رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل التاسع
لم تكن بداية هذا اليوم تشبه ما سبقه من أيام...
فمنذ الصباح، كان لكل شخص منهم شيء يشغل قلبه وعقله؛ أسرار تتوارى خلف الوجوه، وقرارات تُتخذ في صمت، ومشاعر يحاول أصحابها إخفاءها حتى عن أقرب الناس إليهم.
وفي أحد أندية القاهرة، كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، وانعكس ضوؤها على المساحات الخضراء المحيطة بالمكان، بينما جلس بعض رواده في هدوء يستمتعون بأجواء الصباح.
وعلى إحدى الطاولات، تلاقت عينا زاد وباسل بعد غياب، وتبادل الاثنان التحية، قبل أن يصافحها باسل بابتسامة لطيفة حملت شيئًا من الاشتياق.
جلسا متقابلين، وتبادلا الكلمات في البداية، حتى اطمأن كل منهما على الآخر، لكن باسل لم يستطع أن يؤجل السؤال الذي جاء من أجله طويلًا.
كان الأمر يثقله، خاصة بعدما طال رفض والد زاد لزواجهما دون أن يعرف سببًا واضحًا ومقنعًا لذلك.
مال بجسده قليلًا إلى الأمام، ونظر إليها مستفهمًا، ثم قال بلهجة امتزج فيها الاستياء بالسخرية:
ـ بدي أعرف شو عملت أنا لحتى بيك يضل يرفضني هيك بلا سبب!
ثم نظر إليها بضيق، وكأن الأمر أصبح يمس كرامته، وأكمل حديثه بوجوم:
ـ زاد، أنا مو قليل أبداً بلبنان، أنا رجال غني ومعي مصاري كتير، يعني مو قليل بنوب، بدي أعرف منك شو السبب هلا؟
تنهدت زاد بعمق، وأدارت عينيها بعيدًا عنه، وكأنها تبحث عن إجابة لا تملكها، ثم عادت لتنظر إليه بكل وضوح، وقالت بصدق أنهكها طوال الفترة الماضية:
ـ والله ما عارفة أقولك إيه! بابا يا سيدي خايف عليا منك إنك تكون طمعان في الثروة اللي تعب سنين وهو بيبنيها، شغل سينما قديم، أنا حقيقي مخنوقة قوي وكرهت حياتي لدرجة إني اتمنيت أكون بنت عادية خالص.
اتسعت عينا باسل مما سمعه، وبدا عليه الاستغراب الشديد، وكأنها أخبرته بأمر لم يكن يتخيل أن يسمعه يومًا، وقال مندهشًا:
ـ شو قلتي! أنا طمعان بمصرياتك؟ شو هالتخبيص بالحكي هاد؟ أنا ما عم صدق أبداً إنه للحين في ناس بتفكر بهالطريقة.
شعرت زاد بالضجر من انفعاله، وفي الوقت نفسه تسلل إلى قلبها خوف آخر؛ خوف أن يغضب باسل، أو يشعر بالإهانة، أو يقرر الابتعاد عنها بعدما أصبح والدها عقبة في طريقهما.
مالت نحوه قليلًا، وحاولت أن تجمع أفكارها قبل أن تتحدث، ثم قالت:
ـ باسل، أنا عايزاك تعرف إني واثقة فيك. إحنا لازم نفكر بهدوء. يا ريت تهدى وتعالى نفكر في حل وسط نوصل بيه إننا نراضي جميع الأطراف.
أخذ باسل نفسًا عميقًا، ثم زفره بقوة، محاولًا تهدئة نفسه، وقال مقتضبًا:
ـ شو قصدك؟ فهميني لشو بدك توصلي؟
أجابته بتفكير، وهي تحاول أن تقنعه بما يدور في عقلها:
ـ أنا عايزاك تثبت لبابا إنك عكس ما هو شايفك خالص. معلش هتتعب شوية مع بابا، بس لازم يا باسل أرجوك اعمل كده علشاني.
تنهد باسل، وضم شفتيه قليلًا وهو يفكر في كلامها، ثم نظر إليها بعينين حملتا الاستعداد لفعل أي شيء من أجلها، وقال:
ـ حبيبتي، أنا مستعد لأي شيء بدك ياه، شو ما كان يكون، بس عندك حل تفهميني وأنا راح أعمل شو ما بدك!
ابتسمت زاد للمرة الأولى منذ بداية الحديث، ومدت يدها فوق الطاولة، ثم أجابته:
ـ كل اللي عايزاه منك تقابل بابا مرة كمان وتكلمه وتشرحله طبيعة شغلك ومنصبك في لبنان، وإن الفلوس آخر حاجة أنت بتفكر فيها. بليز يا باسل، الموضوع طول قوي وأنا تعبت بجد، نفسي بابا يرجع معايا زي الأول وأنا كمان عايزة أرجع زي ما كنت بجد، مخنوقة.
تفهم باسل انزعاجها، ولانت ملامحه فورًا، وكأنه لم يعد يرى في حديثها مشكلة تخصه وحده، بل أصبح يرى تعبها هي أيضًا، فقال مطمئنًا:
ـ روقي بالك حياتي، كل شيء راح يتم مثل ما بدك، وبكره راح فكرك. المهم قوليلي شو بدك تطلبيلنا عالغداء.
لم تكن زاد في مزاج يسمح لها بالتفكير طويلًا في الطعام، فاستلقت بظهرها على الكرسي، وقالت بلا اهتمام:
ـ اطلب أنت أي حاجة، أكل صيني أو تركي، المهم نتغدى بسرعة علشان أرجع البيت قبل ما بابا يوصل.
وعلى الجانب الآخر، كان منزل رضوان قد تحول إلى خلية من الفرح.
امتلأت أرجاؤه بالجيران وبعض الأقارب، وتوسطتهم إيمان التي حضرت على الفور، تحمل المشروبات وتوزعها على الجميع احتفالًا بتفوق حبيبة وحصولها على درجات عالية.
كانت الضحكات تتعالى من هنا وهناك، وتتعانق الأصوات في أجواء لم يعرفها المنزل منذ فترة طويلة.
وفي إحدى زواياه، وقفت بعض صديقات حبيبة يتحدثن معها ويهنئنها، بينما كان رضوان منشغلًا باستقبال الاتصالات الهاتفية من أحبائه وأصدقائه، وكل مكالمة كانت تزيد فرحته وتؤكد له أن تعب السنوات لم يذهب هباءً.
وكان عصام من أكثر من حرصوا على الاتصال به، بارك له وهنأه بهذا الخبر السار، وأخبره أيضًا أنه سيعود إلى منزله الجديد مع زوجته قريبًا.
لم يكن رضوان يجيب المكالمات بابتسامة عادية؛ كان يضحك من قلبه، ويعيد الشكر والامتنان لكل من يهنئه، وكأن نجاح حبيبة كان عيدًا خاصًا به هو.
أما حبيبة، فلم تكن تبحث في المنزل عن شيء سوى أخيها.
كانت تريد أن تراه وحده، وأن تسمع منه بنفسها ما كانت تتمنى سماعه، حتى وجدته أخيرًا في شرفة غرفته.
اقتربت منه، ووقفت بجانبه، ثم تَأبَّطت ذراعيها ورفعت رأسها إليه بكبرياء طفولي، وقالت:
ـ شفت بقى إني أذكى صحباتي إزاي!
التفت إليها رضوان، وما إن رأى ملامحها حتى ابتسم دون إرادة منه.
كان قلبه يتحدث قبل لسانه.
فنجاح حبيبة لم يكن مجرد نجاح شقيقته؛ كان نجاحه هو أيضًا، ثمرة سنوات طويلة قضاها وهو يحاول أن يفتح لها طريقًا لم يكن مفتوحًا أمامه.
كان يرى فيها كل ما حُرم هو منه، وكل حلم لم يستطع تحقيقه لنفسه.
مد يديه واحتضن وجهها بحنان، ونظر إليها نظرة رجل يرى أمامه أجمل نتيجة لتعب عمره، ثم قال بيقين:
ـ أنا مش بس شايف! أنا واثق ومتأكد من ذكائك ونجاحك يا روح قلبي، بنتِ دايمًا متعودة إنها تفرحني وترفع راسي لفوق. أنا مبسوط النهارده أوي وفرحتي بيكي ملهاش وصف.
رفعت حبيبة حاجبيها، ورمقته بنظرة ذات مغزى، وكأنها تقول له إن الكلام الجميل وحده لا يكفي.
كانت تعرف أخاها جيدًا، وتعرف أنه لن يترك نجاحها يمر دون مكافأة، ولذلك لوت فمها قليلًا وقالت:
ـ معلش كده، وعلشان نبقى على نور، الفرحة مش كلام وبس يا عم الأسمر، وبعدين أنا جايبة درجات بروفيشنال يعني الهدية تجيلي وأنا قاعدة وحاطة رجل على رجل، إنما جو مشرفاني ورافعة راسي ومبسوط، ده ما بقاش يأكل عيش يا نجم! ولا أنت عايز تشفط التليفون الجديد اللي وعدتني بيه ويروح عليا؟ لا، ما أنا ما ذاكرتش واتعب وبعون الله طب، وفي الآخر أنام على نفس المخدة! قلت إيه يا عم رضوان؟
انفجر رضوان في قهقهة عالية، ثم جذبها إليه وضمها بين ذراعيه، وكأن مشاغبتها تلك جزء لا يتجزأ من فرحته.
