهمس لها: 
_إنتِ هدَّفيني.
ابتسمت، تدفن نفسها بأحضانه، مرَّر أنامله بخصلاتها، مجرَّد ضحكة تنير وجهها. 
رفعت كفَّيها على وجهه وهمست:
_وحشتني أوي، وزعلانة منك، علشان قدرت تبعد عنِّي أسبوع كامل. 
كانت عيناه تلتهم كل إنشٍ بها، ما هذا القلب الذي يُسقط صاحبه في غياهب الجب، لمجرَّد حزن أو ألم الحبيب؟!.
قرَّبها إليه، ليقسم لها بطريقته، أنَّه يعاني أضعاف مضاعفة.

باليوم التالي.. 
توقَّفت أمام المرآة، لقد أشرق وجهها بعد ليلتهما، انتقت أفضل ثيابها، وتجهَّزت للعودة لحياتها مرَّةً أخرى، ارتفع رنين هاتفها:
_أيوة يا آسيا.
_ضي...فاضية، عايزة أتكلِّم معاكي في موضوع مهم. 
نظرت بساعة يديها، ثم قالت: 
_ساعتين وراجعة، بقالي كتير منزلتش الشغل، مش هتأخَّر عليكي. 
_خلاص...وأنا كمان هنزل شغلي. 
خرجت ضي من منزلها متَّجهة إلى منزل إلياس، دلفت للداخل وعلى وجهها ابتسامة: 
_طنط ميرال فين؟. 
أشارت الخادمة للغرفة:
_عند مدام فريدة. 
تحرَّكت للأعلى بخفَّة ونشاط، اتَّجهت لتطرق الباب، ولكنَّها توقَّفت على حديث فريدة: 
_ومرديش يقولِّك علشان ما تزعليش، إلياس معندوش أغلى منك يا ميرال.
_يعني إيه يا ماما، البنت دخلت بيتي وسمِّمت ابني، وكمان مرات ابني تعمل عملية حقن مجهري، وموِّتت الأجنَّة بعد ما غيَّرت الدوا، إيه اللي بسمعه دا يا ماما؟!.
دفعت ضي الباب: 
_هيَّ مين دي، مين اللي حاولت تسمِّم يوسف دي يا تيتا؟.
_ضي...إنتِ هنا من زمان؟. 
اقتربت وشعرت بالجنون:
_مين اللي قتل أجنِّتي قبل ما حتى أفرح بيهم، مين اللي معندوش ضمير، ولا أخلاق؟.
_ضي...اهدي متبقيش مجنونة. 
صرخت كالمجنونة:
_مين اللي جت البيت وحاولت؟!.
توقَّفت فجأة وتذكَّرت دارين:
_دارين...همست بها ثم استدارت للخارج كالمجنونة.

تعليقات