رواية عندما يستيقظ الامس الفصل التاسع
فُتح الباب و خرج " زياد " من الشقة كأن الهواء لم يعد يكفيه ، و كانت خطواته مضطربة فوق السلم القديم، بينما تبعته " مُنى" بصمت، دون أن تحاول إيقافه وحين وصل إلى الشارع توقف عندما رأي البحر أمامه مضطرب والليل يلف المدينة برطوبة ثقيلة ضغط بيده على رأسه كأن شيئًا يحاول الخروج من جمجمته بالقوة.
- جاءت مُني من وراءه و قالت بهدوء:
مش لازم تصدقني دلوقتي
- لم يلتفت لها ولكن قال بنبرة حزينه تائهه :
أنا مش فاهم حاجة
- اقتربت خطوة منه وهي تُخبره : ولا أنا فاهمة كل حاجة بس انت بتفتكر
- ألتفت بـ وجهه أخيرًا إليها وكان مرهقًا بصورة موجعة
_اللي بيحصلي ده .. ايه ؟
- تبادلت معه النظرات ثم نظرت إلى البحر ثم قالت:
يمكن الحقيقة وهي راجعة
- ضحك ضحكة قصيرة مضطربة وهو يقول :
حقيقة ايه إن أنا كنت راجل تاني؟ إن حياتي كلها مش بتاعتي؟
- عادت بنظرها إليه وهي تقول بصوت هادئ :
انا عمري ما كنت عايزة أخرب حياتك
- نظر إليها طويلًا ثم قال بصراحة موجوعة:
بس انتِ عملتي
- سقطت الكلمات بينهما ببطء ولم تدافع عن نفسها لأن جزءًا منها يعرف أنه محق.
- مد يده داخل جيبه بعصبية وأخرج الميدالية القديمة تأملها لانه لا يعلم لما احتفظ بها سنوات بلا سبب و بلا ذكرى.
_انتِ عايزة مني ايه؟
- ترددت ثم همست:
ولا حاجة
- رفع عينيه إليها وهو يقول بنفي :
كدابة
- بللت شفتيها وقالت :كنت عايزة أعرف انت عايش
صمتت لـ لحظة ثم أكملت بصوت حزين منكسر:
وبعدين لما شوفتك افتكرت إن قلبي لسه يعرفك
- أخفض بصره وتلك الجملة آلمته أكثر مما توقع لأن قلبه
بدأ يخونه ليس حبًا بل ارتباكًا إحساسًا غريبًا بالألفة والخوف معًا.
فأردف اليها بنبرة خشنة:
أنا لازم أمشي . وللمرة الأولى لم تمنعه بل تبادلت معه النظرات أثناء ابتعاده عنها فجعلته يرتبك اكتر.
- عاد إلى البيت بعد منتصف الليل و كانت الفيلا غارقة في السكون لكن الضوء ما زال مشتعلًا في الصالة.
- دخل فتوقف عندما وجد " نيللي " جالسة هناك لانها لم تنم رفعت عينيها نحوه ببطء ورغم هدوئها شعر أنه عاد إلى محكمة لا بيت.
_ لسه صاحية؟
- لكنها لم تجبه و قالت فقط:
كنت فين؟
- تصلبت ملامحه و أردف كاذبا :
في المطعم
- نظرت إليه طويلًا ثم قالت:
متكدبش يا زياد .
- ساد الصمت و أنزل مفاتيحه فوق الطاولة وهو يسألها :
بتراقبيني؟
_ لا.. بس كلمتك و مردتش عليا و لما قلقت عليك كلمت المطعم و سألتهم عنك و قالوا إنك خرجت و اه حضرتك لسه مشرف دلؤقتي يبقي كنت فين كل الوقت ده .
ولأول مرة لم يجد كذبة جاهزة اقتربت منه وعيناها تفتشان وجهه.
— كنت مع واحدة .
- شحب وجهه ولم يعرف ماذا يقول و لكن اخاف بأن تشك في شئ سئ أو تظن ظن سئ به وهذا ما لا يسمح به .
مرّت ثوانٍ ثقيلة ثم قال أخيرًا: كنت مع مُنى !
_ مُنى .. رددت الاسم وراءه فأجاب بتأكيد : أيوه.
- كأن الكلمة صفعة شهقت بصمت لكنها تماسكت و سألته :
ليه؟؟
- مرر يده فوق وجهه ثم أجابها : عشان أفهم.
- ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة ثم أخبرته :
وأنا؟ ما استحقش أفهم معاك؟
- رفع رأسه إليها و قال : الموضوع مش زي ما انتِ فاكرة
_ أمال ايه؟؟ .ارتفع صوتها أخيرًا بسبب غضبها فـ لاول مره منذ سنوات من الأمان بدأت تتشقق داخلها .
_ واحدة تظهر تقول انك جوزها و انت تروح تقابلها من ورايا؟!. اردفت إليه فقاطع حديثها صياحه بإسمها :
نيللي .
_ لاء ، رد عليا
- تنفس بصعوبة ثم قال بصدق مرعب:
أنا ابتديت أشوف حاجات.
- عقد حاجبيها بينما هو أكمل:
صور و اصوات و طفل
- اصفر اللون من وجهها ثم سألته :
يعني ايه
- أخفض عينيه وقال بنبرة خافتة :
معرفش
- اقتربت منه أكثر و هي تنظر في عينيه و صوتها يرتجف:
بس انت مصدقها يا زياد .
- رفع رأسه و تبادل معها النظرات ولم يُجيب وكانت تلك أسوأ إجابة ممكنة لأنه لم يقل نعم ولم يقل لا فـ فهمت من صمته وتراجع شيء داخل قلبها فهمست بصوت خافت :
مش معقول
- ثم جلست ببطء كأن ساقيها خانتاها راقبها وهو يشعر لأول مرة بالعجز الكامل ، فأنحني أمامها و امسك يدها وهو يقول لها بخفوت :
نيللي ، أنا مش بخونك
- رفعت عينيها نحوه والدموع تلمع فيهما وهي تخبره بنبرة حزينة : بس انت بعيد عني.
- صمت ولم يعرف كيف ينكر.
- في الليلة نفسها لم يستطع النوم ظل مستلقيًا في غرفة المكتب والبيت ساكن لكن رأسه لم يكن ساكنًا ففتح الميدالية مرة أخرى و قلبها بين أصابعه ثم انتفض شيء فيها تحرك فتحها ببطء وفي الداخل قطعة ورق صغيرة مطوية لم ينتبه لها يومًا اتسعت عيناه و فتحها
وكان المكتوب سطرًا واحدًا:
[لو نسيت… البحر هيعرفك الطريق]
- توقف النفس داخل صدره وهو يعيد جميع الخيوط في رأسه كالبحر و الشقة و المفتاح.
- كل شيء بدأ يتشابك نظر إلى الميدالية ثم إلى المفتاح الذي أعطته له "مُنى " وفجأة جاءه خاطر خاطف عبارة عن مكان لا يعرفه ...او يعرفه.
- وقف فورًا و ارتدى سترته وخرج قاد السيارة قبل الفجر.
والمدينة نائمة لكن شيء داخله يقوده دون فهم حتى وصل إلى منطقة قديمة مهجورة قرب الميناء.
- توقف و نزل فكان المكان شبه خالٍ والمبنى قديم منخفض و الباب معدني صدئ.
- وقف أمامه وقلبه يضرب بقوة لماذا يعرف هذا المكان،
لماذا يشعر أنه وقف هنا من قبل!
- أخرج المفتاح ببطء ورغم ارتجاف يده أدخله ثم استدار القفل.
- انفتح الباب و اندفعت رائحة غبار ورطوبة قديمة دخل ببطء.
- المكان مظلم فأشعل ضوء هاتفه وكانت الغرفة شبه فارغة إلا من مكتب معدني صغير وخزانة قديمة اقترب وقلبه يزداد اضطرابًا ثم رأى شيئًا فوق المكتب وكان صندوق أرشيف أسود وعليه ورقة صفراء بخط يعرفه دون أن يعرف كيف ، ارتجفت أنامله وهو يقرأ:
^إلى ماجد لو وصلت هنا، يبقى الذاكرة رجعت تدوّر عليك^
-شحب وجهه وفي اللحظة نفسها وصله صوت خلفه ف تصلب في مكانه عندما جاءه صوت رجل هادئ من الظلام وهو يقول : واضح إنك افتكرت الطريق أخيرًا.
- استدار " زياد " بعنف وعيناه اتسعتا بينما وقف الرجل المجهول عند الباب كأنه كان ينتظره منذ البداية.