وقال بفخر:
ـ الدكتورة حبيبة تشاور بس، وإحنا أوامر ماشية على الأرض. وأنا عندي أغلى منك أجيبله، ما تقلقيش، تليفونك هيكون بين إيديك في أقرب وقت، وأنتِ بنفسك اللي هتنزلي معايا تختاريه. وكمان أوضتك أنا هجددها وأجيب نقاش يظبطهالك علشان تليق بحضرة جناب الدكتورة، وهعملك حتة مكتب عمولة يشرفك. بس اتقلي علشان تاخدي حاجة نضيفة، ماشي يا ست اللمضة!
ابتسمت حبيبة، ثم ألقت رأسها على كتفه، وشعرت بدفء لا تستطيع الكلمات وصفه.
حمدت الله في سرها على هذا الأخ الذي لا يقدر بثمن.
كان رضوان بالنسبة إليها أكثر من أخ؛ كان أمانها وسندها وظهرها، والرجل الذي شعرت دائمًا أنه يستطيع مواجهة الدنيا بأكملها من أجلها.
وفي الخارج، صدحت الزغاريد من زهرة وهي تحمل بين يديها مشروبًا تقدمه لبعض الضيوف، وقلبها سعيد للغاية بنجاح محبوبتها المدللة.
لكن فرحتها لم تدم طويلًا.
فقد تفاجأت برباب تدخل من باب المنزل.
توقفت زهرة للحظة، وتجمدت ابتسامتها، بينما راحت رباب تجوب بعينيها الحاضرين، وكأنها تبحث عن شخص واحد فقط.
رضوان.
اقتربت منها زهرة، وما زالت لا تعرف كيف تستقبلها بعد كل ما حدث، ثم همست بتلعثم:
ـ أهلاً يا رباب.
كانت رباب تحمل في داخلها جرحًا لم يلتئم.
لم تنسَ رفض رضوان لها في ذلك اليوم، ولم تنسَ كيف وقف أمامها ورفض أن يهرب معها أو يأخذها بعيدًا عن أهلها.
كانت تلك بالنسبة إليها أقسى إهانة تعرضت لها.
ابتلعت لعابها، ورفعت رأسها بتكبر، وكأنها تحاول أن تستعيد أمام نفسها أولًا شيئًا من كبريائها الذي سقط أمامه، ثم قالت لزهرة بنبرة لم تعتد أن تحدث بها أحدًا:
ـ إزيك يا خالتي أم رضوان؟ مبروك لحبيبة، أنا جيت علشان أبارك وأهني لما عرفت إن بسلامتها نجحت وجابت مجموع عالي، والناس كلها داخلة خارجة قلت عيبة إني ما جيش أبارك. أوعى يكون وجودي مضايقك ولا حاجة؟
تعجبت زهرة من لهجتها الجديدة، ولم تفهم سبب هذا التعجرف المفاجئ، لكنها اختارت أن تتعامل معها بهدوء، فقالت بلطف:
ـ لا، وإيه اللي هيضايقني؟ تنوري في أي وقت، البيت بيتك.
تركتها رباب في صمت، واتجهت لتجلس بين الآخرين.
لكنها لم تكن ترى أمامها احتفالًا بنجاح حبيبة.
كانت ترى بيتًا لطالما حلمت أن تعيش فيه بجوار رضوان.
بيتًا تمنّت أن يكون لها فيه غرفة، وركن، وحياة، وذكريات.
والآن تجلس داخله كغريبة.
لا تملك منه إنشًا واحدًا.
ظلت زهرة تراقبها في حيرة، ثم أشارت إلى إيمان بأن تقدم لها مشروبًا مثل بقية الضيوف.
وفي تلك اللحظة، خرج رضوان من غرفته، محتضنًا كتف حبيبة بذراعه، وهما يضحكان.
لكن ما إن وقعت عينا حبيبة على رباب حتى تقلص وجهها وتغيرت ملامحها دفعة واحدة.
لاحظ رضوان التغير المفاجئ في وجه أخته، فنظر إلى حيث تنظر.
وحين رأى رباب، انطفأت ابتسامته هو الآخر.
تسلل نفس ثقيل إلى صدره، وحاول أن يخفي كل ما شعر به، خصوصًا أنه لم يكن يريد أن يسمح لها بأن تفسد يوم أخته.
فهو يعرف مدى حب حبيبة له، ويعرف أنها اليوم أسعد ما تكون.
لذلك التفت إليها، وقال بهدوء متعمد:
ـ حبيبة، روحي اتبسطي مع صحابك والجيران وأنا هنزل الورشة، وإن شاء الله هرجع بدري علشان نحتفل بيكي أنا وماما لوحدنا، ماشي يا بيبو؟
حركت حبيبة رأسها مبتسمة ابتسامة رسمية دون أن تجيبه.
وحين ودعها رضوان واستدار ظهره استعدادًا للذهاب، قامت رباب فجأة، وقالت بصوت عالٍ يشوبه التهكم:
ـ مبروك لحبيبة يا رضوان يا عطار.
كورت حبيبة يدها في غضب، وشعرت برغبة في أن تتقدم منها وتلقنها درسًا قاسيًا.
أما رضوان، فلم يتفاجأ من نبرتها.
التفت إليها، ورسم على وجهه ابتسامة مصطنعة، وقال:
ـ الله يبارك فيك يا رباب، عقبال كعبورة إن شاء الله.
اشتعلت النيران داخل قلب رباب بسبب ابتسامته تلك.
كانت تتمنى أن ترى أثرًا واحدًا للألم عليه، أن تلمح في عينيه شيئًا يخبرها أنه ما زال يحبها.
لكن ابتسامته المستفزة أوجعتها أكثر.
اقتربت منه، وتبدلت النظرات بينهما في صمت ثقيل، ثم نقلت عينيها إلى حبيبة وابتسمت هي الأخرى ابتسامة مصطنعة، وقالت بنبرة تحمل تلميحًا واضحًا:
ـ مبروك يا حبيبة، وعقبال كده الشهادة الكبيرة، وعقبال ما نفرح بيكي وبابن الحلال اللي يقدرك ويستاهلك ويخاف عليك ويعافر علشانك.
تأففت حبيبة، ثم رسمت على وجهها ابتسامة واسعة، وكأنها فهمت تمامًا ما تقصده رباب وأرادت أن ترد عليها بالطريقة نفسها:
ـ الله يبارك فيكِ يا رباب، طول عمرك صاحبة واجب يا حبيبتي. وألف مبروك ليكِ أنتِ كمان، سمعت إن خلاص هتتخطبي لعزت قريب. والله يا زين ما اختار عزت.
تنفست رباب بغيظ، واشتعل وجهها نارًا، ثم نظرت إلى رضوان مباشرة، وقالت:
ـ إيه يا رضوان ساكت ليه؟ إيه رأيك في الكلام ده؟
نظر رضوان إلى بقية الحاضرين، الذين بدأوا يتابعون الموقف باهتمام، وبعضهم يهمهم بكلمات غير مسموعة، ثم أعاد نظره إليها بثقة وقال:
ـ ورأيي يهمك في إيه يا رباب؟ وبعدين أختي بتباركلك على خطوبتك زي ما أنتِ باركتلها على نجاحها، يبقى تردي وتقولي الله يبارك فيكِ يا حبيبة. مش دي الأصول برضو ولا إيه؟
ابتسمت رباب بسخرية، رغم أن كلمات رضوان كانت تجرحها من الداخل.
شعرت أنها خسرت جولة أخرى أمامه، فقررت أن ترد كرامتها بطريقتها.
وضعت يدها داخل حقيبتها، وأخرجت مبلغ ألف جنيه، ثم وضعته في يد حبيبة، وقالت بمكر:
ـ وإحنا سيد من يفهم في الأصول، امسكي يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة كده بمناسبة نجاحك، وإن شاء الله النقطة الكبيرة في فرحك يا ست البنات.
ثم نظرت إلى عيني رضوان مباشرة، وقالت بنبرة فاترة:
ـ ما تنساش يا رضوان، الشبكة هجيبها أنا وعزت يوم الخميس الجاي، أوعى ما تجيش. بالإذن أنا.
صُدمت حبيبة، واتسعت عيناها، وانفتح فمها من شدة الغيظ، وكادت تنفجر فيها.
لكنها لمحت نظرة رضوان إليها.
نظرة واحدة كانت كافية لتخبرها: لا تفعلي شيئًا.
فابتلعت غضبها وسكنت مكانها دون أن تتفوه بكلمة.
غادرت رباب، لكن النار التي أشعلتها في قلبها لم تنطفئ.
كانت تحب رضوان، وكلما رأته، ازداد جنون قلبها بفكرة أنه لن يكون لها يومًا.
وما إن غادرت حتى التفتت حبيبة إلى أخيها، وقالت بغضب:
ـ عاجبك كده يا رضوان؟
كبت رضوان انفعاله، ورسم ابتسامة هادئة، ثم قال:
ـ آه عاجبني، هي عملت إيه يعني؟ مش أنتِ ناجحة؟ والناس بتهادي بعض في المناسبات الحلوة؟ واعتبريه دين، وتبقي رديه في أي وقت، مش حاجة يعني.
ابتسمت حبيبة، لكن المكر بدأ يتلألأ في عينيها، وقالت:
ـ طبعًا لازم الدين يترد، وفي أسرع وقت وحياتك.
ودعهم رضوان، وترك المنزل عائدًا إلى عمله.
غادر الجيران تباعًا، وانتهى اليوم في ظاهره بسلام.
لكن شيئًا واحدًا لم يمر بسلام...
حبيبة.
فمنذ أن خرجت رباب من المنزل، لم تستطع حبيبة أن تطرد ما حدث من رأسها.
كانت تتحرك داخل غرفتها ذهابًا وإيابًا، تعيد المشهد في ذهنها، وتتذكر المال الذي وضعته رباب في يدها، وطريقتها في الحديث، ثم تتذكر رضوان وهو واقف أمامها يحاول بكل قوته ألا يظهر ما يشعر به.
لم تكن غاضبة من رباب لأنها تزوجت عزت فقط.
بل كانت غاضبة لأنها رأت بعينيها كيف تتعمد استفزاز أخيها، وكيف تحاول أن تجعل وجوده معها في شراء الشبكة عقابًا له.
وفجأة توقفت في مكانها.
صفقت بيديها بحماس، وكأن فكرة خطرت لها للتو، وقالت لنفسها:
ـ برافو عليك يا بت يا حبيبة! ما هي مش هتيجي غير كده. أنا لازم أروح معاهم وهما بيختاروا الشبكة. أيوه، أنا مستحيل أسيب أخويا يروح مع عزت لوحده.
لكن الحماس انطفأ قليلًا حين تذكرت رضوان.
تجمع الحزن على ملامحها، وجلست على فراشها، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ثم قالت بحزن:
ـ مسكين رضوان أخويا، ياما كان نفسي الفرحة دي تكون ليك يا حبيبي. يا ترى قلبك هيكون حاسس بإيه وانت بتشوف صاحبك وأخوك بيختار لحبيبتك الشبكة؟ ربنا يقوي قلبك يا رضوان.
ظلت تنظر أمامها للحظات، ثم قالت بإصرار:
ـ أنا لازم أكون جنب أخويا في أزمته، ومش هسيبه أبدًا. صدقني يا رضوان، هبعد عنك أي حاجة تضايقك، وهعمل المستحيل علشان أفرحك. أنا مستنية اليوم ده بفارغ الصبر، ومش هتنازل بأني أكون جنبك في أي وقت.
ومرت الأيام...
حتى جاء اليوم الذي كانت حبيبة تنتظره.
ارتدت ثياب الخروج، وأصرت على الذهاب مع رضوان، ولم تترك والدتها حتى تدخلت في الأمر وأقنعته بأن يأخذها معه.
وبعد محاولات عدة، وافق رضوان أخيرًا.
وهكذا ذهبا إلى محل المجوهرات، حيث كان عزت ورباب وعائلتها في انتظارهم.
منذ اللحظة الأولى، شعر رضوان أن المكان يضيق عليه.
كان يقف بعيدًا، يحاول أن يبدو طبيعيًا، بينما تقف رباب أمامه وتختار بعينيها خاتم زواجها.
حبيبته...
هي نفسها التي أحبها يومًا، والتي كان يتمنى أن يضع الخاتم في يدها هو.
لكنها الآن تختار خاتمًا ليضعه رجل آخر.
وكانت رباب، في الجهة الأخرى، تسرق النظرات إليه كلما سنحت لها الفرصة، ثم تجاهد حتى لا تسقط دموعها.
أما أمها عفاف، فكانت تشعر بسعادة غريبة.
كانت ترى رضوان واقفًا بعيدًا، وعيناه تحكيان الكثير، وكانت تتلذذ برؤية الألم في وجهه، وكأن عذابه انتصار شخصي لها.
لكنها لم تكن تعلم أن خطتهم ستنقلب عليهم.
كانت حبيبة تراقب الجميع في صمت.
ترصد كل نظرة، وكل حركة، وكل تغير يطرأ على وجه أخيها.
والنار تشتعل داخلها من أجله.
اقترب عزت من رضوان، وكان يمسك خاتم العروس بين أصابعه، ثم قال بحماس صادق، دون أن يعرف ما يخفيه صديقه خلف وجهه الهادئ:
ـ بص كده يا رضوان، حلو الخاتم ده ولا نجيب التاني؟
ابتلع رضوان مرارة السؤال.
كانت الكلمات بسيطة، لكن وقعها عليه كان كأنها تُلقى فوق جرح مفتوح.
حاول أن يبتسم بثبات مصطنع، وقال:
ـ والله يا عزت، أنت تشوف رأي العروسة، رأيي أنا مش هيفيدك بحاجة.
نظرت إليه رباب بحقد، وكأنها غاضبة من استسلامه وابتعاده عنها، ثم قالت:
ـ إزاي بقى يا رضوان؟ أنت مش أخو عزت؟ يبقى لازم تقول رأيك. ها، حلو الخاتم؟ أنت شايف إنه هيلِيق عليا؟ هيبقى حلو في إيدي يا رضوان؟
نظر رضوان إلى الجميع.
لم يعرف ماذا يقول.
كانت الكلمات تختنق في حلقه، وكل إجابة محتملة ستؤلمه.
وفي اللحظة المناسبة، تدخلت حبيبة بابتسامة هادئة، وقالت:
ـ اسأليني أنا يا رباب، إحنا بنات زي بعض يا حبيبتي، رضوان بعيد عن الموضوع. اللي نشوف رائيه بجد، هو عزت، بس انا عن نفسي شايفة الخاتم التاني أحسن من ده بكتير. ولا إيه رأيك أنت يا عزت؟ مش أنت العريس؟
ابتسم عزت فرحًا وقال:
ـ شاطرة يا حبيبة، جبتي الخلاصة، وأنا شايف كده برضو. هو بصراحة عاجبني، بس قلت أسألكم. إيه رأيك يا رباب؟ تشوفي الخاتم التاني؟
جزت رباب على أسنانها، وقالت معارضة:
ـ لا، هاخد ده عاجبني.
رد عزت ببساطة:
ـ وماله يا عروسة؟ الخاتم أصلاً ولا ليه لازمة، بس لما يبقى في إيدك هيتاقل بالدهب كله. ولا إيه يا رضوان؟
كان رضوان ينظر إلى رباب في صمت.
تألقت مقلتاه بحب ضائع، حب يحاول دفنه كل ثانية، لكنه يرفض أن يموت داخله.
ثم قال بصوت حمل حزنًا لم يستطع إخفاءه:
ـ الفرحة في القلب يا عزت، والدهب يا صاحبي ما لوش قيمة. القيمة في الناس اللي بيبقوا حواليك، والناس اللي تفهمك وتقدرك وتخاف على زعلك، هي دي القيمة الحقيقية والفرحة الصح يا صاحبي.
ضحك عزت وقال:
ـ عليا النعمة، أنت معلم ونجم النجوم طول عمرك. بتقول كلام يتوزن بالدهب. شفتي يا حماتي؟ أنا مش مصاحب أي حد، ده رضوان العطار اللي صيته مسمع في الحتة كلها.
ضحكت عفاف بتشفٍّ، وقالت ساخرة بأسلوب مبطن:
ـ طبعًا، وهل يخفى القمر؟ ده رضوان ابن قاسم العطار. وصدقت يا عزت لما قلت إن صيته مسمع في الحتة كلها. يلا عقبالَك يا رضوان لما نفرح بيك يا خويا.
اعتدل رضوان في وقفته.
لم يسمح لكلماتها أن تهزه أمام الجميع.
نظر إليها بثقة، وقال:
ـ تسلمي يا ست أم رباب، ومن جهة هتفرحي، أوعدك هتفرحي. وربنا يتمم بخير.
ثم التفت إلى عزت، وابتسم، وربت على كتفيه، وقال:
ـ ألف مبروك يا عزت، فرحت لك يا صاحبي. أنا حضرت معاك زي ما وعدتك. أطير أنا بقى علشان أنا واعد حبيبة، عازمها النهارده على الغدا وشابطة في هديتها يا سيدي ومش هتتنازل بمناسبة نجاحها.
وافقه عزت، بينما كان وجه رباب يشبه جمر النار من شدة غضبها وغيرتها في الوقت نفسه.
وقبل أن يتحرك رضوان، أوقفته حبيبة قائلة بلطف:
ـ استنى يا رضوان.
التفت إليها، وأنصت لها.
قالت:
ـ أنا عايزة أشتريلك هدية.
نظر إليها في تعجب:
ـ هدية!
ثم فكر قليلًا.
كان يريد الخروج من هذا المكان بأسرع وقت، يشعر أن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا داخل صدره، فقال مسرعًا:
ـ ماشي، هدية هدية. تعالي بس نخرج من هنا ونشوف إيه نوع الهدية اللي أنتِ عايزاها ونعدي نجيبها.
أمسكت بيده بحنان، وقالت:
ـ الهدية هجيبهالك من هنا.
تعجب الجميع.
أما حبيبة، فلم تهتم بنظراتهم.
أخذت يد أخيها وتحركت به، ثم وقفت أمام بائع الذهب، وقالت:
ـ لو سمحت يا عمو، الساعة الفضة الرجالي اللي سألتك عليها من شوية ممكن أشوفها تاني؟
أتى البائع بساعة قيمة.
أمسكتها حبيبة بين يديها، وأخذت تتأملها بعينين لامعتين بالحب، ثم أشارت إلى رضوان أن يمد يده لتلبسه إياها.
كان رضوان متعجبًا من أمرها، لا يقلقه المال؛ فهو يحمل في جيبه ما يكفي ليشتري لها الجوال الذي وعدها به.
لكنه سألها بدهشة:
ـ أنتِ بتعملي إيه يا حبيبة؟
نظرت إليه ببراءة الأطفال، وقالت:
ـ اسمع كلامي بقى وهات إيدك، ولا عايز تكسفني؟
استسلم لها.
رفع يده اليسرى، فألبسته الساعة.
كانت مميزة جدًا في يده، وزادتها يده قوة وهيبة، فشعرت حبيبة بسعادة حقيقية وهي تراها حول معصمه.
ابتسمت بحب، وقالت:
ـ الله، جميلة أوي في إيدك يارضوان. بجد حلوة أوي. بص بقى، دي هديتي ليك.
ثم نظرت إلى والدة رباب ورباب أيضًا، وأكملت وهي تتعمد التكبر:
ـ دي حاجة بسيطة مني ليك، أنا مهما أعمل يا رضوان مش هوافيك حقك.
ثم عادت بعينيها إليه، وتغيرت نبرتها إلى صدق خالص:
ـ أنا عارفة أنت تعبت قد إيه علشاني، عملت اللي عليك وأكتر، ولا بتشتكي ولا بتمل. لأنك يا حبيبي قدها وقدود، وفيك تكفيني وتكفي عيلة بحالها من مصاريف وأكل وشرب ولبس وكل حاجة.
سكتت للحظة، ثم تابعت:
ـ خيرك يا رضوان مغرقني أنا وماما. طب أقولك على حاجة؟ ماما امبارح بتقولي نفسها تشغلك بلوفر صوف بإيديها علشان تلبسه في عز البرد. رديت عليها وقلتلها: رضوان العطار ما بيهابش الهوا والبرد ولا حتى العواصف، لأنه اتربى جواها وعدى منها وبقوة ما يمسوش منها ضرر أبدًا، لأنه ماشي بيتقي الله وبيخاف ربنا في كل حاجة.
ثم ابتسمت بفخر، وقالت:
ـ عايزة أقولك يا بختي بيك، ويا بخت أي حد يكون قريب من رضوان بن قاسم العطار.
خرجت كلماتها أمام الجميع متعمدة.
لم تكن مجرد كلمات شكر لأخيها.
كانت ردًا على كل نظرة حاولت التقليل منه، وكل تلميح أراد أن يوجعه.
وما زاد عائلة رباب إلا حقدًا.
فقد أفسدت حبيبة عليهم خطتهم تمامًا.
كانوا يريدون أن يروا رضوان محطمًا، فإذا بهم يرونه واقفًا أكثر ثباتًا.
وكانوا يريدون أن يجعلوا هذا اليوم ذكرى مؤلمة في قلبه، فإذا بأخته تحوله إلى ذكرى مليئة بالحب والفخر.
شعر رضوان في تلك اللحظة وكأن الله عوضه عن كل وجع بكلمات أخته.
لم يكن ينقصه شيء.
فهي أمامه، وتفخر به، وتراه رجلًا عظيمًا رغم كل ما ينقصه في نظر الآخرين.
أمسك وجهها بين يديه، وقبّل قمة رأسها بحب واضح، وعيناه تتلألآن بمشاعر لم يحاول إخفاءها، وقال:
ـ ده أنا اللي يا بختي بيكِ، عارفة! النهارده حاسس إني مش ناقصني أي حاجة من الدنيا. تسلميلي يا حبيبة الروح والقلب.
اتسعت ابتسامتها، لكنها لم تستطع منع دمعة صغيرة من التجمع في عينيها، فسألته بصوت خافت:
ـ يعني مش زعلان!
أجابها بنبرة حنونة:
ـ ونزعل ليه والدنيا فيها حبيبة؟
التفتت حبيبة إلى البائع قبل أن تهبط دموعها، ومسحتها سريعًا حتى لا يراها رضوان.
ثم دفعت ثمن الساعة، وأخذت الفاتورة.
وقبل أن تغادر، اقتربت من رباب، وأخرجت مبلغ الألف جنيهاً الذي أعطته لها، ووضعته في يدها، قائلة:
ـ مبروك يا رباب، دي حاجة بسيطة كده، وإن شاء الله النقطة الكبيرة في ليلة فرحك يا حبيبتي.
نظرت إليها رباب، وقد علت الصدمة ملامحها.
أما حبيبة، فلم تفارق الابتسامة وجهها.
أمسكت يد أخيها مرة أخرى، وخرجا معًا من المحل.
المكان الذي كان من المفترض أن يصبح ذكرى مؤلمة في قلب رضوان، خرج منه وهو يحمل ذكرى أخرى تمامًا.
ذكرى أخته.
حبها.
وفخرها به.
والساعة التي أصبحت حول معصمه تذكره بأن هناك في الدنيا من يرى قيمته دون أن يحتاج إلى إثباتها.
خرج الاثنان، وتركوا خلفهم عائلة رباب التي بدأت تندم على اقتراحهم أن يذهب رضوان معهم.
كانوا يريدون أن يفسدوا عليه فرحته.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
وكادت عفاف أن تموت قهرًا من فشل مخططها.
أخذ رضوان حبيبة، وظل يتجول بها في إحدى المحلات، وبين حين وآخر كان ينظر إلى يده.
إلى ساعته الجديدة.
كان يبتسم كلما تذكر أنها هدية من أخته.
لم تكن قيمتها في ثمنها، بل في اليد التي اختارتها له، والكلمات التي صاحبتها.
وبعد أن شعرا بالجوع، ذهبا لتناول وجبة الغداء معًا.
وأثناء الطريق، هاتف رضوان والدته وأخبرها ألا تعد الطعام اليوم، فسوف يجلب لها بعض الوجبات السريعة.
جلس الاثنان يتناولان الطعام، وكان الهدوء يسود بينهما للحظات.
حتى رفعت حبيبة عينيها إلى أخيها، وقالت بتمنٍّ:
ـ مش هتسمع كلامي بقى وتكمل تعليمك؟
أجابها وهو يلوك الطعام:
ـ كلي وأنتِ ساكتة، بتدوري على أي كلام وخلاص!
وضعت حبيبة الطعام من يدها.
لم تكن هذه المرة تمزح.
كانت تتحدث من قلبها، لأنها ترى في أخيها قدرات أكبر بكثير من المكان الذي وضع نفسه فيه، وقالت بصدق:
ـ رضوان، أنت لازم تسمع مني. أنت ما شاء الله عليك مخك ذكي ولماح، وبتعرف تقرا إنجليزي كويس، وعندك معلومات مش عندي. يبقى ليه ما تستغلش الفرصة دي وتقدم ورقك وتكمل تعليمك؟ هتقولي الشغل والسن، هقولك التعليم مش بالسن. ياما في ناس كتير كملوا تعليمهم في سن كبير، وأنت لسه صغير، تلاتين سنة، ده مش سن كبير ولا حاجة. وإن كان على الشغل، فقدم منازل يا سيدي وكمل، وادخل كلية كويسه.
وضع رضوان طعامه هو الآخر.
نظر إليها طويلًا.
كان سؤالها في ظاهره بسيطًا، لكنه لمس نقطة حساسة داخله.
فهو يعرف أن حبيبة لا تقصد إهانته، لكنه قضى عمره يضع نفسه في مكان الرجل الذي عليه أن يحميها، لا الرجل الذي يحتاج إلى أن يكمل ما فاته.
سألها بوضوح:
ـ حبيبة، أنتِ بتستعري مني علشان أخوكي ولأني ما كملتش علام؟ يعني قصدي بتحسي إنك هتتكسفي بعد كده إنك تقدميّني لأي حد أو حتى عريسك في المستقبل، بما إنك هتبقي دكتورة إن شاء الله، وأخوكي زي ما هو حتة حداد لا راح ولا جه؟
نظرت إليه حبيبة في صدمة.
رمقته بضيق واضح.
كيف استطاع أن يفكر فيها بهذه الطريقة؟
هي لم تره يومًا كما يصف نفسه.
لم ترَ فيه مجرد حداد.
كان الأب الروحي لها، ومثلها الأعلى، وأول رجل شعرت معه بالأمان.
كانت تحكي عنه لصديقاتها بفخر، وتتحدث عن مواقفه معها، وتشعر دائمًا أنها محظوظة لأنه أخوها.
هي فقط أرادت أن يكمل تعليمه حتى لا يشعر يومًا أن شيئًا ينقصه.
اغرورقت عيناها دون أن تشعر، وابتلعت مرارة كلماته، ثم تحدثت بصوت متحشرج:
ـ إيه اللي أنت بتقوله ده يا رضوان! أنا أستعر منك أنت! ده يتقطع لساني ويارب أموت دلوقتي لو فكرت في مرة إني أستعر منك. دانا من غيرك ولا حاجة. مين اللي رباني وخلى باله مني وعلمني؟ مش أنت! مين اللي علمني الصلاة وشجعني عليها؟ مش أنت! مين اللي حرم نفسه وخد من عمره وسعادته علشان يديني!
ثم ظهرت شبح ابتسامة على ملامحها وهي تستعيد إحدى ذكريات طفولتها، وقالت بشرود:
ـ طيب ده أنا بتحسد عليك. أنا عمري ما هنسى وأنا صغيرة في المدرسة والعيال ضربوني، وأول ما أنت عرفت سبت اللي في إيدك وجيتلي جري، وخدتني من إيدي ورحنا لأهل العيال دي، وأنت ما استريحتش إلا ما جبت حقي. ويومها جبتلي حاجات حلوة كتير، وخدتني الملاهي ونسيتني أي حزن جوايا. ده أنا لو فكرت في كده، أبقى ناكرة للجميل.
أخذت نفسًا عميقًا، ومسحت دمعة هاربة من عينها، ثم أكملت:
ـ وعريس المستقبل اللي أنت بتقول عليه ده، لو محطكش فوق دماغه ما يلزمنيش.
رقص قلب رضوان على نغمات كلماتها.
لم يكن يدرك إلى أي مدى كانت كلماته تؤلمها، ولا إلى أي مدى كان تأثيره عليها أكبر مما يتخيل.
وفي المقابل، لم يكن يدرك أيضًا أن ما فعله طوال السنوات الماضية ترك داخلها هذا القدر من الامتنان والحب.
شعر بالفخر.
فكل ما فعله من أجلها، وكل لحظة تعب عاشها، بدا له الآن وكأنه لم يذهب سدى.
ابتسم إليها، وحاول أن يغير مجرى الحديث، فقال:
ـ أولًا أوعى تدعي على نفسك تاني، علشان حقيقي قلبي بيوجعني. ثانيًا بقى، تعرفي لما بتتكلمي وأنتِ متأثرة كده بتبقي شبه الواد عزت.
نظرت إليه حبيبة محاولة كبح غضبها، وردت باختناق حاد:
ـ أيوه أيوه، جيب ورا بقى لما تعرف إنك عكيت ومش لاقي مخرج. طبعًا هتودي وشك مني فين؟
قهقه رضوان عاليًا، وهو يعلم أنه نجح أخيرًا في إخراجها من حالة الحزن.
لكن ضحكته استفزتها أكثر، فقالت بانفعال:
ـ أيوه اضحك أنت وسيبني شايطة كده! وبعدين عزت مين اللي أنا شبهه ده؟ أنا مبطقش الواد ده.
حاول أن يكبح ضحكاته، وقال:
ـ حرام عليكي، ده عزت غلبان. نفسي أعرف بتكرهيه ليه ومن زمان.
قالت فورًا:
ـ الحمد لله، أديك قلتها من زمان مش من دلوقتي. هو شعور جوايا كده، ما برتحش لسحنة أمه دي.
ثم رمقته بنظرة حادة، وقالت:
ـ ممكن ما تتكلمش معايا تاني؟ أنت حرقت دمي بصراحة. لسه جايبالك هدية ومروقة عليك، تقوم ترد جميلي عليك وتقولي بستعر منك!
ابتسم رضوان، وأمسك قطعة من الطعام، ومدها إليها وهو يقول:
ـ حقك عليا يا ست البنات كلهم. دول كلمتين كده قلتهم وقت جوعي. أنتِ عارفة، وأنا جعان ما بسيطرش على حروفي.
أخذت منه الطعام، وقالت وهي تلوي فمها:
ـ مجبرة أسامحك علشان ليا عندك مصلحة. ولا أنت هتنام عليها إن شاء الله!
ضحك رضوان.
فهم جيدًا إلى ماذا ترمي، وعرف أن كلماته السابقة لن تمر بسهولة دون أن يدفع ثمنها.
لذلك قرر أن يصلح ما أفسدته كلماته.
بعد أن انتهيا، اشترى بعض الطعام لوالدته، ثم دفع الحساب، وأخذ الطعام معه.
بعدها اصطحب حبيبة إلى محل الهواتف، وطلب منها أن تختار الهاتف الجديد الذي وعدها به.
فرحت حبيبة، ونسيت تمامًا انزعاجها منه، وظلت تختار بين الأنواع حتى وقع اختيارها على هاتف في متناول يده.
دفع رضوان ثمنه دون تردد.
خرج الاثنان من المحل، وعادا إلى المنزل وهما يغمرهما الفرح.
وبمجرد أن دخلت حبيبة، بدأت تسرد لوالدتها كل ما حدث منذ خروجها مع رضوان، وخاصة مشهد الساعة.
كانت زهرة تستمع إليها بعينين متسعتين.
لم تكن مصدومة من الهدية بقدر دهشتها من ابنتها نفسها.
كانت حبيبة تتحدث بحماس، وتصف ما فعلته بكل ثقة، مع رباب وعائلتها.حتى بدا لزهرة أنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي تعرفها.
لقد بدت لها، في ذلك اليوم تحديدًا، وكأنها امرأة في الثلاثين من عمرها، تتصرف بثبات، وتعرف متى تتدخل، وكيف تحمي أخاها، وكيف ترد عنه الأذى دون أن تسمح لأحد بأن يكسر قلبه.
أما رضوان، فكان يقف في مكانه يستمع إلى ابنته الصغيرة التي كبرت فجأة أمام عينيه، ويبتسم.
ولم يعرف أيهما كان أثمن بالنسبة إليه في ذلك اليوم...
نجاح حبيبة الذي أفرحه، أم قلبها الذي أثبت له أنه لم يخطئ حين جعل من حمايتها مهمته الأولى في الحياة.
ساد الصمت في منزل كريم، فهو منشغل دائمًا بالهاتف، ويترك التلفاز مشغّلًا أمامه، ولم ينظر إليه، فقط عيناه في هاتفه لا غير ذلك. كانت إيمان تراقب تصرفاته وهي جالسة أمامه تمشّط شعر ابنتها الصغيرة، والحزن يعتلي قلبها، وكانت ستتكلم، ولكن ابتلعت كلامها داخلها؛ لأنها تعلم جيدًا أنه سينفعل عليها مثل كل مرة، فسكتت وألزمت الصمت وتركت أمرها لله.
أتى المساء، وعاد رضوان من الخارج وسأل أمه عن حبيبة، فأجابته بأنها في غرفتها تلهو بجوالها الجديد. ذهب إليها وطرق الباب، معرّفًا أنه يريد الدخول، وبعد أن سمحت له، ولج رضوان، ولمس السعادة الواضحة عليها، وابتسم لها وجلس بجوارها في صمت. تعجبت حبيبة وسألته عن سبب صمته، فنظر إليها ووجّه لها سؤالًا واحدًا:
ـ جبتي فلوس الساعة دي منين يا حبيبة؟
ضحكت بصوت مسموع وأردفت بمزاح وقالت:
ـ سرقتهم طبعًا.
أغمض عينيه ولا يريد أن ينفعل عليها، فهو يكره هذه الطريقة حتى لو كانت مزحة، فهي مزحة ثقيلة على قلبه تجلب له الألم، فتحدث بجد وقال غاضبًا:
ـ حبيبة، أنا مبهزرش، عايز أعرف جبتي الفلوس دي منين؟ انطقي من غير لف ودوران! جبتيها منين!
فزعت حبيبة من طريقته، فهو لأول مرة يحدثها بهذه النبرة، فابتلعت لعابها وخفضت عينيها أرضًا وتحدثت بحزن:
ـ أنا كنت بهزر معاك، مش قصدي، والفلوس دي كان معايا جزء محوشاه من مصروفي في الحصالة، وقولت لماما إني نفسي أفرحك وأجيبلك ساعة فضة، بس الفلوس اللي معايا مش مكملة، فماما كملتلي باقي الفلوس من معاها. هو ده اللي حصل.
أغمض عينيه ومسح وجهه بيديه، ثم نظر إليها فوجدها على نفس الحال، فأمسك كف يدها مربّتًا عليه وقال معتذرًا:
ـ حقك عليا، أنا مش قصدي أعلي صوتي عليكِ، إنتِ عارفة غلاوتك.
لازمت حبيبة الصمت ولم تتحدث، فعلم أنها ما زالت منزعجة، فأكمل وهو يقول مازحًا بعض الشيء:
ـ أنا بس بسألك، جبتي الفلوس دي منين؟ علشان أخوكي مزنوق في قرشين كده، وعايز منك ألفين جنيه سلف لآخر الشهر.
لوت حبيبة فمها وهي تتمتم بصوت خافت قائلة:
ـ خِفّة الدم مش بالعافية، أقسم بالله يا جدعان.
سمعها وضحك وهو يقول:
ـ هي بقت كده؟ عمومًا، سيبتلك أنا خفة الدم يعني هتبقى وحشة ودمك تقيل؟ وأنا حلو ودمي خفيف؟ لأ طبعًا.
ضيّقت عينيها وصرت على أسنانها وهي تقول:
ـ نعم يا سي رضوان؟ أنا وحشة؟ ده أنا عسل وزي القمر، وكفاية إن الناس بتعرفك مني، وبتشاور عليك وتقول: هو اللي ماشي هناك ده أخو حبيبة العطار؟ أصله يدوبك فيه شبه منها!
ضحك رضوان وهو يداعب شعرها، ثم صمت وتنهد قائلًا:
ـ زعلتك مني كتير النهارده، حقك عليا يا بيبو، أوعي تزعلي مني، أنا بس كنت حابب أطمن.
هي تعلم أن انزعاجه بسبب ما حدث مع رباب، والتمست له العذر، ثم رفعت حاجبها وهي تقول بتكبر مزيف:
ـ أنا هانم، والفلوس عندي بالكوم، ومش محتجالك، اطمن، آخر خمسة جنيه منوّرة شنطتي.
ثم أكملت مترجّية:
ـ وعايزة منك تزودهملي ٣٥٠ جنيه علشان خارجة بكرة مع صحابي، شالة تنستر يارب.
ضحك هو، وظلا يتسامران ويضحكان سويًا، ودعا رضوان أمه لتجلس معهم ليقضوا وقتًا ممتعًا.
تناول عزت العشاء مع عائلة رباب، ولكن هي رفضت أن تشاركهم الطعام، ورفضت أن تلبس الحلي إلا وقت زفافها، وتركتهم وذهبت لغرفتها، وهي تجوبها في كل زاوية، وتشعر بالشرر يخرج من عينيها، وهي تظن أن رضوان تركها لعزت بكل سهولة، ولم تنسَ له هذه الإساءة مهما يمر بها العمر.
مرّت الأيام، وحقق رضوان وعده الآخر مع شقيقته، حيث ساهم في تجديد غرفتها، من حيث الديكور الداخلي ودهان الحائط بلون تحبه كثيرًا، واختلفت غرفتها الرائعة عن باقي المنزل، وأتى لها بمكتب يليق بها، وفرحت فرحًا عارمًا، وفرح هو أيضًا لكونه قادرًا على تحقيق أمنيات شقيقته حتى لو كانت بشيء قليل، وجاء اليوم الذي كان رضوان ينتظره ليفي بوعده للسيد حسين، ويبدأ العمل في الشركة الأم وفقًا لما اتفقا عليه.
وصل إلى مقر الشركة في الموعد المحدد تمامًا، حاملًا معه أدواته ودفتره الذي اعتاد أن يسجل فيه كل صغيرة وكبيرة تخص عمله. وما إن دخل حتى كان حسين في انتظاره، فاستقبله بترحاب خاص، بدا منه مدى تقديره له، ثم اصطحبه بنفسه إلى المكان الذي سيبدأ فيه عمله.
تركه حسين بعد ذلك يتحرك بحرية، دون أن يفرض عليه رأيًا أو يتدخل في تفاصيل عمله، فقد أراد أن يرى بنفسه ما الذي يستطيع رضوان أن يقدمه حين تُترك له المساحة كاملة ليُظهر مهارته.
وبمجرد أن بدأ رضوان عمله، تبدلت ملامحه تمامًا.
اختفت تلك العفوية التي اعتاد عليها من يعرفه خارج العمل، وحل محلها تركيز شديد ونظرة دقيقة تلتقط كل تفصيلة أمامها. أخذ يتنقل بين أرجاء الشركة بخطوات ثابتة، يرفع شريط القياس، يدون الأرقام بدقة، ثم يعيد النظر في المكان مرة أخرى، وكأنه لا يكتفي بالمقاس وحده، بل يحاول أن يتخيل الشكل النهائي قبل أن يبدأ التنفيذ.
كان يسجل ملاحظاته في دفتره، ثم يقترب من أحد الموظفين ليشرح له ما يحتاجه، ويشير بيده إلى بعض المواضع وهو يوضح لهم ما ينوي تغييره.
وفي مكتبه، كان حسين يتابع كل ذلك عبر كاميرات المراقبة المثبتة في أرجاء الشركة.
ظل يراقبه بصمت، وقد لفت انتباهه أن رضوان لم يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد مهمة مؤقتة سينتهي منها ويغادر، بل بدا وكأنه يتعامل مع المكان وكأنه مشروعه الخاص؛ يبحث عن أفضل الحلول، ويدقق في التفاصيل، ولا يترك شيئًا للصدفة.
وبعد وقت من العمل، طرق رضوان باب مكتب حسين، ثم دخل بعدما أذن له.
رفع حسين عينيه إليه، وأشار له بالجلوس، لكن رضوان ظل واقفًا للحظات وهو يفتح دفتره، ثم بدأ يعرض عليه ما توصل إليه.
قال وهو يشير إلى بعض القياسات والتصميمات:
ـ أنا خلصت المقاسات كلها، وشوفت المكان كويس، وعندي كام فكرة كده عايز آخد رأي حضرتك فيهم قبل ما نبدأ التنفيذ.
أخذ حسين الدفتر منه، وراح يتفحص ما دوّنه رضوان بعناية، ثم رفع عينيه إليه باهتمام.
ـ أنا طبعًا مش فاهم أي حاجة من الأرقام والرسومات دي. بس أنا معاك وسامعك، قولي إيه هي الأفكار اللي عندك؟
اقترب رضوان من المكتب، وأخذ يشير إلى الرسومات واحدة تلو الأخرى، موضحًا رؤيته لكل جزء، وبعض التصميمات التي أراد تنفيذها بشكل مختلف عن المعتاد.
كان يتحدث بثقة، لكنه لم يكن يفرض رأيه؛ كان يشرح الأسباب التي دفعته إلى اختيار كل تصميم، وكيف يمكن أن يتناسب مع طبيعة الشركة وشكل المبنى، وما الذي سيمنحه للمكان من مظهر أكثر أناقة وتميزًا.
ظل حسين يستمع إليه باهتمام، وكلما انتقل رضوان من فكرة إلى أخرى، ازدادت دهشته من دقة الرجل وتركيزه.
وبعد أن انتهى رضوان، وضع حسين الدفتر أمامه، ثم ابتسم قائلًا:
ـ بصراحة يا رضوان، أنا عاجبني تفكيرك جدًا، خصوصًا إن الأفكار دي مختلفة ومش تقليدية.
ابتسم رضوان ابتسامة صغيرة، وقال بثقة هادئة:
ـ أنا بحب الشغل اللي يطلع مختلف يا باشا، بس في نفس الوقت يكون مناسب للمكان ويعيش سنين، مش مجرد شكل حلو وخلاص.
هز حسين رأسه بإعجاب، ثم أعاد النظر إلى التصميمات مرة أخرى قبل أن يقول:
ـ توكل على الله، اعمل كل اللي أنت شايفه مناسب. أنا موافق على اقتراحاتك كلها.
أومأ رضوان باحترام، وأغلق دفتره وهو يقول:
ـ إن شاء الله مش هتندم يا باشا، وهتشوف الشغل بنفسك لما يخلص.
ـ أنا واثق فيك.
كانت تلك الجملة كافية لرضوان.
لم يزد في الحديث، ولم يسمح لكلمات المديح أن تشغله عن هدفه، فشكر حسين وغادر المكتب، وعاد إلى موقع العمل من جديد.
وما إن خرج حتى عاد إلى تركيزه الأول، وبدأ في تنفيذ ما وضعه في ذهنه، يعمل بجد واجتهاد وكأن الوقت لا يعني له شيئًا، وكأن أمامه هدفًا واحدًا فقط؛ أن يخرج العمل بالصورة التي رسمها في خياله، وأن يثبت أن الثقة التي منحه إياها السيد حسين لم تكن في غير محلها.
مرَّ شهران كاملان منذ بدأ رضوان وعزت العمل في الشركة الأم للسيد حسين.
شهران لم يكن فيهما العمل مجرد ساعات يقضيانها في المكان ثم ينصرفان، بل كانا أيامًا متواصلة من الجهد والتركيز، حتى خرجت التصاميم في صورتها النهائية، وبدأ رضوان بنفسه في تركيبها والإشراف على كل تفصيلة صغيرة وكبيرة فيها.
كان يتعامل مع الحديد وكأنه يعرفه منذ سنوات طويلة؛ يلمس القطعة، يتأملها، يقيسها أكثر من مرة، ثم يتركها بين يدي العاملين بعدما يشرح لهم بدقة ما يريد. لم يكن يقبل أن تمر تفصيلة واحدة دون أن يتأكد أنها خرجت بالشكل الذي تخيله في رأسه.
وحين انتهى العمل أخيرًا، كانت الشركة قد تغيرت ملامحها بصورة واضحة؛ البوابات والتصميمات المعدنية والنوافذ حملت لمسته الخاصة، وأصبحت كل قطعة منها شاهدة على مهارته وإتقانه.
وفي اليوم الذي تم فيه تسليم العمل، كان حسين موجودًا في المزرعة، فأوصى المحامي الخاص بالشركة بأن يهتم بكل ما يخص رضوان وعزت، وأن يتولى تسوية الحسابات معهما.
وبعد استلام جميع التصاميم والأعمال، دفع المحامي المبلغ المتفق عليه كاملًا لرضوان، دون تأخير أو نقصان.
لم يكن رضوان يهتم كثيرًا بما جمعه من مال بقدر اهتمامه بأن ينتهي من عمله وهو راضٍ عن نفسه؛ فالرجل الذي اعتاد أن يعيش من تعب يديه كان يعرف جيدًا قيمة كل جنيه يدخل جيبه بالحلال.
وفي صباح اليوم التالي، عاد إلى ورشته كعادته.
كان الصباح قد بدأ يزدحم بأصوات الحي، بينما كان رضوان يستعد لبدء يوم جديد، حتى ظهر عزت كعادته، وألقى عليه التحية، ثم اتجه كل منهما إلى عمله.
وبينما كان رضوان يرتب أدواته، امتدت يده إلى حقيبة العمل التي لا تفارقه أينما ذهب، وبدأ يتفقد محتوياتها بصورة عفوية.
وفجأة توقفت يده.
كانت هناك بطاقة دفع بنكية داخل الحقيبة.
قطّب رضوان حاجبيه، وأخرجها بين أصابعه، ثم قلبها من الأمام إلى الخلف أكثر من مرة، وكأن عينيه ترفضان تصديق وجودها هناك.
لم تكن البطاقة تخصه، وكان متأكدًا أنه لم يضعها في حقيبته بنفسه.
ظل صامتًا للحظات، يحاول أن يسترجع تفاصيل اليوم السابق في ذاكرته.
أين ذهب؟ أين وضع حقيبته؟ ومن اقترب منها؟
كان آخر مكان ذهبا إليه هو شركة المالكي، ولم يكن من الصعب عليه أن يربط بين الأمرين.
وفي تلك اللحظة، لمح عزت البطاقة في يده، فاقترب منه، وقد أثار شروده فضوله.
ـ مالك يا رضوان مشغول في إيه؟
انتبه رضوان إليه، وضم شفتيه وهو يقلب البطاقة بين أصابعه، ثم أجابه بحيرة:
ـ الفيزا دي يا عزت لقيتها في شنطة العِدّة، ومش عارف وقعت من مين وامتى وفين؟
مد عزت يده وأمسك البطاقة، وراح ينظر إليها من الجهتين، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة لم تَرُق لرضوان، وقال:
ـ مش مهم إمتى وفين يا رضوان، المهم إننا نعرف نلعبها صح.
لم يفهم رضوان ما يرمي إليه صديقه، فضيق عينيه وسأله:
ـ نلعبها إزاي؟ مش فاهم؟
وقعت عينا عزت على أربعة أرقام مكتوبة بخط اليد أسفل البطاقة، فتوقف عندها للحظة، ثم رفع البطاقة أمام رضوان وقال بثقة:
ـ بص هنا يا رضوان، على الأرقام دي. أنا متأكد مليون المية إن صاحب الفيزا كاتب رقمه السري عليها.
حدق رضوان في الأرقام، ثم رفع عينيه إليه مستنكرًا، وقال بسخرية:
ـ يا سلام عليك يا أبو المفهومية! يعني صاحب الفيزا هيكتب رقمها السري عليها؟ طيب ولزمتها إيه الفيزا من البداية لما رقمها يبقى على عينك يا تاجر؟
ابتسم عزت بسخرية، ثم هز رأسه بضيق وقال: ـ
بطل غشومية بقى يا رضوان، وده مش موضوعنا. إحنا نروح لأقرب ماكينة صرافة ونجرب ونشوف حظنا، مش يمكن تضرب معانا المرة دي؟
زجّه رضوان بنظرة حادة، وكأن ما سمعه للتو تجاوز عنده كل حدود المزاح، وقال:
ـ أنت جرى لمخك حاجة يا عزت؟ إحنا مش هنجرب حاجة، إحنا هنرجع الفيزا دي لصاحبها.
صرَّ عزت على أسنانه بغيظ، ثم قال مقتضبًا:
ـ وهتعرف صاحبها إزاي بقى يا رضوان، وأنت لاقيها مرمية في شنطة عِدّة الشغل! ولا يمكن هتروح لشيخ يشوفلك الطالع ويدلك عليه؟
أخذ رضوان البطاقة من يده، واحتفظ بها في كفه، ثم قال متهكمًا:
ـ بطل تريقة وحياة أبوك. وإيه يعني لاقينها في شنطة العِدّة؟ هي الشنطة دي مقفول عليها؟ ما هي معانا منين ما نروح! وامبارح كنا في شركة المالكي بنركب الشغل، وأكيد الفيزا دي وقعت من أي موظف هناك. يبقى نروح ونسلمها لصاحب الشركة، وهو حر بقى. المهم أكون عملت اللي يريح ضميري.
كانت كلمات رضوان تخرج ببساطة، لكنها كانت بالنسبة لعزت شيئًا آخر تمامًا.
نظر إليه بضيق، ثم قال وهو في قمة غيظه:
ـ آه، اعمل يا خويا اللي عليك، وإحنا نلحس التراب. مش عارف دماغك دي بتفكر إزاي! خير وجه لحد عندنا نقوله لأ! فكر يا رضوان، أبوس إيدك.
أخرج رضوان هاتفه من جيب بنطاله، ولم يبدُ عليه أدنى تردد، وكأنه حسم الأمر منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناه على البطاقة.
ثم قال وهو يبحث عن رقم حسين:
ـ والله صاحب الفيزا ملوش ذنب تلحس التراب ولا الحديد نفسه، وعايزني أفكر في إيه يا جدع أنت؟ الحرام ما بيدومش يا عزت، فاهم يا ابني؟ ما بيدومش. واسكت بقى خليني أكلم الراجل وأرجع له حاجته.
تأفف عزت، وعاد إلى عمله وهو مكتظ بالضيق.
لم يكن يفهم كيف يستطيع رضوان أن يرفض شيئًا يمكن أن يغير حاله، وكان يرى أن مبادئ صديقه الصلبة لا تجلب له سوى المزيد من الفقر والتعب.
أما رضوان، فخرج من الورشة وهو يجري الاتصال بحسين.
وما إن جاءه الرد حتى قال:
ـ والله يا حسين بيه أنا معرفش هي بتاعة مين، بس اللي متأكد منه إنها وقعت في شنطة الشغل من أي موظف عندك في الشركة، لأننا مروحناش أي مكان امبارح غير شركتك.
جاءه صوت حسين هادئًا:
ـ تمام يا رضوان، بس الحقيقة أنا مشغول جدًا، فلو ممكن تجيبهالي دلوقتي بنفسك أكون شاكر ليك، ولا أنت وراك حاجة؟
أجابه رضوان دون تردد:
ـ رد الأمانة مش محتاج تأجيل يا حسين بيه، أجيلك حالًا الشركة.
ابتسم حسين، ثم قال:
ـ لأ، المرة دي هتجيلي البيت يا رضوان.
أخذ رضوان منه عنوان المنزل، ثم عاد إلى الورشة وأخذ سيارته، وانطلق في طريقه.
وفي الجهة الأخرى، كان حسين يجلس داخل مكتبه في منزله، لكن ملامحه لم تكن تحمل انشغال رجل فقد شيئًا، بل كانت تحمل هدوء رجل ينتظر نتيجة أمر خطط له منذ البداية.
كان يعرف تمامًا أين كانت البطاقة، ومن وضعها، ولماذا وُضع معها الرقم السري.
فلم تكن تلك مصادفة.
كان حسين هو من طلب من محاميه الخاص أن يضع البطاقة داخل حقيبة رضوان، وأن تكون الأرقام الأربعة مكتوبة عليها، لأنه أراد أن يختبر شيئًا أهم من مهارة رضوان في العمل.
أراد أن يعرف معدن الرجل.
منذ المرة الأولى التي رآه فيها، لم يستطع أن يتجاهل ذلك الشاب الذي وقف في وجه أخيه نجيب، ورفض المال الذي عُرض عليه رغم حاجته، ولم يتردد في الدفاع عمن رآها مظلومة.
ذلك الموقف ظل عالقًا في ذهن حسين.
ولهذا طلب من أحد رجاله أن يجمع له كل ما يستطيع من معلومات عن رضوان.
قرأ سيرته، وسأل عنه، واستمع إلى حكايات الناس عنه، وكلما عرف عنه شيئًا ازداد فضوله نحوه؛ أمانة، وشهامة، واعتزاز بالنفس، وقناعة لا تتناسب مع قسوة الحياة التي عاشها.
واليوم أراد أن يتأكد بنفسه.
وحين رن هاتفه وأخبره رضوان بأنه وجد البطاقة ويريد إعادتها، انفرجت أسارير حسين، وظهرت على وجهه ابتسامة انتصار هادئة.
لقد نجح الاختبار.
اعتدل في وقفته، وخرج من مكتبه متجهًا إلى الصالة الفسيحة، ثم جلس منتظرًا وصول رضوان.
وبعد وقت قصير، توقفت سيارة الورشة أمام الفيلا.
هبط رضوان منها، ثم رفع عينيه إلى المكان من حوله.
توقفت نظراته للحظات أمام اتساع المكان وأناقة البناء، ثم امتدت إلى الأشجار التي تحيط بالطرقات، والمساحات الخضراء التي تمنح المكان سكونًا مختلفًا.
كان المشهد بعيدًا كل البعد عن عالمه؛ عن ورشته الصغيرة، ورائحة الحديد، وضجيج الأدوات، وأصوات الحي التي اعتادها حتى أصبحت جزءًا من يومه.
ومع ذلك، لم يتوقف طويلًا.
فهو لم يأتِ إلى هنا لينبهر بالمكان، بل جاء ليعيد أمانة.
أشار إليه أحد الخدم بالتقدم إلى الداخل، فهز رضوان رأسه شاكرًا، واتجه بخطوات ثابتة نحو الصالة، والبطاقة ما زالت محفوظة بين أصابعه.
وما إن دخل حتى وجد حسين في انتظاره.
اقترب منه، وألقى التحية باحترام، بينما ظل حسين يتأمله للحظات بصمت.
كان أمامه شاب في الثلاثين من عمره، حملت ملامحه آثار سنوات لم تكن سهلة.
كانت عيناه البنيتان العميقتان تحملان شيئًا من الحزن، لكن ذلك الحزن لم يستطع أن يهزم ما فيهما من صمود.
ويداه كانتا أكثر صدقًا من أي كلمات؛ آثار العمل والشقاء واضحة عليهما، وكأنهما تحملان سيرة عمر كامل من الاعتماد على النفس.
ورغم بساطة ملابسه، كان حضوره لافتًا؛ قوام رياضي متناسق، ملامح وسيمة، ونظرة ثابتة لا تحمل انكسار رجل فقير، بل كرامة رجل يعرف قيمة نفسه جيدًا.
ظل حسين ينظر إليه بتفحص، ثم بتر الصمت بترحاب بالغ، وأشار إليه بالجلوس وهو يقول بابتسامة عريضة:
ـ أهلًا أهلًا، اتفضل يا رضوان، استريح. أنت شرفتني النهارده.
أبدى رضوان ابتسامة عذبة، ومد البطاقة إليه قائلًا بلطف:
ـ الله يخليك يا حسين بيه، الشرف ليا أنا والله. أنا جيت أسلّم لسيادتك الفيزا وماشي على طول.
رفع حسين حاجبه متعجبًا وقال:
ـ ومستعجل ليه! أنت لازم على الأقل تشرب حاجة.
قالها حسين وكأنه لا يريد أن يسمح له بالمغادرة بهذه السرعة، فأجابه رضوان:
ـ سامحني والله، عندي شغل وطلبية لازم تخلص في أقرب وقت.
ابتسم حسين، وأخذ البطاقة منه، ثم قال:
ـ يا سيدي الشغل مش هيطير. تعالى اقعد حتى خمس دقايق وامشي.
ثم أضاف بدهاء لطيف:
ـ ولا أنت بقى عايزني أتحايل عليك! بس لو مش هتكسفني، أتحايل عليك عادي.
رد رضوان على الفور، وباحترام واضح:
ـ العفو يا حسين بيه، تتحايل عليا إيه بس! حضرتك ليك مكانتك واحترامك. أنت تقول: يا رضوان اعمل كذا، تلاقيني أنفذ على طول.
ربت حسين على كتفه بحنو، وقال مبتسمًا:
ـ تسلم تربيتك يا رضوان يا ابني. أنت شاب محترم، واحترامك وشهامتك بتزيد في نظري يوم بعد يوم، وخصوصًا بعد موقف إنك ترد الفيزا.
ثم تنحنح قليلًا، وكأن السؤال التالي خرج منه من مكان حساس في داخله:
ـ هيكون عندك مانع لو قلتلك يا ابني؟ لأني في الحقيقة أنا ربنا ما رزقنيش بأولاد.
تأثر رضوان.
لم يعرف لماذا تحرك شيء في داخله تجاه هذا الرجل، لكنه شعر بحزن صادق حين علم أنه لم يُرزق بأبناء.
جلس أخيرًا، وقال مواسيًا:
ـ ده أنا ليا الشرف طبعًا. هو أنا أطول حضرتك! من دلوقتي اعتبرني زي ابنك، ولو عوزت أي حاجة في أي وقت اتصل بس وقول: يا رضوان، هتلاقي راجل يعتمد عليه. وحوار الفيزا ده منتهي. كانت هترجع لصحابها يعني هترجع، حد الله ما بيني وبين الحرام.
ابتسم حسين، وقد لمست كلماته شيئًا في قلبه، لكنه قرر أن يدفع الاختبار خطوة أخرى إلى الأمام.
أمسك البطاقة ونظر إليها، ثم قال:
ـ أنا صحيح معنديش أولاد، لكن عندي بنت وحيدة.
ابتسم رضوان وقال:
ـ ربنا يخليهالك ويطرح فيها البركة.
رد حسين وهو يقلب نظره في البطاقة:
ـ متشكر يا رضوان. نرجع لموضوعنا، وده المتوقع من شهم زيك. بس سبحان الله، تصدق إن الفيزا موجود عليها الرقم السري؟ يعني كان ممكن الشيطان يوزك إنك تجرب من باب الفضول.
تغيرت ملامح رضوان قليلًا.
عادت إليه ذكريات قديمة، ومر أمام عينيه شريط طويل من الأيام التي عرف فيها الفقر والاحتياج، لكنه لم يسمح يومًا لذلك الاحتياج أن يحدد أخلاقه.
أشاح بنظره قليلًا، وظهرت على شفتيه شبح ابتسامة حزينة، ثم قال شاردًا:
ـ أنا صحيح أبان إني مبهدل في نفسي ومش ساكن في أحسن حاجة، وحالتي وحياتي كلها برده مش أحسن حاجة، بس اللي قدامك ده بفضل الله ييجي الشيطان لحد عنده ويجيب آخره معاه، وبرضه مش هيغير فيا شعرة. أنا واخد عهد على نفسي من صغري إني أربي أختي وأعيش حياتي بكل مليم حلال، أما الحرام ده، دايمًا بدعي إن ربنا يكفيني شره في أي وقت ومكان.
ساد بينهما صمت خفيف.
ثم جاء الخادم ووضع أمامهما القهوة، وانصرف في هدوء.
نظر حسين إلى رضوان، وأراد أن يفتح معه حديثًا آخر يدخل بعض الدفء إلى الجلسة، فقال:
ـ أنت عندك أخت! أكيد محظوظة إن لها أخ زيك.
ابتسم رضوان بفخر واضح، وقال:
ـ آه، وهي الصغيرة. اسمها حبيبة، خلصت الثانوية وجابت ٩٧٪، وإن شاء الله طب هتبقى أحسن وأشطر دكتورة.
اتسعت ابتسامة حسين، وقال بإعجاب:
ـ ما شاء الله، بجد حاجة تشرف وتفرح القلب. بكرة نشوفها في عيادتها إن شاء الله ونكشف عندها كمان، ومتأكد إنها هتبقى ذكية وشاطرة زي أخوها.
ـ متشكر جدًا، وإن شاء الله ما تحتاجش لأي دكاترة، ربنا يديك الصحة.
توقف حسين للحظة، ثم قال وكأنه تذكر شيئًا: ـ نسيت أقولك إن الفيزا دي بتاعة المحامي عندي في الشركة، ونشر إعلان على جروب الشركة بيسأل عنها، وكمان قال إن اللي هيلاقيها ويرجعها ليه مكافأة مالية ٢٠ ألف جنيه. أنت محظوظ وتستاهل المكافأة، ومبروك عليك يا رضوان.
نهض رضوان من مكانه، وابتسم ابتسامة صادقة لا تحمل ذرة تردد، ثم قال بصوت شامخ:
ـ أنا ما عملتش حاجة أستاهل إني آخد عليها جنيه متعبتش فيه، ولو الراجل ده مصمم إنه يطلع المبلغ ده، فخليه يطلعه للغلابة. صدقني، في ناس كتير مش لاقية قوت يومها. إنما أنا!
ثم قبل يده من الجهتين، وقال بقناعة شديدة:
ـ الحمد لله، مستورة معايا دايمًا، وعايش أحسن من غيري ألف مرة. بالإذن أنا، علشان متأخرش على الورشة أكتر من كده.
ظل حسين ينظر إليه حتى غادر.
لم يستطع أن يخفي دهشته.
ترك رضوان خلفه ألف علامة استفهام وتعجب، لكنه ترك أيضًا شيئًا أكبر بكثير؛ احترامًا عميقًا لرجل استطاع أن يحافظ على نفسه رغم أن الحياة لم تمنحه الكثير.
أما رضوان، فمشى في طرقات حديقة الفيلا دون أن يعرف أن الرجل الذي اختبر أمانته للتو بدأ يراه بعين مختلفة تمامًا.
وما إن اقترب رضوان من بوابة الفيلا حتى بدأت تُفتح ببطء، لتظهر من خلفها سيارة فارهة تشق طريقها إلى الداخل.
توقفت خطواته.
وتوقفت السيارة.
رفع رضوان عينيه...
فتعلقت عيناه بعيني زاد.
تجمد كلاهما في مكانه.
لم تكن هي تتوقع رؤيته هنا، ولم يكن هو يتوقع أن يلتقي بها في هذا المكان.
ظل كلٌّ منهما ينظر إلى الآخر في صمت، وقد بدت المفاجأة على ملامحهما قبل أن يحل محلها ذلك النفور الذي لم يستطع أيٌّ منهما إخفاءه.
ثوانٍ مرت...
لا أحد تحرك.
ولا أحد نطق.
فقط نظرات متبادلة، وهدوء ثقيل سبق العاصفة.
